فهرس الكتاب

الصفحة 2012 من 2431

3.التحاور بين أهل النار.

كما في الجنة نعيمٌ مادي ونعيمٌ معنوي، هناك في النار أيضًا عذاب مادي وآخر نفسي معنوي، والذي يتمثل في التشفّي والانتقام من بعضهم البعض، ولقد ظهر واضحًا جليًّا في محاورة أهل النار لبعضهم وتعاتبهم الذي أفضى لطلب المزيد من العذاب، وفيما يلي توضيح ذلك:

قال الله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ) [الأعراف:37 - 39] .

أخبر الله تعالى في هذه الآيات الكريمات أنه لا أحد أخطأ فعلًا، وأجهل قولًا، وأبعد ذهابًا عن الحق والصواب ممن اختلق على الله زورًا من القول، فقال إذا فعل فاحشة: إن الله أمرني بها، أو كذب بأدلته، وأعلامه الدّالة على وحدانيته، ونبوّة أنبيائه، فجحد حقيقتها ودافع صحتها، فهذا سينال العقاب من الله تعالى، وسيصل إليه حظهم مما كتب الله له في اللوح المحفوظ، وسيأخذوا حظوظهم التي قدرها الله تعالى لهم في الدنيا، إلى أن يتوفاهم فينالوا مصيرهم في الآخرة 95.

ولقد تضمنت هذا الآيات العديد من الدروس والعبر واللفتات والهدايات، نقتطف منها ما يأتي:

خامسًا: الحوار العقيم:

الغاية من الحوار هي الوصول إلى ما يريح النفس من اقتناعٍ وتسليم، ولكن هناك حوارات عديدة وردت في القرآن الكريم، لم تكن هذه الغاية هدفها؛ فجاءت عقيمة الفائدة للمتحاورين، وذلك زيادة في تعذيبهم عذابًا نفسيًا بجانب العذاب الجسدي، ومن أمثل هذا النوع: الحوار الذي دار بين المستكبرين والأتباع وخزنة النار، وحوار الضعفاء والمستكبرين بين يدي الله، وحوار الشيطان وأتباعه في النار، وحوار الكافر وقرينه الشيطان بين يدي الله، وفيما يأتي تفصيل ذلك.

1.حوار المستكبرين والأتباع وخزنة النار.

يخبر تعالى عن تخاصم أهل النار، وعتاب بعضهم بعضًا واستغاثتهم بخزنة النار، وعدم الفائدة في ذلك فقال: (ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? پپ پ پ? ? ? ? ? ? ? ?) [غافر:47 - 50] .

يحتج التابعون بإغواء المتبوعين، ويتبرأ المتبوعون من التابعين، فيقول الضّعفاء: أنتم أغويتمونا، وأضللتمونا، وزينتم لنا الشرك والشر، فهل تستطيعوا أن تخففوا عنا من عذاب الله ولو قليلًا؟؛ فيرد عليهم القادة المستكبرون: إن الله جعل لكل منا قسطًا من العذاب، فلا يزاد في ذلك ولا ينقص منه، ولا يغير ما حكم به الحكيم 115.

قال الفخر الرازي: «واعلم أن أولئك الأتباع يعلمون أن أولئك الرؤساء لا قدرة لهم على ذلك التخفيف، وإنما مقصودهم من هذا الكلام المبالغة في تخجيل أولئك الرؤساء، وإيلام قلوبهم؛ لأنهم هم الذين سعوا في إيقاع هؤلاء الأتباع في أنواع الضلالات، فعند هذا يقول الرؤساء: (? ? ?) ، يعني: أن كلنا واقعون في هذا العذاب، فلو قدرت على إزالة العذاب عنك لدفعته عن نفسي، ثم يقولون: (? ? ? ? ? ?) ، يعني: يوصل إلى كل أحد مقدار حقه من النعيم أو من العذاب» 116.

ولما يئسوا من السادة اتّجهوا إلى خزنة جهنم يطلبون منهم الدعاء:

أهل النار: ادعوا اللّه ربّكم لعله أن يخفف عنا مقدار يوم من العذاب.

خزنة النار: أو ما جاءتكم الرسل في الدنيا بالحجج والأدلة الواضحة على توحيد اللّه، والتحذير من سوء العاقبة؟

أهل النار: بلى، قد جاءتنا الرسل، فكذبناهم، ولم نؤمن بهم ولا بما جاؤوا به من الحجج.

خزنة النار: إذا كان الأمر كما ذكرتم، فادعوا أنتم لأنفسكم، فنحن لا ندعو لمن كفر باللّه وكذّب رسله، ولا فائدة من دعائكم 117.

ويظهر من خلال هذا الحوار بعض الدروس والعبر واللفتات، نذكر منها:

•• «هذه كانت خصومة بين الأتباع مع المتبوعين، ولم تنته إلى طائل إلا زيادة الحسرة والغم والهم» 118.

••التنديد بالكبر والاستكبار؛ إذ الكبر عائق عن الطاعة والاستقامة.

•• «لا يستجاب دعاء الكافر في الدنيا والآخرة إلا ماشاء الله، ولا تقبل المعذرة يوم القيامة، ولا يستجاب الدعاء لمن في النار» 119.

2.الحوار بين الضعفاء والمستكبرين.

قال الله تعالى: (ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چچ چ چ? ? ? ? ? ? ? ? ژ) [إبراهيم:21] .

بين الله تعالى في هذه الآية الكريمة أن الله تعالى يجمع الخلائق كلها، برها وفاجرها، في براز من الأرض، وهو المكان الذي ليس فيه شيء يستر أحدا، ويبدأ الجدال بين الأتباع وسادتهم، حيث يقول الأتباع لقادتهم وسادتهم وكبرائهم الذين استكبروا عن عبادة، الله وحده لا شريك له، وعن موافقة الرسل: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ) .

أي: فهل تدفعون عنا شيئًا من عذاب الله، كما كنتم تعدوننا وتمنوننا؟ فقالت القادة لهم: (چ چ? ? ?) ، ولكن حق علينا قول ربنا، وسبق فينا وفيكم قدر الله، وحقت كلمة العذاب على الكافرين.

(? ? ? ? ? ? ژ) ، أي: ليس لنا خلاص مما نحن فيه إن صبرنا عليه أو جزعنا منه 120.

قال سيد قطب رحمه الله: «والضعفاء هم الضعفاء، هم الذين تنازلوا عن أخص خصائص الإنسان الكريم على الله، حين تنازلوا عن حريتهم الشخصية في التفكير والاعتقاد والاتجاه، وجعلوا أنفسهم تبعًا للمستكبرين والطغاة، ودانوا لغير الله من عبيده واختاروها على الدينونة لله.

والضعف ليس عذرًا، بل هو الجريمة، فما يريد الله لأحد أن يكون ضعيفًا، وهو يدعو الناس كلهم إلى حماه يعتزون به والعزة لله، وما يريد الله لأحد أن ينزل طائعًا عن نصيبه في الحرية التي هي ميزته ومناط تكريمه أو أن ينزل كارهًا، والقوة المادية كائنة ما كانت لا تملك أن تستعبد إنسانًا يريد الحرية، ويستمسك بكرامته الآدمية، فقصارى ما تملكه تلك القوة أن تملك الجسد، تؤذيه وتعذبه وتكبله وتحبسه، أما الضمير، أما الروح، أما العقل: فلا يملك أحد حبسها، ولا استذلالها، إلا أن يسلمها صاحبها للحبس والإذلال» 121.

3.الحوار بين الشيطان وأتباعه.

قال الله تعالى: (ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ہ ہ ہہ ھ ھ ھ ھ ے ے? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [إبراهيم:22] .

لما ذكر المناظرة التي وقعت بين الرؤساء والأتباع من كفرة الإنس: أردفها بالمناظرة التي وقعت بين الشيطان وبين أتباعه من الإنس 122، وموضوع المناظرتين واحد، وهو: تبرؤ المتبوع من التابع، ولكن الشيطان كان أصدق في هذه المحاورة من الإنسان؛ لأنه أعلن أن اللّه وعد الناس وعد الحق، وهو البعث والجزاء على الأعمال، فوفى لهم بما وعدهم، وأما هو فوعد الناس بخلاف ذلك، وأنه لا بعث ولا جزاء، فأخلف الوعد 123.

ففي الآية: يخبر الله تعالى عن موقف إبليس يوم القيامة، فبعد أن يقضى الأمر ويدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ويستقرّ كل فريق منهم قرارهم 124، ينادي إبليس في جماعته الذين أغواهم: إن الله وعدكم، أيها الأتباع، النار، ووعدتكم النّصرة، فأخلفتكم وعدي، ووفى الله لكم بوعده، وما كان لي عليكم، فيما وعدتكم من النصرة، من حجة تثبت لي عليكم بصدق قولي: (ں ? ?) ، وهذا من الاستثناء المنقطع عن الأول، بمعنى: ولكن دعوتكم فاستجبتم لي، استجبتم إلى طاعتي، ومعصية الله، فلا تلوموني على إجابتكم إياي، ولكن لوموا أنفسكم، فلا أنا مغيثكم من عذاب الله، ولا أنتم مغيثي؛ لأني جحدت أن أكون شريكًا لله فيما أشركتموني فيه من عبادتكم في الدنيا، فالعذاب لكل من كفر بالله 125.

قال ابن عاشور: «وقد جيء في هذه الآية بوصف حال الفرق يوم القيامة، ومجادلة أهل الضلالة مع قادتهم، ومجادلة الجميع للشيطان، وكون المؤمنين في شغل عن ذلك بنزل الكرامة، والغرض من ذلك تنبيه الناس إلى تدارك شأنهم قبل الفوات، فالمقصود: التحذير مما يفضي إلى سوء المصير» 126.

4.حوار الكافر وقرينه (الشيطان) بين يدي الرحمن.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [ق:27 - 29] .

يخبر الله تعالى أن الكافر يقول يوم القيامة عن قرينه، وهو الشيطان الذي وكل به: يا رب، هذا أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني، فيقول القرين: ما أضللته، بل كان هو في نفسه ضالًّا قابلًا للباطل معاندًا للحق، فيقول الرب عز وجل لهما: (? ? ? ?) أي: عندي، (? ? ? ?) أي: قد أعذرت إليكم على ألسنة الرسل، وأنزلت الكتب، وقامت عليكم الحجج والبينات والبراهين 127 على أن من كفر بالله وأشرك به وعصى رسله فإن له نار جهنم خالدًا فيها أبدًا) 128.

ثم يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيله للمشركين وقرنائهم من الجنّ يوم القيامة، إذ تبرأ بعضهم من بعض: ما يغير القول الذي قلته لكم في الدنيا، وهو قوله: (? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ?) [الأعراف:18] ، ولا قضائي الذي قضيته فيهم فيها) 129.

أهم الفوائد والدروس والعبر المستفادة من هذه الحوارات:

••بيان أن التقليد والتبعية لا تكون عذرًا لصاحبها عند الله تعالى 130.

••العتاب والنزاع والخصام قائم بين أهل النار، فهذه محاورة بين القادة والأتباع تدل على عجز السادة عن تحقيق أي شيء لأتباعهم الذين اتبعوهم في الدنيا، فهم لا يستطيعون تخليص أنفسهم من عذاب اللّه، ولا تحقيق أي نفع لذواتهم، فبالأولى لا يتمكنون من نفع غيرهم، والكل لا يجدون مهربًا ولا ملجأ من عذاب اللّه، وعقابه على الكفر والعصيان، وذلك سواء صبروا على العذاب، أو جزعوا وضجروا.

••إقرار السادة بالضلال، فدعوا أتباعهم إلى الضلال، ولو هدوا وأرشدوا لأرشدوا غيرهم، وهذا كذب منهم، كما قال تعالى حكاية عن المنافقين: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [المجادلة: 18] 131.

••بيان أن الشيطان هو المعبود من دون الله تعالى، إذ هو الذي دعا إلى عبادة غير الله وزينها للناس 132.

••استنبط الرازي من هذه الآيات «أن الشيطان الأصلي هو النفس، وذلك؛ لأن الشيطان بين أنه ما أتى إلا بالوسوسة، فلولا الميل الحاصل بسبب الشهوة، والغضب، والوهم والخيال، لم يكن لوسوسته تأثير البتة، فدل هذا على أن الشيطان الأصلي هو النفس» 133.

••كانت مواعيد الشيطان باطلة، ووعد اللّه هو الحق، واتبع الناس قول الشيطان بلا حجة ولا برهان، وتبرأ الشيطان منهم، ومن عملهم، فليس لهم لوم عليه، إنما عليهم اللوم، وأيأسهم بأنه لا نصر عنده، ولا عون، ولا إغاثة، بل هو محتاج إلى من ينصره، وكفر بشركهم له في الدنيا، وهذا تنبيه لهم مما سيلقونه من العذاب 134.

••لم يكن للطغاة أن يتسلطوا على الضعفاء إلا لما أهدر الضعفاء حرياتهم في العقيدة، والتفكير، وفي كل شيء، وأسلموها للطغاة، واشتروا بعقولهم أهواءهم فصاروا عبيدًا للشيطان، قال سيد قطب: إن الطغاة لا يملكون أن يستذلوا الجماهير إلا برغبة هذه الجماهير، فهي دائمًا قادرة على الوقوف لهم لو أرادت، فالإرادة هي التي تنقص هذه القطعان، إن الذل لا ينشأ إلا عن قابلية للذل في نفوس الأذلاء، وهذه القابلية هي وحدها التي يعتمد عليها الطغاة 135.

••كل من الشيطان والفاجر الكافر يلقي التبعة في كفره على الآخر، ويتبرأ الشيطان من الكافر، ويكذبه يوم القيامة، وينسب الطغيان والكفر له، لا لنفسه، والحق أن كلا الفريقين في النار، وقد أعذر من أنذر، واللّه تعالى أرسل الرسل، وأنزل الكتب لهداية الإنس والجن، فاختار كل منهما ما يحلو له 136.

••أخبر تعالى ذكره هذا الخبر، عن قول قرين الكافر له يوم القيامة إعلامًا منه عباده: تبرأ بعضهم من بعض يوم القيامة 137.

••نفي الظلم عن الله تعالى، وهو كذلك فلا يظلم الله أحدًا من خلقه 138.

إن قواعد الحوار والاختلاف وضوابطه هي العاصم للمتحاورين من الغلو وشتم الآخرين إن كان الحق هو الرائد والمطلوب، أما إذا كان الخلاف انتصارًا لأهواء سياسية وتعصبًا أعمى، فهذا أمر لا ينفع معه قواعد ولا ضوابط، إذ إن الهوى ليس له ضوابط ولا موازين، ولذلك حذرنا الله تعالى من اتباع الهوى فقال سبحانه وتعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [القصص:50] ، لذا فلابد من تسليط الضوء على بعض تلك القواعد القرآنية والتي منها:

أولًا: الحوار بالتي هي أحسن:

إن من أهم ما يتوجه إليه المحاور في حواره، التزام الحسنى في القول والمجادلة، قال تعالى: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [الإسراء:53] .

وقال عز وجل: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} ، وقوله تعالى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة:83] ؛ فعلى المحاور اللبيب طالب الحق، أن ينأى بنفسه عن أسلوب الطعن والتجريح والهزء والسخرية، وألوان الاحتقار والإثارة والاستفزاز، حتى لو تعرض للاحتقار والازدراء؛ قال الطبري: وخاصمهم بالخصومة التي هي أحسن من غيرها أن تصفح عما نالوا به عرضك من الأذى 139.

ومن لطائف التوجيهات الإلهية لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم في هذا الباب، الانصراف عن التعنيف في الردّ على أهل الباطل، حيث قال الله لنبيه: {وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (68) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [الحج: 68 - 69] ، وقوله: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [سبأ:24] ، مع أن بطلانهم ظاهر، وحجتهم داحضة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت