فاليمن دخلتها الدخائل الأجنبية من الحبشة والفرس على طباع أهلها وألسنتهم، والشام ومشارفه كانت مشرفة على الاستعجام، والعراق والجزيرة لم يسلما من التأثر بالطباع الفارسية، فكانت هذه الأطراف تنطوي على عروبة مزعزعة للمقومات، ولم يحافظ على الطبع العربي الصميم إلا صميم الجزيرة ومنه مكة التي ظهر فيها الإسلام.
وهذا الوسط وإن كان عريقًا في الصفات التي تسمى العصر لأجلها جاهليًا؛ ولكنه كان بعيدًا عن الذل الذي يقتل العزة والشرف من النفوس؛ والجاهل يمكن أن تعلمه، والجافي يمكن أن تهذبه .. ولكن الذليل الذي نشأ على الذل يعسر أو يتعذر أن تغرس في نفسه الذليلة المهينة عزة وإباء وشهامة تلحقه بالرجال، هذا توجيه موجز مقرب لاختيار الله تعالى العرب للنهوض بالرسالة العامة.
وشيء آخر يرتبط بهذا: وهو أن الله كما اختار العرب للنهوض بالعالم كذلك اختار لسانهم ليكون لسان هذه الرسالة، وترجمان هذه النهضة، ولا عجب في هذا؛ فاللسان الذي اتسع للوحي الإلهي لا يضيق أبدًا بهذه النهضة العالمية مهما اتسعت آفاقها وزخرت علومها 43.
وسيأتي بيان وسطية مكة المكرمة وكونها وسط الأرض ومركزها بالتفصيل.
إن لمكة المكرمة فضائل كثيرة ومتعددة يمكن ذكر أهمها في النقاط الآتية:
أولًا: قبلة المسلمين:
جعل الله تعالى مكة المكرمة قبلة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، ويعتبر استقبال الكعبة من أهم عوامل وحدة المسلمين، يستقبلها المسلمون في كل صلاة فرضًا أو نفلًا، فلا تصح صلاة بدون استقبالها وقد ادخره الله للمسلمين آية على أن الإسلام هو القائم على أساس الحنيفية، وفيه تذكير بشعائر الله بمكة.
قال تعالى: (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ? قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ? يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى? صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ?142?وَكَذَ?لِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ? وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى? عَقِبَيْهِ ? وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ? وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ? إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ?143?قَدْ نَرَى? تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ? فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ? فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ? وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ? وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ? وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ?144?وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ? وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ? وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ? وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ? إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ?145?) [البقرة:142 - 145] .
وقال تعالى: (?وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ? فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ? أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ? إِنَّ اللَّهَ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ?148?وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ? وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ? وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ?149?وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ? وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ?150?) [البقرة:148 - 150] .
وروى الإمام ابن جرير: عن قتادة قال: «كانت القبلة فيها بلاء وتمحيص، صلت الأنصار نحو بيت المقدس حولين قبل قدوم نبي الله صلى الله عليه وسلم، وصلى نبي الله صلى الله عليه وسلم بعد قدومه المدينة مهاجرًا نحو بيت المقدس سبعة عشر شهرًا، ثم وجهه الله بعد ذلك إلى الكعبة البيت الحرام، فقال في ذلك قائلون من الناس: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ لقد اشتاق الرجل إلى مولده! قال الله عز وجل: (قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ? يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى? صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) ، فقال أناس لما صرفت القبلة نحو البيت الحرام: كيف بأعمالنا التي كنا نعمل في قبلتنا الأولى؟ فأنزل الله عز وجل: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ?) وقد يبتلي الله العباد بما شاء من أمره، الأمر بعد الأمر، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه، وكل ذلك مقبول، إذ كان في ذلك إيمان بالله، وإخلاص له، وتسليم لقضائه» 44.
والكعبة قبلة المسلمين أحياءً وأمواتًا لما رواه عبيد بن عمير، عن أبيه أنه حدثه، وكانت له صحبة أن رجلا سأله، فقال: (يا رسول الله ما الكبائر؟ فقال:(هن تسع) ، فذكر معناه زاد: (وعقوق الوالدين المسلمين، واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتًا) 45.
ثانيًا: يحج المسلمون إليها:
إن من فضائل مكة المكرمة أن جعلها الله تعالى مكانًا لإقامة شعائر الحج ومناسكه، وأوجب على العباد الحج إليها.
قال تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ? وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) [آل عمران:97] .
والمعنى: ولله على من استطاع من الناس حج البيت، أي: فرض واجب لله على من استطاع من أهل التكليف السبيل إلى حج بيته الحرام 46.
والحج الذي هو: قصد لمكة من أجل النسك حق واجب لله تعالى في رقاب الناس لا ينفكون عن أدائه والخروج من عهدته بإجماع المسلمين، وهذا الواجب مقيد بالاستطاعة.
قال تعالى: (مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) 47.
وقد اختلف المفسرون والفقهاء في معنى الاستطاعة اختلافًا كثيرًا، «فقال بعضهم: إنها القدرة على الزاد والراحلة مع أمن الطريق، وقال بعضهم: إنها صحة البدن والقدرة على المشي، وقال آخرون هي: صحة البدن وزوال الخوف من عدو أو سبع مع القدرة على المال الذي يشترى منه الزاد والراحلة، وقضاء جميع الديون والودائع، ودفع النفقة التي تكفى لمن تجب عليه نفقته حتى العودة من الحج، وخلاصة ذلك:
إن هذا الإيجاب مشروط بالاستطاعة وهي تختلف باختلاف الأشخاص والأزمان» 48.
والراجح من أقوال المفسرين والفقهاء أن الاستطاعة على الحج تتحقق بما يأتي:
وحث الله تعالى على تعظيم مكة المكرمة في قوله تعالى: ذَ?لِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ?32?الْعَتِيقِ ?33?وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى? مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ? فَإِلَ?هُكُمْ إِلَ?هٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا ? وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ ?34?) [الحج:32 - 34] .
وشعائر الله هي: معالم ومناسك الحج التي فرضها الله تعالى أو ندب إليها وأمر بالقيام بها، فالصفا والمروة والركن، والبيت، والبدن وتعظيمها استسمانها واستحسانها من شعائر الله تعالى 50.
ثالثًا: يحرم القتال فيها:
لا يجوز القتال في مكة بعد أن حرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم تعالى إلى يوم القيامة، فقد وردت أحاديث تدل على أن الله تعالى حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، كما جاء في الصحيحين عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: (إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها ولا يختلى خلاها) فقال العباس: يا رسول الله: إلا الإذخر، فإنه لقينهم ولبيوتهم، فقال: (إلا الإذخر) 51.
ومنع القتال في مكة المكرمة مما خص به البلد الحرام، قال الإمام النووي: «قوله صلى الله عليه وسلم: (فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة وأنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ولم يحل لي إلا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة) .
وفي رواية (القتل) بدل (القتال) ، وفي الرواية الأخرى: (لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما، ولا يعضد بها شجرة فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها فقولوا له: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس وليبلغ الشاهد الغائب) 52.
هذه الأحاديث ظاهرة في تحريم القتال بمكة قال الإمام أبو الحسن الماوردي صاحب الحاوي من أصحابنا في كتابه الأحكام السلطانية من خصائص الحرم: أن لا يحارب أهله، فإن بغوا على أهل العدل، فقد قال بعض الفقهاء: يحرم قتالهم بل يضيق عليهم حتى يرجعوا إلى الطاعة ويدخلوا في أحكام أهل العدل، قال: وقال جمهور الفقهاء: يقاتلون على بغيهم إذا لم يمكن ردهم عن البغي إلا بالقتال؛ لأن قتال البغاة من حقوق الله التي لا يجوز إضاعتها فحفظها أولى في الحرم من إضاعتها هذا كلام الماوردي وهذا الذي نقله عن جمهور الفقهاء هو الصواب» 53.
رابعًا: من دخلها أمن:
استجاب الله دعوة خليله إبراهيم عليه السلام فجعل مكة المكرمة بلدًا آمنًا.
قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَ?ذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ? قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى? عَذَابِ النَّارِ ? وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ?126?) [البقرة:126] .
فجعل الله مكة المكرمة بلدًا آمنًا من الظلم والإغارات الواقعة على غيره، فكان الرجل يلقى قاتل أبيه فيه فلا يهيجه، ويكرر إبراهيم طلب الأمن بعد أن استقر إسماعيل وأمه فيه (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَ?ذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ) [إبراهيم:35] .
معناه: اجعله من البلدان الكاملة في الأمن 54.
فجعل الله عز وجل أمن مكة آية لإبراهيم عليه السلام وكان الناس يتخطفون حول مكة.
قال الله: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ? أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ(67) [العنكبوت:67] .
فكان الجبار إدا أراد مكة قصمه الله 55.
وفي الآية تقرير من الله تعالى أهل مكة بنعمة الأمن: بمعنى أولم يشاهد كفار مكة أن الله جعل مكة لهم حرمًا آمنًا يأمن فيه أهله على أنفسهم وأموالهم، والناس من حولهم خارج الحرم يتخطفون غير آمنين؟ أفبالشرك يؤمنون، وبنعمة الله التي خصهم بها يكفرون، فلا يعبدونه وحده دون سواه؟ 56.
قال ابن عباس رضي الله عنه: «يريد: حراما محرما لا يصاد طيره، ولا يقطع شجره، ولا يختلى خلاه، والحكم في هذا أن صيد مكة لا ينفر، ولا يتعرض له بنوع أذى، ومن قتل صيد مكة فعليه جزاؤه، ولا يجوز قطع أشجار الحرم على جهة الإضرار بها» 57.
وقال تعالى: (فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ ? وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ?) [آل عمران:97] .
أي: وأمن من دخله، والعرب جميعًا قد اتفقوا على احترامه وتعظيمه، فمن دخله أمن على نفسه من الاعتداء والإيذاء، ومن أن يسفك دمه أو تستباح حرماته مادام فيه، وقد مضوا على ذلك الأجيال الطوال في الجاهلية على كثرة ما بينهم من الأحقاد والضغائن، واختلاف المنازع والأهواء، وقد أقر الإسلام هذا، وكل ذلك بفضل دعوة إبراهيم عليه السلام (رَبِّ اجْعَلْ هَ?ذَا بَلَدًا آمِنًا) [البقرة:126] » 58.
والمعنى: ومن دخله كان آمنًا يعني: حرم مكة إذا دخله الخائف يأمن من كل سوء، وكذلك كان الأمر في حال الجاهلية، كما قال الحسن البصري وغيره: كان الرجل يقتل فيضع في عنقه صوفة ويدخل الحرم، فيلقاه ابن المقتول فلا يهيجه حتى يخرج، وعن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى: وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا) قال: من عاذ بالبيت أعاذه البيت، ولكن لا يؤوى ولا يطعم ولا يسقى، فإذا خرج أخذ بذنبه، وقال الله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ) [العنكبوت:67] .
وقال تعالى: (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَ?ذَا الْبَيْتِ ?3?الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ?4?) [قريش:3 - 4] .
وحتى إنه من جملة تحريمها حرمة اصطياد صيدها وتنفيره عن أوكاره، وحرمة قطع شجرها 59.
خامسًا: يحرم على الكافر دخولها:
حرم الله تعالى دخول المشركين والكفار مكة المكرمة.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَ?ذَا ? وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ ? إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ?28?) [التوبة:28] .
فإنه تعالى أمر المؤمنين بأن يمنعوا من دخول المسجد الحرام كل مشرك ومشركة؛ لأن المشرك نجس الظاهر والباطن، فلا يحل دخولهم إلى المسجد الحرام، وهو مكة والحرم حولها، ومن يومئذ لم يدخل مكة مشرك 60.
والمسجد الحرام: لفظ يطلق على جميع الحرم، فإذا يحرم تمكين المشرك من دخول الحرم أجمع، ولو دخل مشرك الحرم مستورا ومات نبش قبره وأخرجت عظامه، فليس لهم الاستيطان ولا الاجتياز 61.
(فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) نص على منع المشركين، وهم عبدة الأوثان من المسجد الحرام، فأجمع العلماء على ذلك، وذهب جمهور الفقهاء إلى تحريم دخول أهل الكتاب إلى المسجد الحرام خلافا لأبي حنيفة 62.
ومذهب الجمهور القائلين بتحريم دخول المشركين الذميين أو المستأمنين المسجد الحرام، هو الراجح من أقوال الفقهاء وذلك للأسباب الآتية:
سادسًا: يحرم قتل صيدها:
حرمة مكة وتحريم صيدها وشجرها وخلاها، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها.
قال تعالى: (إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَ?ذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ ? وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ?91?) [النمل:91] يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: يا محمد قل: (إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَ?ذِهِ الْبَلْدَةِ) وهي مكة الذي حرمها على خلقه أن يسفكوا فيها دمًا حرامًا، أو يظلموا فيها أحدًا، أو يصاد صيدها، أو يختلى خلاها دون الأوثان التي تعبدونها أيها المشركون 64.
وبعبارة أخرى (إِنَّمَا أُمِرْتُ) يعني يقول الله تعالى لرسوله: قل: (إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَ?ذِهِ الْبَلْدَةِ) يعني: أمرت أن أخص بعبادتي وتوحيدي الله الذي هو رب هذه البلدة يعني مكة، وإنما خصها من بين سائر البلاد بالذكر؛ لأنها مضافة إليه وأحب البلاد وأكرمها عليه، وأشار إليها إشارة تعظيم؛ لأنها موطن نبيه ومهبط وحيه (الَّذِي حَرَّمَهَا) أي: جعلها الله حرما آمنا لا يسفك فيها دم ولا يظلم فيها أحد ولا يصاد صيدها ولا يختلى خلاها ولا يدخلها إلا محرم، وإنما ذكر أنه هو الذي حرمها لأن العرب كانوا معترفين بفضيلة مكة، وأن تحريمها من الله لا من الأصنام وله كل شيء أي خلقا وملكا وأمرت أن أكون من المسلمين لله المطيعين له 65.
وإنما صارت حرامًا شرعًا وقدرا بتحريمه لها، كما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: (إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها ولا يختلى خلاها) 6667.
سابعًا: تحريم الإلحاد والظلم فيها:
حرم الله الإلحاد والظلم في البلد الحرام.
قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ? وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ(25 ) ) [الحج:25] .
أي: ومن يهم فيه بأمر فظيع من المعاصي الكبار عامدًا قاصدًا أنه ظلم ليس بمتأول، عن ابن عباس بظلم هو أن تستحل من الحرم ما حرم الله عليك من إساءة أو قتل فتظلم من لا يظلمك، وتقتل من لا يقتلك فإذا فعل ذلك فقد وجب له العذاب الأليم وقال مجاهد: (بِظُلْمٍ) (يعمل فيه عملًا سيئًا وهذا من خصوصية الحرم أنه يعاقب البادي فيه بالشر إذا كان عازمًا عليه وإن لم يوقعه 68.
قال الإمام الرازي: «الإلحاد العدول عن القصد وأصله إلحاد الحافر، وذكر المفسرون في تفسير الإلحاد وجوها:
أحدها: أنه الشرك، يعني من لجأ إلى حرم الله ليشرك به عذبه الله تعالى، وهو إحدى الروايات عن ابن عباس وقول عطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير وقتادة ومقاتل.
وثانيها: قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت في عبد الله بن سعد حيث استسلمه النبي صلى الله عليه وسلم فارتد مشركا، وفي قيس بن ضبابة، وقال مقاتل: نزلت في عبد الله بن خطل حين قتل الأنصاري وهرب إلى مكة كافرًا، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله يوم الفتح كافرًا.
وثالثها: قتل ما نهى الله تعالى عنه من الصيد.
ورابعها: دخول مكة بغير إحرام وارتكاب ما لا يحل للمحرم.
وخامسها: أنه الاحتكار عن مجاهد وسعيد بن جبير.
وسادسها: المنع من عمارته.
وسابعها: عن عطاء قول الرجل في المبايعة: لا والله وبلى والله. وعن عبد الله بن عمر أنه كان له فسطاطان أحدهما في الحل والآخر في الحرم، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحل، فقيل له فقال: كنا نحدث أن من الإلحاد فيه أن يقول الرجل لا والله وبلى والله.
وثامنها: وهو قول المحققين: أن الإلحاد بظلم عام في كل المعاصي، لأن كل ذلك صغر أم كبر يكون هناك أعظم منه في سائر البقاع حتى قال ابن مسعود رضي الله عنه: لو أن رجلا بعدن هم بأن يعمل سيئة عند البيت أذاقه الله عذابا أليما. وقال مجاهد: تضاعف السيئات فيه كما تضاعف الحسنات، فإن قيل كيف يقال ذلك مع أن قوله: (نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) لائق بكل المعاصي قلنا: لا نسلم، فإن كل عذاب يكون أليما، إلا أنه تختلف مراتبه على حسب اختلاف المعصية» 69.
والملحد في الحرم أبغض الخلق إلى الله تعالى: فعن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية، ومطلب دم امرئ بغير حق ليهريق دمه) 70.
أولًا: دعاء إبراهيم لمكة وأهلها:
تضمن القرآن الكريم آيات عديدة تخبرنا عن عناية إبراهيم عليه السلام بهذا البلد واهتمامه به ودعائه له ولأهله وقد خصه بدعوات مباركات كما يأتي:
1.دعا إبراهيم عليه السلام ربه بأن يجعله بلدًا آمنًا.
قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَ?ذَا بَلَدًا آمِنًا) [البقرة:126] .
فهذا دعاء من أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام للوادي الذي لازرع فيه ولا أنيس أن يجعله الله بلدًا آمنا، ثم دعا له بعد أن صار بلدًا مأهولًا وآمنًا.
قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَ?ذَا بَلَدًا آمِنًا) [إبراهيم:35] .
قال أبو جعفر الطبري: «يعني: آمنًا من الجبابرة وغيرهم، أن يسلطوا عليه، ومن عقوبة الله أن تناله، كما تنال سائر البلدان، من خسف، وغرق، وغير ذلك من سخط الله ومثلاته التي تصيب سائر البلاد غيره» 71.
والمراد من الآيات دعاء إبراهيم عليه السلام للمؤمنين من سكان مكة بالأمن والتوسعة بما يجلب إلى مكة؛ لأنها بلد لا زرع ولا غرس فيه، فلولا الأمن لم يجلب إليها من النواحي وتعذر العيش فيها، ثم إن الله تعالى أجاب دعاءه وجعله آمنا من الآفات من القحط والخسف والمسخ من القتل، فلم يصل إليه جبار إلا قصمه الله كما فعل الله تعالى بأصحاب الفيل.
قال تعالى: (ڑأَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ?1?أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ?2?وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ ?3?تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ ?4?فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ?5?) [الفيل:1 - 5] 72.
ودعاء إبراهيم للبلد الحرام بالأمن كان السبب في التمدن بمكة، فإن البلد إذا كان ذا أمن، أمكن الإقامة فيه ووفود التجار إليه لطلب الربح 73.
والدعاء لمكة بالأمن مختص بها دون غيرها، قال السمعاني: «أجمعوا أن البلد هو مكة» 74؛ لأن «ال» للعهد، واسم الإشارة يفيد التعيين والاختصاص، وإن كان إبراهيم قد دعا له منكرًا، فإن ذلك ربما يكون قبل أن يصير بلدًا، الفرق بينهما أنه سأل في الأول أن يجعله من جملة البلاد التي يأمن أهلها فيها ولا يخافون وسأل في الثاني أن يخرج هذا البلد من صفة كان عليها من الخوف إلى ضدها من الأمن 75.
2.دعا إبراهيم عليه السلام ربه بأن يرزق أهله من الثمرات.
قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَ?ذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ? قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى? عَذَابِ النَّارِ ? وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ?126?) [البقرة:126] .
وإنما سأل ربه ذلك؛ لأنه أسكن فيه ذريته، وهو غير ذي زرع ولا ضرع، فاستعاذ ربه من أن يهلكهم بها جوعا وعطشا، فسأله أن يؤمنهم مما حذر عليهم منه 76.
(وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ?) أي: وارزق أهله من أنواع الثمار، إما بزرعها بالقرب منه، وإما بأن تجبى إليه من الأقطار الشاسعة، وقد حصل كلاهما استجابة لدعوة إبراهيم كما هو مشاهد، وقد جاء في سورة القصص: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى? إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَ?كِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) [القصص:57] 77.
وخص إبراهيم بدعائه المؤمنين، وإن كان سبحانه لواسع رحمته جعل رزق الدنيا عامًا للمؤمنين والكافرين.
قال تعالى: (كُلًّا نُّمِدُّ هَ?ؤُلَاءِ وَهَ?ؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ? وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا [الإسراء:20] لأن تمتيع الكافرين قصير محدود بذلك العمر القصير، ثم إلى النار وبئس المصير، وهذا ما بينه عز اسمه بقوله:(قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى? عَذَابِ النَّارِ ? وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) [البقرة:126] .
أي: قال يا إبراهيم قد أجبت دعوتك، ورزقت مؤمني أهل هذا البلد من الثمرات، ورزقت كفارهم أيضًا، وأمتعهم بهذا الرزق أمدا قليلا وهو مدة وجودهم في الدنيا، ثم أسوقهم إلى عذاب النار سوقًا اضطراريًا لا اختيار لهم فيه، ولا يعلمون أن عملهم ينتهى بهم إليه 78.
3.دعا إبراهيم عليه السلام ربه أن يجعل في قلوب بعض خلقه ميلًا إليهم فيسعدوا بجوارهم.