فهرس الكتاب

الصفحة 1140 من 2431

الشمس

أولًا: المعنى اللغوي:

تدل مادة (ش م س) على تلونٍ وقلة استقرارٍ، وسميت الشمس بذلك؛ لأنها غير مستقرةٍ، فهي أبدًا متحركةٌ. ويقال: شَمُسَ يومنا، وأشمس، إذا اشتدت شمسه، والشموس من الدواب: الذي لا يكاد يستقر. يقال: شمس شماسًا 1.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

قال الراغب: «الشمس يقال للقرصة، وللضوء المنتشر عنها» 2.

وقيل: هو كوكب مضيء نهاري 3.

و (الشمس) عند الفلكيين: النجم الأقرب إلى الأرض، حيث تدور حوله مع سائر كواكب المجموعة الشمسية 4.

فالشمس: نجم مضيء في السماء يشع لنا حرارة وضياء.

وأصل مادتها في اللغة يدل على التلونٍ وقلة الاستقرارٍ، فالشمس سميت بذلك لحركتها الدائمة.

وردت مادة (شمس) في القرآن الكريم (32) مرة 5.

والصيغ التي وردت، هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

اسم (معرفة) ... 31 ... {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) } [التكوير:1]

اسم (نكرة) ... 1 ... {لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (13) } [الإنسان:13]

وجاءت الشمس في القرآن الكريم بمعناها اللغوي، وهو هذا النجم النهاري المضيء 6.

القمر:

القمر لغةً:

القاف والميم والراء أصل صحيح يدل على بياض في شيء، ثم يفرع منه. من ذلك القمر الذي في السماء، وضوءه القمراء، وسمي قمرًا؛ لبياضه 7.

القمر اصطلاحًا:

هو كوكب في السماء معتم.

وقيل: جرم سماوي صغير معتم يدور حول كوكب أكبر منه ويكون تابعًا له 8.

الصلة بين القمر والشمس:

الشمس جسم مضيء، والقمر جسم معتم ونوره ليس نابع منه وإنما انعكاس عليه.

النجم:

النجم لغة:

قال ابن فارس: «النون والجيم والميم أصل صحيح يدل على طلوع وظهور، ونجم النجم: طلع، ونجم السن والقرن: طلعا. والنجم: الثريا، اسم لها» 9. وفي الحديث: هذا إبان نجومه، أي: وقت ظهوره، يعني: النبي صلى الله عليه وسلم، يقال: نجم النبت ينجم إذا طلع، وكل ما طلع وظهر فقد نجم» 10.

مما سبق يمكن تعريف النجم لغة: هو كل شيء يظهر.

النجم اصطلاحًا:

قال الكفوي: «كل طالع فهو نجم، يقال: نجم السن، والقرن، والنبت إذا طلعت» 11.

وقيل: «أحد الأجرام السماوية المضيئة بذاتها، ومواضعها النسبية في السماء ثابتة، وهو عبارة عن جسم كروي ضخم ولامع ومتماسك بفعل الجاذبية» 12.

وعرفها الجغرافيون بأنها: أجرام سماوية تضيء بذاتها، وتنبعث منها الطاقات الحرارية والضوئية نتيجة؛ ما يحدث فيها من تفاعلات نووية 13.

الصلة بين النجم والشمس:

الشمس: مضيئة في النهار، بينما النجم مضيء في الليل.

الكوكب:

الكوكب لغةً:

من كب: الكاف والباء أصل صحيح يدل على جمع وتجمع، لا يشذ منه شيء، والكوكب يسمى كوكبًا من هذا القياس 14.

والكوكب: واحد الكواكب، فالكوكب والكوكبة: النجم، وكوكب: اسم موضع 15.

الكواكب اصطلاحًا:

قال الجرجاني: «الكواكب: أجسام بسيطة مركوزة في الأفلاك، كالفص في الخاتم، مضيئة بذواتها، إلا القمر» 16، أو: «جرم سماوي يدور حول الشمس ويستضيء بضوئها، وأشهر الكواكب مرتبة على حسب قربها من الشمس: عطارد الزهرة الأرض المريخ المشتري زحل يورانس نبتون بلوتون» 17.

الصلة بين الكوكب والشمس:

الشمس جرم سماوي مضيء، والكوكب جرم سماوي يدور حول الشمس ويستضئ بضوئها 18.

اقتران الشمس بالقمر في القرآن

اقترن ذكر الشمس بالقمر في أكثر المواضع لما بينهما من ترابط وتكامل، فالشمس هي محور المجموعة التي تنسب لها، والتي تضم مجموعة من الكواكب، تدور حولها مع تفاوت في سرعة الدوران واختلاف في مداراته، بينما القمر تابع للأرض، يدور حولها، ويعكس ضوء الشمس وجهه اللامع، فينير في المساء، والشمس آية النهار، والقمر آية الليل.

قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (33) } [الأنبياء: 33] .

وبين تعالى كونهما مسخرين لمنافع الناس ومصالحهم، قال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ} [النحل: 12] .

وأن حركتهما دائمة لا تتوقف إلى أن يأذن الله لهذا النظام بالزوال {وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) } [إبراهيم: 33] .

فذكر تعالى أن الليل والنهار والشمس والقمر من خلق الله تعالى، مسخرةٌ بأمره من أجلنا، وأن الشمس والقمر يسبحان، واقتران الليل والنهار بهما واضح بين، كما في قوله تعالى: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (4) } [الشمس: 1 - 4] .

والليل والنهار له ارتباطٌ بالشمس، فهي آية النهار، الظلام يحل بغروب الشمس، ويسفر الصبح بشروق الشمس، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5) } [يونس: 5] .

قال ابن القيم: «ومن تدبر أمر هذين النيرين العظيمين وجدهما من أعظم الآيات في خلقهما وجرمهما ونورهما وحركتهما على نهج واحد لا ينيان ولا يفتران، ولا يجري أحدهما في فلك صاحبه ولا يدخل عليه في سلطانه، ولا تدرك الشمس القمر ولا يجيء الليل قبل انقضاء النهار، بل لكل حركة مقدرة ونهج معين لا يشركه فيه الآخر، كما أن له تأثيرًا ومنفعة لا يشركه فيها الآخر، وذلك مما يدل من له أدنى عقل على أنه بتسخير مسخر وأمر آمر وتدبير مدبر بهرت حكمته العقول، وأحاط علمه بكل دقيق وجليل» 19.

وغالبًا ما يتقدم ذكر الشمس على القمر، لكونها آية أعظم، ونورها ذاتي، بخلاف القمر، فإن نوره قبسٌ من نورها وانعكاس له، وهو تابع للأرض التي تتبعها مع غيرها من الكواكب، فكلاهما جزء من منظومة واحدة، خاضعان لسنن واحدة. {لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40) } [يس: 40] .

فجاء اقترانهما لبيان انتظام حركتهما ودوامها فلا تتوقف، بل تسير بحساب دقيق ونظام محكم لا يختل، قال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) } [إبراهيم: 33] .

وقال تعالى: {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (5) } [الرحمن: 5] .

كما جاء اقترانهما في سياق بيان مصيرهما عند نهاية الكون، حيث يلتحمان ويتحدان فيصيران كتلةً واحدة، قال تعالى: {وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (9) } [القيامة: 9] .

«إن حركة الأرض حول الشمس منضبطة تمام الانضباط، والتغيير يتم ولكن بدرجة ضئيلة لا تظهر إلا على مدى قرون، وهذا القمر الذي يتبع في حركته الأرض يدور في فلك مقرر ومنضبط مع تفاوت يسير جدًا، يتكرر بعد كل ثمانية عشر عامًا ونصف عام بدقة فائقة» 20.

ويرى البعض من «المفارقة السعيدة: أن قرصي القمر والشمس متساويان تقريبًا عندما ننظر إليهما من الأرض، إلا أن الشمس في الواقع أكبر من القمر وأبعد منه. وبفضل النسبة في بعد القمر والشمس عنا ونسبة قطر كل منهما، أمكن لكسوف الشمس أن يكون كليًا عندما يقع القمر بين الشمس والأرض في خطٍ مستقيم» 21.

والحق أن بعد الشمس والقمر عن الأرض وقطرهما وبالنسب التي ذكرنا، ليس من المفارقات السعيدة أو الصدف العجيبة، كما كتب أكثر الذين استقينا منهم المعلومات الفلكية أعلاه، بل بتقدير وتدبير من خالقها، لحكم كثيرة، أما التعبير بكلمات كالصدفة السعيدة أو العجيبة فقد آن لها في القرن العشرين أن تمحى من كتابات العلماء، ليحل محلها كلمة الخالق، ولكن الإنسان كان وسيظل كما وصفه ربه: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6) } [العاديات: 6] .

الشمس آية من آيات الله وشاهدٌ يدل على قدرته ووحدانيته وتدبيره لملكه، تمدنا بالدفء والطاقة والضوء، ولها دورٌ أساسيٌ في عملية الإنبات والإثمار وإنضاجها، وبها نعرف الأوقات والأيام والشهور والسنين، وغير ذلك من منافعها التي لا يحصيها إلا خالقها ومسخرها جل وعلا.

قال تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5) } [يونس:5] .

فالشمس من آياته تعالى الشاهدة والناطقة، يجليها الله في الكون المنظور وفي كتابه المسطور لأهل العلم.

قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2) } [الرعد:2] .

فهي آيةٌ جليةٌ واضحة، وشاهدٌ حسي على البعث.

وقال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (12) } [النحل:12] .

وقال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} [فصلت: 37] .

فبينت الآيات الكريمة كون الشمس آيةً من آيات الله تدل على كمال قدرته وربوبيته لهذا العالم وتدبيره ولطفه، وتشهد بوحدانيته تعالى، وهذه الآيات إنما يعتبر بها وينتفع العقلاء والعلماء، وقد ساقها الله لمن يريد أن يستيقن، فآية الشمس من أعظم الآيات التي يجب أن تسترعي انتباهنا وتثير عقولنا وتلفت أنظارنا إلى عظمة الخالق ولطف تدبيره وحسن تقديره.

أما الجهال والمشككون والغافلون فلا يقفون على هذه الآيات ولا يستبصرونها. فالشمس تشرق كل صباح وتغرب كل مساء، حتى أصبحت عندهم أمرًا مألوفًا لا يسترعي انتباههم ولا تثير وجدانهم، بل تحجب أهواءهم شمس الحقيقة فلا يبصرونها في رابعة النهار.

فمن دلائل قدرته وشواهد عظمته: الليل والنهار، وما بينهما من تداخل وامتزاج واختلاف وائتلاف، وتفاضل وتكامل، الليل بظلامه ووحشته وسكونه ورهبته، ونجومه وأقماره وكواكبه، والنهار بجلائه وضيائه وشمسه وحركته، وللشمس منافعها العميمة، منها الحرارة والضياء وتحديد المواقيت، ومنافع أخرى كثيرة تدل على حكمة الله وتقديره وعظمة تدبيره.

تقول الحسابات: إن الشمس تبعد عن الأرض 92.5 مليون من الأميال، ولو كانت أقرب إلينا من هذا لاستحالت الحياة واحترقت الكائنات! ولو كانت أبعد منا لأصاب التجمد والموت ما على الأرض! والذي يصل إلينا من حرارة الشمس لا يتجاوز جزءًا من مليوني جزء من حرارتها. وهذا القدر الضئيل هو الذي يلائم حياتنا. ولو كان نجم الشعرى بضخامته وإشعاعه هو الذي في مكان الشمس منا لتبخرت الكرة الأرضية، وذهبت بددًا!

وكذلك القمر في حجمه وبعده عن الأرض. فلو كان أكبر من هذا لكان المد الذي يحدثه في بحار الأرض كافيًا لغمرها بطوفان يعم كل ما عليها. وكذلك لو كان أقرب مما وضعه الله بحسابه الذي لا يخطئ مقدار شعرة! وجاذبية الشمس وجاذبية القمر للأرض لهما حسابهما في هذا الفضاء الشاسع الرهيب، الذي تجري فيه مجموعتنا الشمسية كلها بسرعة عشرين ألف ميل في الساعة، ومع هذا لا تلتقي بأي نجم في طريقها على ملايين السنين! وفي هذا الفضاء الشاسع الرهيب لا يختل مدار نجم بمقدار شعرة، ولا يختل حساب التوازن والتناسق في حجم ولا حركة» 22.

وصدق الله تعالى: {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (5) } [الرحمن: 5] .

فالشمس لا تتخلف عن موعدها طرفة عين، والقمر له دورته الثابتة لا يتخلف عنها ومنازله لا يبرح فلكه {لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40) } [يس: 40] .

قال الرازي: «أما الشمس فتفكر في طلوعها وغروبها، فلولا ذلك لبطل أمر العالم كله، فكيف كان الناس يسعون في معايشهم، ثم المنفعة في طلوع الشمس ظاهرة، ولكن تأمل النفع في غروبها، فلولا غروبها لم يكن للناس هدوء ولا قرار مع احتياجهم إلى الهدوء والقرار لتحصيل الراحة وانبعاث القوة الهاضمة وتنفيذ الغذاء إلى الأعضاء على ما قال تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا} [يونس: 67] .

وأيضًا فلولا الغروب لكان الحرص يحملهم على المداومة على العمل على ما قال: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11) } [النبأ: 10 - 11] .

والثالث: أنه لولا الغروب لكانت الأرض تحمى بشروق الشمس عليها حتى يحترق كل ما عليها من حيوان، ويهلك ما عليها من نبات على ما قال: {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا} [الفرقان: 45] .

فصارت الشمس بحكمة الحق سبحانه وتعالى تطلع في وقت وتغيب في وقت، بمنزلة سراج يدفع لأهل بيت بمقدار حاجتهم، ثم يرفع عنهم ليستقروا ويستريحوا، فصار النور والظلمة على تضادهما متعاونين متظاهرين على ما فيه صلاح العالم، هذا كله في طلوع الشمس وغروبها» 23.

ومن شواهد كون الشمس آية من آيات الله عز وجل ما يأتي:

أولًا: تسخير الشمس:

الصلة بين الحديث عن الكون وبيان إنعامه تعالى على عباده وعنايته واضحةٌ وثيقةٌ، فخلق الكون وتسخيره للإنسان من أعظم النعم، وفي القرآن آياتٌ عديدةٌ تقرر هذا المعنى وترسخه، قال تعالى في سورة إبراهيم: {وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} [إبراهيم: 32]

و «التسخير: سياقة إلى الغرض المختص، فالمسخر: هو المقيض للفعل» 24.

وعرفه د. جبل في المعجم الاشتقاقي بقوله: «التسخير للآدميين هو إجراء الشيء على ما يوافقهم، وأن ينتفعوا به مختلف وجوه الانتفاع» 25.

فالشمس والقمر من جملة المخلوقات التي سخرها الله تعالى، طوعها لمصالحنا ومعاشنا.

قال الطبري: « {وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} يتعاقبان عليكم بالليل والنهار لصلاح أنفسكم ومعاشكم {دَائِبَيْنِ} في اختلافهما عليكم، وقيل: معناه: أنهما دائبان في طاعة الله» 26.

وفي سورة النحل: {وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (12) } [النحل:12 - 18] .

يذكرنا الله تعالى بنعمه التي لا تحصى والتي من أعظمها خلق السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم والليل والنهار وغير ذلك من النعم المسخرة لمنافع الإنسان وتيسير عيشه، تلك النعم التي يغفل عنها كثير من الناس جحودًا ونكرانًا، أو ذهولًا ونسيانًا؛ لكونها مألوفةً دائمة، فلا يشعرون بها مع جلائها ودوامها.

قال الواحدي: «معنى تسخيرهن: تذليلهن لما يراد منها من طلوع وأفول وسير ورجوع» 27.

وقال الماوردي: « {مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ} يحتمل وجهين: أحدهما: مذللات بقدرته. والثاني: جاريات بحكمه 28.

فكلها تحت قهره وسلطانه وإرادته جل وعلا.

وهذه المنظومة الكونية الواحدة في صالح الإنسان، فكل ما في الكون مسخرٌ له، وكل ما في الكون له دوره في هذه المنظومة.

قال الجاحظ: «إذا تأملت في هذا العالم وجدته كالبيت المعد، فيه كل ما يحتاج إليه، فالسماء مرفوعة كالسقف، والأرض ممدودة كالبساط، والنجوم منورة كالمصابيح والإنسان كمالك البيت المتصرف فيه، وضروب النبات مهيأة لمنافعه، وضروب الحيوانات مصرفة في مصالحه، فهذه جملة واضحة دالة على أن العالم مخلوق بتدبير كامل وتقدير شامل وحكمة بالغة وقدرة غير متناهية، والله أعلم» 29.

والشمس والقمر يعملان بنظام دقيق مستمرٍ بلا خلل أو عطب أو توقفٍ. {وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) } [إبراهيم:33] .

وهل هناك نظام بشري لا يعتريه الخلل؟ وهل يستطيع الإنسان أو الآلة أن تعمل بلا توقف؟ إن لكل جهاز صلاحيته التي لا تتجاوز سنوات معدودة، فكيف بهذين النيرين لا يتوقفان ولا يعطبان ولا ينحرفان قيد أنملة.

واختلاف الليل والنهار آية عظيمة ونعمة جليلة من نعم الله تعالى على الإنسان والكون.

قال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (72) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (73) } [القصص: 71 - 73] .

فالله سبحانه وتعالى لم يشأ أن يجعل الليل سرمدًا، أو النهار سرمدًا، بل جعل الليل والنهار، ووصل بعضهما ببعض، ولم يجعل لأحدهما وجودًا بغير الآخر. وجعل ذلك رحمة منه سبحانه، بعباده، وإحسانًا إليهم 30.

ثانيًا: جريان الشمس:

بعيدًا عن نور الإيمان ونور العلم شاع الاعتقاد في عصور الانحطاط العلمي في أوروبا، أن الشمس ثابتة وأنها مركز الكون، بينما كان المسلمون على علم بحركة الشمس وجريانها في مدارها من كتاب الله تعالى: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40) } [يس: 38 - 40] .

قال السعدي: وجريان الشمس «حركتها في فلكها المرسوم لها، وهي تقطع دورةً في هذا الفلك تمام السنة، وفي سرعة مذهلة» 31.

فلا تتعداه، ولا تقصر عنه، وليس لها تصرف في نفسها، ولا استعصاء على قدرة الله تعالى: {ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} الذي بعزته دبر هذه المخلوقات العظيمة، بأكمل تدبير، وأحسن نظام. {الْعَلِيمِ} الذي بعلمه، جعلها مصالح لعباده، ومنافع في دينهم ودنياهم 32.

وقال القاسمي: « {ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} أي: ذلك الجري المتضمن للحكم والمصالح والمنافع، والمدهش نظام سيره وإحكامه بلا اختلال، تقدير الغالب بقدرته على كل مقدور، المحيط علمًا بكل معلوم» 33.

وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا} قال:(مستقرها تحت العرش) 34.

وقال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2) } [الرعد: 2] .

وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (33) } [الأنبياء:33] .

وقال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) } [إبراهيم: 33] .

بينت هذه الآيات حركة الشمس والقمر الدائمة، ودورانهما في مدارٍ يختلف أحدهما عن الآخر، وجريانهما الذي لا يتوقف إلا بانتهاء الأجل الذي قدره الله تعالى لعمر الدنيا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت