ولكن الله جل جلاله لم يجعل معيته جزافًا ولا محاباة ولا كرامة شخصية منقطعة عن أسبابها وشروطها عنده، إنما هو عقد، فيه شرط وجزاء، شرطه: إقامة الصلاة، لا مجرد أداء الصلاة، إقامتها على أصولها التي تجعل منها صلة حقيقية بين العبد والرب، وعنصرًا تهذيبيًا وتربويًا وفق المنهج الرباني القويم، وناهيًا عن الفحشاء والمنكر، حياء من الوقوف بين يدي الله بحصيلة من الفحشاء والمنكر.
وإيتاء الزكاة اعترافًا بنعمة الله في الرزق وملكيته ابتداء للمال، وطاعة له في التصرف في هذا المال وفق شرطه، وهو المالك والناس في المال وكلاء.
والإيمان برسل الله كلهم دون تفرقة بينهم، فكلهم جاء من عند الله، وكلهم جاء بدين الله، وعدم الإيمان بواحد منهم كفر بهم جميعًا، وكفر بالله الذي بعث بهم جميعًا.
وليس هو مجرد الإيمان السلبي إنما هو العمل الإيجابي في نصرة هؤلاء الرسل، وشد أزرهم فيما ندبهم الله له، وفيما وقفوا حياتهم كلها لأدائه، فالإيمان بدين الله من مقتضاه أن ينهض المؤمن لينصر ما آمن به، وليقيمه في الأرض، وليحققه في حياة الناس.
وبعد الزكاة إنفاق عام يقول عنه الله تعالى إنه قرض لله، والله هو المالك وهو الواهب، ولكنه فضلًا منه ومنة يسمي ما ينفقه الموهوب له -متى أنفقه لله- قرضًا لله.
ذلك كان الشرط، فأما الجزاء: تكفير السيئات، والإنسان الذي لا يني 156 يخطئ، تكفير السيئات بالنسبة إليه جزاء ضخم، ورحمة من الله واسعة، وتدارك لضعفه وعجزه وتقصيره.
وجنة تجري من تحتها الأنهار، وهي فضل خالص من الله، لا يبلغه الإنسان بعمله، إنما يبلغه بفضل من الله، حين يبذل الجهد، فيما يملك وفيما يطيق» 157.
••تحقيق الولاء والبراء.
الولاء والبراء من أعظم الأعمال وأجلها، وهو الرابطة التي يجتمع عليها المسلمون في شتى البقاع والأنحاء، وهو من لوازم الإيمان بالله ورسوله، بل ما يكون العبد خالص الإيمان بالله ورسوله حتى يوالي في الله، ويعادي في الله، ويحب في الله، ويبغض في الله، ويعطي لله، ويمنع لله.
قال تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة: 22] .
{لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي: لا يجتمع هذا وهذا، فلا يكون العبد مؤمنًا بالله واليوم الآخر حقيقة إلا كان عاملًا على مقتضى الإيمان ولوازمه، من محبة من قام بالإيمان وموالاته، وبغض من لم يقم به ومعاداته، ولو كان أقرب الناس إليه.
وهذا هو الإيمان على الحقيقة الذي وجدت ثمرته والمقصود منه، وأهل هذا الوصف هم الذين كتب الله في قلوبهم الإيمان، أي: رسمه وثبته وغرسه غرسًا لا يتزلزل، ولا تؤثر فيه الشبه والشكوك.
وهم الذين قواهم الله بروح منه، أي: بوحيه ومعونته ومدده الإلهي، وإحسانه الرباني.
وهم الذين لهم الحياة الطيبة في هذه الدار، ولهم جنات النعيم في دار القرار التي فيها من كل ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين وتختار 158.
«وأما من يزعم أنه يؤمن بالله واليوم الآخر وهو مع ذلك موادٌ لأعداء الله، محبٌ لمن ترك الإيمان وراء ظهره، فإن هذا إيمان زعمي لا حقيقة له، فإن كل أمر لا بد له من برهان يصدقه، فمجرد الدعوى لا تفيد شيئًا، ولا يصدق صاحبها» 159.
فتأمل -رحمك الله- كيف جمع لهم هذا العمل هذه الجزاءات العظيمة: كتب في قلوبهم الإيمان، وأيدهم بروحٍ منه، ويدخلهم جناتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، رضي الله عنهم ورضوا عنه، أولئك حزب الله، فما أعظمه من عمل وما أجله!
من خلال النظر في مواضع ورود النار في القرآن، وتتبع أسمائها وأوصافها تبين أن هناك العديد من المعاصي التي تكون سببًا في دخولها، منها:
أولًا: الكفر والشرك:
الكفر والشرك أعظم الأسباب التي تورد الإنسان الخلود في الجحيم، وقد جاءت العديد من الآيات في القرآن التي تحدثت عن سوء عاقبة الكفر، وشناعة مصير المشركين.
قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (64) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (65) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب: 64 - 66] .
{وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (49) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ} [غافر: 49 - 50] .
وقال: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ} [فاطر: 36] .
وتأمل كيف «وقع الإخبار عن نار جهنم بأنها {لَهُمْ} بلام الاستحقاق؛ للدلالة على أنها أعدت لجزاء أعمالهم» 160. جهنم بما فيها أعدت لتكون جزاء لكفرهم، فما أخبثها من عاقبة! وما أبشعها من نهاية!
وبين سبحانه أن الكفار والمشركين في نار جهنم خالدين، وأنهم شر البرية.
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ} [البينة: 6] .
كما أخبر سبحانه أن المشرك يحرم الجنة، وأن مأواه النار، وبئس المصير.
قال تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [المائدة: 72] .
فالمشرك بالله شركًا أكبر مقطوع بحرمانه من الجنة، وخلوده في النار أبدًا؛ إذ قضى الله عز وجل بجواز غفرانه كل الذنوب إلا الشرك، فإنه لا يغفره أبدًا، قال جل جلاله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48] .
ثانيًا: النفاق:
من أكثر أسباب الهلاك التي تورد صاحبها النار؛ ليذوق فيها أشد ألوان الهوان وأخبثها -النفاق.
قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ} [التوبة: 68] .
هذا هو الجزاء الذي أعده الله لأهل النفاق والكفر، نار جهنم خالدين فيها، لا يتحولون عنها أبدًا، هي حسبهم، أي: هي كل ما لهم عند الله، لا شيء لهم غيرها، ثم من وراء جهنم وعذابها، لعنة الله القائمة عليهم، وعذاب مقيم لا يفتر عنهم، وهم فيه مبلسون 161.
وقال تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} [النساء: 145] .
«إنه مصير يتفق مع ثقلة الأرض التي تلصقهم بالتراب، فلا ينطلقون ولا يرتفعون، ثقلة المطامع والرغائب، والحرص والحذر، والضعف والخور. الثقلة التي تهبط بهم إلى موالاة الكافرين، ومداراة المؤمنين، والوقوف في الحياة ذلك الموقف المهين، مذبذبين بين ذلك، لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء، فهم كانوا في الحياة الدنيا يزاولون تهيئة أنفسهم وإعدادها لذلك المصير المهين، في الدرك الأسفل من النار» 162. «وتأكيد الخبر بـ {إِنَّ} لإفادة أنه لا محيص لهم عنه، وإنما كان المنافقون في الدرك الأسفل، أي: في أذل منازل العذاب؛ لأن كفرهم أسوأ الكفر لما حف به من الرذائل» 163.
ثالثًا: أكل الربا:
أكل الربا من أعظم الذنوب التي توبق صاحبها وترديه، قال الله تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 275] .
فمع محق أموال المرابين وسحقها توعدهم ربهم يوم القيامة بهذه الحال العجيبة.
قال تعالى: {لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} التي هي أشبه ما يكون بحال المجانين، ثم هم من الخالدين في جهنم، عياذًا بالله.
رابعًا: أكل أموال اليتامى:
من الأسباب التي تجعل المرء وقودًا لجهنم أكل أموال اليتامى.
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 10] .
«وهذا أعظم وعيد ورد في الذنوب يدل على شناعة أكل أموال اليتامى وقبحها، وأنها موجبة لدخول النار، فدل ذلك أنها من أكبر الكبائر» 164.
إن مال اليتيم هو نارٌ تحرق كل من يمد إليه يدًا خائنة، أو يدسه في بطنٍ شرهةٍ، فمن أكل منه احترق به في الدنيا، وصلى به عذاب جهنم في الآخرة 165.
خامسًا: أكل أموال الناس بالباطل:
أكل أموال الناس بالباطل من أعظم الذنوب وأخطرها، وهو ذنب يأخذ بناصية صاحبه إلى النار وبئس القرار.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} [النساء: 29 - 30] .
قال ابن كثير: «أي: ومن يتعاطى ما نهاه الله عنه متعديًا فيه ظالمًا في تعاطيه، أي: عالمًا بتحريمه، متجاسرًا على انتهاكه {فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} وهذا تهديد شديد، ووعيد أكيد، فليحذر منه كل عاقل لبيب ممن ألقى السمع وهو شهيد» 166.
سادسًا: قتل المؤمن عمدًا:
قتل المؤمن بغير حق من أقبح الجرائم وأفحشها؛ لأنها ليست مجرد جريمة قتل لنفس بغير حق «ولكنها كذلك جريمة قتل للوشيجة العزيزة الحبيبة الكريمة العظيمة التي أنشأها الله بين المسلم والمسلم، إنها تنكر للإيمان ذاته، وللعقيدة نفسها» 167.
ولذا توعد الله مرتكبها بعقاب أليم، قال جل جلاله: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93] .
ولجرم هذه الفعلة وشناعتها رتب الله عليها جزاءات قلما جمعها في فعلة غيرها في آية واحدة، فقد توعد الله قاتل المؤمن بالخلود في جهنم، وبالغضب عليه، وباللعن له، وبالعذاب العظيم.
«وعلى قدر ما كانت رحمة الله وعفوه عن القاتل خطأ، بقدر ما كانت نقمة الله وغضبه ولعنته على القاتل عمدًا؛ ولهذا كان إهلاك هذه النفس المجرمة والقصاص منها في الدنيا هو الحكم الذي يؤخذ به قاتل النفس المؤمنة عمدًا، وإنه لا وجه لاستبقائه في هذه الحياة، ولا داعية لاستصلاحه، فقد وقع عليه غضب الله ولعنته، منذ أول قطرة دم سفكها من دم هذا المؤمن البريء {وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا} [النساء: 52] » 168.
سابعًا: التولي يوم الزحف:
والتولي يوم الزحف من أكبر الكبائر التي تزج بصاحبها في جهنم.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (15) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [الأنفال: 15 - 16] .
والتولي يوم الزحف يستحق هذا التشديد؛ «لضخامة آثاره الحركية من ناحية، ولمساسه بأصل الاعتقاد من ناحية، إن قلب المؤمن ينبغي أن يكون راسخًا ثابتًا لا تهزمه في الأرض قوة، وهو موصول بقوة الله الغالب على أمره، القاهر فوق عباده، وإذا جاز أن تنال هذا القلب هزة -وهو يواجه الخطر- فإن هذه الهزة لا يجوز أن تبلغ أن تكون هزيمة وفرارًا، والآجال بيد الله، فما يجوز أن يولي المؤمن خوفًا على الحياة» 169.
و «في التعبير عن الصد عن العدو والفرار منه بتولية الدبر، تشنيعٌ على من يأتي هذا الفعل وفضحٌ له؛ إذ كان كأنما يكشف سوأته لعدوه أو يعطيه دبره» 170.
ثامنًا: الركون إلى الظالمين:
حذر الله جل جلاله من موالاة الظالمين أو الركون إليهم، وبين سبحانه أن من فعل هذا يعرض نفسه لمس النار، قال عز وجل: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} [هود: 113] .
وذلك لأن الركون إليهم يعني: إقرارهم على ما هم عليه من الباطل والمنكر، وهذا مما يعرض العبد للفحات جهنم، كما بينت الآية الكريمة، «وأما مداخلتهم لدفع ضرر أو اجتلاب منفعة عاجلة فغير داخل في الركون» 171.
تاسعًا: عدم النهوض بالتكاليف الشرعية:
وهذا ما بينه تعالى في حوار بين أهل الجنة وأهل النار، حين يسأل أهل الجنة أهل النار عن أسباب صليهم الجحيم.
قال تعالى: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ} [المدثر: 42 - 47] .
وهذا الحوار يبين «أن الذي سلكهم في سقر هو أنهم لم يكونوا من المصلين، أي: لم يكونوا مؤمنين؛ لأنهم لو كانوا مؤمنين لكانوا من المصلين، وأنهم لم يكونوا يؤدون حق عباد الله فيما خولهم الله من نعم، فلم يطعموا المساكين، ولم يخرجوا زكاة أموالهم التي منها يطعم المسكين، وأنهم يخوضون مع الخائضين، فلم يتأثموا من منكر، ولم يتحرجوا من فاحشة، بل كانوا مع كل جماعة ضالة، وعلى كل مورد آثم، وأنهم كانوا يكذبون بيوم الدين، أي: يوم القيامة، فلم يؤمنوا بالبعث والحساب والجزاء» 172.
هذه جملة من الأسباب التي تورد الإنسان الهاوية، وتنتهي بصاحبها في السعير، وبئس المصير، وبما أنها كذلك فإن الحذر منها والبعد عنها يحفظ الإنسان من النيران، ويقيه شرها، فالله توعد الكفرة والمشركين بالجحيم -كما سبق- ولكنه أيضًا وعد المؤمنين بالجنان، والخير العظيم، قال عز وجل: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 72] .
وتوعد المكدسين للأموال والمانعين حق الله فيها بالسعير، ولكنه وعد المنفقين المتصدقين بالخير العميم: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 274] .
وهكذا .. فكل ما هو سبب لدخول الجحيم فالبعد عنه يقرب من الجنان والنعيم.
موضوعات ذات صلة:
الثواب، الجزاء، الجنة، الحساب، القبر
1 مقاييس اللغة، ابن فارس 5/ 368.
2 انظر: مختار الصحاح، الرازي ص 321، المصباح المنير، الفيومي 2/ 629، لسان العرب، ابن منظور 5/ 240 - 242، القاموس المحيط، الفيروزآبادي 1/ 488.
3 انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير 5/ 126.
4 الجنة والنار، عمر الأشقر ص 11.
5 رسالة في أسس العقيدة، محمد السعوي ص 74.
6 انظر: المعجم المفهرس الشامل لألفاظ القرآن الكريم، عبد الله جلغوم، باب النون، ص 1352 - 1355.
7 انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص 439 - 440.
8 انظر: الصحاح، الجوهري 5/ 1892، شمس العلوم، نشوان الحميري 2/ 1201، مختار الصحاح، الرازي ص 63.
9 انظر: لسان العرب، ابن منظور 12/ 112.
10 التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص 123.
11 انظر: الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري ص 311.
12 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 5/ 213.
13 لسان العرب، ابن منظور 1/ 743.
14 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 3/ 375.
15 التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص 54.
وانظر: الكليات، الكفوي ص 137.
16 انظر: المفردات، الراغب ص 740، مفاتيح الغيب، الرازي 30/ 642، التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب 15/ 1172.
17 انظر: العين، الفراهيدي 8/ 151.
18 أضواء البيان، الشنقيطي 9/ 101.
19 انظر: المفردات، الراغب ص 411، وإرشاد العقل السليم، أبو السعود 2/ 148.
20 مقاييس اللغة، ابن فارس 3/ 75.
21 الموسوعة القرآنية، إبراهيم الأبياري 8/ 261.
22 التفسير الوسيط، طنطاوي 15/ 14.
23 انظر: زاد المسير، ابن الجوزي 4/ 203.
24 مقاييس اللغة، ابن فارس 3/ 86.
25 المفردات، الراغب الأصفهاني ص 187، وإرشاد العقل السليم، أبو السعود 1/ 152.
26 انظر: تفسير الراغب الأصفهاني 1/ 305، تفسير ابن أبي حاتم 8/ 2784، البحر المحيط، أبو حيان 1/ 570.
27 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 20/ 167.
28 المفردات، الراغب الأصفهاني ص 849.
29 مفاتيح الغيب، الرازي 5/ 349.
وانظر: لسان العرب، ابن منظور 12/ 122.
30 والراجح أن نسبته له غير صحيحة، والصحيح عنه القول بأبديتها.
انظر: كشف الأستار لإبطال ادعاء فناء النار المنسوب لشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، علي الحربي ص 58.
31 انظر في الأقوال الثلاثة: الرد على من قال بفناء الجنة والنار، ابن تيمية ص 42، حادي الأرواح، ابن القيم ص 329 - 332، شرح الطحاوية، ابن أبي العز 2/ 624، فتح الباري، ابن حجر 11/ 421 - 422، كشف الأستار في إبطال قول من قال بفناء النار، الشوكاني 2/ 789.
32 جامع البيان، الطبري 2/ 287.
33 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 6/ 159.
34 شرح الطحاوية، ابن أبي العز 2/ 629، رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار، الصنعاني 1/ 117.
35 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار، 8/ 113، رقم 6548، ومسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء، 4/ 2189، رقم 2850.
36 انظر: جامع البيان، الطبري 15/ 481، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 4/ 351 - 352، شرح الطحاوية، ابن أبي العز ص 420.
37 انظر: شرح الطحاوية، ابن أبي العز 2/ 626، رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار، الصنعاني ص 87.
38 انظر: جامع البيان، الطبري 24/ 163، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 8/ 306.
39 قال الألباني في تعليقه على رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار ص 71: «قلت: هذا أثر منقطع، لأن علي بن أبي طلحة لم يسمع عن ابن عباس، وإن كان معناه صحيحًا، على ما سيبينه المؤلف رحمه الله تعالى، ثم أن في الطريق إليه عبد الله بن صالح، وفيه ضعف، رواه عنه ابن جرير 13892، وابن أبي حاتم أيضًا كما في تفسير ابن كثير، والأثر في الحادي 2/ 173 غير معزو لابن تيمية صراحة، ولم يذكره الناقل عن ابن تيمية في مخطوطة المكتب» .
40 عالج: رمال معروفة بالبادية، وتطلق على ما تراكم من الرمل ودخل بعضه في بعض.
انظر: لسان العرب، ابن منظور 2/ 326، معجم البلدان، ياقوت الحموي 4/ 70.
41 ضعيف: للانقطاع بين الحسن البصري وبين عمر رضي الله عنه.