فهرس الكتاب

الصفحة 1306 من 2431

وهذه الرحمة الواسعة التي عمت البر والفاجر، وجميع المخلوقات، دلّ عليها عدة آيات من كتاب الله تعالى، كقوله تعالى: {فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} [الأنعام: 147] .

جمع جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة، بين الترغيب والترهيب والوعد والوعيد؛ لأن مطامع العقلاء محصورة في أمرين، هما جلب النفع ودفع الضر 53، والله سبحانه قرن في عدة آيات من كتابه بين الترغيب في رحمته، والترهيب من عذابه، كقوله: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (50) } [الحجر: 49 - 50] .

وقوله: {إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنعام: 165] .

أي: فإن كذبك مخالفوك من المشركين واليهود ومن شابههم 54، فقل: {رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ} تسع جميع خلقه، المحسن والمسيء، لا يعاجل من كفر به بالعقوبة، ولا من عصاه بالنّقمة، ولا يدع كرامة من آمن به وأطاعه، ولا يحرمه ثواب عمله، رحمةً منه بكلا الفريقين 55.

فالله سبحانه أمهلهم، وأغدق عليهم نعمه، وأعطاهم العافية والإمهال، وهم يكذبون رسله، ويرتكبون مساخطه، ويتمردون عليه، فسبحانه ما أرحمه 56!

إلا أنه سبحانه مع سعة رحمته؛ فإن سطوته وعذابه لا يردّه إذا أحله عند غضبه على المجرمين، فقال: {وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} 57.

وقرن سبحانه بين سعة رحمته وشدة بأسه؛ ليكون الخوف والرجاء جناحين يطير بهما الإنسان إلى امتثال أمر الله، هذا الملك الجبار الذي أدعوكم إليه رحيم عظيم الرحمة الواسعة لمن أطاعه، شديد النكال والبأس لمن عصاه، فعليكم أن تخافوا بأسه ونكاله، وتطمعوا في رحمته فتطيعوه 58.

ومن الآيات الدالة على سعة رحمته قوله تعالى عن حملة العرش ومن حوله: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ} [غافر: 7] .

وسعتها عموم تعلقها بكل شيء؛ كما أن سعة علمه تعالى عموم تعلقه بكل معلوم 59.

فما من موجود في الدنيا إلا وقد نالته قسمة من رحمة الله، سواء في ذلك المؤمن والكافر والإنسان والحيوان 60؛ لأن الله قرن الرحمة مع العلم، فكل ما بلغه علم الله، وعلم الله بالغ لكل شيء، فقد بلغته رحمته، فكما يعلم الكافر، يرحم الكافر أيضًا؛ لكن رحمته للكافر رحمة جسدية بدنية دنيوية قاصرة غاية القصور بالنسبة لرحمة المؤمن، فالذي يرزق الكافر هو الله الذي يرزقه بالطعام والشراب واللباس والمسكن والمنكح وغير ذلك، أما المؤمنون، فرحمتهم رحمة أخص من هذه وأعظم، لأنها رحمة إيمانية دينية دنيوية 61.

وسعة رحمته تتضمن أنّه لا يهلك عليه أحد من المؤمنين به أهل توحيده ومحبته، فإنّه واسع الرحمة، لا يخرج عن دائرة رحمته إلاالأشقياء، ولا أشقى ممن لم تسعه رحمته التي وسعت كلّ شيء 62.

ومن الآيات الدالة على سعة رحمته قوله تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: 156] .

وهذه الآية قال عنها ابن كثير رحمه الله: «آية عظيمة الشمول والعموم؛ كقوله إخبارًا عن حملة العرش ومن حوله أنهم يقولون: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا} [غافر: 7] » 63.

فرحمته سبحانه وسعت العالم العلوي والسفلي، والبر والفاجر، والمؤمن والكافر، فلا مخلوق إلا وقد وصلت إليه رحمة الله، وغمره فضله وإحسانه 64، فالعموم في الرحمة عموم كامل صادق، وقال سبحانه وتعالى: {كُلَّ شَيْءٍ} ولم يقل كل شخص، للإشارة إلى أن الرحمة شاملة عامة للأشياء والأشخاص، فشريعته عدل ورحمة، وإرساله الرسل عدل ورحمة، وخلقه الكون وما فيه من شمس مشرقة مضيئة للكون، وقمر منير، ونجوم ذات بروج، وسحاب ورياح مرسلات رحمة، وهكذا كل ما سخره الله تعالى للإنسان، وما مكنه منه رحمة به 65.

ولكن الرحمة الخاصة المقتضية لسعادة الدنيا والآخرة، ليست لكل أحد، ولهذا قال عنها: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} 66.

فعموم الرحمة في الآية الكريمة قد ورد ما يخصصه وهو قوله: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} 67.

قال ابن عادل رحمه الله: « {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} أي: أن رحمته في الدنيا تعم الكل، وأمّا في الآخرة فهي مختصة بالمؤمنين؛ لقوله هنا: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} ، وهذا من العام الذي أريد به الخاص كقوله: {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} [النمل: 23] » 68.

فنعيم الجنة رحمة من الله، وقد كتبها الله تعالى للذين يؤمنون بالله وبالآخرة، ولذا قال تعالى: {لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} 69.

وإن كان المتقون هم أهل الرحمة، والرحمة مرصدة لهم؛ فقد دل القرآن الكريم أيضًا على قربها منهم، وهو ماسيكون الكلام عنه في الفقرة الآتية.

4.قرب رحمة الله من المحسنين.

الله يرحم أهل توحيده المؤمنين به، وكتب رحمته {لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 156] .

والذين يتبعون رسوله فهؤلاء هم أهل الرحمة، كما أنهم هم المحسنون، وكما أحسنوا جوزوا بالإحسان و {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} [الرحمن: 60] 70.

فالرحمة مرصدة للمحسنين، الذين يتبعون أوامر الله ويتركون زواجره 71، وقد قرّب الله تعالى رحمته لعباده 72 فقال: {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: 56] .

وأوضح في موضع آخر صفات عبيده الذين سيكتبها لهم في قوله: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} [الأعراف: 156] 73.

جاء ذكر قرب رحمة الله من المحسنين عقب جملة من آداب الدعاء هي: الإخلاص فيه لله وحده، وأن يكون القلب خائفًا طامعًا لا غافلًا ولا آمنًا، ولا غير مبال بالإجابة 74 فقال تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56) } [الأعراف: 55 - 56] .

ولما كان قوله: {وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا} مشتملًا على جميع مقامات الإيمان والإحسان، وهي الحب والخوف والرجاء، عقّبها بقوله: {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} ، أي: إنما تنال من دعاه خوفًا وطمعًا، فهو المحسن، والرحمة قريب منه؛ لأن مدار الإحسان على هذه الأصول الثلاثة.

وقوله: {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} ، فيه تنبيه ظاهر على أن فعل هذا المأمور هو الإحسان المطلوب منكم، ومطلوبكم أنتم من الله رحمته، ورحمته قريب من المحسنين، الذين فعلوا ما أمروا به من دعائه تضرعًا وخفيةً، وخوفًا وطمعًا فقرر مطلوبكم منه، وهو الرحمة بحسب أدائكم لمطلوبه، وإن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم، وإنما اختص أهل الإحسان بقرب الرحمة؛ لأنها إحسان من الله عز وجل أرحم الراحمين، وإحسانه تبارك وتعالى إنما يكون لأهل الإحسان؛ لأن الجزاء من جنس العمل، وكلما أحسنوا بأعمالهم أحسن إليهم برحمته، وأما من لم يكن من أهل الإحسان فإنه لما بعد عن الإحسان بعدت عنه الرحمة، بعدٌ ببعدٍ، وقربٌ بقرب، فمن تقرب إليه بالإحسان تقرب الله إليه برحمته، ومن تباعد عن الإحسان تباعد الله عنه برحمته، والله سبحانه يحب المحسنين، ويبغض من ليس من المحسنين، ومن أحبه الله فرحمته أقرب شيء منه، ومن أبغضه الله فرحمته أبعد شيء منه 75.

فكان في بيان قربه سبحانه من المحسنين من التحريض على الإحسان واستدعائه من النفوس وترغيبها فيه غاية حظ وأشرفه وأجله على الإطلاق، وهو أفضل إعطاء أعطيه العبد، وهو قربه تبارك وتعالى من عبده الذي هو غاية الأماني، ونهاية الآمال، وقرة العيون، وحياة القلوب، وسعادة العبد كلها 76.

ثانيًا: اسما الله تعالى الرحمن والرحيم:

ورد اسما الله تعالى الرحمن والرحيم منفردين في مواضع من كتاب الله، واقترنا في مواضع أخر من كتاب الله، كما اقترن اسم الرحيم بغيره من الأسماء الحسنى، كما اعتبر بعض أهل العلم الأسماء المضافة مثل: أرحم الراحمين، وعدّها من ضمن الأسماء الحسنى 77.وسأعرض لما تقدم من خلال الآتي:

الحسن في أسماء الله تعالى يكون باعتبار كل اسم على انفراده، ويكون بجمعه إلى غيره فيحصل بجمع الاسم إلى الآخر كمالٌ فوق كمال 78.

وقد ورد اسما الله {الرَّحْمَنُ} و {الرَّحِيمُ} منفردين في مواضع كثيرة من كتاب الله تعالى، ومنها قوله تعالى: {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ} [الرعد: 30] .

وأما اسم الله {الرَّحِيمُ} فلم يرد في القرآن منفردًا إلا في ثلاثة مواضع هي:

قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29] .

وقوله تعالى: {رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [الإسراء: 66] .

وقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [الأحزاب: 43] .

و {الرَّحْمَنُ} و {الرَّحِيمُ} اسمان مشتقان من الرحمة، ورحمان أبلغ من رحيم، و {الرَّحْمَنُ} خاص لله لا يسمى به غيره ولا يوصف، و {الرَّحِيمُ} يوصف به غير الله تعالى، فيقال: رجل رحيم، ولا يقال: رحمان 79.

والمعنى الذي حمل عليه أكثر أهل العلم الاسمين الكريمين سواءً وردا منفردين أو مقترنين هو: أن {الرَّحْمَنُ} ذو الرحمة الشاملة لجميع الخلائق في الدنيا وللمؤمنين في الآخرة، و {الرَّحِيمُ} ذو الرحمة للمؤمنين يوم القيامة. وهذا القول نسبه الشنقيطي رحمه الله إلى أكثر العلماء واختاره 80.

قال ابن كثير رحمه الله: «وقال تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] .

فذكر الاستواء باسمه الرحمن ليعم جميع خلقه برحمته، وقال: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [الأحزاب: 43] .

فخصهم باسمه الرحيم، قالوا: فدل على أن الرحمن أشد مبالغة في الرحمة لعمومها في الدارين لجميع خلقه، والرحيم خاصة بالمؤمنين» 81.

وذكر الشنقيطي رحمه الله قول ابن كثير المتقدم وزاد عليه بقوله: «ومثله قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ} [الملك: 19] ، أي: ومن رحمانيته: لطفه بالطير وإمساكه إياها صافات وقابضات في جو السماء، ومن أظهر الأدلة في ذلك قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) } [الرحمن: 1 - 2] .

إلى قوله: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 13] .

وقال: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [الأحزاب: 43] . فخصهم باسمه الرحيم» 82.

ورد هذان الاسمان مقترنين في أكثر من موضع من كتاب الله ومنها قوله تعالى في أول آية من كتاب الله تعالى: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 1] .

وعن سر الجمع بينهما واقترانهما في آية واحدة رأيان لأهل العلم:

الرأي الأول: أن الرحمن والرحيم بمعنىً واحد، وجمع بينهما تأكيدًا.

قال النحاس رحمه الله: «قال قطرب: يجوز أن يكون جمع بينهما للتوكيد 83؛ وهذا قول حسن، وفي التوكيد أعظم الفائدة، وهو كثير في كلام العرب يستغني عن الاستشهاد» 84.

وقال ابن العربي رحمه الله: «والصحيح أنهما بمعنىً واحد للتأكيد، كندمان ونديم» 85.

الرأي الثاني: التفريق بين الرحمن والرحيم في المعنى، والجمع بينهما ليس للتأكيد.

وأشهر الأقوال التي ذكرت في معناهما قولان:

القول الأول: أن {الرَّحْمَنُ} ذو الرحمة الشاملة لجميع الخلائق في الدنيا وللمؤمنين في الآخرة، و {الرَّحِيمُ} ذو الرحمة للمؤمنين يوم القيامة.

وهذا القول نسبه الشنقيطي رحمه الله إلى أكثر العلماء واختاره 86.

قال الخطابي رحمه الله: « {الرَّحْمَنُ} ذو الرحمة الشاملة التي وسعت الخلق في أرزاقهم وأسباب معايشهم ومصالحهم، وعمت الجميع المؤمن والكافر، وأما الرحيم فخاص للمؤمنين كما قال: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [الأحزاب: 43] 87» .

وقد أورد بعض أهل العلم على هذا القول إشكالًا؛ وهو قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 143] 88؛ فلفظ الناس يشمل المؤمنين والكفار جميعًا.

وأجاب عنه ابن عثيمين رحمه الله بقوله: «هذه هي الرحمة العامة التي بها يعيش الناس في دنياهم برزق الله من طعام، وشراب، وكسوة، وغيرها؛ وأما الرحمة الخاصة فهي للمؤمنين خاصة؛ وبها يحصل سعادة الدنيا، والآخرة، كالعلم والإيمان المثمرين لطاعة الله، ورسوله» 89.

القول الثاني: أن {الرَّحْمَنُ} دال على صفة ذاتية، و {الرَّحِيمُ} دال على صفة فعلية.

وهذا القول: هو اختيار: القرطبي، وابن القيم، وابن عاشور، وابن عثيمين رحمهم الله 90.

قال القرطبي رحمه الله: «وروي عن أبي عبيدة أنه قال: {الرَّحْمَنُ} ذو الرحمة، و {الرَّحِيمُ} هو الراحم 91. قال ابن الحصّار: يشير -والله أعلم- إلى {الرَّحْمَنُ} صفة الخالق سبحانه، و {الرَّحِيمُ} يدل على أفعاله التي يرحم بها عباده، ولله درّه في هذا القول» 92.

إن التفريق بين الرحمن والرحيم في المعنى أولى من القول أنهما بمعنى واحد والجمع بينهما للتأكيد، وهو الذي تعضده قاعدة من قواعد الترجيح عند المفسرين وهي: قاعدة: التأسيس أولى من التأكيد 93.

قال الطاهر ابن عاشور رحمه الله: «وينسب إلى قطرب: أن {الرَّحْمَنُ} و {الرَّحِيمُ} يدلان على معنى واحد من الصفة المشبهة، فهما متساويان، وجعل الجمع بينهما في الآية من قبيل التوكيد اللفظي، ومال إليه الزجاج 94، وهو وجه ضعيف؛ إذ التوكيد خلاف الأصل والتأسيس خير من التأكيد، والمقام هنا بعيد عن مقتضى التوكيد» 95.

اقترن اسم الله الرحيم بستة أسماء غير اسم الرحمن، وسأذكرها مرتبة حسب الأكثر ورودًا في القرآن، وهي:

الأول: الغفور:

اقترن الاسمان الغفور والرحيم في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، كلها تقدّم فيها الغفور على الرحيم إلافي موضع واحد وهو قوله تعالى: {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ} [سبأ: 2]

والغفور: هو الذي يستر الذنوب عن الخلق، ولا يظهرها 96.

والله سبحانه يقرن بين الاسمين الكريمين {الْغَفُورُ} و {الرَّحِيمُ} ؛ لأنهما دالان على معنىً متشابه؛ ففي المغفرة زوال المكروب وآثار الذنب، وفي الرحمة حصول المطلوب 97.

وقد أشار إلى هذا المعنى ابن القيم رحمه الله بقوله: «فيجلب لهم الإحسان والنفع على أتم الوجوه برحمته، ويعفو عن زلتهم ويهب لهم ذنوبهم، ولا يؤاخذهم بها بمغفرته، فقال: {وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ} [سبأ: 2] » 98.

وعن سر تقديم الغفور على الرحيم في قوله تعالى: {وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ} [سبأ: 2] .

يقول ابن القيم رحمه الله: «وأما قوله: {وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ} في سبأ، فالرحمة هناك متقدمة على المغفرة فإما بالفضل والكمال، وإما بالطبع؛ لأنها منتظمة بذكر أصناف الخلق من المكلفين وغيرهم من الحيوان، فالرحمة تشملهم، والمغفرة تخصهم والعموم بالطبع قبل الخصوص، كقوله: {فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} [الرحمن: 68] » 99.

الثاني: العزيز:

اقترن الاسمان العزيز والرحيم في أكثر من موضع من كتاب الله، ومنها قوله تعالى: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء: 9] .

والعزيز: هو الذي له العزة كلها: عزة القوة، وعزة الغلبة، وعزة الامتناع، فامتنع أن يناله أحد من المخلوقات، وقهر جميع الموجودات، ودانت له الخليقة وخضعت لعظمته 100.

وعن سر الاقتران بين الاسمين الكريمين {الْعَزِيزُ} و {الرَّحِيمُ} فللإشارة إلى أن العزة على من لم يؤمن منهم، والرحمة لمن آمن 101.

قال أبو حيان رحمه الله: « {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء: 9] ، أي: الغالب القاهر، ولما كان الموضع موضع بيان القدرة، قدم صفة العزة على صفة الرحمة. فالرحمة إذا كانت عن قدرة، كانت أعظم وقعًا، والمعنى: أنه عز في نقمته من الكفار، ورحم مؤمني كل أمة» 102.

وقال ابن جرير رحمه الله عند تفسير قوله تعالى: « {إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الدخان: 42] .

وقوله: {إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} يقول جلّ ثناؤه واصفًا نفسه: إن الله هو العزيز في انتقامه من أعدائه، الرحيم بأوليائه، وأهل طاعته» 103.

الثالث: التواب:

اقترن الاسمان التواب والرحيم في أكثر من موضع من كتاب الله، ومنها قوله تعالى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 37] .

والتواب من أسمائه تعالى، وهو الكثير القبول لتوبة العبد، أو الكثير الإعانة عليها 104.

وعن سر الاقتران بين الاسمين الكريمين {التَّوَّابُ} و {الرَّحِيمُ} : أن الرحيم يدل على تفضله سبحانه على عبده مع التوبة بالرحمة، ورحمته إياه إقالة عثرته، وصفحه عن عقوبة جرمه، فقبول التوبة سبب رحمة الله لعبده 105.

قال ابن سعدي رحمه الله: «وختمه كثيرًا من الآيات بهذين الاسمين {التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} بعد ذكر ما يدعو به العبد إلى التعرض من رحمته ومغفرته، وتوفيقه وحلمه، فمناسبته جليلة لكل أحد، وأنه لما كان هو {التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} ، أقبل بقلوب التائبين إليه، ووفقهم للأخذ بالأسباب التي يتوب عليهم ويرحمهم بها، ثم يغفر لهم ويرحمهم، فتاب عليهم أولًا بتوفيقهم للتوبة وأسبابها، وتاب عليهم ثانيًا حين قبل متابهم وأجاب سؤالهم لطفًا منه ورحمةً بهم» 106.

الرابع: الرؤوف.

اقترن الاسمان الرؤوف والرحيم في أكثر من موضع من كتاب الله، ومنها قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 143] .

الرءوف: مأخوذ من الرّأفة، وهي أشد الرحمة، وألطف الرحمة 107.

قال الزجاج رحمه الله: «الرّأفة هي المنزلة الثانية، يقال: فلان رحيم، فإذا اشتدت رحمته فهو رءوف» 108.

وعن سر الاقتران بين الاسمين الكريمين {لَرَءُوفٌ} و {الرَّحِيمُ} : فللإفادة أنه تعالى يرحم الرحمة القوية لمستحقها، ويرحم مطلق الرحمة من دون ذلك 109.

قال ابن عثيمين رحمه الله عند تفسير قوله تعالى: « {إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 143] : الرءوف: مأخوذ من الرّأفة، وهي أشد الرحمة، وألطف الرحمة، والرحيم: هو ذو الرحمة التي يكون بها الإحسان إلى خلقه، والإنعام عليهم» 110.

الخامس: الودود.

اقترن الاسمان الودود والرحيم في موضع واحد من كتاب الله، هوقوله تعالى: {وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ} [هود: 90] .

والودود من أسمائه تعالى: هو الذي يحب أنبياءه ورسله وأولياءه وعباده المؤمنين فهو الودود بمعنى الوّاد، وهو المودود، أي: المحبوب الذي يستحق أن يحب الحب كله، وأن يكون أحب إلى العبد من سمعه وبصره وجميع محبوباته 111.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت