قال الإمام الرازي رحمه الله: «واعلم أن اليأس من رحمة الله تعالى لا يحصل إلا إذا اعتقد الإنسان أن الإله غير قادر على الكمال، أو غير عالم بجميع المعلومات، أو ليس بكريم بل هو بخيل، وكل واحد من هذه الثلاثة يوجب الكفر، فإذا كان اليأس لا يحصل إلا عند حصول أحد هذه الثلاثة، وكل واحد منها كفر ثبت أن اليأس لا يحصل إلا لمن كان كافرًا، والله أعلم» 38.
وقد يصل العبد بتشاؤمه أيضًا إلى القنوط والوقوع في الكبائر، كما قال تعالى: {وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (36) } [الروم: 36] .
أي: « {وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً} أي: نعمة من مطر أو سعة أو صحة {فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} أي: بلاء من جدب أو ضيق أو مرض، والسبب فيها شؤم معاصيهم، قنطوا من الرحمة» 39.
وذم الله تعالى أقوامًا كما مضى سابقًا في تشاؤم قوم موسى عليه السلام وأصحاب القرية من رسلهم عليهم السلام، فقد كان تشاؤمهم سببًا في كفرهم بالله تعالى، ومن ثم بأنبياء الله تعالى ورسله عليهم الصلاة والسلام، كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله: {أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 131] .
وإنهم مسرفون في قوله تعالى: {قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (19) } [يس: 19] .
قال ابن عباس رضي الله عنهما: «الشؤم الذي أتاكم من عند الله بكفركم» 40.
وجاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الطيرة شرك) 41.
وإنما جعل التشاؤم شركًا لاعتقادهم أن ذلك يجلب نفعًا أو يدفع ضررًا، فاعتمدوا عليها، فكأنهم أشركوه مع الله تعالى، وذلك مثل أن يريد الرجل سفرًا، فيسمع: يا راشد، أو يا غانم، أو يا سالم؛ فيمضي في سفره اعتمادًا على ما سمع، أو يريد سفرًا فيسمع صياح الغراب، أو البومة فيرجع عن سفره تشاؤمًا منه، كل ذلك شرك؛ لكونه لم يخلص توكله على الله عز وجل.
لذلك نهى صلى الله عليه وسلم عن ذلك وبين كفارته، فقد روي عن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك) ، قالوا: يا رسول الله، فما كفارة ذلك؟ قال: (يقول: اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله إلا أنت) 42، أو يقول: (اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك) 43.
وقال عليه الصلاة والسلام: (لا طيرة، وخيرها الفأل) قالوا: وما الفأل؟ قال: (الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم) 44.
قال الإمام النووي: «معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (لا طيرة) أي: اعتقاد أنها تنفع أو تضر إذا عملوا بمقتضاها معتقدين تأثيرها فهو شرك؛ لأنهم جعلوا لها أثرًا في الفعل والإيجاد، وأما الفأل وقد فسره النبي صلى الله عليه وسلم بالكلمة الصالحة والحسنة والطيبة، قال العلماء: يكون الفأل فيما يسر وفيما يسوء، والغالب في السرور، والطيرة لا تكون إلا فيما يسوء» 45.
قال ابن القيم رحمه الله: «إن التطير هو: التشاؤم من الشيء المرئي أو المسموع، فإذا استعملها الإنسان فرجع بها من سفره وامتنع بها مما عزم عليه فقد قرع باب الشرك، بل ولجه، وبرئ من التوكل على الله، وفتح على نفسه باب الخوف والتعلق بغير الله، والتطير مما يراه أو يسمعه، وذلك قاطع له عن مقام {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة:5] و {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} [هود:123] و {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [الشورى:10] فيصير قلبه متعلقًا بغير الله عبادة وتوكلًا، فيفسد عليه قلبه وإيمانه» 46.
ويتضح مما تقدم: أن التشاؤم قد يكون من الشرك الأصغر المنافي لعبادة الله تعالى وتوحيده، لما فيه من سوء الظن بالله تعالى كما مر سابقًا، وقد يتحول إلى شرك أكبر، إذا اعتقد المتشائم أن ما يتشاءم به كان مؤثرًا في حصول المكروه، أو جلب النفع ودفع الضر وأنها فاعلة بذاتها، إذ لا فاعل إلا الله تعالى، ولا مؤثر في الكون سواه، وقد يصل إلى الكفر بالله تعالى الذي يوجب الوعيد.
لا يخلو التشاؤم من سوء الظن بالله تعالى وبأقداره الجارية، وتوقع الشر والبلاء مع اعتقاد حصول الضر والنفع من غير الله تعالى، وإن من أعظم الذنوب عند الله: إساءة الظن به جل وعلا، وقد ذم الله تعالى في آياته الكريمة الذين يظنون بالله تعالى ظن السوء بقوله تعالى: {وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (154) } [آل عمران: 154] .
«ومعنى {أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ} أي: حدثتهم أنفسهم بما يدخل عليهم الهم، وذلك بعدم رضاهم بقدر الله تعالى، وبشدة تلهفهم على ما أصابهم، وتحسرهم على ما فاتهم مما يظنونه منجيًا لهم لو عملوه: أي من الندم على ما فات، وإذ كانوا كذلك كانت نفوسهم في اضطراب وتحرق يمنعهم من الاطمئنان» 47.
ومعنى قوله: {يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ} ، أي: أنهم ذهبت بهم هواجسهم إلى أن ظنوا بالله ظنونا باطلة من أوهام الجاهلية، وفي هذا تعريض بأنهم لم يزالوا على جاهليتهم ولم يخلصوا الدين لله تعالى.
وقد بين لهم المراد بالظن بقوله: {يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ} ، و {هَلْ} للاستفهام الإنكاري بمعنى النفي، وهو تبرئة لأنفسهم من أن يكونوا سببًا في مقابلة العدو .... ويظنون أن محمدًا صلى الله عليه وسلم ليس برسول؛ إذ لو كان لكان مؤيدًا بالنصر.
ثم قال الله تعالى: {قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ} ، ثم فسر ما أخفوه في أنفسهم بقوله: {يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا} أي: يسرون هذه المقالة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 48.
والشاهد في الآية الكريمة أن التشاؤم هو صفة من صفات بعض أهل الجاهلية، وهو سوء ظن بالله تعالى وبرسوله صلى الله عليه وسلم، واعتراض على أقدار الله تعالى.
وهذا كله من صفات المنافقين والمشركين الذين توعدهم الله تعالى بالوعيد الشديد بقوله تعالى: {وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (6) } [الفتح: 6] .
وقد بين الإمام ابن القيم أن الظن الوارد في الآية: ظنٌ لا يليق بالله تعالى؛ بأنه سبحانه لا ينصر رسوله، وأن أمره سيضمحل، وأن ما أصابهم لم يكن بقدر الله وحكمته؛ ففسر بإنكار الحكمة وإنكار القدر وإنكار أن يتم أمر رسوله، وأن يظهره على الدين كله، وهذا هو ظن السوء الذي ظن المنافقون والمشركون في سورة الفتح، وإنما كان هذا ظن السوء؛ لأنه ظن لا يليق به سبحانه ولا بحكمته وحمده ووعده الصادق؛ فمن ظن أنه يديل الباطل على الحق إدالة مستمرة يضمحل معها الحق، أو أنكر أن يكون ما جرى بقضائه وقدره، أو أنكر أن يكون قدره لحكمة بالغة يستحق عليها الحمد، بل زعم أن ذلك لمشيئة مجردة؛ فذلك ظن الذين كفروا؛ {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ} [ص: 27] ، وأكثر الناس يظنون بالله ظن السوء فيما يختص بهم وفيما يفعله بغيرهم، ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله وأسماءه وصفاته وموجب حكمته وحمده، فليعتن اللبيب الناصح لنفسه بهذا، وليتب إلى الله، وليستغفره من ظنه بربه ظن السوء 49.
وقال أيضًا في وصفه لحال هذا الصنف من الناس: «فأكثر الخلق بل كلهم إلا ما شاء الله يظنون بالله غير الحق ظن السوء، فإن غالب بني آدم يعتقد أنه مبخوس الحق، ناقص الحظ، وأنه يستحق فوق ما أعطاه الله، ولسان حاله يقول: «ظلمني ربي ومنعني ما أستحق» ونفسه تشهد عليه وإن كان لسانه ينكره، ولا يتجاسر على التصريح به، ومن فتش نفسه وتغلغل في معرفة دفائنها وطواياها رأى ذلك فيها، ولو فتشت من فتشته لرأيت عنده تعنتًا على القدر وملامة له، وأنه ينبغي أن يكون كذا وكذا، فمستقل ومستكثر» 50.
لذلك يقول ابن عاشور: «الشؤم يقع على من يتشاءم، جعل الله ذلك عقوبة له في الدنيا لسوء ظنه بالله تعالى 51» .
وتوعد الله تعالى الظانين به ظن السوء بما لم يتوعد به غيرهم، وذلك بقوله تعالى: {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [الفتح: 6] .
فكان جزاؤهم بأن أرداهم الله تعالى فقال تعالى عنهم: {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) } [فصلت: 23] .
ثالثًا: الإسراف في المعاصي والآثام:
لا شك أن الإسراف في المعاصي هو أساس كل شر وضلالة، فالإسراف: هو الإكثار من الشيء، والمجاوزة عن الحد 52، ويأتي أيضًا بمعنى مجاوزة الحد في العصيان، كما حصل مع قصة أصحاب القرية التي مر ذكرها، حيث إن المعاصي والذنوب كانت سببًا في الشؤم الذي أصابهم نتيجة كفرهم برسلهم.
وقد وصف الله تعالى أصحاب القرية بالمسرفين في قوله تعالى: {قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (19) } [يس: 19] .
أي: قوم عادتكم الإسراف في العصيان، فمن ثم جاءكم الشؤم، أو في الضلال، ولذلك توعدتم وتشاءمتم بمن يجب أن يكرم ويتبرك به 53.
قال قتادة رحمه الله: «مسرفون في تطيركم» 54.
قال الشيخ ابن عاشور: « {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ} أي: لا طيرة فيما زعمتم، ولكنكم قوم كافرون، غشيت عقولكم الأوهام، فظننتم ما فيه نفعكم ضرًا لكم، ونطتم الأشياء بغير أسبابها من إغراقكم في الجهالة والكفر وفساد الاعتقاد، ومن إسرافكم اعتقادكم بالشؤم والبخت» 55.
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: «فلا شؤم إلا المعاصي والذنوب؛ فإنها تسخط الله عز وجل، فإذا سخط على عبده شقي في الدنيا والآخرة، كما إنه إذا رضي عن عبده سعد في الدنيا والآخرة» 56.
وقال أيضًا: «فالعاصي مشؤوم على نفسه وعلى غيره، فإنه لا يؤمن أن ينزل عليه عذاب فيعم الناس، خصوصًا من لم ينكر عليه عمله، فالبعد عنه متعين، فإذا كثر الخبث هلك الناس عمومًا، وكذلك أماكن المعاصي وعقوباتها يتعين البعد عنها والهرب منها خشية نزول العذاب» 57، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه لما مر على ديار ثمود بالحجر: (لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، لا يصيبكم ما أصابهم) 58.
ويتضح مما تقدم ومن خلال الآية الكريمة: أن الإسراف في المعاصي والآثام سبب من أسباب التشاؤم الذي لحق أصحاب القرية، فكان جزاؤهم أن أهلكهم الله تعالى بالصيحة حتى خمدوا عن آخرهم، كما قال تعالى: {إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (29) } [يس: 29] .
رابعًا: الجهل والضلال:
لا شك أن الجهل من أسباب التشاؤم؛ لذا وصف الله تعالى آل فرعون وغيرهم بأن أكثرهم لا يعلمون، وذلك في قوله تعالى: {أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 131] .
وقوله: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} ، أي: «فلجهلهم بذلك كانوا يطيرون بموسى عليه السلام ومن معه» 59.
قال الزمخشري: «ويجوز أن يكون معناه: ألا إنما سبب شؤمهم عند الله وهو عملهم المكتوب عنده الذي يجري عليهم ما يسوءهم لأجله، ويعاقبون له بعد موتهم، بما وعدهم الله في قوله تعالى: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46) } [غافر: 46] . ولا طائر أشأم من هذا» 60.
قال الخازن رحمه الله: «وإنما قال: {أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} ؛ لأن أكثر الخلق يضيفون الحوادث إلى الأسباب ولا يضيفونها إلى القضاء والقدر» 61.
ويتضح من الآية الكريمة: أن الله تعالى ذم آل فرعون، ووصفهم بأنهم لا يعلمون بسبب جهلهم؛ حيث أسندوا حوادث هذا العالم لا إلى قضاء الله تعالى وقدره، بل إلى شؤمهم.
وعلى هذا فالجهل: هو اعتقاد الشيء على خلاف ما هو عليه، واعترضوا عليه بأن الجهل قد يكون بالمعدوم، وهو ليس بشيء، والجواب عنه: أنه شيء في الذهن، ويكون بسيطًا، أو مركبًا، والجهل البسيط هو عدم العلم عما من شأنه أن يكون عالمًا، أما الجهل المركب فهو عبارة عن اعتقاد جازم غير مطابق للواقع 62.
وقد جعل الراغب الأصفهاني الجهل على ثلاثة أضراب:
«الأول: هو خلو النفس من العلم وهذا هو الأصل، وقد جعل ذلك بعض المتكلمين معنى مقتضيًا للأفعال الخارجة عن النظام كما جعل العلم معنى مقتضيًا للأفعال الجارية على النظام.
والثاني: اعتقاد الشيء بخلاف ما هو عليه.
والثالث: فعل الشيء بخلاف ما حقه أن يفعل، سواء اعتقد فيه اعتقادًا صحيحًا أم فاسدًا، كتارك الصلاة عمدًا، وعلى ذلك قوله تعالى: {أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [البقرة: 67] .
فجعل فعل الهزؤ جهلًا، وقوله تعالى: {فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ} [الحجرات: 6] » 63.
والمتأمل في القرآن الكريم يجد آيات كثيرة ذم الله تعالى الجهل وأهله؛ لأنه هو سبب الشر والذنوب والمعاصي، ومنه: ما حصل من تشاؤم آل فرعون وقومه من موسى عليه السلام، وثمود مع صالح عليه السلام، وأصحاب القرية مع رسلهم، ومشركو قريش مع النبي صلى الله عليه وسلم، فسبب اعتقادهم هذا الشيء على خلاف ما هو عليه، فالأنبياء والرسل عليهم السلام لا دخل لهم بما نسبوه إليهم من الشؤم.
وجاء في السنة النبوية ذم الجهل، فمن ذلك ما ورد في الحديث الصحيح عن عياض بن حمار المجاشعي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ذات يوم في خطبته: (ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا، كل مال نحلته عبدًا حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا ... ) الحديث 64.
وقوله: (وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم) ، أي: مسلمين، وقيل: طاهرين من المعاصي، وقيل: مستقيمين منيبين لقبول الهداية، (وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم) ، أي: استخفوهم فذهبوا بهم وأزالوهم عما كانوا عليه، وجالوا معهم في الباطل 65.
ودلالة الحديث واضحة في بيان أن الجهل سبب الضلال؛ لذلك حذر الله تعالى منه عباده المؤمنين، كما في قوله تعالى: {قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46) } [هود: 46] .
واستعاذ نبي الله موسى عليه السلام من الجهل في قوله تعالى: {قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [البقرة: 67] .
وكذلك استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم منه، بما صح عن الشعبي عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: «ما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من بيتي قط إلا رفع طرفه إلى السماء فقال: (اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل علي) 66.
والجهل لا يزول إلا بالعلم؛ لذا فعلى المسلم إذا جهل أمرًا ما فعليه الرجوع إلى العلماء قال تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [الأنبياء: 7] .
وقال تعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (83) } [النساء: 83] .
ويتضح مما تقدم أن الجهل والضلال واقع في أكثر الناس، لذا لا بد للمؤمن أن يتبين من الأمور ما كان جاهلًا بها، وخصوصًا من كان لديه اعتقاد الشؤم، فالأولى به أن يعالج نفسه بالعلم النافع، ويبذل قصارى جهده فيه، لكي ينقذ نفسه من ضلالة الجهل الذي وقع فيه.
خامسًا: وساوس الشيطان:
حذر الله تعالى في القرآن الكريم عباده من اتباع وساوس الشيطان؛ فهو عدو للإنسان، كما أخبر الله تعالى بذلك في قوله تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (6) } [فاطر: 6] .
أي: إن الشيطان معلن عداوته لكم بوسوسته، فعادوه أنتم أشد العداوة، وخالفوه وكذبوه فيما يغركم به، ثم ذكر أعماله ودعوته أتباعه إلى الغواية والضلالة فقال: {إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} ، أي ما غرضه من دعوة شيعته إلى اتباع الهوى والركون إلى لذات الدنيا إلا إضلالهم وإلقاؤهم في العذاب الدائم من حيث لا يشعرون 67.
ولا شك أن وساوس الشيطان هي سبب من أسباب التشاؤم؛ لذلك وصف الله تعالى قوم صالح عليه السلام بأنهم قوم فتنوا بتشاؤمهم من نبيهم صالح عليه السلام ومن معه من المؤمنين، وذلك في قوله تعالى: {قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (47) } [النمل: 47] .
ومعنى قوله تعالى: {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ} ، أي: تختبرون، أو تعذبون، أو يفتنكم الشيطان بوسوسته إليكم الطيرة، وقوله: {تُفْتَنُونَ} أي: تستدرجون فيما أنتم فيه من الضلال 68.
قال قتادة رحمه الله: «تبتلون بالطاعة والمعصية» 69.
وعلى أية حال، فإن القصد بيان أن سبب نزول الشر بهم هو عصيانهم وكثرة ذنوبهم، وكلها تعود إلى وساوس الشيطان لهم.
وكل هذه الوساوس التي يلقيها الشيطان من باب الفتنة، لذلك قال تعالى: {لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (53) } [الحج: 53] .
ونهى الله تعالى عن اتباع خطوات الشيطان وحذر منها بقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (21) } [النور: 21] .
وشرع لنا الاستعاذة منه ومن وسوسته فقال تعالى: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200) } [الأعراف: 200] .
وعلى هذا فالأحرى بالمسلم الذي تنتابه دواعي الشؤم وتنقدح في قلبه أن يستعيذ بالله تعالى مما ألقى الشيطان في نفسه من تلك الوساوس والعوارض، ويلجأ إلى الله تعالى بكثرة الدعاء، مع حسن الظن بالله والتوكل عليه في كل الأحوال.
سادسًا: التقليد: