ثانيًا: مقاصد الزكاة:
مقاصد الشريعة الإسلامية عامة وخاصة، فالعامة هي: المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها؛ بحيث لا تختص ملاحظاتها في الكون في نوع خاص من أحكام الشريعة 34.
والخاصة هي: الكيفيات المقصودة للشارع لتحقيق مقاصد الناس النافعة أو لحفظ مصالحهم العامة في تصرفاتهم الخاصة؛ كي لا يعود سعيهم في مصالحهم الخاصة بإبطال ما أسس لهم من تحصيل مصالحهم العامة إبطالًا عن غفلة أو استنزال هوى أو شهوة 35.
ولها تقسيمات متعددة، فإذا نظرنا إليها من حيث الحاجة إليها: فهي تشمل الضروريات، والحاجيات، والتحسينيات، ومن حيث المحل قسمان: مقاصد الشارع، ومقاصد المكلف، ومن حيث تعلقها بعموم الأمة وخصوصها ثلاثة أقسام: عامة، وهي التي تلاحظ في أغلب أبواب الشريعة، وخاصة، وهي التي تتعلق بباب معين، وتشمل مقاصد العائلة، والتصرفات المالية، والعمل والعمال، والقضاء والشهادات و العقوبات، وعقود التبرعات .... الخ، وجزئيةوالمرادبهاعلل الأحكام وأسرارها 36.
والناظر إلى مقاصد الزكاة على جهة الإجمال يجد أن من بينها التكثير من باب الهبات والتبرعات؛ لما فيها من المصالح العامة والخاصة، ولما يترتب عليها من الثواب الأخروي 37. ولهذا فلا غرو أن يرجع في تقييم بعض أمور الزكاة في العصر الحاضر إلى ما يتفق مع مقاصد الشريعة، ومراعاة مصالح المكلفين.
وبناء على الفهم السابق للمقاصد وتقسيماتها المعتبرة، فإن مقاصد الزكاة كثيرة ومتشعبة الجوانب، وهي ذات شقين: تحقيق الزكاة لمقاصد الشريعة العامة، والثاني: تحقيقها لمقاصد خاصة بها تعود على المزكي وآخذ الزكاة، وهو ما نشير إليه في مسألتين:
المسألة الأولى: تحقيق الزكاة للمقاصد العامة للشريعة.
اتفقت جميع الشرائع السماوية على حفظ الكليات الخمس (الدين والنفس والعقل والعرض والمال) .
حفظ الدين كما هو معلوم من الكليات الخمس المعروفة، والزكاة راعت ذلك، ففيها مصرف خاص، وهو مصرف (في سبيل الله) ، ويصرف على تجهيز الغزاة والمجاهدين والإنفاق عليهم لنشر الدعوة إلى الله، والتمكين لدين الله في الأرض؛ امتثالا لأمر الله تعالى الوارد في قوله: (? ? ? ? چ چ چ چ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 193] .
كما أن فيها أيضًا مصرفًا خاصًا يصرف على تأليف القلوب على الإسلام وهو المؤلّفة قلوبهم، يعطى لمن دخلوا في الإسلام حديثًا؛ تثبيتًا لهم على الإسلام وعونًا لهم على مواجهة التحديات التي تواجههم، وهذا فيه ما فيه من الحفاظ على الدين.
وفي العصر الحاضر نجد الحاجة ما زالت ماسةٌ إلى تأليف القلوب على الإسلام، ونشر علومه والتعريف بأحكامه خاصة في الدول الأسيوية، والأفريقية وفي البلاد التي بها أقليات إسلامية كالمسلمين في بلاد البلقان، والجمهوريات الإسلامية التابعة التي كانت تابعة للإتحاد السوفيتي القديم، هذه الدول الإسلامية تظل في أشد الحاجة إلى أموال الزكاة؛ للحفاظ على بقاء الإسلام واستمراره في تلك البلاد 38.
كما أن للزكاة دورًا كبيرًا في مواجهة الأفكار والفلسفات الهدامة، والحملات التبشيرية التنصرية، وذلك من خلال الصرف من مصرف في سبيل الله على الدعاة، والمعاهد الإسلامية التي تعمل في المجال الدعوي، والتي تقوم بالتصدي لمثل هذه الأفكار الهدامة كما تعمل على الوقوف في مجابهة الحملات التنصيرية، وفي ذلك أيضًا حفاظ على الدين 39.
من مقاصد تشريع الزكاة حفظ النفس، وهو من أهم مقاصدها؛ حيث يقوم على مساعدة الفقراء والفئات العاجزة عن الكسب في العلاج من الأمراض الخطيرة التي يبتلون بها، فيكون في مال الزكاة إحياء لنفوسهم وإنقاذهم من الهلاك، وفي نفس الوقت يمكن دفعها إلى المصابين من الأوبئة والمتضررين من السيول والفيضانات والحروب والكوارث؛ لأجل استبقاء أرواحهم، وإنقاذهم من الهلاك.
فتقوم الزكاة بدور فعّال في الإسهام في إنشاء مراكز علاجية كالمستشفيات ونحوها، لاسيما فيما يتعلق ببعض الأمراض الخطيرة أو المنتشرة بكثرة (كالسرطان، والفشل الكلوي وغيرها) ، كنوع من التخفيف عن كاهل الدولة في هذا الصدد.
وقد أفتى بعض كبار العلماء بجواز الإسهام في هذه المشروعات من الزكاة المفروضة، إذا عرف أنها تعالج الفقراء خاصةً، ومن فتوى الشيخ جاد الحق علي جاد الحق بشأن دفع الزكاة لإنشاء معهد الكبد في مصر، وفتوى دار الإفتاء المصرية بخصوص دفع الزكاة لإنشاء مستشفى سرطان الأطفال 40.
من مقاصد تشريع الزكاة حفظ العقل، وذلك يظهر عندما نرى بعض الفقهاء يقررون أن طالب العلم الذي يتأتى منه التحصيل له الحق في الأخذ من الزكاة من مصرف في سبيل الله 41.
اهتم القرآن والسنة بحفظ المال بشتى الطرق والوسائل، ومن المقاصد العامة التي تحققها الزكاة حفظ المال جملة وتفصيلًا، حفظًا معنويًا وماديًا.
ومن جوانب تحقيق الزكاة لحفظ المال ما يلي:
••أن تعلق الزكاة بالمال يمنع من اكتنازه، فالإسلام منع من اكتناز النقود ونهى عن تجميدها؛ ذلك أن حبس المال عن التداول، والامتناع عن الإنفاق في سبيل الله، وإخراج زكاته من شأنه أن يفسد التوازن المالي والتجاري والاقتصاد عامة؛ وهذا يؤدي بدوره إلى اختلال التوازن الاجتماعي؛ وهذا يفضي إلى محظورات ومحرمات، هذه المحظورات يجب منعها عملًا بقاعدة سد الذرائع، وبناء عليه فمسألة كنز المال ليست مسألة شخصية يترك أمرها للأفراد، أو جريمة ذاتية يترك حسابها إلى الله في الآخرة، إنما تصبح مسألة تشريعية ترتبط بمصالح الجماعة فيجب على الدولة التدخل لمنع عدم تداول المال واكتنازه 42.
••أن الزكاة تعدّ أداة رئيسة لتشجيع الاستثمار وإيجاد فرص للعاطلين، إضافة إلى توسيع القاعدة الإنتاجية بالنسبة لذوي المهن والحرف والصناعات، خصوصًا الذين يفتقرون إلى رؤوس أموال تمكّنهم من امتلاك أدوات العمل؛ ولذلك يرى بعض الفقهاء أن من يحسن حرفة ولا يملك آلات حرفته يعطى من الزكاة ثمن آلات حرفته وإن كثرت 43. يقول الرملي: «أما من حسن حرفة لائقة تكفيه، فيعطى آلات حرفته وإن كثرت، ومن يحسن تجارة يعطى رأس مال يكفيه ربحه منه غالبًا باعتبار عادة بلده» 44.
••أن الزكاة تحد من ارتكاب الجرائم المالية، ولا شك أن الجرائم المالية تؤثر على المجتمع تأثيرًا سيئًا؛ لما فيها من ضياع للحقوق، وسلب للأموال التي رزق الله تعالى بها عباده، والزكاة تؤدي إلى إطفاء نار الحقد والحسد بين الغني والفقير، كما تقضي على الفقر الذي يؤدي بدوره إلى زيادة معدلات الجريمة من السرقة وتجارة المخدرات، وتؤدي إلى انكفاف الفقير عن التطلع لمال الغني بالحسد أو النهب أو السرقة. والغني إذا واسى الفقير بماله، وسعى لانتشاله من براثن الفاقة، صلح حال الفقير، وصلحت أحوال أبنائه، فلم تكن ثمة حاجة لضخ الأموال وتضييع الجهود لحراسة المال من السرقة، ولن يوجد القلق النفسي القاتل الذي يصاحب نفس أصحاب الأموال خوفًا من السطو عليها 45.
كذلك من مقاصد الزكاة حفظ النسل من الانقراض، وذلك بتطمين الفقراء وإزالة الخوف من نفوسهم، إذا خافوا من إكثار النسل مخافة العوز والفقر، فإذا تأكد أحدهم بأنه معانٌ بالزكاة فلا يخطر بباله مثل هذا التفكير، ومن أجل ذلك أوجب الله الزكاة على الأغنياء لتردّ على الفقراء 46.
المسألة الثانية: تحقيق الزكاة لمقاصد أخرى تعود على المزكي وآخذ الزكاة.
فمما يعود على المزكي ما يلي:
••الامتثال لأوامر الله عز وجل بإخراج الزكاة: وبذلك يتحقق للمزكي صفتا الإسلام والإيمان، الإسلام لتنفيذه ركنًا من الأركان الخمسة، والإيمان لإدراكه أهمية الزكاة في الدين ودورها في المجتمع، وسعي المزكي لتحقيق ذلك.
••شكر النعمة والمحافظة عليها: من مقاصد تشريع الزكاة شكر النعمة من أجل الحفاظ على النعمة ودوامها، فالعبادات مشروعة لإظهار شكر المنعم بها في الدنيا، ونيل الثواب في الآخرة، والنعم الدنيوية، نعمتان: نعمة البدن، ونعمة المال، وكل نعمة يجب شكر المنعم عليها، فكما أن العبادات البدنية كالصلاة شكر على نعمة البدن، فالزكاة شكر عملي لنعمة المال التي أنعم الله بها على بعض عباده 47. وشكر نعمة المال بإخراج الزكاة منه يستلزم بقاءه وتنميته قال تعالى (? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [إبراهيم: 7] .
••طهرة لنفوس الأغنياء والفقراء: من مقاصد تشريع الزكاة تطهير نفوس الأغنياء من البخل والشح والحرص والطمع؛ وكلها صفات مذمومة تودي بمن يتصف بها إلى البوار والخسران؛ فأداء الزكاة تخلّص صاحبها من كل هذه الصفات، ويفوز المزكي بالرضا والفلاح. قال الله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الحشر: 3] . ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (ثلاثٌ مهلكاتٌ: شحٌ مطاعٌ، وهوىً متّبعٌ، وإعجاب المرء بنفسه) 48، وأما بالنسبة للفقراء فتطهّر قلوبهم من الحقد والغل والحسد تجاه الأغنياء الذي يتولد بسبب الحرمان وشدة الحاجة بسبب منع الأغنياء فضل أموالهم، فبالزكاة تنتزع الإسلام الغل من قلوب المؤمنين وباعد بينهم وبين تلك الأمراض النفسية التي تفعل فعلها في خلق الأحقاد والضغائن بين أفراد المجتمعات المعاصرة التي لا تأخذ بهذه الفريضة، وهذا أمر مشاهد ملموس 49.
ثالثًا: عقوبة مانعي الزكاة:
لما كانت الزكاة ركنًا من أركان الإسلام الخمسة، فقد حث القرآن الكريم في آيات عديدة على إخراجها على نحو ما تقدم بيانه، ورتّب على منعها عقوبات دنيوية وأخروية، وقد ورد طرف من هذه العقوبات في آيات من كتاب الله عز وجل وأحاديث من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونشير إلى طرف من ذلك على هذا النحو:
العقوبة الأولى: كي الجباه والجنوب والظهور.
قال تعالى في كتابه العزيز: (? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ?) [التوبة: 34 - 35] .
وبالنظر إلى هاتين الآيتين الكريمتين نجد أن العقاب الذي ورد فيهما فيه من المناسبة للحال ما فيه، وفيه من الإجمال والتفصيل في أنواع العذاب ما فيه.
فالتبشير بالعذاب الأليم على جهة العموم فيه تهكم على أصحاب الأموال الذين يكنزونها ويمنعون حق الله تعالى فيها، ثم إن تصوير هذا العذاب بهذا الوصف فيه من وجوه الإعجاز والبلاغة ما فيه.
قال بعض العلماء: «إنما خص هذه الأعضاء بالكي من بين سائر الأعضاء، لأن الغني صاحب المال إذا أتاه السائل فطلب منه شيئًا تبدو منه آثار الكراهة والمنع، فعند ذلك يقطّب وجهه، ويكلح وتجتمع أسارير وجهه فيتجعد جبينه، ثم إن كرّر السائل الطلب نأى بجانبه عنه ومال عن جهته وتركه جانبًا، ثم إن كرّر الطلب وألحّ في السؤال ولاه ظهره وأعرض عنه، واستقبل جهة أخرى، وهي النهاية في الرد، والغاية في المنع الدال على كراهية الإعطاء والبذل، وهذا دأب مانعي البر والإحسان وعادة البخلاء؛ فلذلك خص هذه الأعضاء الثلاثة بالكي يوم القيامة» 50.
ومن لطائف الآيتين أن العلماء اختلفوا في أمرين فيهما:
الأمر الأول: ضابط الكنز المذموم في هذه الآية:
اختلف العلماء في المال الذي أديت منه الزكاة هل يسمى كنزًا أم لا؟ على أقوال مردها إلى معنى الكنز في اللغة والشرع، وما ورد في شأنه من الأحاديث والآثار:
القول الأول: لأكثر الصحابة وهو أن المراد به المال الذي لم تؤدّ زكاته، فقد روي عن عمر بن الخطاب وابن عمر، وابن عباس وجابر بن عبد الله وغيرهم رضوان الله عليهم أجمعين.
ودليله: (ما روي عن أم سلمة رضي الله عنها أنها كانت تلبس أوضاحًا 51 من ذهب فسألت عن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم: أكنز هو؟ فقال:(إذا أديت زكاته فليس بكنز) 52.
وما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل ما أدّيت زكاته فليس بكنز، وإن كان تحت سبع أرضين، وكل مال لم تؤدّ زكاته فهو كنز وإن كان فوق الأرض) 53.
وذكر بعض العلماء أن الإنفاق هنا يندرج فيه سائر الحقوق من الكفارات، والديون، ونفقة الحج، والجهاد والإنفاق على الأهل والعيال، وضمان المتلفات، وأروش الجنايات.
القول الثاني: أن كل مال كثير فهو مذموم سواء أدّيت زكاته أو لم تؤدّ 54. وممن ذهب إلى هذا علي رضي الله عنه حيث روي عنه قوله: «أربعة آلاف فما دونها نفقة، وما كثر فهو كنز وإن أدّيت زكاته» 55.
ويروى عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه أن كل ما زاد عن حاجة المرء فهو كنز، حيث ذكر القرطبي أن هذا مذهب أبي ذر رضي الله عنه ومن مفرداته وشدائده، وعلّله القرطبي بقوله: «يحتمل أن يكون مجمل ما روي عن أبي ذر في هذا، ما روي أن الآية نزلت في وقت شدة الحاجة وضعف المهاجرين وقصر يد رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كفايتهم، ولم يكن في بيت المال ما يسعهم، وكانت السنون الجوائح هاجمة عليهم، فنهوا عن إمساك شيء من المال إلا على قدر الحاجة، ولا يجوز ادخار الذهب والفضة في مثل ذلك الوقت فلما فتح الله على المسلمين ووسّع عليهم أوجب صلى الله عليه وسلم في مائتي درهم خمسة دراهم، وفي عشرين دينارًا نصف دينار، ولم يوجب الكل، واعتبر مدة الاستنماء، فكان ذلك منه بيانًا صلى الله عليه وسلم» 56. ولكل قول من القولين حججه وأدلته مما لا يتسع المقام لذكره.
الأمر الثاني: المقصود بالذم في الآية:
روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الذم في هذه الآية مقصود به أهل الكتاب، وإليه ذهب معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه 57.
وروي عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه وتبعه في هذا القول غيره أنها عامة في أهل الكتاب وفي المسلمين، ووقع بينه وبين معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه خلاف في ذلك 58.
العقوبة الثانية: توعّدهم بالويل، وتشبيههم بالمشركين.
وهذا ما جاء في إحدى السور التي نزلت بمكة، حيث لم تكن الزكاة فرضت بعد، فقد جاء في سورة فصلت قول الله تعالى: (چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژڑ ڑ ک ک ک ک گ گ) [فصلت: 6 - 7] .
وفي الآية لطائف تفسيرية عند القائلين بأن المراد بها زكاة المال، وهم الحسن وقتادة، وغيرهم، منها:
••أنها واردة على سبيل الإخبار بما سيقع من الذين لا يؤمنون بفرضية الزكاة ولا يؤدونها؛ وذلك لأن الزكاة لم تكن فرضت وقت نزول الآية .... وإنما جعل منع الزكاة مقرونًا بالكفر بالآخرة لأن أحب شيء إلى الإنسان ماله، وهو شقيق روحه، فإذا بذله في سبيل الله فذلك أقوى دليل على استقامته، وصدق نيته، وخلوص طويته، وما ارتدت العرب إلا بمنعها 59.
••أن المقصود بالزكاة فيها الصدقة، وليس زكاة النصب المعينة في الأموال، وإطلاق الزكاة على الصدقة مشهور في القرآن الكريم 60.
••ومن لطائف استلزام الويل على منع الزكاة ما قاله بعضهم: « .... فأما كون الشرك وإنكار البعث موجبين للويل فظاهر، وأما كون عدم إيتاء الزكاة موجبًا للويل فذلك لأنه حمّل عليهم ما قارن الإشراك وإنكار البعث من عدم الانتفاع بالأعمال التي جاء بها الإسلام، فذكر ذلك هنا لتشويه كفرهم وتفظيع شركهم وكفرانهم بالبعث، بأنهما يدعوانهم إلى منع الزكاة، أي إلى القسوة على الفقراء الضعفاء وإلى الشحّ بالمال، وكفى بذلك تشويهًا في حكم الأخلاق وحكم العرف فيهم؛ لأنهم يتعيرون باللؤم، ولكنهم يبذلون المال في غير وجهه، ويحرمون منه مستحقيه، وهناك من قال: بأن المقصود بالزكاة في الآية زكاة النفس بالتوحيد والدخول في الإسلام، وهو قول ابن عباس وغيره 61.
العقوبة الثالثة: التطويق بالشجاع الأقرع يوم القيامة.
من عقوبات منع الزكاة ما جاء في قول الله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [آل عمران: 180] .
هذا وقد أخرج الشيخان بسندهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: (من آتاه اللّه مالًا فلم يؤدّ زكاته مثّل له ماله يوم القيامة شجاعًا أقرع، له زبيبتان، يطوّقه يوم القيامة، ثمّ يأخذ بلهزمتيه يعني بشدقيه، ثمّ يقول: أنا مالك، أنا كنزك، ثمّ تلا:(? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [آل عمران: 180] ) 62.
وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) قال: (( من كان له مال لم يؤد زكاته طوّقه الله يوم القيامة شجاعًا أقرع، بفيه زبيبتان، ينقر رأسه حتى يخلص إلى دماغه، ولفظ الحاكم ينهسه في قبره فيقول: ما لي ولك؟! فيقول: أنا مالك الذي بخلت بي 63.
ومعنى كلمة (?) ، يحتمل أنه مشتق من الطاقة وهي تحمل ما فوق القدرة، أي: سيحملون ما بخلوا به، أي: يكون عليهم وزرًا يوم القيامة، أو أنه مشتق من الوق وهو ما يلبس تحت الرقبة فوق الصدر، أي: تجعل أموالهم أطواقًا يوم القيامة فيعذّبون بحملها 64.
أولًا: أنواع الصدقة:
الصدقة إما واجبة، وإما تطوع، فالواجبة هي الزكاة المفروضة بشروطها وأحكامها، والتي هي أحد أركان الإسلام الخمسة، والتطوع هي ما يتقرّب به المرء على سبيل التطوع بلا وجوب، وكل منهما أنواع، وفي ذلك مسألتان بيانهما على النحو الآتي: