فهرس الكتاب

الصفحة 188 من 2431

قال الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسيره: «وقوله تعالى: {حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ} [البقرة: 258] .

أي: وجود ربه، وذلك أنه أنكر أن يكون ثم إله غيره» 66.

فزعم أنه يفعل كما يفعل الله عز وجل، فقال إبراهيم: ربي هو المنفرد بأنواع التصرف، وخص بالذكر الإحياء والإماتة لكونهما أعظم أنواع التدابير، ولأن الإحياء مبدأ الحياة الدنيا، والإماتة مبدأ ما يكون في الآخرة، فقال النمرود: {أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} فزعم أنه يقتل شخصًا فيكون قد أماته، ويستبقي على حياة آخر فيكون قد أحياه، واطرد سيدنا إبراهيم معه في الدليل فقال إبراهيم: {فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ} وهذا أمر يقر به كل أحد حتى ذلك الكافر، فلما قال له أمرًا لا قوة له في شبهة تشوش دليله، ولا قادحًا يقدح في سبيله، {فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ} تحير فلم يرجع إليه جوابًا، وانقطعت حجته، وسقطت شبهته.

قال تعالى: {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} ، بل يبقيهم على كفرهم وضلالهم، وهم الذين اختاروا لأنفسهم ذلك 67.

2.فرعون مصر.

فقد قال الله عنه: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38) } [القصص: 38] .

وقال لموسى عليه السلام: {قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} [الشعراء: 29] .

وقال تعالى: {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51) } [الزخرف: 15] .

ثانيًا: أسباب دعاواهم:

قال تعالى: {أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ} [البقرة: 258] .

فإيتاء الملك العظيم لهذا النمرود أبطره وأورثه الكبر. وبدلًا من شكر الله على النعم العظيمة التي منحه الله عز وجل إياها حاج إبراهيم عليه السلام في ربه، والمحاجة هي أقبح وجوه الكفر، وادعى لنفسه مقام الألوهية عنادًا ومكابرة، ويوهم أنه الفاعل لذلك، وأنه هو الذي يحيي ويميت، كما اقتدى به فرعون في قوله: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص: 38] 68.

أما فرعون فقد كان مثالًا للطاغية المتجبر، المتجاوز لحد الظلم والتجبر والاستبداد والمعصية، وكان قومه صورة للأقوام التي خضعت وتابعت هذا الطاغية، ووصل الأمر بفرعون إلى ادعاء الألوهية، والاستخفاف بعقول الناس وإرادتهم ومصالحهم، وكلما أنس منهم السكوت على ظلمه، والخضوع لبغيه وعدوانه ازداد صلفًا وتجبرًا وتمردًا، حتى يصل إلى التأله، والإعراض عن كل الآيات التي جاءته من الله حتى أهلكه الله وقومه.

قال تعالى: {فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات: 23 - 24] .

فكان هذا هو السبب في ادعاء فرعون للألوهية.

ثالثًا: مصيرهم:

1.النمرود:

«بعث الله عز وجل عليه بعوضة فدخلت في منخره، فمكث أربعمائة سنة يضرب رأسه بالمطارق، وأرحم الناس به من جمع يديه ثم ضرب بهما رأسه، وكان جبارًا أربعمائة سنة، فعذبه الله أربعمائة سنة كملكه، ثم أماته الله، وهو الذي كان بنى صرحًا إلى السماء، فأتى الله بنيانه من القواعد» 69.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت