في هذه الآية تنبيه عظيم للمسلم الذي يقصر إسلامه على الصلاة ولا يبالي بعدها ما ترك من واجبات وما ارتكب من منهيات، فبين تعالى لهم الطاعة الحق في دعوى الإيمان والإسلام والإحسان بأنه من التزم أركان الإيمان وأداء الفرائض -وعلى وجه الخصوص فريضتي الصلاة والزكاة وهما من أعظم أركان الإسلام- وأنفق المال في سبيل الله مع حبه له وضنه به على من لا يرجو منه جزاء ولا مدحًا ولا ثناء؛ كالأقارب والمساكين وأبناء السبيل والسائلين من ذوي الخصاصة والمسغبة، وفي تحرير الأرقاء وفكاك الأسر مع أدامة الصلاة على الوجه الأكمل في أدائها وأدى زكاة ماله على المستحقين لها، ومن صفاتهم الوفاء بالعهود والصبر في أصعب الظروف وأشد الأحوال.
وهذا هو مبدأ الإحسان وهو مراقبة الله تعالى والنظر إليه وهو يزاول عبادته، ومن هنا قرر تعالى أن هؤلاء هم الصادقون في دعوى الإيمان والإسلام، وهم المتقون بحق غَضَبَ اللهِ وأليمَ عذابه، جعلنا الله منهم، فقال تعالى مشيرًا لهم بلام البعد وكاف الخطاب لبعد مكانتهم وارتفاع درجاتهم 31.
أولًا: العلاقة مع الجيران:
حقُّ الجيران حقٌّ فرضه الإسلام، فجاء الأمر الصريح بالإحسان إلى الجار، واقتران حقِّهِ بتوحيد الله عز وجل وعدم الشرك به، وهذا من أقوى الأدلة على اهتمام الإسلام بحقوق الجار وتعظيم شأنه، كما قال سبحانه وتعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 36] .
قرن تعالى عبادته بالإحسان بالوالدين في غير موضع من كتابه الكريم؛ لما لهما على الابن من فضل يعجزه وفاؤه فقال هنا: واعبدوا الله وحده ولا تجعلوا معه شريكًا في الألوهية والعبادة، وأحسنوا إلى الوالدين إحسانًا لا تقصير فيه، وإلى أقربائكم وإلى اليتامى، والذين افتقروا بسبب عجزهم أو ذهاب الكوارث بأموالهم، وبالجار القريب النسب والجار الأجنبي والرفيق لك في عمل أو طريق أو جلوس، والمسافر المحتاج الذى لا قرار له في بلد معين، وبما ملكتم من الأرقاء فتيانًا وفتيات، إن الله لا يحب من كان متعاليًا على الناس، لا تأخذه بهم رحمة، كثير التمدح بنفسه 32.
وقد أوصى جبريل الأمين الرسول الكريم صلوات الله تعالى وسلامه عليهما بالجار حتى ظن النبي أنه سيورثه؛ فعن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما زال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورثه) 33.
وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره) 34.
وعن أبي شريحٍ العدوي، قال: سمعت أذناي، وأبصرت عيناي، حين تكلم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره) 35.
وعن أبي شريحٍ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن) قيل: من يا رسول الله؟ قال: (الذي لا يأمن جاره بوائقه) 36.
ثانيًا: العلاقة مع الضيوف:
ومن العلاقات الاجتماعية في القرآن العلاقة مع الضيوف، فقد جعل الإسلام آدابًا للزيارة ودخول البيوت ينبغي على المسلمين التخلق بها منها قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ} [الأحزاب: 53] .
أي: يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله إذا دعيتم إلى وليمة في بيت النبي صلى الله عليه وسلم فلا تدخلوا البيت إلا إذا علمتم أن الطعام قد تم نضجه، وانتهى إعداده، إذ قبل ذلك يكون أهل البيت في شغل عنكم، وقد يلبسن ثياب البذلة والعمل، فلا يحسن أن تروهن وهن على هذه الحال، إلى أنه ربما بدا من إحداهن ما لا يحل النظر إليه، ولكن إذا دعاكم الرسول صلى الله عليه وسلم فادخلوا البيت الذي أذن لكم بدخوله، فإذا أكلتم الطعام الذي دعيتم إلى أكله فتفرقوا واخرجوا ولا تمكثوا فيه لتتبادلوا ألوان الحديث وفنونه المختلفة؛ فإن ذلك اللبث والاستئناس والدخول على هذا الوجه كان يؤذى النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه كان يمنعه من قضاء بعض حاجه، إلى ما فيه من تضييق المنزل على أهله، لكنه كان يستحيي من إخراجكم ومنعكم مما يؤذيه، والله لم يترك الحق وأمركم بالخروج، وفى هذا إيماء إلى أن اللبث يحرم على المدعو إلى طعام بعد أن يطعم إذا كان في ذلك أذى لرب البيت، ولو كان البيت غير بيت النبي صلى الله عليه وسلم فالتثقيل مذموم في كل مكان، محتقر لدى كل إنسان 37.
هذه الآية وإن كانت تتعلق بدخول بيوت النبي صلى الله عليه وسلم خاصة إلا أنها من الآداب العامة التي ينبغي على المسلمين التحلي بها لما فيها من الخير والتيسير على المسلمين.
كما ينبغي على الضيف أن يتأدب بآداب دخول البيوت، فلا يدخل إلا بعد السلام والاستئذان والاستئناس من صاحب الدار.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27) } [النور: 27] .
يرشد الباري عباده المؤمنين، أن لا يدخلوا بيوتًا غير بيوتهم بغير استئذان، فإن في ذلك عدة مفاسد: منها ما ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم، فعن سهل بن سعدٍ، قال: (اطلع رجلٌ من جحرٍ في حجر النبي صلى الله عليه وسلم، ومع النبي صلى الله عليه وسلم مدرًى يحك به رأسه، فقال:(لو أعلم أنك تنظر، لطعنت به في عينك، إنما جعل الاستئذان من أجل البصر) 38.
فبسبب الإخلال به، يقع البصر على العورات التي داخل البيوت، فإن البيت للإنسان في ستر عورة ما وراءه، بمنزلة الثوب في ستر عورة جسده، ومنها: أن ذلك يوجب الريبة من الداخل، ويتهم بالشر سرقة أو غيرها، لأن الدخول خفية يدل على الشر، ومنع الله المؤمنين من دخول غير بيوتهم حتى يستأذنوا، وسمي الاستئذان استئناسًا؛ لأن به يحصل الاستئناس، وبعدمه تحصل الوحشة، وتسلموا على أهلها 39.
ومن الآداب الإسلامية التي أمر الله بها عباده المؤمنين بأن يتحلوا عند دخول البيوت غض البصر، فلا يقف أمام باب البيت عند الاستئذان، ولا ينظر إلى عورات البيت عند الدخول.
قال تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) } [النور: 30] .
أي: قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم، ويكفوها عن النظر إلى الأجنبيات غير المحارم، ويحفظوا فروجهم من كل منكر كالنظر واللمس والزنى، وقد قدم تحريم النظر على حفظ الفروج التي هي المقصود الأساسي من الكلام ليعلم الناس جميعًا ما للنظر من خطر وأثر، وأنه رسول الشهوة، وبريد الزنى، وبذرة الفسق والفجور، وخص المؤمنين بالذكر؛ لأنهم الممتثلون المنتفعون بهذا. ذلك أزكى لهم وأطهر، وأبعد عن الشك وأنفى للريبة، وأبقى للنفس طاهرة زكية بعيدة عن الخطر 40.
ثالثًا: العلاقة التجانسية:
لا شك أن صفة التجانس والانسجام بين الناس هو وسيلة للتقارب وزيادة المحبة بين الناس، وعامل مساعد في توثيق العلاقات الاجتماعية بين الناس.
قال تعالى: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (26) } [النور: 26] .
أي: النساء الزواني الخبيثات للخبيثين من الرجال، والخبيثون الزناة من الرجال للخبيثات من النساء؛ لأن اللائق بكل واحد ما يشابهه في الأقوال والأفعال، ولأن التشابه في الأخلاق والتجانس في الطبائع من مقومات الألفة ودوام العشرة. وعلى هذا يكون المراد بالخبيثات والطيبات النساء، أي: شأن الخبائث من النساء يتزوجن الخبائث من الرجال، وشأن أهل الطيب من النساء يتزوجن الطيبين من الرجال، ويجوز أن يكون المراد من الخبيثات الكلمات التي هي القذف الواقع من أهل الإفك، والمعنى: الخبيثات من قول أهل الإفك للخبيثين من الرجال، وبالعكس: والطيبات من قول منكري الإفك للطيبين من الرجال وبالعكس 41.
وقال تعالى: {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (7) } [التكوير: 7] .
أي: الأرواح قرنت بأجسادها، أو إذا النفوس صنفت: كل نفس مع من يشاكلها من أجناسها 42.
ولقد خلق الله عز وجل الأرواح وجعلها كالجنود المجندة ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف، كما جاء في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها، قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: (الأرواح جنودٌ مجندةٌ فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف) 43.
فرق الإيمان بالله، بين المؤمنين والمشركين، وجعل ولاء المؤمن للمؤمنين عامة، أيا كان لونهم وجنسهم، وأيا كانت درجة القرابة في النسب بينهم وبينه، على حين قطع ولاءه لأهله، وأقرب المقربين إليه إذا لم يكونوا من المؤمنين بالله وبرسول الله.
أولًا: الأخوة الإيمانية:
قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10) } [الحجرات: 10] .
هذا عقدٌ عقده الله بين المؤمنين، أنه إذا وجد من أي شخص كان، في مشرق الأرض ومغربها، الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، فإنه أخ للمؤمنين، أخوة توجب أن يحب له المؤمنون ما يحبون لأنفسهم، ويكرهون له ما يكرهون لأنفسهم، ولهذا جاء الأمر من النبي صلى الله عليه وسلم بالوفاء بحقوق الأخوة الإيمانية.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعضٍ، وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى هاهنا) ويشير إلى صدره ثلاث مراتٍ (بحسب امرئٍ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرامٌ، دمه، وماله، وعرضه) 44.
وقال صلى الله عليه وسلم في حديث آخر عن أبي موسى رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا) وشبك بين أصابعه) 45.
ولقد أمر الله ورسوله، بالقيام بحقوق المؤمنين، بعضهم لبعض، وبما به يحصل التآلف والتوادد، والتواصل بينهم، كل هذا تأييد لحقوق بعضهم على بعض، فمن ذلك، إذا وقع الاقتتال بينهم -الموجب لتفرق القلوب وتباغضها وتدابرها- فليصلح المؤمنون بين إخوانهم، وليسعوا فيما به يزول شنآنهم.
ثم أمر بالتقوى عموما، ورتب على القيام بحقوق المؤمنين وبتقوى الله الرحمة، وإذا حصلت الرحمة، حصل خير الدنيا والآخرة، ودل ذلك على أن عدم القيام بحقوق المؤمنين، من أعظم حواجب الرحمة 46.
ولقد حث المولى عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم على الرحمة وعدم الغلظة في تعامله مع الآخرين؛ مبينا أن الفظاظة وغلظة القلب من أكبر العوامل على نفرة الناس من حوله فقال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) } [آل عمران: 159] .
أي: فبرحمة مِنَ الله لك ولأصحابك -أيها النبي- مَنَّ الله عليك فكنت رفيقًا بهم، ولو كنت سيئ الخلق قاسي القلب لانصرف أصحابك من حولك، فلا تؤاخذهم بما كان منهم في غزوة أحد، واسأل الله أن يغفر لهم، وشاورهم في الأمور التي تحتاج إلى مشورة، فإذا عزمت على أمر من الأمور -بعد الاستشارة- فامضه معتمدًا على الله وحده، إن الله يحب المتوكلين عليه 47.
وفي مقابل الحث على الأخوة والرحمة التي تفضي إلى تماسك المجتمع وقوته حذر المولى عز وجل من تقديم محبة القرابة وزخارف الدنيا ومتاعها الزائل على محبة الله ورسوله والجهاد في سبيل الله؛ فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (23) قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24) } [التوبة: 23 - 24]
يحذر المولى عز وجل المؤمنين إلى ما قد يدخل عليهم من مشاعر القرابة نحو أهليهم الذين خلفوهم وراءهم من المشركين، تلك المشاعر التي قد تبلغ حد الجور على حق المسلمين على المسلم، من إخاء وموالاة، فجاء النهي واقعًا على الولاء والإيثار، وتغليب مصلحتهم على مصالح المؤمنين، ولم يتضمن النهى عن المشاعر والأحاسيس؛ لأن ذلك أمر لا تحتمله النفوس، وإن كانت تحتمله بعض النفوس، فإن ذلك لم يكن إلا عن مشقة ومعاناة وحرج، الأمر الذي برئت منه الشريعة الإسلامية السمحاء، ولقد وضع الله المسلمين في مواجهة التجربة والاختبار لإيمانهم، واختيار ما يحبون وما يؤثرون.
فالإيمان في جانب والآباء والأبناء والإخوان والأزواج والعشيرة والأموال والديار في جانب آخر، وعلى المؤمن أن يختار بين الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله، وبين أهله، وماله ودياره.
فإذا آثر الإيمان على الولد والأهل والمال والموطن، كان على الصفة التي يتحقق بها الإيمان الذي يقبله الله منه، ويرضاه له، وإن كان العكس، وآثر الولد والأهل والمال والموطن، على الإيمان بالله ورسوله والولاء للمؤمنين، والجهاد في سبيل الله، فهو أقرب إلى الجبهة المعادية للإسلام، منه إلى الجبهة الموالية له، جاء في الصحيح عن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه: (جاء رجلٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، كيف تقول في رجلٍ أحب قومًا ولم يلحق بهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(المرء مع من أحب) 48 49.
وحذر المولى عز وجل من الفرقة آمرًا المؤمنين بالوحدة والتمسك بالدين فقال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) } [آل عمران: 103] .
أي: وتمسكوا جميعًا بكتاب ربكم وهدي نبيكم، ولا تفعلوا ما يؤدي إلى فرقتكم. واذكروا نعمة جليلة أنعم الله بها عليكم: إذ كنتم -أيها المؤمنون- قبل الإسلام أعداء، فجمع الله قلوبكم على محبته ومحبة رسوله، وألقى في قلوبكم محبة بعضكم لبعض، فأصبحتم بفضله إخوانا متحابين، وكنتم على حافة نار جهنم، فهداكم الله بالإسلام ونجاكم من النار. وكما بَيَّنَ الله لكم معالم الإيمان الصحيح، فكذلك يُبَيِّنُ لكم كل ما فيه صلاحكم؛ لتهتدوا إلى سبيل الرشاد، وتسلكوها، فلا تضلوا عنها 50.
وقال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (159) } [الأنعام: 159] .
أي: إن الذين فرقوا الدين الحق الواحد بالعقائد الزائفة والتشريعات الباطلة، وصاروا بسبب ذلك أحزابًا، تحسبهم جميعًا وقلوبهم مختلفة، لست مؤاخذًا بتفرقهم وعصيانهم ولا تملك هدايتهم، فما عليك إلا البلاغ، والله - وحده - هو الذى يملك أمرهم بالهداية والجزاء، ثم يخبرهم يوم القيامة بما كانوا يفعلونه في الدنيا ويجازيهم عليه 51.
كما نهى الله عن السخرية والهمز واللمز بالمؤمنين والتنابز بالألقاب، فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11) } [الحجرات: 11] .
كما حذر من سوء الظن والتجسس والغيبة؛ لأنها من الكبائر التي حرمها الله سبحانه وتعالى وتتنافى مع الأخوة الإيمانية، فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12) } [الحجرات: 12] .
ثانيًا: العلاقة مع غير المسلمين:
أرست الشريعة الإسلامية قواعد التعامل مع غير المسلمين على أساس العقيدة والأخلاق والحق والعدل والوفاء، وأقامت القاعدة العامة في مركز أهل الذمة والمستأمنين الأجانب في الدولة بما يترتب عليها من حقوق في حرية التعبد وعدم الإكراه في الدين، وفي رعاية العهد والوفاء بالمواثيق، وفي عصمة الدم والعرض، وفي الحماية والدفاع عن المحرمات، وفي سائر الحقوق الاجتماعية.
وإذا أردنا أن نجمل تعليمات الإسلام في معاملة المخالفين له -في ضوء ما يحل وما يحرم- فحسبنا آيتان من كتاب الله، جديرتان أن تكونا دستورًا جامعًا في هذا الشأن، وهما قوله تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9) } [الممتحنة: 8 - 9] .
أي: لا يمنعكم الله من البر والإحسان وفعل الخير إلى الكفار الذين سالموكم ولم يقاتلوكم في الدين كالنساء والضعفة منهم، كصلة الرحم، ونفع الجار، والضيافة، ولم يخرجوكم من دياركم، ولا يمنعكم أيضا من أن تعدلوا فيما بينكم وبينهم، بأداء ما لهم من الحق، كالوفاء لهم بالوعد، وأداء الأمانة، وإيفاء أثمان المشتريات كاملة غير منقوصة، إن الله يحب العادلين، ويرضى عنهم، ويمقت الظالمين ويعاقبهم.
ثم حدد الله تعالى موضع النهي في المعاملات، فقال: إنما ينهاكم الله عن موالاة هؤلاء الذين عادوكم، وهم صناديد الكفر من قريش وأشباههم ممن هم حرب على المسلمين، وعاونوا الذين قاتلوكم وأخرجوكم على ذلك، وهم سائر أهل مكة ومن دخل معهم في عهدهم، ينهاكم الله عن اتخاذهم أولياء وأنصارًا لكم، ويأمركم بمعاداتهم. ثم أكد الوعيد على موالاتهم، فأبان أن من يتولهم ويناصرهم، فأولئك الذين ظلموا أنفسهم، لأنهم تولوا من يستحق العداوة، لكونه عدوًّا لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولكتابه 52.