فهرس الكتاب

الصفحة 1363 من 2431

قال تعالى: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [إبراهيم: 22] .

يصدر هذا الاعتراف الصريح من إبليس يوم القيامة فيعترف أن الوعد الحق هو وعد الله على ألسنة رسله، وأنه وعد أتباعهم النجاة والسلامة، وكان وعدًا حقًّا، وخبرا صدقًا، وأما أنا فوعدتكم وأخلفتكم، واعتذر إبليس لنفسه قائلًا: وما كان لي عليكم فيما دعوتكم إليه من دليل ولا حجة على صدق ما وعدتكم به، غير أنكم استجبتم لي بمجرد ذلك، هذا وقد أقامت عليكم الرسل الحجج والأدلة الصحيحة على صدق ما جاؤوكم به، فخالفتموهم فصرتم إلى ما أنتم فيه، فلا تلوموني اليوم، ولوموا أنفسكم، فإن الذنب لكم، لكونكم خالفتم الحجج واتبعتموني بمجرد ما دعوتكم إلى الباطل 45.

«فيا للشيطان! ويا لهم من وليهم الذي هتف بهم إلى الغواية فأطاعوه ودعاهم الرسل إلى الله فكذبوهم وجحدوه!» 46.

[انظر الاتباع: اتباع الشيطان]

إن نظرة كثير من الناس قاصرة، فهم ينظرون إلى عاجل أمرهم دن آجله، ولأجل ذلك ربما قدموا طاعة القادة والزعماء على طاعة الخالق سبحانه، وهذه الطاعة للقادة إما أن تكون خوفا من بطشهم وعقابهم، وإما أن تكون طمعا فيما بين أيديهم من الجاه والمال، وفي المقابل فإن خنوعهم وخضوعهم وتذللهم هذا يزيد القادة بطشا واستكبارا وغرورا، فيتمادوا في الباطل وينساق الاتباع خلفهم، وهذا ماحدث لفرعون حين استخف قومه ونصب من نفسه إلها من دون الله، واتبعه قومه على باطله، فكان بئس القدوة لمن اقتدى به.

قال تعالى: {فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (97) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ} [هود: 97 - 98] .

أي: يقودهم، فيمضي بهم إلى النار، حتى يوردهموها، ويصليهم سعيرها، وبئس الورد الذي يردونه 47.

وهذا مصير أي ولاء يكون لغير الله، فإن القادة سيتخلون عن أتباعهم يوم القيامة.

قال تعالى: {وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ} [إبراهيم: 21] .

والضعفاء هم الضعفاء. هم الذين تنازلوا عن أخص خصائص الإنسان الكريم على الله حين تنازلوا عن حريتهم الشخصية في التفكير والاعتقاد والاتجاه وجعلوا أنفسهم تبعًا للمستكبرين والطغاة. ودانوا لغير الله من عبيده واختاروها على الدينونة لله. والضعف ليس عذرًا، بل هو الجريمة فما يريد الله لأحد أن يكون ضعيفًا، وهو يدعو الناس كلهم إلى حماه يعتزون به والعزة لله. وما يريد الله لأحد أن ينزل طائعًا عن نصيبه في الحريه -التي هي ميزته ومناط تكريمه- أو أن ينزل كارهًا. والقوة المادية -كائنة ما كانت- لا تملك أن تستعبد إنسانًا يريد الحرية، ويستمسك بكرامته الآدمية. فقصارى ما تملكه تلك القوة أن تملك الجسد، تؤذيه وتعذبه وتكبله وتحبسه. أما الضمير. أما الروح. أما العقل. فلا يملك أحد حبسها ولا استذلالها، إلا أن يسلمها صاحبها للحبس والإذلال! من ذا الذي يملك أن يجعل أولئك الضعفاء تبعًا للمستكبرين في العقيدة، وفي التفكير، وفي السلوك؟

من ذا الذي يملك أن يجعل أولئك الضعفاء يدينون لغير الله، والله هو خالقهم ورازقهم وكافلهم دون سواه؟ لا أحد. لا أحد إلا أنفسهم الضعيفة. فهم ضعفاء لا لأنهم أقل قوة مادية من الطغاة، ولا لأنهم أقل جاهًا أو مالًا أو منصبًا أو مقامًا إنما هم ضعفاء؛ لأن الضعف في أرواحهم وفي قلوبهم وفي نخوتهم

فالإرادة هي التي تنقص هذه القطعان! إن الذل لا ينشأ إلا عن قابلية للذل في نفوس الأذلاء 48.

وفي صورة أخرى من صور مخاصمة الأتباع لقادتهم يوم القيامة يوم الخزي والندامة للتابع والمتبوع على طريق الضلال.

قال تعالى: {وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (47) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ} [غافر: 47 - 48] .

يخبر تعالى عن تحاج أهل النار في النار، وتخاصمهم، فيقول الأتباع للقادة والسادة والكبراء: (إنا كنا لكم تبعا) أي: أطعناكم فيما دعوتمونا إليه في الدنيا من الكفر والضلال، فهل تتحملونه عنا قسطا من العذاب؟. فكان الجواب من السادة: لا نتحمل عنكم شيئا، كفى بنا ما عندنا، وما حملنا من العذاب والنكال. 49.

القدوة السيئة بالآباء أخطر ما يهدد إيمان الأسرة وأمنها، فإذا رأى الولد في صغره سلوك أبيه قلده دون أن يدري ماذا يفعل، ويتحمل الأب هنا وزر القدوة السيئة، غير أن الإنسان لا عذر له بالاقتداء بالآباء بعد أن يصبح ناضجا، فعليه أن يعمل عقله، لا أن يلغي تفكيره ويتبع الآباء على ضلالاتهم ويصبح كالأنعام، ينساق خلف قائد القطيع بلا عقل ولا روية، وهذا ما نعاه الله تعالى على المشركين.

قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} [البقرة: 170] .

والملاحظ في هذه الآية أنها جاءت في سياق آيات من سورة البقرة تحذر من القدوة السيئة ومن تبعية السوء، فقبلها بخمس آيات كان الكلام عن اتخاذ الأنداد: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} [البقرة: 165] .

فهؤلاء الناس قدموا محبة الأنداد وطاعتهم على طاعة الله، ثم تلتها براءة التابع والمتبوع من بعضهما {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ} [البقرة: 166] .

وبعدها جاء الكلام عن الشيطان وسبل إغوائه للإنسان ليصرفه عن القدوة الصالحة {يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 168 - 169] .

قال البيضاوي: « {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} لا تقتدوا به في اتباع الهوى فتحرموا الحلال وتحللوا الحرام» 50.

ثم عاد الكلام ليصرح بتبعية فاسدة أخرى هي تبعية الأبناء للآباء الضالين، واقتدائهم بهم {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} [البقرة: 170] .

وذكر الشيطان في وسط الآيات التي تتكلم عن التبعية والولاء والبراء فيه إشارة إلى أن هذه القدوات الباطلة ما هي إلا اتباع لوساوس الشيطان، وأنها سوء وفحشاء، وأن الاقتداء بالضالين والمفسدين من الآباء وغيرهم فيه تعطيل للعقل والحواس، واقتداء بالشيطان الرجيم.

وجاء اقتران مقولة هؤلاء الكفرة في الاقتداء بالآباء مع ذكر الشيطان في آية أخرى.

قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} [لقمان: 21] .

وهذا يدل على أن الشيطان الرجيم يقف خلف تزيين القدوة السيئة للناس.

ومن الآيات التي نهت عن الاقتداء بالآباء في العبادات وسيء العادات:

قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} [المائدة: 104] .

وقال تعالى: {فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ} [هود: 109] .

«ومما يروى من نوادر العامة أن رجلا كان له ابن، ولما أسن وعجز عن العمل أخذه ابنه ذاك وذهب به إلى فلاة من الأرض، فطرحه تحت شجرة وتركه هناك حتى هلك. فلما كبر هذا الابن وبلغ مبلغ أبيه كان له ابن له وهو لا يعلم بالقصة، فأخذه أيضًا وذهب به إلى الفلاة وطرحه تحت شجرة كما فعل هو بأبيه. فلما تولى عنه التفت إليه فرآه يبتسم. فتعجب من ذلك ورجع إليه وقال له: مم تضحك، وقد أيقنت بالهلاك؟ فقال له أبوه: والله ما ضحكت إلا إنني تذكرت ما فعلت بأبي، وقص عليه القصة. فقال الولد حينئذ: لئن أنا تركته حتى مات ليفعلن بي عقبي مثل هذا. فأخذه ورده إلى بيته» 51.

[انظر: الاتباع: الآباء الكافرون]

مضى المثل بقولهم: الصاحب ساحب، وهو كذلك فهو إما أن يسحب صاحبه إلى الجنة وإما أن يسحب صاحبه إلى النار، وعندها تقع الحسرة والندامة للتفريط في الصحبة الصالحة.

قال تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا} [الفرقان: 27 - 28] .

فالواضح من الآية الكريمة أن الصاحب الفاسد هو سبب هلاكه ودخوله النار. وقد يكون الصاحب من غير أهل الإسلام! والنهي في حق هذا أشد، وفيه قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ} [آل عمران: 11] .

أي: بطانة من غيركم من أهل الأديان الأخرى، وبطانة الرجل هم خاصة صحبه الذين يطلعون على داخل أمره 52.

وحتى يتجنب المرء الصحبة الفاسدة عليه أن يتحرى في صاحبه صفات الصاحب الصالح إذ ينبغي أن يكون فيمن تؤثر صحبته خمس خصال: أن يكون عاقلا، حسن الخلق، غير فاسق، ولا مبتدع، ولا حريص على الدنيا.

أما العقل فهو رأس المال وهو الأصل فلا خير في صحبة الأحمق فإلى الوحشة والقطيعة ترجع عاقبتها وإن طالت قال علي رضي الله عنه:

فلا تصحب أخا الجهل وإياك وإياه

فكم من جاهلٍ أردى حليمًا حين آخاه

يقاس المرء بالمرء إذا ما المرء ماشاه

وللشيء على الشيء مقاييسٌ وأشباه

وأما الفاسق المصر على الفسق فلا فائدة في صحبته؛ لأن من يخاف الله لا يصر على كبيرة؛ ومن لا يخاف الله لا تؤمن غائلته ولا يوثق بصداقته بل يتغير بتغير الأغراض.

قال تعالى: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28] .

وقال تعالى: {فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى} [طه: 16] .

وفي مفهوم ذلك زجر عن الفاسق، وأما المبتدع، ففي صحبته خطر سراية البدعة وتعدي شؤمها إليه، فالمبتدع مستحق للهجر والمقاطعة فكيف تؤثر صحبته، ومما قاله عمر رضي الله عنه في الحث على طلب التدين في الصديق: واعتزل عدوك، واحذر صديقك إلا الأمين من القوم، ولا أمين إلا من خشي الله، فلا تصحب الفاجر فتتعلم من فجوره، ولا تطلعه على سرك، واستشر في أمرك الذين يخشون الله تعالى 53.

كما أن مشاهدة الفسق والفساق تهون أمر المعصية على القلب وتبطل نفرة القلب عنها، وأما الحريص على الدنيا فصحبته سم قاتل؛ لأن الطباع مجبولة على التشبه والاقتداء؛ بل الطبع يسرق من الطبع من حيث لا يدري صاحبه، فمجالسة الحريص على الدنيا تحرك الحرص، ومجالسة الزاهد تزهد في الدنيا، فلذلك تكره صحبة طلاب الدنيا ويستحب صحبة الراغبين في الآخرة 54.

ولما أن كان للصحبة أثر كبير في اقتداء كل منهما بصاحبه تعددت أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجوب اختيار الرفيق الصالح، والابتعاد عن رفيق السوء، ومن ذلك: عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل) 55.

إن الصحبة السيئة تجلب لصاحبها الشقاء السرمدي، فربما كان الإنسان مستقيمًا فيتعثر بصاحب السوء فيقلب له حياته رأسا على عقب، وتنقلب الطاعة إلى معصية، فلا يجد عند صاحب السوء إلا نار الدنيا قبل نار الآخرة، وما أجمل تشبيه النبي عليه الصلاة والسلام لصاحب السوء بكير الحداد الذي هو نار وحر ودخان في الدنيا ووباله في الآخرة كذلك، فعن أبي موسى، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مثل الجليس الصالح والجليس السوء، كمثل صاحب المسك وكير الحداد، لا يعدمك من صاحب المسك إما تشتريه، أو تجد ريحه، وكير الحداد يحرق بدنك، أو ثوبك، أو تجد منه ريحًا خبيثةً) 56.

أولًا: أهمية القدوة:

مما لا شك فيه أن القدوة لها تأثير كبير في المقتدي، والمقتدى به، فالأول متابع للثاني إن أحسن أحسن متبعوه، وإن أساء أساء متبعوه، فهم على دربه سائرون، أما المقتدى به فهو أحد اثنين، إما أن يبهره جاهه بعد أن أصبح مطاعا متبعا مشهورا يحاكى من الآخرين فينتظرون قوله ويترقبون فعله، فإنه وقت إذ ربما يفتن عن دينه وينحرف في أخلاقه، وقد تزهو نفسه فينالها العجب بدلا من التواضع، ويصبح همه الظهور والقشور، وإما أن يزداد تواضعا وخوفا من الله وخشية، ويزيد في شكر الله عز وجل على ما سخر له من أمور الدنيا وقلوب العباد.

للقدوة الحسنة أهمية بالغة، فهي دعوة الصالحين الدائمة في كل صلاة يتوجهون فيها إلى الله عند قراءة أم الكتاب، وذلك حين يردد المؤمن طالبا الهداية من رب العالمين بقوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6] .

إنه يريد طريق الهداية متأسيا ومقتديا فيمن هداهم الله الصراط المستقيم: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 7] .

كلمات تغرس في قلب المؤمن وجوب القدوة الحسنة، مع كل صلاة بل مع كل ركعة يستفتح فيها بفاتحة الكتاب، وهو إذ يطلب من الله تعالى أن يرشده القدوة الحسنة يستعيذ به سبحانه من القدوة السيئة.

إن حاجة الناس إلى القدوة نابعة من غريزة كامنة في النفوس هي التقليد والمحاكاة. فقد فطر الناس على افتقاد القدوة والبحث عن الأسوة، ليكون لهم نبراسا يضيء سبيل الحق، ومثالا حيا يبين لهم كيف يطبقون شريعة الله، لذلك لم يكن لرسالات الله من وسيلة لتحقيقها على الأرض إلا إرسال الرسل، يبينون للناس ما أنزل الله من شريعة.

قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44) } [النحل: 43 - 44] .

تعد القدوة الحسنة أفضل أساليب التربية وأقربها إلى النجاح، فالإنسان في طبعه يميل إلى التقليد والمحاكاة، فإذا كان المحاكي قدوة تأصلت في المقتدي الخلال الطيبة والخصال الكريمة والقيم الرفيعة.

إن صاحب القدوة يحقق بأسلوبه وسلوكه كل الأسس والأساليب والأهداف التي يرجى أن يقوم عليها نموذج المجتمع القدوة، لذلك بعث الله النبي محمدا صلى الله عليه وسلم؛ ليكون قدوة حسنة {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب:21] .

فكان الرسول الكريم هاديا ومربيا بسلوكه الشخصي بالإضافة إلى الذكر الحكيم والسنة، وكان النبي ترجمة عملية حية لتعاليم وآداب القرآن، كما أن سيرة الصحابة والتابعين تعد نموذجا لتجسيد القدوة الحسنة للمجتمع المسلم.

ولا بد للناس من قدوة في مجتمعهم تجسد لهم شريعة الإسلام السمحة وتقاليده السامية؛ ليحملوا بصدق أمانة تربية الأجيال، ولا بد للمجتمع من قدوة فيمن يتولى أمره تتجسد فيه المبادئ الإسلامية فيتطلع المجتمع إليه ويسير على نهجه.

القدوة الحسنة في الإسلام هي لمن التزم بالمنهج الرباني، فنجاح الأثر التربوي للرسول عليه السلام يتوقف على الإيمان بأنه مؤيد بالوحي والإلهام من عند الله، فلا يقره الله على خطأ في التشريع، وأنه أمين قد بلغ رسالات ربه، فإذا تم هذا الإيمان شعر الإنسان بسعادة عظيمة كلما اقتدى بأمر من أوامر الرسول، أو أسلوب من أساليبه التربوية في الحياة، أما الفلاسفة والزعماء وعلماء التربية، فإنما يتبعون الظن، ويضعون النظريات 58، لذلك كان الأنبياء والرسل في كل عصر قدوة للناس.

أهم ميادين القدوة: الأسرة والمدرسة، لذلك كانت الأسرة محط نظر الإسلام كونها اللبنة الأولى لبناء المجتمع، فلا بد للطفل من قدوة في والديه وأسرته لتنطبع في نفسه المبادئ والقيم الإسلامية. ومما لا شك فيه أنه إذا وجد الطفل القدوة الحسنة في والديه وفي معلمه حذا حذوهم، وأصبح من الميسور تربيته طبقا لشريعة الإسلام، لقد ذكر لنا القرآن الكريم حرص الأبناء البررة على اتباع الآباء المخلصين، قال يوسف عليه السلام: {وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} [يوسف: 38] .

وفي المقابل ذكر القرآن الكريم حرص الآباء المخلصين على هداية أبنائهم وإرشادهم كما جاء في بعض وصايا لقمان لابنه: {يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [لقمان: 17] .

إن أهم الأسس النفسية لاتخاذ القدوة هو دافع التقليد: والتقليد أمر غريزي يتجلى في الرغبة الملحة التي تدفع الضعيف، والمرؤوس إلى محاكاة سلوك القوي والرئيس، كما تدفع غريزة الانقياد في القطيع جميع أفراده إلى اتباع قائده، واقتفاء أثره، ويرتقي التقليد بارتقاء المجتمع، حتى يبلغ في التربية الإسلامية ذروته من الوعي، والسمو والهدف النبيل، والتقليد يرتكز على ثلاثة عناصر:

أولها: الرغبة في المحاكاة والاقتداء، فالشخص المقلد مدفوع برغبة خفية لا يشعر بها، نحو محاكاة من يعجب به في لهجة الحديث، وأسلوب الحركة والمعاملة والكتابة، ومعظم عادات السلوك، دون أن يقصد، وهذا التقليد غير المقصود لا يقتصر على حسنات السلوك، بل قد يتعداها إلى غيرها، فالشخص المتأثر يتقمص، عن طريق لا شعوري، شخصية المؤثر كلها أو جلها، ولذلك كان من الخطورة بمكان ظهور المساوئ في سلوك القدوة؛ لأنه بذلك يحمل وزر من يقلده فيها. لذلك نبه القرآن الآباء إلى أن الاستمتاع بالأطفال، والحنان والعطف عليهم، يجب ألا يشغلهم عن أن يكونوا قدوة صالحة لهم، فقال في وصف عباد الرحمن: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74) } [الفرقان: 74] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت