فهرس الكتاب

الصفحة 1715 من 2431

كما بين الله تعالى أنه جعل ذرية نوح هم الباقين بعد أن أهلك قومه الكافرين: {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (77) } [الصافات:77] .

والمعنى: وجعلنا ذرية نوح هم الذين بقوا في الأرض بعد مهلك قومه، وذلك أن الناس كلهم من بعد مهلك نوح إلى اليوم إنما هم ذرية نوح، فالعجم والعرب أولاد سام بن نوح 73.

وجعل الله تعالى في ذرية نوح وإبراهيم النبوة والكتاب.

قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (26) } [الحديد:26] .

وكذلك قوله تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (87) ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (88) أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (89) أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (90) } [الأنعام:84 - 90] 74.

فأما نوح عليه السلام: فإن الله تعالى لما أغرق أهل الأرض إلا من آمن به، وهم الذين صحبوه في السفينة، جعل الله ذريته هم الباقين، فالناس كلهم من ذريته، وأما الخليل إبراهيم عليه السلام: فلم يبعث الله عز وجل بعده نبيًا، إلا من ذريته، كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ} [العنكبوت:27] .

وقال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ} [الحديد:26] .

وقال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (58) } [مريم:58] .

ويخبر تعالى أنه منذ بعث نوحًا عليه السلام لم يرسل بعده رسولًا ولا نبيًا إلا من ذريته، وكذلك إبراهيم عليه السلام خليل الرحمن، لم ينزل من السماء كتابًا ولا أرسل رسولًا ولا أوحى إلى بشر من بعده إلا وهو من سلالته، كما قال تعالى في الآية الأخرى: {وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ} [العنكبوت:27] حتى كان آخر أنبياء بني إسرائيل عيسى بن مريم الذي بشر من بعده بمحمد صلوات الله وسلامه عليهما، ولهذا قال تعالى: {ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ} [الحديد:27] .

وهو الكتاب الذي أوحاه الله إليه وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه - وهم الحواريون- رأفة، أي: رقة، وهي الخشية ورحمة بالخلق 75.

وقد بسط الله في ذريات أمم وشعوب وأقوام نعمةً منه بعد إن كانوا قلةً، قال تعالى في قوم شعيب عليه السلام: {وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ} [الأعراف: 86] .

والآية تدل على أن نبي الله شعيبًا عليه السلام ذكرهم بنعمة الله عندهم بأن كثر جماعتهم بعد أن كانوا قليلًا عددهم، وأن رفعهم من الذلة والقلة، يقول لهم: فاشكروا الله الذي أنعم عليكم بذلك، وأخلصوا له العبادة، واتقوا عقوبته بالطاعة، واحذروا نقمته بترك 76.

وقد يبسط الله في ذرية شخص بعينه كما ذكر عن نبيه أيوب عليه السلام كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (84) } [الأنبياء:83 - 84] .

قال ابن عباس: «لما دعا أيوب استجاب الله له، وأبدله بكل شيء ذهب له ضعفين، رد إليه أهله ومثلهم معهم» 77.

وقال الإمام الماوردي في تفسير قوله عز وجل: {وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ} «ففي هبتهم له ومثلهم معهم خمسة أقاويل:

أحدها: أن الله تعالى رد عليه أهله وولده ومواشيه بأعيانهم، لأنه تعالى أماتهم قبل آجالهم ابتلاء ووهب له من أولادهم مثلهم، قاله الحسن.

الثاني: أن الله سبحانه ردهم عليه بأعيانهم ووهب له مثلهم من غيرهم قاله ابن عباس.

الثالث: أنه رد عليه ثوابهم في الجنة ووهب له مثلهم في الدنيا، قاله السدي.

الرابع: أنه رد عليه أهله في الجنة، وأصاب امرأته فجاءته بمثلهم في الدنيا» 78.

يمكن تقسيم السعة إلى سعة في الحال، وسعة في المكان.

وبيانها في النقاط الآتية:

أولًا: السّعة في الحال:

إن المراد من السعة في الحال هو حال الشخص في قدرته على الإنفاق الواجب والمندوب، مع مراعاة يساره وفقره، فلكل حالة أحكامها، ويتضح هذا في الفقرتين الآتيتين:

اعتبر القرآن الكريم السّعة في الإنفاق على المطلقات وهي: الاستطاعة والقدرة في الإنفاق، وذلك بأن تكون النفقة بقدر حالة الطرفين بالنسبة لليسار والإعسار وأمثالهما، بحيث يكون ذلك بلا ضرر فيه ولا إضرار، وذلك في الأمور الآتية:

أولًا: نفقة الرضاع.

قال تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} [البقرة:233] .

قال أبو جعفر الطبري: «لا تحمل نفس من الأمور إلا ما لا يضيق عليها، ولا يتعذر عليها وجوده إذا أرادت، وإنما عنى الله تعالى ذكره بذلك: لا يوجب الله على الرجال من نفقة من أرضع أولادهم من نسائهم البائنات منهم، إلا ما أطاقوه ووجدوا إليه السبيل، كما قال تعالى ذكره: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ} [الطلاق:7] » 79.

والمعنى: أي: على والد الطفل نفقة أمه المطلقة مدة الإرضاع، أي: طعامهن ولباسهن بالمعروف، وهو قدر الميسرة كما فسره قوله تعالى: {لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا} ، يعني: طاقتها، ومن كان رزقه بمقدار القوت فلينفق على مقدار ذلك، ونظيره: {عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ} [البقرة:236] .

وقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا} أي: ما أعطاها من الرزق، فلا يكلف الفقير مثل ما يكلف الغني، وقوله: {سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} أي: بعد ضيق وشدة غنى وسعة ورخاء، وكان الغالب في ذلك الوقت الفقر والفاقة، فأعلمهم الله تعالى أن يجعل بعد عسر يسرًا وهذا كالبشارة لهم بمطلوبهم 80.

ثم نهى تعالى عن المضارة بكل أنواعها وأشكالها وممن صدرت: {لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} [البقرة:233] بأن يكلف أن يعطيها أكثر من أجر مثلها أو خارجًا عن وسعه وطاقته واعتبار الوسع في النفقة مبني على العرف والعادة 81.

فلا يكلف أبو الولد في الإنفاق عليه وعلى أمه إلا قدر ما تتسع به مقدرته، ولا يبلغ إسراف القدرة لا تضار والدة بولدها، أي: يأخذ ولدها منها بعد رضاها بإرضاعه ورغبتها في إمساكه وشدة محبتها له ولا مولود له، يعني الأب بولده، بطرح الولد عليه يعني: لا تلقي المرأة الولد إلى أبيه وقد ألفها، تضاره بذلك 82.

ولهذا قال سبحانه: {لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} [البقرة:233] أي: لا يحل أن تضار الوالدة بسبب ولدها، إما أن تمنع من إرضاعه، أو لا تعطى ما يجب لها من النفقة، والكسوة أو الأجرة، {وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ} بأن تمتنع من إرضاعه على وجه المضارة له، أو تطلب زيادةً عن الواجب، ونحو ذلك من أنواع الضرر 83.

وقوله تعالى: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} أي: أن عليه مثل ما على والد الطفل من الإنفاق على والدة الطفل والقيام بحقوقها وعدم الإضرار بها، وهو قول الجمهور وقيل: في عدم الضرار لقريبه، قاله مجاهد والشعبي والضحاك 84.

كما يعتبر الشرع الحكيم الحال سعةً ويسارًا وإعسارًا وفقرًا في الإنفاق على الأقارب الواجب الإنفاق أو المندوب من غير المذكورين في الآيات كالوالدين والأولاد: فقد استدل بالآية من ذهب من الحنفية والحنبلية إلى وجوب نفقة الأقارب بعضهم على بعض، وهو مروي عن عمر بن الخطاب وجمهور السلف، ويرجح ذلك بحديث الحسن عن سمرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من ملك ذا رحم محرم، عتق عليه) 85.

ثانيًا: نفقة السكنى.

قال تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (6) لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (7) } [الطلاق:6 - 7] .

أي: اسكنوا مطلقات نسائكم من الموضع الذي سكنتم {مِنْ وُجْدِكُمْ} : يقول: من سعتكم وعلى قدر طاقتكم التي تجدون؛ وإنما أمر الرجال أن يعطوهن مسكنًا يسكنه مما يجدونه، حتى يقضين عددهن 86.

والوجد هو: المقدرة ويكون المعنى: اسكنوا مطلقات نسائكم من الموضع الذي سكنتم {مِنْ وُجْدِكُمْ} يقول: من سعتكم التي تجدون، حتى يقضين عددهن 87.

{وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ} [الطلاق:6] .

نهى الله تعالى عن مضارتهن، بالتضييق عليهن في المسكن والنفقة، {وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق:6] .

لأن عدتها تكون بوضع الحمل، فلها النفقة إلى أن تضع حملها، وإن كانت مطلقةً ثانيةً أو ثالثةً، فإنها تستحق النفقة إذا كانت حاملًا، {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الطلاق:6] . يعني: حق الرضاع وأجرته بالتراضي 88.

ثالثًا: متعة الطلاق.

قال تعالى: {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (236) } [البقرة:236] .

حيث أباح تبارك وتعالى طلاق المرأة بعد العقد عليها، وقبل الدخول بها، بل ويجوز أن يطلقها قبل الدخول بها والفرض لها، إن كانت مفوضةً وإن كان في هذا انكسار لقلبها، ولهذا أمر تعالى بإمتاعها وهو تعويضها عما فاتها بشيء تعطاه من زوجها بحسب حاله، على الموسع قدره، وعلى المقتر قدره 89.

قال الإمام ابن عاشور: «والمتعة هي: عطية يعطيها الزوج للمرأة إذا طلقها» 90، «وأصل المتعة والمتاع: ما ينتفع به الإنسان من مال أو كسوة أو غير ذلك، ثم أطلقت المتعة على ما يعطيه الرجل للمرأة من مال أو غيره عند طلاقها منه لتنتفع به، جبرًا لخاطرها، وتعويضًا لما نالها بسبب هذا الفراق» 91.

والموسع هو: الغنى الذي يكون في سعة من غناه. يقال: أوسع الرجل إذ كثر ماله، واتسعت حاله، والمقتر هو: الفقير الذي يكون في ضيق من فقره. أقتر الرجل أى: افتقر وقل ما في يده 92.

وقد اختلف العلماء: هل تجب المتعة لكل مطلقة أو إنما تجب المتعة لغير المدخول بها التي لم يفرض لها، والراجح من تلك الأقوال: إن المتعة حق للمطلقة سواءً سمى لها الزوج الصداق أم لم يسم، وقد جعل الله التمتيع جبرًا لخاطر المرأة المنكسر بالطلاق بحكم آية سورة الأحزاب: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (49) } [الأحزاب:49] 93.

«لأن الله أمر بالتمتيع للمطلقة قبل البناء مطلقًا فكان عمومها في الأحوال كعمومها في الذوات، وليست آية البقرة بمعارضة لهذه الآية إذ ليس فيها تقييد بشرط يقتضي تخصيص المتعة بالتي لم يسم لها صداق لأنها نازلة في رفع الحرج عن الطلاق قبل البناء وقبل تسمية الصداق، ثم أمرت بالمتعة لتينك المطلقتين فالجمع بين الآيتين ممكن» 94.

وظاهر هذه الآية وجوب المتعة لكل المطلقات عملًا بظاهر قوله تعالى: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (241) } [البقرة:241] .

ولكن قوله تعالى في سورة البقرة: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} [البقرة:237] .

لم يجعل للتي طلقت قبل الدخول وقد فرض لها مهر إلا نصف ما فرض لها، ولم يجعل لها متعةً، لأن وروده في مقابلة قوله تعالى: {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (236) } [البقرة:236] .

يجعله كالبيان لمفهوم القيد الذي هو عدم الفرض، فيكون كالصريح في أن التي طلقت قبل الدخول ولم يفرض لها مهر ليس لها متعة 95.

اعتبر القرآن الكريم السّعة في الإنفاق على الأقارب والمساكين والمجاهدين حيث نهى الله تعالى أولي الفضل والسعة، وأولوا الفضل هم: أهل الطول والصدقة والإحسان، والسعة: أي: الجدة أن يحلفوا بأن لا يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله لقوله تعالى: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (22) } [النور:22] .

أي: لا تحلفوا 96 أن لا تصلوا قراباتكم المساكين والمهاجرين، وهذا في غاية الترفق والعطف على صلة الأرحام، ولهذا قال تعالى: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا} أي: عما تقدم منهم من الإساءة والأذى؟ وهذا من حلمه تعالى وكرمه ولطفه بخلقه مع ظلمهم لأنفسهم، وهذه الآية نزلت في الصديق رضي الله عنه حين حلف أن لا ينفع مسطح ابن أثاثة بنافعة بعد ما قال في عائشة ما قال 97.

ونزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق، وكان حلف أن لا يفضل على مسطح بن أثاثة، وكان ابن خالته بسبب سبه عائشة رضي الله عنها فلما أنزل الله هذا في براءتي قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه وكان ينفق على مسطح بن أثاثة، وكان ابن خالة الصديق، وكان مسكينًا لا مال له إلا ما ينفق عليه أبو بكر رضي الله عنه، وكان من المهاجرين في سبيل الله، وقد تاب الله عليه منها وضرب الحد عليها، وكان الصديق رضي الله عنه معروفًا بالمعروف، فأنزل الله تعالى: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ} إلى قوله: {غَفُورٌ رَحِيمٌ} ، فقال أبو بكر: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح الذي كان يجري عليه 98.

وأعاد الإفضال على مسطح وعلى من حلف أن لا يفضل عليه وكفر عن يمينه وقال: والله لا أنزعها منه أبدًا، في مقابلة ما كان 99.

ويمكن القول بالقاعدة الأصولية إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وعليه فتعتبر السعة في الإنفاق على الأقارب والمساكين والمجاهدين.

ثانيًا: السّعة في المكان:

أثبت القرآن الكريم سعة المكان الدالة على عظمة الله جل وعلا والغنى المطلق له سبحانه من خلال ما يأتي:

أثبت الله سبحانه وتعالى سعة كرسيه في أعظم آية من كتابه الكريم.

قال تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255) } [البقرة:255] .

وقوله: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} : بمعنى شمل واتسع وأحاط، يعني: أن كرسيه محيط بالسماوات والأرض، وأكبر منها، لأنه لولا أنه أكبر ما وسعها.

وفيها إثبات عظيم قدرة الرب جل وعلا حيث ذكر سعة كرسيه السماوات والأرض وأنه سبحانه: {وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا} [البقرة:255] .

أي: لا يكرثه ولا يثقل عليه 100.

قال ابن منظور: «الكرسي: معروف واحد الكراسي، والكرسي في اللغة الشيء الذي يعتمد عليه ويجلس عليه، فهذا يدل على أن الكرسي عظيم دونه السماوات والأرض، والكرسي في اللغة والكراسية إنما هو الشيء الذي قد ثبت ولزم بعضه بعضا» 101.

والكرسي ثابت بالكتاب، والسنة، وإجماع جمهور السلف، القول الراجح في معناه هو: إن الكرسي شيئ عظيم يضبط السموات والأرض، نسلم به بدون بحث في تعينه، ولا كشف عن حقيقته، ولا كلام فيه بالرأي دون نص عن المعصوم 102، إلا ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهم بأن الكرسي موضع قدمي الرب عز وجل 103.

وليس هو العرش، بل العرش أكبر من الكرسي وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن السماوات والسبع والأرضين السبع بالنسبة للكرسي كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض، وأن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على هذه الحلقة) 104.

وما روي في ذلك عن أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض) 105.

من ذلك وغيره يتبين أن القول الفصل في هذه المسألة هو: ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة من أن الكرسي هو موضع قدمي الرب عز وجل، وبهذا القول جزم شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله تعالى وغيرهما من أئمة العلم وأهل التحقيق 106.

يخبر الله تعالى بأنه بنى السماء بأيدٍ، أي: بقوة وقدرة تتناسب مع عظم هذا المخلوق، وأن السماء في اتساع دائم.

قال تعالى: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (47) } [الذاريات:47] 107.

وقد ذكر المفسرون في معنى الآية أوجه:

أحدها: لموسعون في الرزق بالمطر، قاله الحسن.

الثاني: لموسعون السماء، قاله ابن زيد.

الثالث: لقادرون على الاتساع بأكثر من اتساع السماء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت