و {الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} اختلفوا فيها؛ قيل: ما بين عيسى ومحمد عليهما السلام وقيل: هي زمن داود وسليمان عليهما السلام وكانت المرأة تلبس قميصًا من الدر غير مخيط الجانبين فيرى خلفها فيه. وقيل: الجاهلية التي هي الزمان الذي فيه ولد إبراهيم عليه السلام، وكانت المرأة من أهل ذلك الزمان تتخذ الدرع من اللؤلؤ فتلبسه ثم تمشي وسط الطريق ليس عليها شيء غيره، وتعرض نفسها على الرجال. وقيل: هي ما بين آدم ونوح ثمانمائة سنة، وكان نساؤهم أقبح ما يكون من النساء ورجالهم حسان. فكانت المرأة تريد الرجل على نفسها. وقيل: هي ما قبل الإسلام 36.
ورجحه ابن عطية، فقال: «والذي يظهر عندي أنه أشار للجاهلية التي لحقنها، فأمرن بالنقلة عن سيرتهن فيها، وهي ما كان قبل الشرع من سيرة الكفرة، لأنهم كانوا لا غيرة عندهم وكان أمر النساء دون حجاب، وجعلها أولى بالنسبة إلى ما كن عليه، وليس المعنى أن ثم جاهليةً أخرى» 37.
«ووصفها بـ {الْأُولَى} وصف كاشف، لأنها أولى قبل الإسلام وجاء الإسلام بعدها، وليس ثمة جاهليتان. ومن المفسرين من جعلوه وصفًا مقيدًا، وجعلوا الجاهلية جاهلتين، فمنهم من قال: الأولى هي ما قبل الإسلام وستكون جاهلية أخرى بعد الإسلام، يعني حين ترتفع أحكام الإسلام -والعياذ بالله-» 38.
أقول: ما المانع من كونه وصفًا مقيدًا، فالجاهلية وصف لحالة معينة، وليست فترةً زمنيةً بعينها، وإن كان الميل إلى أن هذا الوصف متحقق في الفترة التي سبقت الإسلام مباشرة، وإذا نظرنا في أوصاف هذه الفترة التي استحقت أن توصف بالجاهلية لأجلها نجد أننا في عصرنا هذا نعيش جاهليةً لا تقل في عنفوانها وقوتها عن تلكم الفترة، بل قد تكون أشد منها.
ولن نطيل بالمقارنة بين الفترتين من جميع الجوانب، ولكن نقارن بينهما في الجانب الذي نتحدث فيه، وهو جانب التبرج، فإذا نظرنا إلى تلكم الحقبة من الزمان نجد أن التبرج الذي كانت تفعله المرأة أنها كانت تمشي ضاربة بصدرها مظهرة لنحرها حتى يراها الرجال، أو كانت تضرب الأرض برجلها حتى يسمع الرجال قرع خلخالها، وما جاء من تعرٍ زائدٍ عن ذلك فإنما هو تعرٍ مؤقت مرتبط بعبادة الحج، لغرض ديني عندها، فكانت تتعرى من ثيابها متفائلة بالتعري من ذنوبها، ومع ذلك كانت تأخذ خرقة تضعها على فرجها تستره بها.
أما عن ما أحدثه نساء زماننا من تبرجٍ وتعرٍ، فحدث ولا حرج، أظهرت جميع جسدها بلا استثناء، معلنة أن ذلك حرية، بل اعتبرت أن ممارسة الرزيلة حرية شخصية، وأن عفتها تخلفٌ ورجعية، في حين أن الجاهلية الأولى كانت تنظر إلى فعل الرزيلة على أنه يتنافى مع الحرية، يتجلى ذلك في عبارة هند زوج أبي سفيان رضي الله عنهما في قصة مبايعتها الشهيرة (أو تزني الحرة) 39 فاعتبرت الزنا منافيًا للحرية.
ويؤيد ما ذكرته قول ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير الآية: (وهل كانت من أولى إلا ولها آخرة؟) 40.
قال المهدوي: «وقوله: {الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} يدل على أن ثم جاهليةً أخرى في الإسلام» 41.
فـ «الجاهلية ليست فترة معينة من الزمان. إنما هي حالة اجتماعية معينة، ذات تصورات معينة للحياة. ويمكن أن توجد هذه الحالة، وأن يوجد هذا التصور في أي زمان وفي أي مكان، فيكون دليلًا على الجاهلية حيث كان! وبهذا المقياس نجد أننا نعيش الآن في فترة جاهلية عمياء، غليظة الحس، حيوانية التصور، هابطة في درك البشرية إلى حضيض مهين» 42.
يأتي بعد هذا الأمر لهن بأداء أصول العبادات، إقامة الصلاة وأداء الزكاة، {وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ} وذلك أنه سبحانه و تعالى لما قال لهن {لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ ... } قد يتطرق إلى أذهانهن أنهن مأمورات بالأشياء المذكورة فقط، ولسن مأمورات ببقية العبادات الأخرى، فأمرهن بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ليدفع هذا الوهم.
ومن المعلوم أن الصلاة أصل العبادات البدنية، والزكاة أصل العبادات المالية.
والمراد بالصلاة والزكاة الواجبتان، وإقامة الصلاة: الإتيان بها كاملة الأركان والهيئات في أوقاتها التي حددها الشرع. وإيتاء الزكاة: دفع ما أوجبه الشرع الحنيف في الأموال على الوجه الذي بينته الشريعة الغراء.
و «أريد بهذه الأوامر الدوام عليها، لأنهن متلبسات بمضمونها من قبل، وليعلم الناس أن المقربين والصالحين لا ترتفع درجاتهم عند الله تعالى عن حق توجه التكليف عليهم. وفي هذا مقمعٌ لبعض المتصوفين الزاعمين أن الأولياء إذا بلغوا المراتب العليا من الولاية سقطت عنهم تكاليف الشريعة» 43.
ونلحظ هنا أنه أتى بالأمر بالصلاة والزكاة بعد أوامر ونواهٍ تتعلق بالنواح السلوكية، وكأنه يعطي إشارة إلى أن العبادات في الإسلام ليست بمعزل عن سلوكيات الإنسان وحياته، فلا يأتي متنطع يزعم أنه يلزم فصل الدين عن الحياة، فالدين كلٌ لا يتجزأ، يشمل سلوكيات الإنسان، وجميع جوانب الحياة.
يقول صاحب الظلال: «وعبادة الله ليست بمعزل عن السلوك الاجتماعي أو الأخلاقي في الحياة؛ إنما هي الطريق للارتفاع إلى ذلك المستوى؛ والزاد الذي يقطع به السالك الطريق. فلا بد من صلة بالله يأتي منها المدد والزاد. ولا بد من صلة بالله تطهر القلب وتزكيه. ولا بد من صلة بالله يرتفع بها الفرد على عرف الناس وتقاليد المجتمع وضغط البيئة؛ ويشعر أنه أهدى وأعلى من الناس والمجتمع والبيئة. وأنه حري أن يقود الآخرين إلى النور الذي يراه؛ لا أن يقوده الآخرون إلى الظلمات وإلى الجاهلية التي تغرق فيها الحياة، كلما انحرفت عن طريق الله ... ومن ثم كان الأمر بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وطاعة الله ورسوله، هو خاتمة التوجيهات الشعورية والأخلاقية والسلوكية لأهل البيت الكريم. لأنه لا يقوم شيء من تلك التوجيهات بغير العبادة والطاعة» 44.
وبعد أن أمرهن بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وكانت العبادات غير مقتصرة على هاتين الشعيرتين، بل هي أعم من ذلك، فهي امتثال جميع الأوامر، واجتناب جميع النواهي، جاء هذا الأمر العام بطاعة الله تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم {وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} فهو عطف للعام على الخاص.
وقد «جاء الأمر عامًا بالطاعة لأن هاتين الطاعتين البدنية والمالية هما أصل سائر الطاعات، فمن اعتنى بهما حق العناية جرتاه إلى ما وراءهما، قال تعالى {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [العنكبوت:45] » 45.
وبعد أن أمرهن بما تقدم يأتي الأمر لهن بتذكر النعمة الكبرى والمنة العظمى، ألا وهي نزول الوحي في بيوتهن، فلذا يجب عليهن شكرها بالعمل بما جاء به من أحكام، وبالقيام بتبليغ الوحي للأمة كلها {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (34) } [الأحزاب:34] .
الفعل {وَاذْكُرْنَ} «يجوز أن يكون من الذكر -بضم الذال- وهو التذكر، وهذه كلمة جامعة تشمل المعنى الصريح منه، وهو أن لا ينسين ما جاء في القرآن ولا يغفلن عن العمل به، ويشمل المعنى الكنائي، وهو أن يراد مراعاة العمل بما يتلى في بيوتهن مما ينزل فيها وما يقرأه النبي صلى الله عليه وسلم فيها، وما يبين فيها من الدين، ويشمل معنًى كنائيًا ثانيًا وهو تذكر تلك النعمة العظيمة أن كانت بيوتهن موقع تلاوة القرآن» 46.
«ويجوز أن يكون من الذكر -بكسر الذال-، وهو إجراء الكلام على اللسان، أي: بلغنه للناس بأن يقرأن القرآن، ويبلغن أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته. وفيه كناية عن العمل به» 47.
قلت: ولا مانع من إرادة المعنيين، فيكون من قبيل ما يسمى عند البلاغيين بأسلوب الاستخدام، وما يسمى عند الأصوليين استخدام المشترك في معنييه، ويكون هذا من الإعجاز القرآني، إذ يشمل اللفظ القليل المعاني الكثيرة.
وآيات الله لا خلاف في أن المراد بها القرآن الكريم. واختلف في المراد بالحكمة «قيل: هي السنة. وقيل: هي أحكام القرآن ومواعظه» 48.
والمعنى عليه «من الكتاب الجامع بين كونه آيات الله البينة الدالة على صدق النبوة بنظمه المعجز وكونه حكمة منطوية على فنون العلوم والشرائع» 49.
والميل إلى أن المراد بها السنة، وذلك حتى يكون هناك مغايرةٌ بين المعطوف والمعطوف عليه. ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد تزوجهن بأمر الله تعالى؛ لحاجة أرادها الله تعالى فقد يتصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم تصرفًا عند إحداهن لم يتصرفه عند غيرها، فتبلغه وتذكره، كزاوجه من أمنا ميمونة رضي الله عنها.
وجملة {إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا} «تعليل للأمر وتذييل للجمل السابقة، والتعليل صالح لمحامل الأمر كلها لأن اللطف يقتضي إسداء النفع بكيفية لا تشق على المسدى إليه.
وفيما وجه إلى نساء النبي صلى الله عليه وسلم من الأمر والنهي ما هو صلاح لهن وإجراء للخير بواسطتهن، وكذلك في تيسيره إياهن لمعاشرة الرسول صلى الله عليه وسلم وجعلهن أهل بيوته، وفي إعدادهن لسماع القرآن وفهمه، ومشاهدة الهدى النبوي، كل ذلك لطف لهن هو الباعث إلى ما وجهه إليهن من الخطاب ليتلقين الخبر ويبلغنه، ولأن الخبير، أي العليم إذا أراد أن يذهب عنهن الرجس ويطهرهن حصل مراده تامًا لا خلل ولا غفلة» 50.
من الأشياء المهمة للمرأة المسلمة، بل وللمجتمع كله ستر العورات، لمنع إثارة الشهوات، لذلك حرص الإسلام الحنيف على ستر جسد المرأة، حفاظًا عليها، وحفظًا للمجتمع كله، لذا يأتي هذا التوجيه الإلهي للنبي صلى الله عليه وسلم أن يأمر أزواجه وبناته وجميع المؤمنات بستر العورة {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ} [الأحزاب:59] .
عن عائشة: (أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع -وهو صعيد أفيح- فكان عمر يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: احجب نساءك، فلم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل، فخرجت سودة بنت زمعة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ليلة من الليالي عشاء، وكانت امرأة طويلة، فناداها عمر: ألا قد عرفناك يا سودة -حرصًا على أن ينزل الحجاب- فأنزل الله آية الحجاب) 51.
ومن المعلوم أن ارتداء المرأة المسلمة للحجاب فريضة عليها، لا تقل في وجوبها عن الصلاة والصيام، وإن كان هناك خلاف بين العلماء في القدر الواجب ستره من بدنها، والخلاف مشهور في عورة المرأة، ولسنا بصدد الحديث عن الخلاف في المسألة، وإنما يعنينا القول بوجوب ستر العورة.
وفي هذه الآية الكريمة ينادي المولى عز و جل نبيه صلى الله عليه وسلم آمرًا إياه أن يأمر أزواجه وبناته ونساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن. والجلباب: كل ما يستر الكل، مثل الملحفة، والمعنى: قل للحرائر يرخين أرديتهن وملاحفهن، ليعلم أنهن حرائر فلا يؤذين. {ذَلِكَ أَدْنَى} أي: أقرب وأجدر {أَنْ يُعْرَفْنَ} من الإماء {فَلَا يُؤْذَيْنَ} وذلك أن النساء في أول الإسلام كن على زيهن في الجاهلية متبذلات، لا فصل بين الحرة والأمة. وكان الفتيان يتعرضون للإماء، إذا خرجن بالليل لقضاء حاجتهن، وكن يخرجن مختلطات مع الحرائر، فربما تعرضوا للحرة، يحسبونها أمة، فأمرن أن يخالفن بزيهن عن زي الإماء بلباس الجلابيب.
قال ابن عباس رضي الله عنه: «أمر الله تعالى نساء المؤمنين أن يغطين رؤوسهن ووجوههن بالجلابيب، ويبدين عينًا واحدةً» 52.
«وابتدئ بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم وبناته لأنهن أكمل النساء» 53.
وعندما نزلت الآية سارع النساء وقت نزولها إلى الامتثال، فعن أم سلمة قالت: «لما نزلت {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ} [الأحزاب:59] . خرج نساء الأنصار كأن على رءوسهن الغربان من الأكسية» 54.
وعن عائشة أنها قالت: «يرحم الله نساء المهاجرات الأول لما أنزل الله {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} [النور:31] . شققن أكنف -قال ابن صالحٍ أكثف- مروطهن فاختمرن بها» 55.
1.أولًا: النهي عن دخول بيوت النبي صلى الله عليه وسلم إلا بدعوة:
ذكر الله تعالى عدة أحكام لبيت النبوة، منها ما ذكره في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى? طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَ?كِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا) [الأحزاب:53] .
في الآيات السابقة بين تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم ما ينبغي له مراعاته من شأن أزواجه، فجاءت هذه الآية لتبين ما يجب على المؤمنين مراعاته أيضًا نحو أزواج النبي أمهاتهم 56.
والآية تتضمن من الأدب ما يتعلق بالطعام وما يتعلق بالحجاب، فأما ما يتعلق بالطعام فيتفرع عنه أمران، الأدب قبل تناول الطعام، والأدب بعد تناوله، فأول هذه الآداب ما قبل الطعام، فنهوا عن دخول بيوته إلا بدعوة، فقوله: (لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ) «حظر على المؤمنين أن يدخلوا منازل رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير إذن، كما كانوا قبل ذلك يصنعون في بيوتهم في الجاهلية وابتداء الإسلام، حتى غار الله لهذه الأمة، فأمرهم بذلك، وذلك من إكرامه تعالى هذه الأمة» 57.
وذلك أن البيوت أماكن راحة لأصحابها وسكن لهم، فينبغي مراعاة أحوال أهلها، لذلك كان هذا التوجيه الإلهي.
والسب في ذلك ما روي عن أبي بن كعب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نهض إلى بيته بادروه فأخذوا المجالس فلا يعرف ذلك في وجه رسول الله ولا يبسط يده إلى الطعام استحياءً منهم، فعوتبوا في ذلك، فأنزل الله: (ا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى? طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ) 58.
ومعنى (إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى? طَعَامٍ) إلا أن تقدم لكم دعوةٌ إلى طعامٍ، وقد ضمن (غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ) معنى: تُدْعَوا، «للإشعار بأنه لا ينبغي أن يدخلوا على الطعام بغير دعوة وإن تحقق الإذن، كما يشعر به قوله (فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا) » 59. أي: غير منتظرين بلوغه وإنضاجه 60، وكأنه نهىٌ عن دخول بيوت النبي إلا بشرطين: «الإذن بالدخول، وأن يكون الجلوس بمقدار الحاجة» 61.
وفي هذه الآية «دليل على تحريم التطفيل، وهو الذي تسميه العرب الضيفن» 62.
وهذه الآية قد يفهم منها عدم جواز دخول بيوته صلى الله عليه وسلم إلا بعد الدعوة إلى طعام، ولا يجوز الدخول لطلب علم ونحو ذلك، وهذا الفهم باطل، لأنه» قد دلت الأدلة على جواز دخول بيوته صلى الله عليه وسلم بإذنه لغير الطعام، وذلك معلوم لا شك فيه، فقد كان الصحابة وغيرهم يستأذنون عليه لغير الطعام فيأذن لهم، وذلك يوجب قصر هذه الآية على السبب الذي نزلت فيه، وهو القوم الذين كانوا يتحينون طعام النبي صلى الله عليه وسلم فيدخلون ويقعدون منتظرين لإدراكه وأمثالهم، فلا تدل على المنع من الدخول مع الإذن لغير ذلك، وإلا لما جاز لأحد أن يدخل بيوته بإذنه لغير الطعام، واللازم باطل فالملزوم مثله» 63.
ثم إنه «لا يشترط في الإذن التصريح به بل إذا حصل العلم بالرضا جاز الدخول ولهذا قال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ) من غير بيان فاعلٍ، فالآذن إن كان الله أو النبي أو العقل المؤيد بالدليل جاز، والنقل دالٌ عليه حيث قال (وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ?) [النور:61] .
فلو جاء الرجل وعلم أن لا مانع في البيت من تكشف أو بحضور غير محرم، أو علم خلو الدار من الأهل وهي محتاجة إلى إطفاء حريقٍ فيها أو غير ذلك جاز الدخول» 64.
ثم أمرهم أن ينصرفوا بعد تناول الطعام، فقال سبحانه و تعالى (إِنَّ ذَ?لِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ ?) «أي: فاخرجوا، فدل على أن الدخول للأكل يمنع من المقام بعد الفراغ من الأكل» 65 والسبب في الأمر بالانصراف بعد تناول الطعام ما رواه البخاري وغيره عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش دعا القوم فطعموا، ثم جلسوا يتحدثون، وإذا هو كأنه يتهيأ للقيام، فلم يقوموا، فلما رأى ذلك قام، فلما قام من قام، وقعد ثلاثة نفر، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليدخل، فإذا القوم جلوس، ثم إنهم قاموا، فانطلقت فجئت فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قد انطلقوا، فجاء حتى دخل، فذهبت أدخل فألقى الحجاب بيني وبينه، فأنزل الله (وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ) الآية» 66.
ثانيًا: النهي عن الانتظار للاستئناس والتسلية:
بعد أن بين سبحانه و تعالى أنه يجب عليهم الانصراف بعد تناول الطعام الذي دعوا إلى تناوله نهاهم عن الجلوس للسمر والتسلية، فقال (فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا) فلا «تطيلوا الجلوس ليستأنس بعضكم بحديث بعضٍ، وكانوا يجلسون بعد الطعام يتحدثون فنهوا عن ذلك» 67.
أقول: هذا المعنى يفهم من الأمر بالانتشار بعد تناول الطعام، ولكنه أعاده لكي لا يفهم أن الجلوس للسمر بعد تناول الطعام مباح، وأن الأمر بالانتشار مشروط بما إذا لم يكن هناك سمر.
ثم علل لكل ما تقدم بقوله (فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا) «لتضييق المنزل عليه وعلى أهله وإيجابه للاشتغال بما لا يعينه وصده عن الاشتغال بما يعنيه 68 وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحتمل إطالتهم كرمًا منه، فيصبر على الأذى في ذلك، فعلم الله من يحضره الأدب، فصار أدبًا لهم ولمن بعدهم» 69
أقول: جرى قوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ? ذَ?لِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ) مجرى المثل، وذلك لأن فيه لطيفة ذكرها ابن عاشور، وهي «أن من واجبات دين الله على الأمة أن لا يستحيي أحدٌ من الحق الإسلامي في إقامته، وفي معرفته إذا حل به ما يقتضي معرفته، وفي إبلاغه وهو تعليمه، وفي الأخذ به، إلا فيما يرجع إلى الحقوق الخاصة التي يرغب أصحابها في إسقاطها أو التسامح فيها مما لا يغمص حقًا راجعًا إلى غيره، لأن الناس مأمورون بالتخلق بصفات الله تعالى اللائقة بأمثاهم بقدر الإمكان.
وهذا المعنى فهمته أم سليم وأقرها النبي صلى الله عليه وسلم على فهمها، فقد جاء في الحديث الصحيح: جاءت أم سليم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: (يا رسول الله؛ إن الله لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت) 70.
فهي لم تستح في السؤال عن الحق المتعلق بها، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يستح في إخبارها بذلك. ولعلها لم تجد من يسأل لها أو لم تر لزامًا أن تستنيب عنها من يسأل لها عن حكم يخص ذاتها» 71.
ويمكن القول مثل ذلك عن قول الله تعالى (ذَ?لِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ) أيضًا ذهبت مثلًا بين الناس، فإذا بقي بعض الناس في المجلس بعد الأكل قال أحدهم، فذكر الآية (أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا ? كَانَ ذَ?لِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا)
وهذه الآية وإن كانت تشتمل على أدب يتعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم إلا أن فيها حفظًا للأدب وتعليمًا «أن الرجل إذا كان ضيفًا لا ينبغي أن يجعل نفسه ثقيلًا، ولكنه إذا أكل ينبغي أن يخرج» 72.
«وما أحوج المسلمين اليوم إلى هذا الأدب الذي يجافيه الكثيرون، فإن المدعوين إلى الطعام يتخلفون بعده، بل إنهم ليتخلفون على المائدة، ويطول بهم الحديث؛ وأهل البيت الذين يحتفظون ببقية من أمر الإسلام بالاحتجاب متأذون محتبسون، والأضياف ماضون في حديثهم وفي سمرهم لا يشعرون! وفي الأدب الإسلامي غناءٌ وكفاءٌ لكل حالة، لو كنا نأخذ بهذا الأدب الإلهي القويم» 73.
ثالثًا: مخاطبة نساء أهل البيت من وراء حجاب:
نص غير واحد من العلماء على أن من فضائل نبينا صلى الله عليه وسلم أنه لا يحل أن يسأل زوجاته صلى الله عليه وسلم إلا من وراء حجاب 74.
ثم إن نساء النبي صلى الله عليه وسلم «أمهات المؤمنين في التحريم والحرمة فقط لا في المحرمية فليس لأحد أن يخلو بهن ولا ينظر إليهن بل قد أمرهن الله بالاحتجاب عمن حرم عليه نكاحهن من غير أقاربهن ومن بينهن وبينه رضاعٌ» 75.
بل إنهن خصصن بهذا الحكم الزائد عن بقية النساء، فلا يجوز مخاطبتهن ومشافهتهن إلا من وراء سترٍ، مع وجوب ارتدائهن للحجاب، هذا التوجيه الإلهي مذكور في قوله (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ? ذَ?لِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ) أي: و» كما نهيتكم عن الدخول عليهن، كذلك لا تنظروا إليهن بالكلية، ولو كان لأحدكم حاجة يريد تناولها منهن فلا ينظر إليهن، ولا يسألهن حاجة إلا من وراء حجاب» 76.
(أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ) أنتم أيها الرجال وقلوبهن أيتها الأمهات؛ أنقى من الخواطر التي تعرض للرجال في أمر النساء وللنساء في أمر الرجال 77.