يبين الله تعالى في هذه الآية الكريمة أنه يدخل الليل في النهار حتى تقل فترة النهار شتاءً، ويدخل النهار في الليل حتى تقل فترة الليل صيفًا، ثم يختم سبحانه الآية ببيان أنه متصف بكمال السمع والبصر، وبالتالي فهو سميع لكل ما يصدر عن عباده، وبصير بكافة أحوالهم 39.
ويلاحظ أن الله تعالى قد ختم الآية السابقة بإثبات صفتي السمع والبصر لنفسه جل وعلا، ولعل المناسبة في ذلك أنه تعالى لما ذكر وبين في الآية ما يوجب الإيمان به وحده دون سواه، ناسب أن يختم الآية بالتنبيه على أنه جل وعلا بعد ذلك البيان سميع لما يصدر عن عباده من إيمان أو كفر، بصير بأحوال المؤمنين والمكذبين منهم، وفي ذلك بشرى لمن آمن، ووعيد لمن كفر.
وقال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [القصص: 72] .
ينبه الله تعالى عباده في هذه الآية الكريمة إلى واحدة من أعظم نعمه وهي نعمة تعاقب الليل والنهار التي توفر للناس الراحة بعد التعب والمشقة، ويأتي التنبيه من خلال توجيه السؤال للعباد عن حالهم، فيما لو أن الله تعالى قد جعل النهار أبديًّا لهم دون أن يكون هنالك ليل يسكنون فيه، فهل هنالك حينها من سيأتيهم بليل يرتاحون فيه سوى الله تعالى؟، ثم يختم الله تعالى الآية بالسؤال الإنكاري عن عدم إبصار الكافرين المنكرين لهذه الآية الكونية العظيمة التي جعلها الله تعالى هداية وإرشادًا لكل مبصرٍ محقٍّ يوظف بصره لخدمة ذاته، وإرشاد نفسه إلى طريق الحق الذي لا مرية فيه 40.
ويلاحظ أن الآية السابقة قد ختمت بالتنبيه على ضرورة توظيف العقل نعمة الإبصار للنظر الدقيق في عظيم صنع الله تعالى في الكون، وتكمن ضرورة ذلك التوظيف في أنه الطريق إلى الهدى والرشاد، وقد ذم الله تعالى أولئك الذين منحهم أعينًا، ومع ذلك لا يستخدمونها في النظر إلى ما في الكون الذي يعيشون فيه من بديع صنع الله تعالى؛ للاستدلال على وجود خالقهم وعظمته.
وقال تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [الأعراف: 179] .
وقال تعالى: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ} [الزمر: 5] .
يخبر الله تعالى عباده في هذه الآية أنه الذي أوجد السماوات والأرض، وجعل كلًّا من الليل والنهار يلف الآخر، فالليل يلف النهار بعتمته، والنهار يلف الليل بضوئه، وأنه سبحانه الذي سخر الشمس والقمر، وجعل كل واحدٍ منهما يسير في مدارٍ خاصٍّ به بلا توقفٍ حتى يأذن جل وعلا، ثم يختم الآية ببيان أنه العزيز القادر على الانتقام ممن عاين تلك الآلاء فلم يؤمن بها، الغفار لمن نظر في بديع وعظمة صنعه فآمن بعد ضلال وتيه 41.
والملاحظ في هذا المطلب أن الله تعالى قد ختم آيات النهار تارة بالدعوة إلى التفكر؛ لإظهار حرص الخالق جل وعلا على هداية عباده من خلال العقل الذي منحهم إياه، وتارة ً أخرى بذكر صفات الله تعالى؛ وذلك لتعريف العباد بخالقهم جل وعلا، وحثهم على الإيمان به، وتخويفهم من إنكاره.
لم يدع القرآن الكريم أسلوبًا من أساليب التوكيد إلا واستخدمها لإثبات الحقائق ودحض الأباطيل، ومن هذه الأساليب أسلوب القسم، والذي يعرف بأنه: الحلف، أو اليمين 42.
وهو من أقوى أساليب توكيد الخبر، ويكون استخدامه في الحالات التي يكون المخاطب منكرًا للخبر الذي أخبر به.
وجاء القسم في القرآن الكريم طمأنةً لأصحاب الأنفس السوية، وإقناعًا لأصحاب النفوس التي شابتها شوائب الباطل بحقائق هذا الدين الحنيف، وقد جاء المقسم به في القرآن على ضربين، الأول: القسم بذات الله وبصفاته، الثاني: القسم بالمخلوقات، وقد جاء النوع الثاني في القرآن الكريم لأغراض منها:
1.إثباتًا لحقيقة وجود المقسم به، إذا كان مما ينكره بعض الناس، مثل القسم بالملائكة.
قال تعالى: (وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا(1) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (2) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (3) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (4) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا [النازعات: 1 - 5] .
وقد أقسم الله تعالى في هذه الآيات الكريمات بخمسة أصناف من الملائكة.
2.بيانًا لعظمة المقسم به.
وذلك كقوله تعالى: (. لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) [القيامة: 1] .
3.لفت الأنظار إلى الكون وما فيه من عجائب.
قال تعالى: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى? ?1?وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى? ?2?وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى? ?3?) [الليل: 1 - 3] .
4.تأكيد الخبر وتقريره.
قال تعالى: (وَالضُّحَى(1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى) [الضحى:1 - 3] .
5.إبراز المعقول في صورة المحسوس.
قال تعالى: (وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ ?17?وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ ?18?) [التكوير: 17 - 18] .
فالقسم في هاتين الآيتين يعطي كلًّا من الليل والنهار صفةً حسية، فأعطى الليل صفة العسعسة والتي تعني الإقبال والإدبار 43، وأعطى النهار صفة التنفس.
6.الإشارة إلى أحداث تاريخية هامة.
قال تعالى: (- وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ(1) وَطُورِ سِينِينَ (2) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ [التين: 1 - 3] .
فالقسم بالتين والزيتون فيه إشارة إلى الحدث الهام الذي شهدته المنطقة المشهورة بزراعته وهو بعثة سيدنا عيسى عليه السلام في فلسطين، والقسم بطور سينين فيه إشارة إلى الحدث الهام الذي وقع على جبل الطور وهو بعثة سيدنا موسى عليه السلام، والقسم بالبلد الأمين مكة إشارة إلى بعثة محمد صلى الله عليه وسلم 44.
وقد جاء القسم بالنهار في القرآن الكريم على ضربين، هما:
مما سبق يمكن القول: إن القسم بالنهار كله أو جزء منه قد تكرر في القرآن الكريم سبع مرات، وهذا إن دل فإنما يدل على أهمية النهار عند الخالق والمخلوق، فهو من أعظم الموجودات عند الخلق؛ لدوره في هدايتهم المتمثلة في تمكينهم من إبصار ما حولهم من خلال ضوء النهار، وهو كذلك من أعظم المخلوقات عند الخالق جل وعلا؛ لدوره في هداية الخلق المتمثل في إيصالهم إلى الحق من خلال تفكرهم فيمن خلق النهار.
وقد جاء القسم بالنهار وأجزائه لعدة أغراض هي:
يتضح ذلك من خلال قسمه جل وعلا في سورة الشمس بعدة أمور من ضمنها النهار الواضح المضيء على ضرورة تعويد النفس على فعل الخيرات واجتناب المنكرات 45، قال تعالى في بيان جواب القسم: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ?9?وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ?10?) [الشمس:9 - 10] .
يظهر ذلك من خلال قسمه جل وعلا في سورة الليل بعدة أمور منها النهار المضيء على اختلاف أعمال العباد، فمن أعمالهم ما هو صالح، ومنها ما هو طالح، قال تعالى في جملة جواب القسم: (. إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى? [الليل:4] .
يفهم ذلك من قسمه جل وعلا في سورة الفجر بالفجر الذي يرمز إلى زوال ظلمة البغي، وسطوع نور الحق، كما يجلي ضوء النهار ظلمة الليل، دل على ذلك جواب القسم وهو قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ?14?) [الفجر: 14] .
وإن قيل بأن جواب القسم مضمر فتقديره: لينصرن الله المؤمنين، وليقهرن الكافرين، دل على ذلك قوله تعالى: (الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ ?8?وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ ?9?وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ ?10?الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ ?11?فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ?12?فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ?13?) [الفجر: 8 - 13] .
وقد نزلت سورة الفجر إبان احتدام المعركة بين الحق المتمثل في الإيمان، والباطل المتمثل بالكفر 46.
يتضح ذلك من قسمه جل وعلا في سورة المدثر بعدة أمور من ضمنها الصبح إذا أضاء على أن سقر أي: جهنم، هي إحدى الكبر أي: الأمور العظيمة 47.
قال تعالى: (إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ ?35?نَذِيرًا لِلْبَشَرِ ?36?) [المدثر: 35 - 36] .
وجاءت (نَذِيرًا) منصوبة على أنها حال متعلق بفاعل قم المضمر في أول السورة 48 في قوله تعالى: (ے قُمْ فَأَنْذِرْ ?2?) [المدثر: 2] .
فيكون المعنى: قم يا محمد نذيرًا للناس من عذاب الله تعالى.
ويتجلى ذلك من خلال قسمه جل وعلا في سورة التكوير بعدة أمور منها الصبح إذا أشرق على أن القرآن منزلٌ بواسطة الوحي جبريل عليه السلام على محمد صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ?19?ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ?20?مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ?21?ہ) [التكوير: 19 - 21] .
يظهر ذلك من خلال قسم الله تعالى في سورة الضحى بالضحى، وبالليل إذا سكن 49، على أن الله تعالى لم يترك محمدًا صلى الله عليه وسلم، ولم يبغضه، ولم يقله من المهمة التي أسندها إليه، قال تعالى في ذكر جواب القسم: (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى?) [الضحى:3] .
يتضح ذلك من القسم بالعصر في سورة العصر على أن الإنسان لفي خسارة، باستثناء المؤمنين المداومين على عمل الصالحات، ومن الملاحظ أن السورة الكريمة قد وظفت أساليب التوكيد الثلاثة القسم في (وَالْعَصْرِ) ، وحرف التوكيد إن في (إِنَّ الْإِنْسَانَ) ، ولام التوكيد في (لَفِي) للتشديد على أهمية المسارعة إلى عمل الصالحات.
قال تعالى: (وَالْعَصْرِ ?1?إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ?2?) [العصر: 1 - 2] .
كما جاء القسم بالعصر للحث على المسارعة إلى فعل الخيرات، فلا متسع في الوقت أمام الإنسان؛ فالزمن في آخره، كما أن العصر في آخر النهار.
اقتضت حكمة الله تعالى أن يقسم الليل والنهار إلى أجزاء؛ وذلك حتى يعين عباده على ذكره وحسن العبادة له، فمع كل جزء هنالك ذكر أو عبادة ينبغي على المؤمن ألا يفوتها حتى ينال أجرها من الله تعالى، وبما أن هذا البحث خاص بالنهار فسيكون الحديث عن أجزاء النهار فقط وهي كما يأتي:
أولًا: أول النهار:
وهو مفرد جمعه أفلاق وفُلْقان 51، وقد جاء ذكره في القرآن الكريم في قوله تعالى: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) [الفلق: 1] .
وصبح مفرد جمعها أصباح 53، وقد جاء ذكره في القرآن الكريم في عدة مواضع منها قوله تعالى: (وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ) [التكوير: 18] .
وقوله تعالى: (فَالِقُ الْإِصْبَاحِ) [الأنعام: 96] .
وقوله تعالى: (فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا) [العاديات: 3] .
وهو وقت انكشاف ضياء الصباح قبيل الشروق 55، والفجر فجران، الأول: المستطيل ويطلق عليه ذنب السرحان، والثاني: المستطير وهو الذي ينشر ضياؤه في الأفق 56، وهو المقصود بقوله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى? يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ?) [البقرة: 187] .
أو ما بين أول النهار إلى طلوع الشمس 57، وهي مفرد جمعها غدوات 58، وقد جاء ذكر الغدوة في القرآن الكريم في قوله تعالى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ?36?) [النور: 36] .
وقيل: هي بمعنى التقدم في أي وقت 60، وهي مفرد جمعها البكر 61، وقد ورد ذكر هذا التوقيت في القرآن الكريم في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ?41?وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ?42?) [الأحزاب: 41 - 42] .
وهي جمع مفردها ضحوة 63، وقد ورد ذكر الضحى في القرآن الكريم في قوله تعالى: (وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى) [طه:59] .
وفي سورة الضحى.
قال تعالى: (وَالضُّحَى?) [الضحى: 1] .
وقد جاء ذكر هذا التوقيت في القرآن الكريم في قوله تعالى: (إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ) [ص: 18] .
ثانيًا: وسط النهار:
وقد ورد ذكر هذا التوقيت في القرآن الكريم في قوله تعالى: (وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ ?18?) [الروم: 18] .
يقول الخازن في تفسير قوله تعالى: (? ?) : «أي: تدخلون في الظهيرة وهي صلاة الظهر» 66.
وهو التوقيت الذي يرتاح فيه الناس خلال فترة النهار، وقد ورد ذكر هذا التوقيت في القرآن الكريم في قوله تعالى: (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ) [الأعراف: 4] .
توجه هذه الآية الكريمة التهديد للكفار المجرمين، وذلك من خلال إخبارها بأن عذاب الله تعالى قد حل بأقوام خلال استمتاعهم بأوقات الراحة حيث كانوا يشعرون بالسكون والراحة والأمن 68.
ثالثًا: آخر النهار:
وقد ورد في السنة المطهرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لغدوةٌ في سبيل الله أو روحةٌ، خيرٌ من الدنيا وما فيها) 70.
وقد ورد ذكر هذا التوقيت في القرآن الكريم في قوله تعالى: (وَالْعَصْرِ) [العصر: 1] .
وقد أقسم الله تعالى بالعصر في هذه السورة؛ لأنه يشمل آخر النهار وأول الليل 72.
وأصيل مفرد جمعها آصال 74، وقد ورد ذكر هذا التوقيت في القرآن الكريم في قوله تعالى: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ) [الأعراف: 205] .
يوجه الله تعالى عباده في هذه الآية الكريمة إلى ضروة المداومة على ذكره طمعًا في رحمته، وخوفًا من عقابه 75، كما أثنى الله تعالى على أصحاب الهمم العالية من الذين يداومون على ذكره وشكره في المساجد في أوقات الغدو والآصال.
قال تعالى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ?36?رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ? يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ?37?) [النور: 36 - 37] .
وقد ورد ذكر هذا التوقيت في القرآن الكريم في قوله تعالى: {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} [النازعات: 46] .
ذكر الله تعالى في هذه الآية الكريمة وقتي العشية والضحى؛ لبيان أن الفاجر عندما يبعث يوم القيامة لن يشعر أنه قضى في الدنيا والقبر إلا فترة قصيرة من الزمن كفترة العشي أو الضحى 77.
ما خلق الله تعالى الجن والإنس إلا ليعبدوه، ولا يشركوا به شيئًا.
قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56] .
وليتمكن العباد من تحقيق هذه الغاية، والمداومة على أدائها، فقد جعل الله تعالى الليل والنهار، فيكون في النهار السعي والجد في الطاعة والعبادة، وفي الليل تكون الراحة والسكينة والتزود بالطاقة للعودة للطاعة في اليوم التالي من جديد، وبهذا تستمر عبادة العبد بلا انقطاع حتى يلقى ربه جل وعلا، وهو راضٍ عنه، والنظر في كتاب الله تعالى يجد العديد من الآيات التي دعت إلى استثمار أوقات النهار في الطاعة والعبادة.
قال تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} [هود: 114] .
يحثُّ الله تعالى عباده المؤمنين في هذه الآية الكريمة على إقام الصلوات المكتوبة النهارية منها والليلية؛ فإن أجور الطاعات عمومًا، والصلوات خصوصًا، يذهبن بأوزار السيئات، ثم يبين الله تعالى في ختام الآية أن ذلك الحث منه جل وعلا، إنما يأتي في إطار الوعظ للعباد 78.
ويلاحظ من الآية السابقة أن الله تعالى أشد حرصًا على العباد من أنفسهم، فقد أمر الله تعالى عباده بأعظم العبادات أجرًا ضمانًا لمحو جميع أو أغلب الأوزار التي تسببت بها الذنوب، يفهم ذلك من ورود الجملة التعليلية {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} ، عقب الأمر بإقام الصلاة.
وقال تعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 274] .
يحثُّ الله تعالى عباده المؤمنين على الإنفاق على ذوي الحاجات، في كل الأوقات وجميع الحالات 79.
ويلاحظ من الآية السابقة أن الله تعالى وعد المتصدقين بالأجر والمثوبة؛ وذلك لأنهم يسارعون في الخيرات، فهم لايتقيدون بوقت محدد، ولا يشترطون حالة بعينها كي يقدموا الصدقة لمستحقيها، وإنما يبادرون إلى تقديم العون للمحتاجين متى عاينوا حاجتهم.
وقال تعالى: {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى} [طه: 130] .
يرشد الله تعالى عبده ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم إلى ضرورة لزوم الصبر على أذى المشركين، والمداومة على الطاعة والعبادة 80.
ويلاحظ في الآية السابقة أن الله تعالى قد قرن بين عبادتي الصبر والشكر معًا، ثم وعد بإرضاء الصابرين الشاكرين بالأجر والثواب العظيمين، كما يلاحظ حثُّ الآية الكريمة على استثمار أوقات الليل والنهار في الذكر والتسبيح، وخصوصًا أوقات اليقظة.
وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} [الفرقان: 62] .
يبين الله تعالى لعباده أنه جعل تعاقب الليل والنهار حتى يتمكنوا من مواصلة الذكر والشكر له سبحانه على الوجه الذي يلقيق بجلال وجهه وعظيم سلطانه 81.
وتظهر الآية السابقة مدى رحمة الله تعالى بعباده، فقد جعل الليل ليعوض العبد ما فاته في النهار، وجعل النهار ليعوض ما فاته في الليل من العبادة والطاعة.
وقال تعالى: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} [غافر: 55] .
يأمر الله تعالى نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة بالصبر على أذى المشركين واستهزائهم؛ فإن الوعد بالتمكين للمؤمنين، ونصرهم على عدوهم حقٌّ لا مرية فيه ولا ريب، ثم يعقب الله تعالى بعد هذه البشرى بتوجيه الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بلزوم الاستغفار والتسبيح، وخصوصًا في آخر النهار وأوله 82.
ويلاحظ من الآية السابقة أن الله تعالى قد خص وقتي أول النهار وآخره بالذكر خلال حثه عباده على الذكر، وفي ذلك بيان لأهمية النهار بالنسبة للذاكرين.
وقال تعالى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ} [الأعراف: 205] .
يحث الله تعالى عباده المؤمنين في هذه الآية الكريمة على الذكر والخشوع، ويحذرهم من الغفلة عن الذكر والطاعة 83.
ومن الملاحظ في الآية السابقة تخصيص أجزاء من النهار بالذكر، وتتمثل هذه الأجزاء ببداية النهار ونهايته، ولعل ذلك راجع إلى إبراز النهار لآيات الله تعالى الباهرة في هذا الكون، فأثناء سعي العباد في الأرض نهارًا يمرون على العديد من الآيات الكونية التي تستدعي منهم الذكر والتسبيح.
وقال تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: 78] .
يأمر الله تعالى عباده في هذه الآية الكريمة بالمحافظة على الصلوات المفروضة عمومًا، وصلاة الفجر خصوصًا، وذلك لأن لصلاة الفجر ميزة خاصة؛ فإن ملائكة الليل والنهار يشهدون تلك الصلاة 84.
ويلاحظ في الآية السابقة التركيز في الأمر بالمحافظة على الصلوات وعلى صلاة الفجر التي تكون في أول النهار، يظهر هذا التركيز من خلال تخصيص صلاة الفجر بالذكر فقال تعالى: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} ، ومن خلال إعادة ذكر هذه الصلاة في الجملة التعليلية في فاصلة الآية الكريمة، وفي ذلك دلالة على أهمية وقت الفجر وعظم ثواب العمل الصالح فيه.
وقال تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] .