فهرس الكتاب

الصفحة 2284 من 2431

وحينما ينحرف الجهاد عن غايته التي حددها الله في رسالاته، يكل الله القائمين به إلى أنفسهم، وإلى إمكاناتهم الإنسانية البحتة، ويحجب عنهم العون والمدد والتأييد، ويقذف في قلوبهم الرعب، ويطرحهم مع حشد الأمواج البشرية التي تتلاطم في حدود إمكاناتها المادية الخالية من القوى المعنوية المؤثرة الغلابة. وكذلك حينما يستثمر المجاهدون الفتح والنصر لغير الغاية التي قام الجهاد المقدس من أجلها، فإن الله يكل الفاتحين إلى أنفسهم، ويرفع عنهم يد التثبيت والمعونة، فتموج بهم الأرض التي فتحوها، وترتج بهم العروش التي اعتلوها، وتأتيهم إنذارات الانهيار، ليصلحوا نياتهم وأعمالهم، فإذا استمروا في الانحراف عن الطريق الذي حدده الله لهم، آذنهم بنقمته، وأنزل بهم عذابه، فدالت دولتهم، وانهارت قوتهم، وظفر بهم عدوهم 85.

ومن الغايات: التي يستخدم الإسلام القوة من أجلها.

قال تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ? وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ?60?) [الأنفال:60] .

دلت الآية على وجوب إعداد القوة الحربية للدفاع عن الدين وعن الوطن وعن كل ما يجب الدفاع عنه؛ لأن أعداء الإسلام إذا ما علموا أن أتباعه أقوياء هابوهم، وخافوا بأسهم، ولم يجرؤوا على مهاجمتهم.

قال القرطبي: «أمر الله سبحانه المؤمنين بإعداد القوة للأعداء بعد أن أكد تقدمة التقوى. فإن الله سبحانه لو شاء لهزمهم بالكلام والتفل في وجوههم وبحفنةٍ من ترابٍ، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم 86.

ولكنه أراد أن يبتلي بعض الناس ببعضٍ بعلمه السابق وقضائه النافذ» 87.

وقال بعض العلماء: دلت هذه الآية على وجوب إعداد القوة الحربية، اتقاء بأس العدو وهجومه، ولما عمل الأمراء بمقتضى هذه الآية أيام حضارة الإسلام، كان الإسلام عزيزًا، عظيمًا، أَبِّي الضيم، قويَّ القنا، جليل الجاه، وفير السنا، إذ نشر لواء سلطته على منبسط الأرض، فقبض على ناصية الأقطار والأمصار.

أما اليوم فقد ترك المسلمون العمل بهذه الآية الكريمة، ومالوا إلى النعيم والترف، فأهملوا فرضًا من فروض الكفاية، فأصبحت جميع الأمة آثمة بترك هذا الفرض، ولذا تعاني اليوم من غصته ما تعاني.

وكيف لا يطمع العدو في بلاد الإسلام، وهو لا يرى فيها معامل للأسلحة، وذخائر الحرب، بل كلها مما يشترى من بلاد العدو؟.

أما آن لها أن تتنبه من غفلتها، فتعد العدة التي أمر الله بها لأعدائها، وتتلافى ما فرطت قبل أن يداهم العدو ما بقي منها بخيله ورجله .. ؟

إن القوة التي طلب الله من المؤمنين إعدادها لإرهاب الأعداء، تتناول كل ما من شأنه أن يجعل المؤمنين أقوياء. كإعداد الجيوش المدربة، والأسلحة المتنوعة التي تختلف بحسب الأزمنة والأمكنة.

إن المقصود من إعداد العدة في الإسلام إنما هو إرهاب الأعداء حتى لا يفكروا في الاعتداء على المسلمين، وحتى يعيش أتباع هذا الدين آمنين مطمئنين في ديارهم، وحتى يستطيعوا أن يبلغوا رسالة الله إلى خلقه من الناس دون أن يخشوا أحدا سواه عز وجل.

وليس المقصود بإعداد العدة إرهاب المسالمين، أو العدوان على الآمنين، أو القهر والإذلال للناس واستغلالهم فيما يغضب الله سبحانه.

ولذلك وجدنا الآية صريحة في بيان المقصود من هذا الإعداد، وهو كما عبرت عنه: (تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ) .

والخلاصة: إن من تتبع آيات القرآن الواردة في القتال يجدها جميعها تقرر أن سبب القتال في الإسلام ينحصر في رد العدوان، وحماية الدعوة الإسلامية من التطاول عليها وتثبيت حرية العقيدة، وتطهير الأرض من الظلم والطغيان 88.

إذًا: فالغرض الأول من إعداد القوة: (تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ) .

فهو إلقاء الرعب والرهبة في قلوب أعداء الله الذين هم أعداء العصبة المسلمة في الأرض، الظاهرين منهم الذين يعلمهم المسلمون ومن وراءهم ممن لا يعرفونهم، أو لم يجهروا لهم بالعداوة، والله يعلم سرائرهم وحقائقهم، وهؤلاء ترهبهم قوة الإسلام ولو لم تمتد بالفعل إليهم، والمسلمون مكلفون أن يكونوا أقوياء، وأن يحشدوا ما يستطيعون من أسباب القوة؛ ليكونوا مرهوبين في الأرض ولتكون كلمة الله هي العليا، وليكون الدين كله لله 89.

قال تعالى عن هود عليه السلام وهو يدعو قومه: (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى? قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ ?52?) [هود:52] .

والاستقرار يؤدي إلى القوة، ومن ثم النعيم والهناء، فإن كثرة الأموال لها أسبابٌ كثيرةٌ: منها طيب الأرض للزرع والغرس، ورعي الأنعام والنحل، ومنها وفرة التجارة بحسن موقع الموطن بين مواطن الأمم، ومنها الاقتراب من البحار للسفر إلى الأقطار وصيد البحر، ومنها اشتمال الأرض على المعادن من الذهب والفضة والحديد والمواد الصناعية والغذائية من النبات، كأشجار التوابل ولحاء الدبغ والصبغ والأدوية والزراريع والزيوت.

وكثرة الأولاد تأتي من الأمن بسبب بقاء الأنفس، ومن الخصب المؤثر قوة الأبدان والسلامة من المجاعات المعقبة للموتان، ومن حسن المناخ بالسلامة من الأوبئة المهلكة، ومن الثروة بكثرة الأزواج والسراري والمراضع 90.

وكل ذلك لا بد له من قوة تحميه، وتقوم عليه، بل تأتي به.

ثانيًا: صور من استعمال القوة في الخير، وآثارها:

إن صور استعمال القوة في الخير كثيرة جدًّا، فالحقيقة أن أي عمل صالح، يحتاج إلى قوة، فإذا استخدم الإنسان تلك القوة في ذلك العمل، فهو نوع من استعمال القوة في الخير.

قال الله سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى? مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ? يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ? وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ ? وَمَنْ أَوْفَى? بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ? فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ ? وَذَ?لِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ?111?) [التوبة:111] .

ومن الأمثلة الرائعة في ذلك:

عن أنسٍ رضي الله عنه، قال: غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدرٍ، فقال: (يا رسول الله غبت عن أول قتالٍ قاتلت المشركين، لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرين الله ما أصنع) ، فلما كان يوم أحدٍ، وانكشف المسلمون، قال: (اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني: أصحابه - وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء، - يعني: المشركين - ثم تقدم) .

فاستقبله سعد بن معاذٍ، فقال: (يا سعد بن معاذٍ، الجنة ورب النضر إني أجد ريحها من دون أحدٍ) ، قال سعدٌ: فما استطعت يا رسول الله ما صنع، قال أنسٌ: فوجدنا به بضعًا وثمانين ضربةً بالسيف أو طعنةً برمحٍ، أو رميةً بسهمٍ، ووجدناه قد قتل وقد مثل به المشركون، فما عرفه أحدٌ إلا أخته ببنانه.

قال أنسٌ: (كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه:(مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ?) [الأحزاب: 23] . إلى آخر الآية) 91.

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ? ذَ?لِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ? وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ?54?) [المائدة:54] .

وقال: (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ? وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) [الفتح: 29] .

يقول الألوسي: «والمعنى أن فيهم غلظة وشدة على أعداء الدين ورحمة ورقة على إخوانهم المؤمنين، وفي وصفهم بالرحمة بعد وصفهم بالشدة تكميل واحتراس فإنه لو اكتفى بالوصف الأول لربما توهم أن مفهوم القيد غير معتبر، فيتوهم الفظاظة والغلظة مطلقا فدفع بإرداف الوصف الثاني، ومآل ذلك أنهم مع كونهم أشداء على الأعداء رحماء على الإخوان» 92.

قال تعالى عن موسى عليه السلام: (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى? حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَ?ذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَ?ذَا مِنْ عَدُوِّهِ ? فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى? فَقَضَى? عَلَيْهِ ? قَالَ هَ?ذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ? إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ ?15?) [القصص:15] .

فلما ظن موسى عليه السلام أن الرجل مظلوم وقف بجانبه إذ كانت القوة معه، وهكذا يجب على صاحب القوة أن ينصر المظلوم، بل وأن ينصر الظالم بحجزه عن ظلمه.

وفي مساعدة المحتاج، والوقوف بجانب الضعيف قال تعالى: (وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ ? قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ? قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى? يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ? وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ(23 ) ) [القصص:23] .

قال الزمخشري: «والمعنى: أنه وصل إلى ذلك الماء وقد ازدحمت عليه أمة من أناس مختلفة متكاثفة العدد، ورأى الضعيفتين من ورائهم مع غنيمتهما مترقبتين لفراغهم، فما أخطأت همته في دين الله تلك الفرصة، مع ما كان به من النصب وسقوط خف القدم والجوع، ولكنه رحمهما فأغاثهما، وكفاهما أمر السقي في مثل تلك الزحمة بقوة قلبه وقوة ساعده، وما آتاه الله من الفضل في متانة الفطرة ورصانة الجبلة، وفيه مع إرادة اقتصاص أمره وما أوتى من البطش والقوة وما لم يغفل عنه، على ما كان به من انتهاز فرصة الاحتساب، ترغيب في الخير، وانتهاز فرصه، وبعث على الاقتداء في ذلك بالصالحين والأخذ بسيرهم ومذاهبهم» 93.

وروى ابن أبي شيبة 94 عن عن عمر بن الخطاب، أن موسى عليه السلام لما ورد ماء مدين وجد عليه أمةً من الناس يسقون، فلما فرغوا أعادوا الصخرة على البئر، ولا يطيق رفعها إلا عشرة رجالٍ، فإذا هو بامرأتين تذودان، قال: ما خطبكما؟ فأخبرتاه، فأتى الحجر فرفعه ثم لم يستق إلا ذنوبًا واحدًا حتى رويت الغنم، ورجعت المرأتان إلى أبيهما فحدثتاه، وتولى موسى عليه السلام إلى الظل فقال: (رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) [القصص: 24] .

قال: (ڑ ڑ فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَا) [القصص: 25] . واضعةً ثوبها على وجهها، قالت: إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا، قال لها: امشي خلفي وصفي لي الطريق، فإني أكره أن تصيب الريح ثوبك فيصف لي جسدك، فلما انتهى إلى أبيها وقص عليه قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ? إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) [القصص: 26] .

قال: يا بنية ما علمك بأمانته وقوته؟ قالت: أما قوته فرفعه الحجر ولا يطيقه إلا عشرةٌ، وأما أمانته فقال لي: امشي خلفي وصفي لي الطريق؛ فإني أخاف أن تصيب الريح ثوبك فتصف جسدك، فقال عمر: فأقبلت إليه ليست بسلفعٍ 95 من النساء لا خراجةٌ، ولا ولاجةٌ 96، واضعة ثوبها على وجهها.

فقد ساعد نبي الله موسى هاتين المرأتين لما رأى من ضعفهما، وهكذا ينبغي أن يكون كل قوي.

وقال تعالى، عن عبده ذي القرنين: (حَتَّى? إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا ?93?قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى? أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا ?94?قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ?95?) [الكهف:93 - 95] .

قال ذو القرنين: الذي مكنني في عمل ما سألتموني من السد بينكم وبين هؤلاء القوم ربي ووطَّأَهُ لي، وقواني عليه، خيرٌ من جُعْلِكُم والأجرة التي تعرضونها علي لبناء ذلك، وأكثر وأطيب، ولكن أعينوني منكم بقوةٍ، أعينوني بفعلةٍ وصناعٍ يحسنون البناء والعمل 97.

يقول سيد قطب: «ونحن لا نستطيع أن نجزم بشيء عن المكان الذي بلغ إليه ذو القرنين «بين السدين» ولا ما هما هذان السدان، كل ما يؤخذ من النص أنه وصل إلى منطقة بين حاجزين طبيعيين، أو بين سدين صناعيين، تفصلهما فجوة أو ممر، فوجد هنالك قوما: (لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا) .

وعندما وجدوه فاتحًا قويًا، وتوسموا فيه القدرة والصلاح عرضوا عليه أن يقيم لهم سدًّا في وجه يأجوج ومأجوج الذين يهاجمونهم من وراء الحاجزين، ويغيرون عليهم من ذلك الممر، فيعيثون في أرضهم فسادا ولا يقدرون هم على دفعهم وصدهم، وذلك في مقابل خراج من المال يجمعونه له من بينهم.

وتبعًا للمنهج الصالح الذي أعلنه ذلك الحاكم الصالح من مقاومة الفساد في الأرض، فقد رد عليهم عرضهم الذي عرضوه من المال وتطوع بإقامة السد، ورأى أن أيسر طريقة لإقامته هي ردم الممر بين الحاجزين الطبيعيين فطلب إلى أولئك القوم أن يعينوه بقوتهم المادية والعضلية: (فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا(95) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ ?)، فجمعوا له قطع الحديد، وكومها في الفتحة بين الحاجزين، فأصبحا كأنهما صدفتان تغلفان ذلك الكوم بينهما، (حَتَّى? إِذَا سَاوَى? بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ ?) وأصبح الركام بمساواة القمتين (قَالَ انفُخُوا) على النار لتسخين الحديد (حَتَّى? إِذَا جَعَلَهُ نَارًا) كله لشدة توهجه واحمراره (قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا) أي: نحاسًا مذابًا يتخلل الحديد، ويختلط به فيزيده صلابة.

بذلك التحم الحاجزان، وأغلق الطريق على يأجوج ومأجوج (فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ) ويتسوروه (وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا) [الكهف:97] .

فينفذوا منه، وتعذر عليهم أن يهاجموا أولئك القوم الضعاف. فأمنوا واطمأنوا.

ونظر ذو القرنين إلى العمل الضخم الذي قام به، فلم يأخذه البطر والغرور، ولم تسكره نشوة القوة والعلم، ولكنه ذكر الله فشكره، ورد إليه العمل الصالح الذي وفقه إليه، وتبرأ من قوته إلى قوة الله، وفوض إليه الأمر، وأعلن ما يؤمن به من أن الجبال والحواجز والسدود ستدك قبل يوم القيامة، فتعود الأرض سطحا أجرد مستويا.

(قَالَ هَ?ذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي ? فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ ? وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا) [الكهف:98] .

وبذلك تنتهي هذه الحلقة من سيرة ذي القرنين، النموذج الطيب للحاكم الصالح، يمكنه الله في الأرض، وييسر له الأسباب، فيجتاح الأرض شرقًا وغربًا ولكنه لا يتجبر ولا يتكبر، ولا يطغى ولا يتبطر، ولا يتخذ من الفتوح وسيلة للغُنْم الماديِّ، واستغلال الأفراد والجماعات والأوطان، ولا يعامل البلاد المفتوحة معاملة الرقيق، ولا يسخر أهلها في أغراضه وأطماعه، إنما ينشر العدل في كل مكان يحل به، ويساعد المحتاجين، ويدرأ عنهم العدوان دون مقابل، ويستخدم القوة التي يسرها الله له في التعمير والإصلاح، ودفع العدوان وإحقاق الحق، ثم يرجع كل خير يحققه الله على يديه إلى رحمة الله وفضل الله، ولا ينسى وهو في إبان سطوته قدرة الله وجبروته، وأنه راجع إلى الله» 98.

فقد ساعد الرجل القوي القوم الضعفاء على أعدائهم الذين ظلموا وطغوا وتجبروا، فهو استعمال للقوة فيما يحب الله تعالى.

وقال الله تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ? فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى? فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى? تَفِيءَ إِلَى? أَمْرِ اللَّهِ ? فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ? إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ?9?إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ? وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ?10?) [الحجرات:10] .

فهذا دليل على استعمال القوة ضد الباغي الجائر.

قال تعالى: قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ (95) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَ?لِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (96) قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ ? وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّن تُخْلَفَهُ ? وَانظُرْ إِلَى? إِلَ?هِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا ? لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (97) إِنَّمَا إِلَ?هُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَ?هَ إِلَّا هُوَ ? وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا) [طه:98] .

فها هو موسى عليه السلام قد استخدم قوته في رد الباطل الذي نشره السامري، فيجب على أهل الحق أن يحصلوا القوة التي بها يردعون الباطل وحزبه.

قال تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ(39) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ? فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ? إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَ?ئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ) [الشورى:41] .

فالإنسان لا ينبغي أن يرضى بالضيم بل يعفو عن قوة ومقدرة، لئلا يستهين به أحد، بل يكون قويًّا مهابًا في حلم ولين.

فهذه صور لاستعمال القوة في الخير، فالواجب علينا أن نعيد القوة إلى أهلها الذين هم أهلها، لكي يستخدموها فيما ينفع الناس في دنياهم وأخراهم.

ثالثًا: صور من استعمال القوة في الشر، ونتائجها:

قال تعالى عن فرعون: (وَنَادَى? فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَ?ذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي ? أَفَلَا تُبْصِرُونَ(51) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَ?ذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (52) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (53) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ? إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54) فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (55) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِّلْآخِرِينَ) [الزخرف:51 - 56] .

افتخر بملكه مصر عدو الله، وما قد مكن له من الدنيا استدراجًا من الله له، وحسب أن الذي هو فيه من ذلك ناله بيده وحوله، وأن موسى إنما لم يصل إلى الذي يصفه، فنسبه من أجل ذلك إلى المهانة محتجًّا على جهلة قومه بأن موسى عليه السلام لو كان محقًّا فيما يأتي به من الآيات والعبر، ولم يكن ذلك سحرًا، لأكسب نفسه من الملك والنعمة، مثل الذي هو فيه من ذلك، جهلًا بالله واغترارًا منه بإملائه إياه 99.

وحاصل الأمر أنه احتج بكثرة أمواله وقوة جاهه على فضيلة نفسه 100.

واستخفاف الطغاة للجماهير أمر لا غرابة فيه، فهم يعزلون الجماهير أولا عن كل سبل المعرفة، ويحجبون عنهم الحقائق حتى ينسوها، ولا يعودوا يبحثون عنها، ويلقون في روعهم ما يشاءون من المؤثرات حتى تنطبع نفوسهم بهذه المؤثرات المصطنعة، ومن ثم يسهل استخفافهم بعد ذلك، ويلين قيادهم، فيذهبون بهم ذات اليمين وذات الشمال مطمئنين! ولا يملك الطاغية أن يفعل بالجماهير هذه الفعلة إلا وهم فاسقون، لا يستقيمون على طريق، ولا يمسكون بحبل الله، ولا يَزِنونَ بميزان الإيمان. فأما المؤمنون فيصعب خداعهم واستخفافهم واللعب بهم كالريشة في مهب الريح. ومن هنا يعلل القرآن استجابة الجماهير لفرعون فيقول: (ں فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ? إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَہ) .

ثم انتهت مرحلة الابتلاء والإنذار والتبصير وعلم الله أن القوم لا يؤمنون، وعمت الفتنة، فأطاعت الجماهير فرعون الطاغية المتباهي في خيلاء، وعشت عن الآيات البينات والنور، فحقت كلمة الله وتحقق النذير: فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (55) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِّلْآخِرِينَ)، يتحدث الله سبحانه عن نفسه في مقام الانتقام والتدمير، إظهارا لغضبه ولجبروته في هذا المقام. فيقول::فَلَمَّا آسَفُونَا) أي: أغضبونا أشد الغضب (انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَھ) يعني فرعون وملأه وجنده 101.

قال تعالى: (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ? أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ? وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ?15?فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ? وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى? ? وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ ?16?) [فصلت:15 - 16] .

وهذا الاستكبار فيه وجهان، الأول: إظهار النخوة والكبر، وعدم الالتفات إلى الغير والثاني: الاستعلاء على الغير. واستخدامهم، ثم ذكر تعالى سبب ذلك الاستكبار وهو أنهم قالوا: من أشد منا قوةً وكانوا مخصوصين بكبر الأجسام وشدة القوة، ثم إنه تعالى ذكر ما يدل على أنه لا يجوز لهم أن يغتروا بشدة قوتهم، فقال: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً) يعني: إنهم وإن كانوا أقوى من غيرهم، فالله الذي خلقهم هو أشد منهم قوةً، فإن كانت الزيادة في القوة توجب كون الناقص في طاعة الكامل، فهذه المعاملة توجب عليهم كونهم منقادين لله تعالى، خاضعين لأوامره ونواهيه 102.

فلما طغوا وتجبروا أخذهم الله تعالى، وأخذه أليم شديد.

قال تعالى: إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ?76? وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ?77? قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ?78? فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ?79? وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ ?80? فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ ?81? وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ?82? تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [القصص: 76 - 82] .

فلما أحس قارون بأن معه المال الذي يستتبع القوة والسلطان = بغى وتجبر، وتكبر على الله ثم على خلقه، فكانت عاقبته خُسْرًا.

قال تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ? كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى? عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [غافر:82] .

وقال: (ں ںلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ? وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ? إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ?25?ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى? رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا ? وَذَ?لِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ?26?) [التوبة:25 - 26] .

فلا ينبغي للإنسان المسلم ولا الجماعة المسلمة أن تركن إلى القوة المادية فحسب، بل عليها أن تُحَصِّلَ القوتين معًا المادية والمعنوية، بالإيمان بالله وحده سبحانه وتعالى.

فمن أسباب الكبر القوة البدنية وشدة البطش و الأخذ بالعنف، والتكبر بها جهلٌ أيضًا؛ إذ الحمار والبقر والجمل والفيل كل ذلك أقوى من الإنسان، ولو صلح ذلك لذلك لحريٌ تلك البهائم أن تتكبر على الكل، وأما ذلها للإنسان فلقوله تعالى: (وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ) [يس: 72] الآية.

فمن نعمه تعالى التي توجب التواضع للشكر، وأي افتخارٍ في صفةٍ يسبقك البهائم فيها، ثم إنها تزول بحمى يومٍ ونحوها، فلا تنجبر في مدةٍ، بل لو توجع عرقٌ واحدٌ في يدك لصرت أعجز من كل عاجز، ٍ وأذل من كل ذليلٍ وأنه لو سلب الذباب منك شيئًا لا تستنقذه، وإن بقةٌ لو دخلت أنفك أو نملةٌ دخلت أذنك لقتلتك، وإن شوكةٌ لو دخلت رجلك لأعجزتك، فمن لا يطيق دفع أمثال هذه، فكيف ينبغي له أن يفتخر بقوته كما في الإحياء: (فلا تقدر على حفظها) أي: القوة. وقد قيل: حمى يومٍ تذهب نعيم سنةٍ (ولا على تحصيلها) بعد الزوال بأدنى علةٍ (بل هي كظلٍ زائلٍ) بالوصف (ونوم نائمٍ) في سرعة التقضي وعدم الحفظ 103.

قال تعالى عن نبيه صالح عليه السلام: (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا ? فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) [الأعراف:74] .

وقال عن هود ينصح قومه: (أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ(128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) [الشعراء:128 - 131] .

فها هم أنبياء الله مَحَّضوا النصح لأقوامهم أن لا يغتروا بقوتهم، إذ هناك من هو أقوى منهم وأشد، وأن لا يستخدموا هذه القوة في الإفساد في الأرض، بل عليهم أن يتقوا الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت