فهرس الكتاب

الصفحة 399 من 2431

الكتب المنزلة

أولًا: المعنى اللغوي.

الكتب المنزلة: مركب من موصوف (الكتب) وصفة (المنزلة) .

الكتب لغة: الكتب جمع كتاب، وهو من الفعل كتب، وأصل معناه: الضم والجمع، قال الراغب بعد أن بين كون أصل الكلمة من ضم الشيء للشيء: «والكتاب في الأصل مصدر، ثم سمي المكتوب فيه كتابا، والكتاب في الأصل اسم للصحيفة مع المكتوب فيه» 1.

وقال النحاس: «وقيل كتاب لما جمع فيه. يقال: كتبت الشيء أي: جمعته» 2.

كما تدل مادة «كتب» : على الفرض والإيجاب والتقدير، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [البقرة: 178] .

المنزلة لغة: المنزلة اسم مفعول من الفعل نزل، فعل، مفعلة، والمنزلة: اسم مفعول من أنزل، أفعل، مفعلة. نزل بالمكان، «ونزله نزلةً واحدة، ونزل من علو إلى أسفل، ونزل في البئر، ونزل عن الدابة. وهذا منزل القوم. واستنزلوهم من صياصيهم، وأنزل الله الغيث، وأنزل الكتاب ونزله، وتنزلت الملائكة. 3 والنزول في الأصل: انحطاطٌ من علو. يقال: نزل عن دابته، ونزل في مكان كذا: حط رحله فيه، وأنزله غيره. قال تعالى: {وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (29) } [المؤمنون: 29] .

«ونزل بكذا، وأنزله بمعنًى، وإنزال الله تعالى نعمه ونقمه على الخلق: إعطاؤهم إياها، وذلك إما بإنزال الشيء نفسه كإنزال القرآن، وإما بإنزال أسبابه والهداية إليه، كإنزال الحديد واللباس، ونحو ذلك 4.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي

الكتب المنزلة هي الكتب التي أنزلها الله على أنبيائه لهداية الناس. فتشمل ما أخبرنا الله عنه: صحف إبراهيم، والتوراة والزبور والإنجيل، وكذلك القرآن الكريم، إضافة إلى ما أنزله الله ولم يقص علينا خبره.

القرآن:

القرآن لغة:

القاف والراء والياء أصل صحيح يدل على الشيء المجموع، وقرأت الشيء قرآنًا: جمعته، وضممت بعضه على بعض، وقرأت الكتاب قراءةً وقرآنًا، ومنه سمي القرآن؛ لأنه يجمع السور فيضمها 5.

القرآن اصطلاحًا:

كلام الله تعالى، المنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، بواسطة سيدنا جبريل عليه السلام، المتعبد بتلاوته، المنقولُ إلينا بالتواتر، المقروءُ في المصاحف، المبدوء بسورة الفاتحة والمنتهي بسورة الناس» 6.

الصلة بين القرآن والكتب المنزلة:

القرآن الكريم آخر الكتب المنزلة من الله عز وجل إلى أنبيائه لهداية الناس.

التوراة:

التوراة لغة:

قال أبو حيان: «التوراة: اسمٌ عبرانيٌ، وقد تكلف النحاة في اشتقاقها، وفي وزنها، وذلك بعد تقرير النحاة أن الأسماء الأعجمية لا يدخلها اشتقاقٌ، وأنها لا توزن، يعنون اشتقاقًا عربيًا» 7.

التوراة اصطلاحًا:

«التوراة اسمٌ للكتاب المنزل على موسى عليه السلام» 8.

الصلة بين التوراة والكتب المنزلة:

التوراة هو الكتاب الذي أنزله الله على موسى عليه السلام.

الإنجيل:

الإنجيل لغةً:

قال ابن منظور: «الإنجيل: كتاب عيسى، على نبينا وعليه -الصلاة والسلام-، يؤنث ويذكر، فمن أنث أراد الصحيفة، ومن ذكر أراد الكتاب» 9. ويجمع على أناجيل.

وقد اختلف العلماء في أصله اللغوي وهل هو عربي أو معرب، والراجح هو أن كلمة الإنجيل معربة.

الإنجيل اصطلاحًا:

كلمة إنجيل إذا أطلقت فلها معنيان:

الأول: الكتاب المنزل من عند الله تعالى على المسيح عليه السلام، وهو مفقود، ولم يبق منه إلا نتف قليلة مما بين أيدي النصارى الآن، قال الطاهر بن عاشور في تعريفه بهذا المعنى: «اسمٌ للوحي الذي أوحي به إلى عيسى عليه السلام فجمعه أصحابه» 10.

الثاني: الإنجيل الذي تعظمه النصارى الآن، وهو عبارة عن: «أربعة كتبٍ تعرف بالأناجيل الأربعة» .

الصلة بين الإنجيل والكتب المنزلة:

الإنجيل هو الكتاب الذي أنزله الله على عيسى عليه السلام.

لا يمكن للبشرية في مسيرتها أن تحتكم لعقولها القاصرة ولا لأهوائها الجامحة المتباينة ولا لتجاربها المحدودة، ولا للحدس أو التخمين، أو غير ذلك من وسائل المعرفة والإدراك أو الظنون والأوهام أو الخرافات والأساطير، فمع أهمية العقل وضرورة الحواس وقيمة التجارب الإنسانية لكن ذلك لا يكفي ولا يشفي، إذ لا غنى للبشرية عن هداية السماء، ولا رشاد لهم إلا بدعوة الأنبياء، من هنا ندرك قيمة الكتب الإلهية المنزلة وأهميتها ومقاصدها، فلقد نزلت هداية ورحمة، ونورا وحكمة، وبيانا وتفصيلا، نزلت لإخراج الناس من ظلمات الجهل والكفر إلى نور الإيمان والعلم، نزلت هداية للبشرية وتبيانا، ومنهاجا ونبراسا لها في طريقها، نزلت بالأخبار والبشارات، للعظة والاعتبار، والترغيب والترهيب، وقد بين القرآن ذلك كله أصدق بيان وأجلى برهان.

أولًا: إخراج الناس من ظلمات الكفر والشرك إلى نور التوحيد:

الحكمة من إنزال الكتب هداية الناس وتبصيرهم، وإخراجهم من ظلمات الشرك إلى نور الإيمان.

قال تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [البقرة: 257] .

فالله تعالى يتولى عباده المؤمنين ويخرجهم من ظلمات الكفر والشرك إلى نور الإيمان والتوحيد، بإرسال الرسل وإنزال الكتب.

وأنبياء الله تعالى جاءوا بالحجج النيرات والآيات الواضحات مؤيدين بالكتب التي تنير الطريق لهم ولمن اتبعهم.

قال تعالى: {فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (184) } [آل عمران: 184] .

وبين تعالى أن غاية رسالة موسى عليه السلام إخراج قومه من ظلمات الكفر والجهل والظلم إلى نور الإيمان والعلم والعدل.

قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (5) } [إبراهيم: 5] .

قال الماتريدي: «وعلى ذلك بعث جميع الرسل والأنبياء، بعثوا ليخرجوا قومهم من الظلمات إلى النور» 11.

إن وظيفة الرسل وغاية إنزال الكتب إخراج الناس من الظلمات التي تغشاهم وتحيط بهم إلى النور الذي يضيء لهم دروبهم ويهديهم سبلهم. قال تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ} [الأنعام: 91] .

وفي القرآن الكريم آياتٌ كثيرةٌ تبين لنا أن أعظم مقاصد القرآن إخراج الناس من الظلمات المدلهمة إلى النور السافر.

قال تعالى: {هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (9) } [الحديد: 9] .

{رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [الطلاق: 11] .

{الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (1) } [إبراهيم:1] .

ألا ما أحوج الإنسانية لهذا النور الذي يضيء لهم دروب حياتهم المتشعبة، ويبصرهم حين يمشون بين الناس، ويكشف لهم ظلام الشك والشهوات.

قال تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} [الأنعام: 122] .

فلا يستغني الناس عن النور الذي يضيء لهم سبلهم، ومن حرم من النور الرباني عاش حياته متخبطا في الظلمات {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (40) } [النور: 40] .

قال ابن القيم: «فالظلمات: جمع ظلمة، وهي ظلمة الجهل، وظلمة الكفر، وظلمة ظلم النفس بالتقليد واتباع الهوى، وظلمة الشك والريب، وظلمة الإعراض عن الحق الذي بعث الله تعالى به رسله صلوات الله وسلامه عليهم. والنور الذي أنزله معهم ليخرجوا به الناس من الظلمات إلى النور» 12.

ثانيًا: التفريق بين الحق والباطل وإقامة العدل في حياة الناس:

من مقاصد إنزال الكتب إحقاق الحق وإبطال الباطل، فالكتب هي الفارقة بين الحق والباطل، والكتب هي الداعية إلى إقامة موازين العدل بين الناس.

قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25) } [الحديد: 25] .

عن مجاهدٍ، وقتادة: «الميزان هو العدل» 13.

وقال القشيري: «أي: أرسلناهم مؤيدين بالحجج اللائحة والبراهين الواضحة، وأزحنا العلة لمن أراد سلوك الحجة المثلى، ويسرنا السبيل على من آثر اتباع الهدى والدليل، وأنزلنا معهم الكتب المنزلة، والميزان أي: الحكم بالقرآن، واعتبار العدل والتسوية بين الناس» 14.

وقال السعدي: «الميزان: العدل والاعتبار بالقياس الصحيح والعقل الرجيح، فكل الدلائل العقلية من الآيات الآفاقية والنفسية والاعتبارات الشرعية والمناسبات والعلل والأحكام والحكم داخلةٌ في الميزان الذي أنزله الله تعالى ووضعه بين عباده، ليزنوا به ما اشتبه من الأمور، ويعرفوا به صدق ما أخبر به وأخبرت رسله» 15.

فكما أنزل الله الكتاب أنزل الميزان. قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (17) } [الشورى: 17] .

وسميت التوراة بالفرقان لكونها فارقة بين الحق والباطل قال تعالى: {وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53) } [البقرة: 53] .

{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (48) } [الأنبياء: 48] .

كذلك سمي القرآن بالفرقان قال تعالى: {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (3) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (4) } [آل عمران: 3 - 4] .

{تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (1) } [الفرقان:1] .

فالفرقان: «ما يفرق بين الحق والباطل، وبين المشتبه والواضح، وبين ما يؤتى ويتقى، وبين ما عليهم ولهم» 16.

ثالثًا: بيان تكاليف العباد من العبادات والمعاملات وغيرها:

خلق الإنسان لعبادة ربه جل وعلا قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) } [الذاريات: 56] .

ولم تترك عبادة الله تعالى لاجتهادات الناس وأفكارهم، وإلا لذهب الناس فيها كل مذهب، وصارت لهم فيها فنونٌ؛ بل كانت العبادات وفق ما جاء به الرسل ونزلت به الكتب قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (36) } [النحل: 36] .

فأرسل الله رسله كما أنزل كتبه لأسمى الغايات وهي عبادته تعالى وتنظيم حياة الناس وإصلاح معاملاتهم. فجميع ما جاء به الأنبياء عليهم السلام خرج من مشكاة واحدة وقصد إلى غاية واحدة هي: هداية البشرية وإمدادها بالزاد الروحي والقبس الإيماني الذي يضيء دروب الحياة، ويصلح المعاش والمعاد.

قال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (13) } [الشورى: 13] .

عن قتادة (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا) قال: الحلال والحرام 17.

وقال مجاهد: لم يبعث الله تعالى نبيا إلا أوصاه بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة والإقرار لله بالطاعة. فذلك دينه الذي شرع لهم 18.

فأصول الدين واحدة، لا تختلف في جميع الشرائع، وأما الفروع فمختلفة.

تحدث القرآن الكريم عن الكتب المنزلة حديثا شافيا، وبين ما جاء فيها من الهدى والحق، وتحدث القرآن عن نزولها ومقاصدها، كما بين أوصافها وفضائلها، وتحكيمها والعمل بها، وتصديق القرآن لها وهيمنته عليها.

ومن الكتب المنزلة التي تحدث القرآن عنها: التوراة، والزبور، والإنجيل، والقرآن، وصحف إبراهيم وموسى.

أولًا: التوراة:

التوراة: كتاب الله تعالى الذي أنزله على نبيه موسى عليه السلام 19.

ولقد تحدث القرآن عنها حديثًا مسهبًا، مما يدل على منزلتها، حدثنا القرآن عن نزولها وكتابتها، وعن مقاصدها، وما تضمنته من أوامر وأخبارٍ، ودعانا إلى الإيمان بها وبنزولها على موسى عليه السلام، وأنها نزلت بالخير والهدى.

تحدث القرآن عن نزولها في مواضع كثيرة.

قال تعالى: {نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (3) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ} [آل عمران: 3] .

فكما أنزل الله تعالى القرآن على نبيه محمدٍ صلى الله عليه وسلم مصدقا لما بين يديه، فقد أنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس، فالكتب الثلاثة خرجت من مشكاةٍ واحدةٍ؛ ومن ثم فهي متفقةٌ في مصدرها ومقاصدها، ومن هنا ندرك حكمة اقترانها في مواضع كثيرةٍ من القرآن، لأنها يصدق بعضها بعضا، ويكمل سابقها لاحقها، وهي كلها كلام رب العالمين، فضلا عن توافقها وتناسبها.

وقد جاء الحديث عن نزول التوراة في مواضع أخرى.

قال تعالى: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (93) } [آل عمران: 93] .

فتحدثت الآية عن توراتين، التوراة المنزلة من عند الله تعالى، والتوراة الموجودة في أيدي اليهود والتي فيها ما فيها من تحريفٍ وزيفٍ، لكنها لا تزال حجةً عليهم بما بقي فيها من حقائق تعضد ما جاء به القرآن، وتنقض ما هم عليه من أباطيل. ولو كانت توراةً واحدةً لناسب ذلك الإضمار تحاشيًا للتكرار، لكن الحديث عن توراتين.

قال تعالى: {مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ} .

ويأتي الحديث عن التوراة الحقيقية وعن نزولها ومضمونها وثمراتها الطيبة في سورة المائدة.

قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44) } [المائدة: 44] .

فالتوراة منزلةٌ من عند الله تعالى بالهدى والنور، وهي شريعة الله تعالى التي حكم بها موسى عليه السلام ومن بعده من الأنبياء عليهم السلام، وعلى نهجهم سار الربانيون والأحبار، فأضاءوا بها دروب الحياة، ونعموا في ظلالها بحلاوة العدل وروح الإنصاف. وفي تكرار الحديث عن إنزالها: توكيدٌ وتقريرٌ بأنها نزلت من عند الله تعالى، وبيانٌ لشرفها وعظمتها، وبيانٌ لمقاصد نزولها، وهي الهداية والبيان.

أسماؤها وأوصافها وفضائلها:

تحدث القرآن عن أسمائها فهي التوراة، والفرقان، والكتاب، والألواح، والصحف.

1.التوراة.

وردت بهذا الاسم في القرآن في ستة عشر موضعا، وفي هذا ما يدل على تعظيم شأنها، فهي كلام رب العالمين.

2.الكتاب.

أما التعبير عنها بالكتاب فقد ورد في أكثر من ثلاثين موضعا لكونها مكتوبة وكونها جامعة، وفي كل هذه المواضع يقرر السياق أنه كتاب موسى عليه السلام.

3.صحف موسى.

وردت في موضعين، في سورة النجم والأعلى، وفي هذا كله ما يدل على عظمة التوراة ورفعتها وجلال قدرها، (. أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى?) [النجم: 36] .

(إِنَّ هَ?ذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى? ?18?صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى? ?19?) [الأعلى: 18 - 19] .

فهي كلام الله تعالى الذي أنزله على نبيه موسى الكليم، واصطفاه به على سائر الناس في زمانه.

قال تعالى: (. قَالَ يَا مُوسَى? إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ) [الأعراف: 144] .

أنزلها الله تعالى ضياء وذكرى للمتقين الذين ينتفعون بهديها، ويستنيرون بضيائها.

4.الفرقان.

لأن الله تعالى فرق بها بين الهدى والضلال، والحق والباطل.

قال تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى? وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ) [الأنبياء: 48] .

5.الألواح.

وقد وردت في ثلاثة مواضع من سورة الأعراف.

قال تعالى: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (145) } [الأعراف: 145] .

{وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150) } [الأعراف: 150] .

{وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (154) } [الأعراف: 154] .

في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن نبينا صلى الله عليه وسلم في محاجة آدم وموسى، وفيه: (فقال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيءٍ، وقربك نجيًا، فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق؟ قال موسى: بأربعين عامًا، قال آدم فهل وجدت فيها(وعصى آدم ربه فغوى) ؟ قال نعم، قال أفتلومني على أن عملت عملًا كتبه الله علي أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنةً؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فحج آدم موسى) 20.

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: قوله: (وكتبنا له في الألواح) : يريد ألواح التوراة 21.

مقاصدها:

نزلت التوراة هدايةً ورحمةً، ونورا وحكمةً، وضياء وذكرا، وتفصيلا وبيانا، وتبصرةً وفرقانا، نزلت بيانًا لأركان الإيمان وثمراته، كما نزلت مفصلةً للأحكام والآداب، والقصص والأمثال، والوصايا والبشارات.

نزلت هداية لبني إسرائيل، وإصلاحًا لعقيدتهم.

قال تعالى: {وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا} [الإسراء: 2] .

وقال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} [المؤمنون: 49] .

كما نزلت تبصرة لهم ورحمةً بهم لعلهم ينتفعون بها، ويتذكرون بأحكامها ومواعظها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت