فهرس الكتاب

الصفحة 920 من 2431

أما آداب دخول مساكن الجن مبسوطة في السنة فليرجع إليها.

[انظر: الاستئذان: الاستئذان لدخول بيوت الآخرين]

-إن البيوت والفتنة في القرآن الكريم تتمثل في: الاغترار بالبيوت، وأنها سبب للفرار من الجهاد، والبيت قد يكون مكانًا للخلوة بالنساء، وما يظن المنافقون من أن البيوت تمنع الموت، وبيان ذلك في النقاط الآتية:

أولًا: الاغترار بالبيوت:

من الفتنة بالبيوت الاغترار بها، وهي من صفات الكافرين.

قال تعالى: {وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (149) } [الشعراء:149] .

أي: وتتخذون تلك البيوت المنحوتة في الجبال أشرًا وبطرًا من غير حاجة إلى سكناها مع الجد والاهتمام في بنائها 201.

ومعنى قوله تعالى: {وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (149) } [الشعراء:149] .

قال ابن عباس وغير واحد: يعني: حاذقين، وفي رواية عنه: شرهين أشرين، وهو اختيار مجاهد وجماعة، ولا منافاة بينهما، فإنهم كانوا يتخذون تلك البيوت المنحوتة في الجبال أشرًا وبطرًا وعبثًا من غير حاجة إلى سكناها، وكانوا حاذقين متقنين لنحتها ونقشها، كما هو المشاهد من حالهم لمن رأى منازلهم 202.

والاغترار بالبيوت يؤدي إلى الأمن المذموم في قوله تعالى: {وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (82) } [الحجر:82] .

فقد كان أصحاب الحجر، وهم ثمود قوم صالح، ينحتون من الجبال بيوتًا آمنين من عذاب الله، وقيل: آمنين من الخراب أن تخرب بيوتهم التي نحتوها من الجبال، وقيل: آمنين من الموت 203.

قال ابن عطية: «وقوله {آمِنِينَ} : قيل: معناه: من انهدامها، وقيل: من حوادث الدنيا، وقيل: من الموت لاغترارهم بطول الأعمال، قال القاضي أبو محمد ابن عطية: وهذا كله ضعيف، وأصح ما يظهر في ذلك أنهم كانوا يأمنون عواقب الآخرة. فكانوا لا يعملون بحسبها، بل كانوا يعملون بحسب الأمن منها» 204.

كما أن الاغترار بالبيوت يؤدي أيضًا إلى كفران النعم والفساد في الأرض، كما قال تعالى عن قوم صالح عليه السلام: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (74) } [الأعراف:74] .

وذلك؛ لأن بناء البيوت وتشييد القصور ونحت الجبال بيوتًا من النعم التي تستوجب الشكر، فقد ذكر صالح عليه السلام قومه بما أنعم الله به عليهم، وهي جعلهم خلفاء بعد الأمة التي سبقتهم، وما اختصوا به من اتخاذ القصور من السهول ونحت الجبال بيوتًا، ثم طلب منهم شكر هذه النعم بقوله: {فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ} 205، أي: نعمه عليكم لتصرفوها إلى ما خلقها لأجله ولا تعثوا في الأرض مفسدين بالمعاصي وعبادة غيره تعالى 206.

ثانيًا: سبب للفرار من الجهاد:

بين الله سبحانه وتعالى أن البيوت فتنة للمنافقين وسبب للفرار من الجهاد، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (13) } [الأحزاب:13] .

فقد ذكر الله تعالى أن المنافقين يحرضون بعض المجاهدين على ترك الجهاد والرجوع إلى بيوتهم، بل إن بعضهم جعل البيوت سببًا للفرار من الجهاد، والمعنى: لا مقام لكم أي: هاهنا يعنون عند النبي صلى الله عليه وسلم في مقام المرابطة، فارجعوا أي: إلى بيوتكم ومنازلكم 207.

ويستأذن بعضهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإذن بالانصراف عنه إلى منزله، ولكنه يريد الفرار والهرب من عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكذبهم الله تعالى وأعلم أن قصدهم الهرب والفرار، لضعف إيمانهم، وجبن نفوسهم 208.

ثالثًا: البيت قد يكون مكانًا للخلوة:

من فتنة البيوت ما يقع فيها من خلوة محضورة بالنساء وقد صور الله تعالى فتنة البيوت هذه بقوله: {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23) } [يوسف:23] .

يخبر تعالى عن امرأة العزيز التي كان يوسف في بيتها بمصر، وقد أوصاها زوجها به وبإكرامه، فراودته عن نفسه، أي: حاولته على نفسه ودعته إليها، وذلك أنها أحبته حبًّا شديدًا لجماله وحسنه وبهائه، فحملها ذلك على أن تجملت له وغلقت عليه الأبواب ودعته إلى نفسها، وقالت: هيت لك، فامتنع من ذلك أشد الامتناع، و {قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ} وكانوا يطلقون الرب على السيد الكبير، أي: إن بعلك ربي أحسن مثواي أي: منزلي، وأحسن إلي فلا أقابله بالفاحشة في أهله {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} 209.

والتعبير عن امرأة العزيز بطريق الموصولية في قوله: {الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا} لقصد ما تؤذن به الصلة من تقرير عصمة يوسف صلى الله عليه وسلم لأن كونه في بيتها من شأنه أن يطوعه لمرادها، وبيتها بيت سكناها الذي تبيت فيه، فمعنى هو في بيتها أنه كان حينئذ في البيت الذي هي به، ويجوز أن يكون المراد بالبيت: المنزل كله، وهو قصر العزيز، ومنه قولهم: ربة البيت، أي: زوجة صاحب الدار، ويكون معنى هو في بيتها أنه من جملة أتباع ذلك المنزل 210.

ولمنع هذه الفتنة فقد حرم النبي صلى الله عليه وسلم الدخول على النساء، وذلك فيما رواه عقبة بن عامر رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إياكم والدخول على النساء) فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أفرأيت الحمو؟ قال: (الحمو الموت) 211.

والحمو أخو الزوج وما أشبهه من أقارب الزوج ابن العم ونحوه، اتفق أهل اللغة على أن الاحماء أقارب زوج المرأة كأبيه وعمه وأخيه وابن أخيه وابن عمه ونحوهم، والأختان أقارب زوجة الرجل والأصهار يقع على النوعين، وأما قوله صلى الله عليه وسلم: الحمو الموت، فمعناه: أن الخوف منه أكثر من غيره، والشر يتوقع منه، والفتنة أكثر لتمكنه من الوصول إلى المرأة والخلوة من غير أن ينكر عليه بخلاف الأجنبي، والمراد بالحمو هنا: أقارب الزوج غير آبائه وأبنائه فأما الآباء والأبناء فمحارم لزوجته تجوز لهم الخلوة بها ولا يوصفون بالموت وإنما المراد: الأخ وابن الأخ والعم وابنه ونحوهم ممن ليس بمحرم وعادة الناس

المساهلة فيه ويخلو بامرأة أخيه، فهذا هو الموت وهو أولى بالمنع من الأجنبي 212.

وكذلك ما رواه جابر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا لا يبيتن رجل عند امرأة ثيب، إلا أن يكون ناكحًا أو ذا محرم) 213.

قال الإمام النووي: «ومعناه: لايبيتن رجل عند امرأة إلا زوجها أو محرم لها، قال العلماء: إنما خص الثيب لكونها التي يدخل إليها غالبًا، وأما البكر فمصونة متصونة في العادة مجانبة للرجال أشد مجانبة، فلم يحتج إلى ذكرها؛ ولأنه من باب التنبيه؛ لأنه إذا نهي عن الثيب التي يتساهل الناس في الدخول عليها في العادة، فالبكر أولى، وفي هذا الحديث تحريم الخلوة بالأجنبية وإباحة الخلوة بمحارمها، وهذان الأمران مجمع عليهما» 214.

رابعًا: البيوت لا تمنع الموت:

إن البيوت لا تمنع الموت.

قال تعالى: {ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (154) } [آل عمران:154] .

قال أبو جعفر الطبري: «يعني بذلك جل ثناؤه: قل، يا محمد، للذين وصفت لك صفتهم من المنافقين: لو كنتم في بيوتكم لم تشهدوا مع المؤمنين مشهدهم، ولم تحضروا معهم حرب أعدائهم من المشركين، فيظهر للمؤمنين ما كنتم تخفونه من نفاقكم، وتكتمونه من شككم في دينكم {لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ} ، أي: لظهر للموضع الذي كتب عليه مصرعه فيه، من قد كتب عليه القتل منهم، ولخرج من بيته إليه حتى يصرع في الموضع الذي كتب عليه أن يصرع فيه» 215.

{قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ} أي: لخرج الذين قدر الله عليهم القتل وكتبه في اللوح المحفوظ إلى مصارعهم ولم تنفعهم الإقامة بالمدينة ولم ينج منهم أحد، فإنه قدر الأمور ودبرها في سابق قضائه لا معقب لحكمه. {وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران:154] .

أي: وليمتحن ما في صدوركم ويظهر سرائرها من الإخلاص والنفاق، {وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ} ، أي: وليكشفه ويميزه أو يخلصه من الوساوس.

{وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} بخفياتها قبل إظهارها، وفيه وعد ووعيد وتنبيه على أنه غني عن الابتلاء، وإنما فعل ذلك لتمرين المؤمنين وإظهار حال المنافقين 216.

والخلاصة: إن الحذر لا يدفع القدر، والتدبير لا يقاوم التقدير فالذين قدر عليهم القتل لا بد أن يقتلوا على كل حال، وإلا انقلب علم الله جهلًا، فقتل من قتل إنما جاء لانتهاء آجالهم كما قدر ذلك في اللوح المحفوظ، وكتب مع ذلك أنهم هم الغالبون، وأن العاقبة لهم، وأن دين الإسلام سيظهر على الدين كله.

وفى هذا ترغيب وترهيب، وتنبيه إلى أن الله غني عن الابتلاء والامتحان، وإنما يظهر ذلك على هذه الصورة لحكم يعلمها كمران المؤمنين على الصبر وتحمل المشاق وإظهار حال المنافقين؛ لأن الحقائق قد تخفى على أربابها، فينخدعون للشعور العارض بدون تمحيص ولا ابتلاء، كما انخدع الذين تمنوا الموت من قبل أن يلقوه 217.

-ذكر القرآن الكريم البيوت والعذاب على صور مثل: خراب البيوت وخوائها، وترك بعضها آية وعبرة، وبيان ذلك في النقاط الآتية:

أولًا: خراب البيوت:

ذكر الله تعالى خراب البيوت في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ (2) } [الحشر:2] .

والمعنى: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ} أي: في أول حشرهم من جزيرة العرب إذ لم يصبهم هذا الذل قبل ذلك، أو في أول حشرهم للقتال أو الجلاء إلى الشام، وآخر حشرهم إجلاء عمر رضي الله عنه تعالى عنه إياهم من خيبر إليه، أو في أول حشر الناس إلى الشام وآخر حشرهم أنهم يحشرون إليه عند قيام الساعة فيدركهم هناك، أو أن نارًا تخرج من المشرق فتحشرهم إلى المغرب، والحشر إخراج جمع من مكان إلى آخر، {مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا} لشدة بأسهم ومنعتهم، {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ} أي: أن حصونهم تمنعهم من بأس الله، وتغيير النظم وتقديم الخبر وإسناد الجملة إلى ضميرهم للدلالة على فرط وثوقهم بحصانتها واعتقادهم في أنفسهم أنهم في عزة ومنعة بسببها، ويجوز أن تكون حصونهم فاعلًا لـ {مَانِعَتُهُمْ} ، {فَأَتَاهُمُ اللَّهُ} أي: عذابه، وهو الرعب والاضطرار إلى الجلاء، {مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا} لقوة وثوقهم، {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ} وأثبت فيها الخوف الذي يرعبها أي: يملؤها، {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ} ضنًّا بها على المسلمين وإخراجًا لما استحسنوا من آلاتها، {وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ} فإنهم أيضًا كانوا يخربون ظواهرها نكاية وتوسيعًا لمجال القتال، وعطفها على «أيديهم» من حيث إن تخريب المؤمنين مسبب عن نقضهم، فكأنهم استعملوهم فيه 218.

وقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} يعني: يهود بني النضير، قاله ابن عباس ومجاهد والزهري وغير واحد: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة هادنهم وأعطاهم عهدًا وذمة على أن لا يقاتلهم ولا يقاتلوه، فنقضوا العهد الذي كان بينهم وبينه، فأحل الله بهم بأسه الذي لا مرد له، وأنزل عليهم قضاءه الذي لا يصد، فأجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم وأخرجهم من حصونهم الحصينة التي ما طمع فيها المسلمون وظنوا هم أنها مانعتهم من بأس الله، فما أغنى عنهم من الله شيئًا وجاءهم من الله ما لم يكن ببالهم، ولهذا قال تعالى: {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ} أي: تفكروا في عاقبة من خالف أمر الله وخالف رسوله، وكذب كتابه كيف يحل به من بأسه المخزي له في الدنيا مع ما يدخره له في الآخرة من العذاب الأليم 219.

ثانيًا: خواء البيوت:

إن خواء البيوت من العذاب الواقع عليها قال تعالى: {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (52) } [النمل:52] .

أي: فتلك مساكنهم خاوية خالية منهم، ليس فيها منهم أحد، قد أهلكهم الله فأبادهم بسبب ظلمهم أنفسهم بشركهم بالله وتكذيبهم رسولهم 220.

{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} أي: أن في فعلنا بثمود ما قصصناه عليك لعظة لمن كان من أولي المعرفة والعلم، فيعلم ارتباط الأسباب بمسبباتها، والنتائج بمقدماتها بحسب السنن التي وضعت في الكون 221.

«خاوية» أي: ساقطة متهدمة، لا أثر لحياة فيها .. والإشارة هنا، لفت للأنظار إلى هذه الديار الخاوية، حيث ينظر المشركون إلى حيث متجه الإشارة، فلا يرون إلا أطلالًا، يرى فيها أولو العلم وأهل النظر، آية من آيات الله، فيما يحل بالظالمين من بأسه، وما يرميهم به من عذابه 222.

وقد اشتملت هذه الآيات الكريمة، ثلاثة أمور:

الأول: أنه دمر جميع قوم صالح، {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً} ، أي: خالية من السكان لهلاك جميع أهلها، {بِمَا ظَلَمُوا} ، أي: بسبب ظلمهم الذي هو كفرهم وتمردهم وقتلهم ناقة الله التي جعلها آية لهم، وقال بعضهم: خاوية، أي: ساقطًا أعلاها على أسفلها.

الثاني: أنه جل وعلا جعل إهلاكه قوم صالح آية، أي: عبرة يتعظ بها من بعدهم، فيحذر من الكفر، وتكذيب الرسل، لئلا ينزل به ما نزل بهم من التدمير، وذلك في قوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} .

الثالث: أنه تعالى أنجى الذين آمنوا وكانوا يتقون من الهلاك والعذاب، وهو نبي الله صالح عليه السلام ومن آمن به من قومه، وذلك في قوله تعالى: {وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (53) } [النمل:53] 223.

ثالثًا: ترك بعضها آية وعبرة:

ترك الله تعالى بعض البيوت التي وقع عليها العذاب آية وعبرة: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (58) } [القصص:58] .

فتلك دور القوم الذين أهلكناهم بكفرهم بربهم، ومنازلهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا يقول: خربت من بعدهم، فلم يعمر منها إلا أقلها، وأكثرها خراب. ولفظ الكلام وإن كان خارجًا على أن مساكنهم قد سكنت قليلًا فإن معناه: فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا منها، كما يقال: قضيت حقك إلا قليلًا منه 224.

والمعنى: {فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا} يعني: فلم يعمر منها إلا أقلها، وأكثرها خراب، قال ابن عباس رضي الله عنه: لم يسكنها إلا المسافر ومار الطريق يومًا أو ساعة {وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ} نظيره قوله سبحانه: {إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (40) } [مريم:40] .

وقوله: {وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [آل عمران:180] 225.

قال ابن عباس رضي الله عنه: في قوله: {فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا} [القصص:58] .

لم يسكنها إلا المسافرون، وماروا الطرق يومًا أو ساعة. والمعنى: لم تسكن من بعدهم إلا سكونًا قليلًا، {وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ} [القصص:58] .

يعني: لم يخلفهم أحد بعد هلاكهم في منازلهم، فبقيت خرابًا غير مسكونة، كقوله: {إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (40) } [مريم:40] 226.

فقوله تعالى: {وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ} أي: رجعت خرابًا ليس فيها أحد 227.

ونحو الآية قوله تعالى: {فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (36) وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (37) } [الذاريات:36 - 37] .

والمعنى: وتركنا في القرية المذكورة، وهي سدوم أثرًا من العذاب باقيًا مؤرخًا لا يفنى ذكره فهو: آية أي: علامة على قدرة الله وانتقامه من الكفرة، ويحتمل أن يكون، المعنى: وتركنا في أمرها، كما قال: {لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (7) } [يوسف:7] 228.

وقوله تعالى: {وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (37) } [الذاريات:37] .

أي: جعلناها عبرة لما أنزلنا بهم من العذاب والنكال وحجارة السجيل، وجعلنا محلتهم بحيرة منتنة خبيثة، ففي ذلك عبرة للمؤمنين الذين يخافون العذاب الأليم 229.

وقد عقب الله تعالى على الآيات الواردة في عذاب البيوت بأن جعلها عبرة وعظة للمعتبرين، ففي قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ (2) } [الحشر:2] .

أي: تفكروا في عاقبة من خالف أمر الله وخالف رسوله وكذب كتابه كيف يحل به من بأسه المخزي له في الدنيا مع ما يدخره له في الآخرة من العذاب الأليم.

{فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ} أي: تفكروا في عاقبة من خالف أمر الله وخالف رسوله وكذب كتابه كيف يحل به من بأسه المخزي له في الدنيا مع ما يدخره له في الآخرة من العذاب الأليم 230.

-ذكر القرآن الكريم النساء والبيوت في موضوعات تتعلق بهن مثل: القرار في البيوت، والتعلم والتعليم فيها، وفي لزوم البيوت في قضاء العدة، والحبس في البيوت عند ارتكاب الفاحشة، وبيان ذلك فيما يأتي:

أولًا: القرار في البيوت:

قال تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33) } [الأحزاب:33] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت