فهرس الكتاب

الصفحة 567 من 2431

قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: «إن الإمام أحمد دعا للخليفة وغيره، ممن ضربه وحبسه، واستغفر لهم، وحللهم مما فعلوه به من الظلم والدعاء إلى القول الذي هو كفر، ولو كانوا مرتدين عن الإسلام؛ لم يجز الاستغفار لهم؛ فإن الاستغفار للكفار لا يجوز بالكتاب والسنة والإجماع» 21.

والحق أن الظلم مذموم من جميع الخلق -مؤمنهم وكافرهم-، بل يلحق المؤمن بذلك أعظم الذم؛ لأن الإيمان ينافي الظلم ويناقضه؛ إذ مبناه على الحق والعدل، و «جماع الحسنات العدل، وجماع السيئات الظلم» 22.

وإذا دب الظلم في ملك؛ أفسده وأذهبه، قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: «وأمور الناس تستقيم في الدنيا مع العدل، الذي فيه الاشتراك في أنواع الإثم أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق -وإن لم تشترك في إثم-، ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة، ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام، فالباغي يصرع في الدنيا -وإن كان مغفورًا له مرحومًا في الآخرة-، وذلك أن العدل نظام كل شيء، فإذا أقيم أمر الدنيا بعدل؛ قامت -وإن لم يكن لصاحبها في الآخرة من خلاق-، ومتى لم تقم بعدل؛ لم تقم -وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزى به في الآخرة-، فالنفس فيها داعية الظلم لغيرها بالعلو عليه والحسد له، والتعدي عليه في حقه» 23.

وليس معنى ذلك أن يخرج الناس على حكامهم إذا ما أقاموا فيهم كتاب الله وسنة رسوله، أو دون نظر في العواقب، وما يتبع ذلك من المفاسد العظام، «وقد قيل: ستون سنةً بإمامٍ ظالمٍ، خيرٌ من ليلةٍ واحدةٍ بلا إمامٍ» 24.

ولما كان الظلم والبغي قد يقع من أهل الإيمان؛ حتى يحصل الاقتتال بين الطائفتين من المؤمنين أمر الله تعالى أهل العدل والإصلاح دفع هذا الظلم والبغي، بالعمل على الإصلاح بين الطائفتين، {فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى} [الحجرات: 9] ؛ فقد أمر بقتال {الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ} ؛ وجب الإصلاح {بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ} والقسط.

قال تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الحجرات: 9] .

وقد تكلم العلماء في أحكام دفع البغي ومقاتلة البغاة تفصيلًا في كتب الأحكام -وليس هذا مقامه-، وتكلموا في حكم دفع الصائل الباغي، قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: «وأما دفع الصائل على النفس الذي يريد قتل المعصوم بغير حق إذا لم يكن القتال في فتنة فهل يجب دفعه؟ فيه قولان هما روايتان عن أحمد: أن الممكن ليس بفاعل، بل ولو أراد مريد قتله؛ وجب عليه ذلك، كما يجب عليه الأكل من الميتة عند المخمصة، فكما يحرم عليه قتل نفسه؛ يجب عليه فعل ما لا تبقى النفس إلا به من طعام وشراب ودفع ضرر بلباس ونحو ذلك، فإذا أمكنه الهرب ونحوه؛ وجب عليه ذلك، وأما إذا كان دفع الصائل عن نفسه يحتاج إلى قتال الصائل فهنا فيه محذور آخر -وإن كان جائزًا- وهو قتل الآخر؛ فلهذا خرج الخلاف في وجوب دفعه عن نفسه» 25.

وقد أمر الحق سبحانه بإقامة العدل والحق والقسط والميزان في كل شيء؛ فقال سبحانه: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحديد: 25] .

وقال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ} [الشورى: 17] .

وقال تعالى: {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [الأنعام: 152] .

وقال سبحانه: {وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ} [الرحمن: 7 - 9] .

وقد أمر بذلك الرسل أقوامهم.

قال سبحانه: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 85] .

وقد توعد المطففين في الكيل والميزان ظلمًا وبغيًا؛ ليأخذوا ما ليس له بحق، قال تعالى: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6) كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (7) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (8) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (9) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (10) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ} [المطففين: 1 - 11] .

فتوعدهم ربهم بعذاب عظيم على ذلك الظلم المبين، وأتبع ذلك ببيان جزاء الذين يكذبون بيوم الدين، لما كانوا هم أكثر الناس ظلمًا لغيرهم.

خامسًا: الفساد والصلاح:

أمر الله عباده بطاعته التي فيها صلاح دنياهم وآخرتهم، ونهاهم عن الإفساد في الأرض بالعمل بغير شريعته، فقال سبحانه: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: 55 - 56] .

وقال تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 77] .

وامتدح الذين يصلحون، وينهون عن الفساد في الأرض فقال: {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (116) وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} [هود: 116 - 117] .

التدافع والصراع بين الفساد والصلاح صورة من صور سنة التدافع، وهو ليس مقصورًا على التدافع بين الكافرين والمؤمنين؛ إذ إن صدور الفساد ليس مقصورًا على الكافرين؛ بل قد يقع من بعض المسلمين وممن يندس فيهم من المنافقين كذلك، وإن كان أكثر ما يقع إنما يقع من الكافرين ومن تولاهم من المنافقين.

وقضت سنة الله الكونية والشرعية أن يقع التدافع بين أنبياء الله ورسله وأتباعهم من جهة، وبين أقوامهم من الكافرين المعاندين المحادين لله ورسله من جهة أخرى، وهذا ما حكاه لنا القرآن عن سائر رسل الله وأنبيائه.

قال تعالى عن التدافع بين شعيب وقومه: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (84) وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (86) قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87) قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: 84 - 88] .

فقد أمرهم بترك الإفساد في الأرض بنقص المكيال والميزان، وبخس الناس أشياءهم، ونهاهم أن يعيثوا في الأرض مفسدين، وبين لهم أنه ما يريد بذلك إلا الإصلاح بفعل ما فيه نفعهم وصلاح أمرهم، لكنهم أبوا إلا شقاقه ومدافعته عن دعوته، وتبليغ رسالة ربه؛ فحذرهم مغبة ذلك الشقاق بقوله: {وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (89) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ} [هود: 89 - 90] .

ولكن ما زادهم ذلك إلا شقاقًا وتعنتًا ومدافعة لشعيب عن تبليغ رسالة ربه، وتهديده بالرجم لولا رهطه: {قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} [هود: 91] .

فذكرهم شعيب بالله، وقد نسوه واتخذوه وراءهم ظهريًا، وبين لهم أنه ثابت على دعوته غير آبه بتهديدهم، متوكل على ربه: {قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (92) وَيَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ} [هود: 92 - 93] .

وقد فصل الله تعالى فسادهم وإفسادهم في الأرض وصدهم من آمن عن سبيل الله في سورة الأعراف فقال: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (85) وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [الأعراف: 85 - 86] .

ومن أعظم الناس فسادًا المنافقون، وقد أطال القرآن في بيان أحوالهم وفسادهم في عديد من سوره، فقال سبحانه في سورة البقرة: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 8 - 12] .

وأمر الله نبيه والمؤمنين بدفعهم بما يناسب حال الدولة الإسلامية، وواقع المسلمين من القوة والضعف وغير ذلك، ففي بداية العهد المدني أمر الله تعالى رسوله بدفع أذاهم بالإعراض عنهم تارة، أو بالإعراض عنهم مع الموعظة لهم.

قال تعالى: {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} [النساء: 81] .

وقال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا} [النساء: 63] .

وقد اختلف الحال بعد استقرار دولة المسلمين وظهورها في المدينة آخر الأمر؛ فجاء الأمر بمدافعتهم بقتالهم وجهادهم جهادًا كبيرًا بكل وسائل الدفع والمجاهدة، وجعل ذلك سنة ماضية إلى يوم القيامة.

قال تعالى: {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (60) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (61) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 60 - 62] .

وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [التحريم: 9] .

تختلف صور الدفع ووسائله بين المؤمنين والكافرين والمنافقين؛ فيعتمد الكافرون والمنافقون كل وسيلة من الوسائل غير متقيدين لله بطاعة ولا شريعة؛ فيستبيحون إثارة الفتن والقلاقل، وإثارة الشهوات، وإشاعة الفواحش، ورذيل الأخلاق، واستباحة القتل والدماء وصنوف التعذيب بغير جريرة من المؤمنين مما فصله القرآن في مواضع كثيرة.

أما المؤمنون فمتقيدون بشرع ربهم، منطلقون في كل أعمالهم من قاعدة إيمانهم، فلا فحش ولا غدر ولا رذيلة، ولا يأتون إلا ما شرع الله وشرع رسوله صلى الله عليه وسلم.

أولًا: وسائل الدفع لدى الكافرين والمنافقين:

1.الدفع بإثارة اللغط والتشويش.

إثارة اللغط والتشويش على الدعوة الإسلامية هي دأب الكافرين والمنافقين في كل زمان ومكان، إما بالتشويش باللغو الساذج المتعمد قديمًا، وإما بالتشويش باللغو الذي تفنن فيه أعداء الإسلام في تقديمه في صور عديدة حديثًا للتشويش على صوت الحق، إما في صورة الفن الهابط الرخيص الذي يؤجج الشهوات، أو البرامج المشككة في الدين التي تثير الشبهات في صور ووسائل عديدة، يتفنن أعداء الإسلام في اختراعها يومًا بعد يوم.

قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [فصلت: 26] .

وهم في ذلك يحاولون عبثًا {أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 32 - 33] .

ونستطيع القول: إن أعداء الإسلام قد كشروا عن أنيابهم بكل صور العداوة للإسلام وأهله منذ اللحظة الأولى التي انطلقت فيها دعوة النبي صلى الله عليه وسلم.

«قال أبو عبيدة، عن عبد الله بن مسعود: ما زال النبي صلى الله عليه وسلم مستخفيًا، حتى نزلت: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} [الحجر: 94] . فخرج هو وأصحابه» 26.

كانت هذه الصيحة من النبي صلى الله عليه وسلم بمثابة الإعلان عن هذه الدعوة، فبدأ ضعفاء الناس يتسللون إليها، ومنذ ذلك اليوم أعلنت العداوة السافرة بين حزب الموحدين وحزب المشركين، فعملت قريش على مجابهة هذه الدعوة بأساليب شتى، منها:

-السخرية والتحقير، والاستهزاء والتكذيب للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين.

-إثارة الشبهات والدعايات الكاذبة.

-الحيلولة بين الناس وبين سماعهم القرآن.

-اضطهاد المؤمنين وتعذيبهم.

-الاعتداءات على النبي صلى الله عليه وسلم.

-مساومة النبي صلى الله عليه وسلم على ترك دعوته.

-مقاطعتهم للمسلمين ثلاثة أعوام في شعب أبي طالب 27.

2.الدفع بإثارة الفتن والشبهات.

وهذا هو لون من ألوان الدفع بالمكر والخديعة، وهو ما يهدف إليه الكافرون ومنافقو أهل الكتاب الذين دخلوا في الإسلام نفاقًا وابتغاء الفتنة للمؤمنين.

قال تعالى: {وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (72) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (73) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [آل عمران: 72 - 74] .

«ومعنى الآية أن اليهود قال بعضهم لبعض: أظهروا الإيمان بمحمد في أول النهار، ثم اكفروا به آخره؛ فإنكم إذا فعلتم ذلك ظهر لمن يتبعه ارتياب في دينه، فيرجعون عن دينه إلى دينكم، ويقولون: إن أهل الكتاب أعلم به منا» 28.

وقال تعالى: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [البقرة: 142] .

فهذه الآية وما بعدها من الآيات إنما نزلت لتعليم المؤمنين، كيف يحاورون الطاعنين على الدين، وكيف يردون شبهاتهم، حينما استغلوا حادث تحويل القبلة لتشكيك المسلمين في عقيدتهم.

قال الإمام ابن كثير: «قيل: المراد بالسفهاء هاهنا مشركو العرب، قاله الزجاج، وقيل: أحبار يهود، قاله مجاهد، وقيل: المنافقون، قاله السدي، والآية عامة في هؤلاء كلهم، والله أعلم» 29.

3.الدفع بإثارة الشهوات وإشاعة الفواحش.

من أخبث صور الدفع لدى الكافرين الدفع بإفساد المؤمنين بإشاعة الفواحش فيهم ودعوتهم للميل عن دينهم الحق الذي يأمرهم بزكاة نفوسهم واستقامة أخلاقهم إلى سبيل الفواحش والشهوات.

فقال تعالى: {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا} [النساء: 27] .

ومن ثم توعدهم الله تعالى على ذلك بعذاب أليم، فقال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النور: 19] .

4.الدفع بإسماع المؤمنين الأذى والطعن فيهم.

وهذه أيضًا صورة من صور الدفع التي حكاها القرآن عن المشركين مما مر به النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقد كانت سنة النبي صلى الله عليه وسلم خير تطبيق لحكمة الدعوة في دفع هذا الأمر؛ امتثالًا لتوجيهات القرآن الكريم في ذلك، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ينالهم الأذى من المشركين في بادئ الأمر، وكانت التوجيهات القرآنية تأمرهم بدفع ذلك بالعفو والصفح بما يناسب تلك المرحلة {فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} [البقرة: 109] .

قال تعالى: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [آل عمران: 186] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت