فهرس الكتاب

الصفحة 1002 من 2431

فمرافقة أهل السوء داء، وتورث الشر والضياع في الدنيا، فالصحبة متى كانت سيئة كانت عائقة للإنسان عن الخير والطاعات، لما لها من تأثير كبير على الإنسان، ومن تلك الآثار ما يأتي:

1.حب الدنيا والحرص عليها.

فالصحبة السيئة تجعل الإنسان حريصًا على الدنيا منشغلًا عن الآخرة، لذلك أمر الله جل علا بالإعراض عنهم.

قال تعالى: {فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (29) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ} [النجم:29 - 30] .

قال ابن كثير: «وقوله: {وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} أي: وإنما أكثر همه، ومبلغ علمه الدنيا، فذاك هو غاية ما لا خير فيه، ولذلك قال تعالى: {ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ} أي: طلب الدنيا والسعي لها هو غاية ما وصلوا إليه» 107.

والحياة الدنيا وصفها بالدنيا من الدنو وهو القرب، وذلك لانحطاط مرتبتها، ولسبقها على الآخرة 108.

وجملة {ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ} اعتراض وهو استئناف بياني بين به سبب جهلهم بوجود الحياة الآخرة؛ لأنه لغرابته مما يسأل عنه السائل، وفيه تحقير لهم وازدراء بهم بقصور معلوماتهم 109.

وقد نبه أبو حامد إلى خطر صحبته، حيث قال: «وأما الحريص على الدنيا فصحبته سم قاتل؛ لأن الطباع مجبولة على التشبه والاقتداء، بل الطبع يسرق من الطبع من حيث لا يدري صاحبه، فمجالسة الحريص على الدنيا تحرك الحرص، ومجالسة الزاهد تزهد في الدنيا، فلذلك تكره صحبة طلاب الدنيا، ويستحب صحبة الراغبين في الآخرة» 110.

2.الغفلة واتباع الأهواء.

فصحبة الغافلين المتبعين لأهوائهم تعين على الغفلة واتباع الهوى، لذلك نهى الله تعالى عن طاعتهم؛ لأن طاعتهم تدعو إلى الاقتداء بهم، قال جل وعلا في محكم التنزيل: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} [الكهف:28] .

أي: جعلنا قلبه غافلًا عن ذكرنا منشغلًا عن الدين وعبادة ربه بالدنيا.

{وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} أي: مراده في طلب الشهوات فلا تكن مطيعًا له ولا محبًا لطريقته، ولا تغبطه بما هو فيه 111.

3.الضياع والخسران في الدنيا.

وصحبة الغافلين المتبعين لأهوائهم كذلك تورث الخسارة والضياع في الدنيا، لذلك قال تعالى بعد ما نهى عن طاعتهم: {وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف:28] .

قال ابن كثير: « {وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} أي: أعماله وأفعاله سفه وتفريط وضياع» 112.

ويقول السعدي: « {وَكَانَ أَمْرُهُ} أي: مصالح دينه ودنياه {فُرُطًا} أي: ضائعة معطلة، فهذا قد نهى الله عن طاعته، لأن طاعته تدعو إلى الاقتداء به، ولأنه لا يدعو إلا لما هو متصف به» 113.

فهو مهمل مضيع مسرف في كل أحواله 114، ضائعًا تمضي الأيام والليالي، ولا ينتفع بشيء، وفي هذه الآية إشارة إلى أهمية حضور القلب عند ذكر الله، وأن الإنسان الذي يذكر الله بلسانه لا بقلبه تنزع البركة من أعماله وأوقاته، حتى يكون أمره فرطًا عليه، تجده يبقى الساعات الطويلة، ولم يحصل شيئًا، ولكن لو كان أمره مع الله لحصلت له البركة في جميع أعماله 115.

4.الانحراف والضلال.

فالصحبة السيئة تصرف الإنسان عن الطاعة إلى المعصية وتزين له فعل المنكرات.

قال تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (37) } [الزخرف:36 - 37] .

قال الخازن: « {نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا} أي نسبب له شيطانًا ونضمه إليه ونسلطه عليه {فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} يعني لا يفارقه يزين له العمى ويخيل إليه أنه على الهدى» 116.

وفي قوله تعالى: {وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} .

يقول الطبري: «وقوله: {وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ} يقول تعالى ذكره: وإن الشياطين ليصدون هؤلاء الذين يعشون عن ذكر الله، عن سبيل الحق، فيزينون لهم الضلالة، ويكرهون إليهم الإيمان بالله، والعمل بطاعته {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} يقول: ويظن المشركون بالله بتحسين الشياطين لهم ما هم عليه من الضلالة، أنهم على الحق والصواب» 117.

وبنحو هذه الآية قوله تعالى: {وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (25) } [فصلت:25] .

وتفسير أمور الدنيا في هذا الآية بـ {مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} لحضورها عندهم، كالشيء الذي بين يديك تقلبه كيف تشاء، والآخرة بـ {وَمَا خَلْفَهُمْ} ، لعدم مشاهدتها، كالشيء الذي خلفك، أو لكونها ستلحق بهم، وقد يعكس فيجعل {مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} الآخرة؛ لأنها مستقبلة {وَمَا خَلْفَهُمْ} ، الدنيا لمضيها وتركها 118.

5.سوء الذكر.

فمرافقة الصالحين كما ذكرنا ينال منها الإنسان الثناء والذكر الحسن، فهم القوم لا يشقى بهم جليسهم، لذلك ذكر كلب أصحاب الكهف في القرآن الكريم بقوله تعالى: {وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ} [الكهف:18] .

لأنه جالس الصالحين، أما مرافقة أهل الشر والفساد فليس منها إلا سوء الذكر، لأن صحبتهم تورث الشر وتزينه له بأنه هو الحق والصواب، فبئس الصاحب إذا كان من أهل الفساد وبئس القرين، لذلك ذم الله تعالى صحبتهم في محكم التنزيل، حيث قال جل وعلا: {وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا} [النساء:38] .

تحدثنا في المبحث السابق عن آثار الصحبة في الدنيا، وبينا أن الصحبة الصالحة تورث الخير والبركة لمن لازم أهل الصلاح، والصحبة السيئة تورث الشر والضياع لمن لازم أهل السوء والفساد، أما في الآخرة فلها عواقبها ونتائجها بحسب ملازمة الشخص.

وسوف يكون حديثنا في هذا المبحث عن عواقب تلك الصحبة في الآخرة، وذلك في النقاط الآتية:

أولًا: عاقبة الصحبة الصالحة:

فمن لازم أهل الاستقامة والصلاح في الدنيا كانت العاقبة في الآخرة كالآتي:

1.دوام تلك الصحبة والمودة.

فمن كانت صحبته في الله تعالى، وفي سبيله، فإنها دائمة بدوامه.

قال تعالى: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (67) } [الزخرف:67] .

والأخلاء: جمع خليل، وهو الصاحب الملازم، قيل: إنه مشتق من التخلل؛ لأنه كالمتخلل لصاحبه والممتزج به 119.

قال السعدي في هذه الآية: « {إِلَّا الْمُتَّقِينَ} للشرك والمعاصي، فإن محبتهم تدوم وتتصل، بدوام من كانت المحبة لأجله» 120.

لذلك استثنى المتقين؛ لأن النفع دخل على بعضهم من بعض 121.

يقول الشوكاني: «ثم استثنى المتقين فقال: إلا المتقين فإنهم أخلاء في الدنيا والآخرة، لأنهم وجدوا تلك الخلة التي كانت بينهم من أسباب الخير والثواب، فبقيت خلتهم على حالها» 122.

فكل منهم يعين بعضهم بعضًا على الطاعة، فالواحد منهم يقول لصاحبه: كنت تعينني على الطاعة، كنت توجهني وتذكرني إن غفلت، فيزداد الحب بينهما 123، والآية تدل على حصول الخلة وثبوتها، وهي محمولة على الخلة الحاصلة بسبب محبة الله تعالى، لذلك أثبتها للمتقين فقط ونفاها عن غيرهم 124، والله أعلم.

2.النجاة من فزع ذلك اليوم.

يقول الله جل وعلا لعباده المتقين المتحابين في الله عز وجل المجتمعين على طاعته: {يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (68) } [الزخرف:68] .

قال المراغي: «يقال لهم تشريفًا لهم وتسكينًا لروعهم مما يرون من الأهوال: يا عباد لا تخافوا من عقابي، فإني قد أمنتكم منه برضاي عنكم، ولا تحزنوا على فراق الدنيا، فإن الذي تقدمون عليه خير لكم مما فارقتموه منها» 125.

ويقول السعدي في هذه الآية: «أي: لا خوف يلحقكم فيما تستقبلونه من الأمور، ولا حزن يصيبكم فيما مضى منها، وإذا انتفى المكروه من كل وجه، ثبت المحبوب المطلوب» 126.

فالمحبة الصادقة الصافية في الله تعالى ينتج عنها ذهاب الفزع والخوف والحزن يوم القيامة، يقول الشوكاني: «يقال لهؤلاء المتقين المتحابين في الله بهذه المقالة -أي: قوله تعالى: {يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ} - فيذهب عند ذلك خوفهم، ويرتفع حزنهم» 127.

وجاء في الحديث الصحيح عن السبعة الذين يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله ذكر منهم: (ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه) 128.

3.البشرى بدخول الجنة.

يقال لهؤلاء المتقين المتحابين في الله جل وعلا على سبيل البشرى: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (70) } [الزخرف:70] 129.

يقول السعدي في تفسير هذه الآية: « {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ} التي هي دار القرار {أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ} أي: من كان على مثل عملكم، من كل مقارن لكم، من زوجة، وولد، وصاحب، وغيرهم {تُحْبَرُونَ} أي: تنعمون وتكرمون، ويأتيكم من فضل ربكم من الخيرات والسرور والأفراح واللذات، ما لا تعبر الألسن عن وصفه» 130.

4.شفاعة الصاحب.

ورد في محكم التنزيل آيات تدل على أن المؤمن يشفع لصاحبه يوم القيامة، ومن تلك الآيات، قوله تعالى: {فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (100) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (101) } [الشعراء:100 - 101] .

قال قتادة في هذه الآية: يعلمون والله أن الصديق إذا كان صالحًا نفع، وأن الحميم إذا كان صالحًا شفع 131.

ويقول النسفي في تفسير هذه الآية: « {فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ} كما للمؤمنين {وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ} كما نرى لهم أصدقاء، إذ لا يتصادق في الآخرة إلا المؤمنون والحميم من الاحتمام وهو الاهتمام الذي يهمه ما يهمك، أو من الحامة بمعنى الخاصة وهو الصديق الخاص، وجمع الشافع ووحد الصديق؛ لكثرة الشفعاء في العادة، وأما الصديق وهو الصادق في ودادك الذي يهمه ما أهمك فقليل» 132.

ولفظة (الشفيع) تقتضي رفعة مكانة عند المشفوع عنده، ولفظة الصديق تقتضي شدة مساهمة ونصرة، وهو فعيل من صدق الود من أبنية المبالغة، ونفي الشفعاء والصديق يحتمل أن يكون نفيًا لوجودهم إذ ذاك، وهم موجودون للمؤمنين، إذ تشفع الملائكة وتتصادق المؤمنون، كما قال تعالى: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (67) } [الزخرف:67] 133.

وقد ذكر الرازي تفسيرًا لهذه الآية في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (64) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (65) } [الأحزاب:64 - 65] .

يقول الرازي: «وقوله: {لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} لما ذكر خلودهم بين تحقيقه؛ وذلك؛ لأن المعذب لا يخلصه من العذاب إلا صديق يشفع له أو ناصر يدفع عنه، ولا ولي لهم يشفع ولا نصير يدفع» 134.

وفي ذلك ما حدث به النبي صلى الله عليه وسلم عن المؤمنين بعد اجتيازهم للصراط، فقال: (حتى إذا خلص المؤمنون من النار، فو الذي نفسي بيده ما منكم من أحدٍ بأشد مناشدةً لله في استقصاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار، يقولون: ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون! فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم، فتحرم صورهم على النار، فيخرجون خلقًا كثيرًا قد أخذت النار إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه) 135.

ثانيًا: عاقبة الصحبة السيئة:

ومن لازم أهل الشر والفساد في الدنيا كانت العاقبة في الآخرة كالآتي:

1.العداوة والبغضاء.

فكل صداقة في غير الله تعالى تنقلب يوم القيامة عداوة؛ لأن الصداقة الزائفة، والمحبة المبنية على تحصيل المصالح الدنيوية وجلب المنافع العاجلة، الحب فيها مصطنع مزيف، إذا هبت عليها رياح المصلحة فرقتها ومزقتها؛ لأنها لم تبن على أساسٍ راسخ ولا أصلٍ ثابت.

قال تعالى: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (67) } [الزخرف:67] .

قال الشوكاني: «أي: الأخلاء في الدنيا المتحابون فيها يوم تأتيهم الساعة بعضهم لبعض عدو، أي: يعادي بعضهم بعضًا، لأنها قد انقطعت بينهم العلائق، واشتغل كل واحد منهم بنفسه، ووجدوا تلك الأمور التي كانوا فيها أخلاء أسبابًا للعذاب فصاروا أعداء» 136.

وإنما يعادي الخليل خليله يوم القيامة؛ لأن الضرر دخل عليه من صحبته، وقد ذكرنا ذلك، ويقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: «أي: كل صداقة وصحابة لغير الله فإنها تنقلب يوم القيامة عداوة، وهذا كما قال إبراهيم عليه السلام لقومه: {وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (25) } [العنكبوت:25] » 137.

فأخلاء الباطل، وصحبة السوء الذين يجتمعون على معصية الله عليهم أن يحذروا هذا اللقاء 138.

2.الحسرة والندم.

أخبر الله جل علا عن ندم الظالم الذي فارق الحق، وأطاع خليله وقرينه السيء، الذي كان سببًا في هلاكه وبعده عن الحق، وكان كذلك سببًا في حصول الندم والحسرة له يوم القيامة.

يقول جل وعلا: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (29) } [الفرقان:27 - 29] .

قال الطبري: «يقول تعالى ذكره: ويوم يعض الظالم نفسه المشرك بربه على يديه ندمًا وأسفًا على ما فرط في جنب الله، وأوبق نفسه بالكفر به في طاعة خليله الذي صده عن سبيل ربه {لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي} يقول جل ثناؤه مخبرًا عن هذا النادم على ما سلف منه في الدنيا، من معصية ربه في طاعة خليله: لقد أضلني عن الإيمان بالقرآن، وهو الذكر، بعد إذ جاءني من عند الله، فصدني عنه، يقول الله: {وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا} يقول: مسلمًا لما ينزل به من البلاء غير منقذه ولا منجيه» 139.

وذكر ابن عباس سبب نزول هذه الآية: أن أبي بن خلف كان يحضر النبي صلى الله عليه وسلم، فزجره عقبة بن أبي معيط، فأنزل الله تعالى هذه الآية ثم ذكر في هذه الآية: أن {الظَّالِمُ} هو عقبة، و {فُلَانًا خَلِيلًا} هو أبي بن خلف 140.

والمراد بالظالم كل ظالم يرد ذلك المكان وينزل المنزل، ولا ينافيه ورود الآية على سبب خاص، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب 141.

والمقصود كذلك من الآية ذكر هول يوم القيامة بتندم الظالم وتمنيه أنه لم يكن أطاع خليله الذي كان يأمره بالظلم، وما من ظالم إلا وله في الغالب خليل خاص به يعبر عنه بفلان، والظاهر أن الظالم يعض على يديه فعل النادم المتفجع 142.

وفي هذه الآية تنبيهٌ لكل إنسان على تجنب قرين السوء، يقول الشنقيطي: «وهذه الآية الكريمة تدل على أن قرين السوء قد يدخل قرينه النار، والتحذير من قرين السوء مشهور معروف» 143.

3.التلهف والتأسف على فقد الشفيع.

قال تعالى: {فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (100) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (101) } [الشعراء:100 - 101] .

قال ابن عطية: «ثم قالوا ذلك على جهة التلهف والتأسف حين رأوا شفاعة الملائكة والأنبياء والعلماء نافعة في أهل الإيمان عمومًا، وشفاعة الصديق في صديقه خاصة {فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (100) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (101) } ،وفي هذه اللفظة منبهة على محل الصديق من المرء» 144.

وفي هذه الآية يقول المراغي: «وقد أرادوا بهذا الإخبار إظهار اللهفة والحسرة على فقد الشفيع والصديق النافع، وقد نفوا أولًا أن يكون لهم من ينفعهم في تخليصهم من العذاب بشفاعته، ثم ترقوا ونفوا أن يكون لهم من يهمه أمرهم ويشفق عليهم ويتوجع لهم وإن لم يخلصهم، والخلاصة: أن الأمر قد بلغ من الهول ما لا يستطيع أحد أن ينفع فيه أدنى نفع» 145.

فأيسوا من كل خير، وأبلسوا بما كسبوا، وتمنوا العودة إلى الدنيا ليعملوا صالحًا 146، لقوله تعالى: {فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (102) } [الشعراء:102] .

4.طريق إلى النار.

فكما أن الصحبة الصالحة طريق إلى الجنة، فالصحبة السيئة طريق إلى النار.

قال تعالى: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (22) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (23) } [الصافات:22 - 23] .

قال ابن عباس: {وَأَزْوَاجَهُمْ} نظراؤهم وأتباعهم في الظلم 147.

وقال الواحدي: «قال جماعة المفسرين: أشباههم وأمثالهم، وأتباعهم ونظراءهم وضرباءهم، وعلى هذا القول يحمل الذين ظلموا على القادة والرؤساء وأزواجهم أتباعهم {فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ} دلوهم عليها، أي: اذهبوا بهم إلى الجحيم» 148.

وقد أخبر الحق تبارك وتعالى عن صاحب من أهل الإيمان، وقرين كان شريك له، وما كان بينهما من الصحبة، وما نتيجة هذا الصحبة لو أنه أطاع صاحبه وشريكه.

قال تعالى: {قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (51) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (52) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (53) قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (54) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (55) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (56) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (57) } [الصافات:51 - 57] .

فالمؤمن في هذه الآية لم يطع صاحبه وصديقه الملازم له، فكان من الفائزين، ولو صدقه لكان من الهالكين، وقد أقسم هذا الصاحب المؤمن كما في هذه الآيات على ذلك {قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ} .

يقول الشنقيطي: «وقد بين جل وعلا في هذه الآيات أن رجلًا من أهل الجنة أقسم بالله أن قرينه كاد يرديه أي يهلكه بعذاب النار، ولكن لطف الله به فتداركه برحمته وإنعامه فهداه وأنقذه من النار 149.

والشاهد من هذه الآية: أن قرين السوء قد يكون سببًا في هلاك صاحبه ودخوله نار جهنم، والعياذ بالله.

موضوعات ذات صلة:

الاتباع، الأخوة، الصحابة، القدوة

1 مقاييس اللغة، ابن فارس 3/ 335.

2 العين، الفراهيدي 3/ 124.

3 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 3/ 335، لسان العرب، ابن منظور 1/ 520.

4 انظر: المصباح المنير، الفيومي 1/ 333، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية 1/ 507.

5 انظر: المخصص، ابن سيده 3/ 429، لسان العرب، ابن منظور 1/ 519.

6 انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية 1/ 507.

7 المفردات، الراغب الأصفهاني ص 475.

8 التحرير والتنوير، ابن عاشور 30/ 157.

9 انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص 387.

10 انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص 303 - 304، نزهة الأعين النظائر في علم الوجوه والنظائر، ابن الجوزي، ص 392 - 393، بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، الفيروزآبادي، (3/ 386 - 387) ، عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ، السمين الحلبي، (2/ 320 - 321) .

11 انظر: لسان العرب، ابن منظور 10/ 120.

12 الوسيط، الواحدي 2/ 78.

13 انظر: لسان العرب، ابن منظور 10/ 120.

14 انظر: المصدر السابق 10/ 194.

15 انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 18/ 302.

16 أدب الدنيا والدين، الماوردي ص 161.

17 التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص 213.

18 المفردات ص 68.

19 الصحاح، الجوهري 6/ 2264.

20 انظر: معجم المناهي اللفظية، بكر أبو زيد ص 56.

21 المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية 2/ 731.

22 النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الجزري 4/ 54.

23 الفروق اللغوية، العسكري ص 308.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت