فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 2431

فمدحه بقوله: (مَكِينٌ أَمِينٌ) ، وهي «كلمة جامعة لكل ما يحتاج إليه من الفضائل والمناقب، وذلك لأنه لا بد في كونه مكينًا من القدرة والعلم. أما القدرة، فلأنه بها يحصل المكنة. وأما العلم، فلأن كونه متمكنًا من أفعال الخير لا يحصل إلا به، إذ لو لم يكن عالمًا بما ينبغي وبما لا ينبغي لا يمكنه تخصيص ما ينبغي بالفعل، وتخصيص ما لا ينبغي بالترك، فثبت أن كونه مكينًا لا يحصل إلا بالقدرة والعلم. أما كونه أمينًا، فهو عبارة عن كونه حكيمًا لا يفعل الفعل لداعي الشهوة، بل إنما يفعله لداعي الحكمة، فثبت أن كونه مكينًا أمينًا يدل على كونه قادرًا، وعلى كونه عالمًا بمواقع الخير والشر والصلاح والفساد، وعلى كونه بحيث يفعل لداعي الحكمة لا لداعية الشهوة، وكل من كان كذلك فإنه لا يصدر عنه فعل الشر والسفه» 144.

مدح الله تعالى موسى عليه السلام فجمع له بين الرسالة والكرم، فقال تعالى: (وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ ?17?) [الدخان:17] .

فالله تعالى أكرمه بالاصطفاء والرسالة فهو «كريم على الله وعلى عباده المؤمنين أو كريم في نفسه؛ لأن الله لم يبعث نبيًّا إلا من سراة قومه وكرامهم» 145، ومدح موسى نفسه بالجمع بين الرسالة والأمانة.

قال تعالى: (أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ ? إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ?18?) [الدخان:18] .

أي: إني رسول إليكم مؤتمن على الوحي غير متهم، أدعوكم وأنصح لكم لما فيه خيركم وسعادتكم، فاسمعوا مني. وبهذا المدح يجمع له الكرم والأمانة في رسالته ودعوته، وهي من مقومات المدح في شخصية موسى عليه السلام، وهي كذلك في كل الأنبياء.

مدح الله تعالى نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم غاية المدح، فقال تعالى: (ھ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ?128?) [التوبة:128] .

أي: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ) أي: كريم عظيم (مِنْ أَنْفُسِكُمْ) عدناني قرشي هاشمي مطلبي، تعرفون نسبه وصدقه وأمانته (عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ) أي: يشق عليه ما يشق عليكم ويؤلمه ما يؤلمكم؛ لأنه منكم ينصح لكم نصح القومي لقومه (حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ) أي: على هدايتكم وإكمالكم وإسعادكم (بِالْمُؤْمِنِينَ) منكم ومن غيركم من سائر الناس (رَءُوفٌ رَحِيمٌ) أي: شفوق عطوف يحب رحمتهم وإيصال الخير لهم» 146.

فالآية كلها في إثبات صفات المدح في كونه رسولًا من أشرف وأفضل الناس، و «لم يجمع الله اسمين من أسمائه لأحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: (رَءُوفٌ رَحِيمٌ) » 147.

وبهذا تكون الآية قد جمعت خمس صفات في المدح والثناء عليه صلى الله عليه وسلم.

ومدح أيضًا باللين، فقال: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ?) [آل عمران:159] .

وقال لموسى وهارون عليهما السلام (اذْهَبَا إِلَى? فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى? ?43?فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى? ?44?) [طه:43 - 44] .

مدح الله تعالى الرسول بأنه صاحب الخلق العظيم فقال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) [الأحزاب:21] .

وقال: (وَإِنَّكَ لَعَلَى? خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: 4] .

ففي الآية الأولى: المدح والثناء على الرسول صلى الله عليه وسلم في جعله منار الأسوة والاقتداء، وفيها نكتتان بلاغيتان أشار إليهما الزمخشري بقوله: «فيه وجهان:

أحدهما: أنه في نفسه أسوة حسنة، أي: قدوة.

والثاني: أن فيه خصلة من حقها أن يؤتسى بها وتتبع، وهي المواساة نفسها» 148.

قال ابن كثير: «هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله» 149.

وفي العدول عن الاسم الصريح (محمد) إلى الكناية (رسول الله) تشريفٌ وتكريمٌ وتعظيمٌ للممدوح صلى الله عليه وسلم، وفي حسن ختام الآية عبرة وموعظة في جعل الاقتداء به صلى الله عليه وسلم غاية في حياة المؤمنين؛ لذا علقها بذكر الآخرة.

أما الآية الثانية ففيها التأكيد والبيان على أهم ما يمدح به صلى الله عليه وسلم، فقد وصفه الله بأكرم ما يوصف به إنسان من خلقه، «وكلمة على للاستعلاء، فدل اللفظ على أنه مستعل على هذه الأخلاق ومستولٍ عليها، وأنه بالنسبة إلى هذه الأخلاق الجميلة كالمولى بالنسبة إلى العبد وكالأمير بالنسبة إلى المأمور» 150.

فهو مدح عظيم وثناء جليل وشهادة عظيمة من الله عز وجل للنبي صلى الله عليه وسلم «أي: وإنك يا محمد لعلى أدب رفيع جم وخلق فاضل كريم، فقد جمع الله فيك الفضائل والكمالات يا له من شرف عظيم، لم يدرك شأوه بشر، فرب العزة جل وعلا يصف محمدًا صلى الله عليه وسلم بهذا الوصف الجليل (وَإِنَّكَ لَعَلَى? خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم:4] وقد كان من خلقه صلى الله عليه وسلم العلم والحلم وشدة الحياء وكثرة العبادة والسخاء والصبر والشكر والتواضع والزهد والرحمة والشفقة وحسن المعاشرة والأدب إلى غير ذلك من الخلال العلية والأخلاق المرضية» 151.

ومن هنا يتبين مدح الله تعالى للأنبياء والمرسلين، فقد جمعوا كل المقومات الشخصية وكل كمال بشري.

ثالثًا: مدح الكتب السماوية:

من رحمة الله أن أرسل الرسل وأنزل عليهم الكتب السماوية المقدسة، ومما صرح القرآن الكريم بذكره: صحف إبراهيم عليه السلام، والزبور لداود عليه السلام، والتوراة لموسى عليه السلام، والإنجيل لعيسى عليه السلام، والقرآن الكريم لمحمد صلى الله عليه وسلم، واقترن المدح للتوراة والإنجيل في تسعة مواضع 152؛ وذلك لإقامة الحجة على أهل الكتاب، وتقريرًا للإيمان بنزول القرآن الكريم، ودعوة للإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم.

جاء مدح التوراة في القرآن الكريم، وذلك تعظيمًا لما فيها.

قال تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ? يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ) [المائدة:44] .

فَمَدَحَها بـ (هدى ونور) تشريفًا وتكريمًا لمن آمن وصَدَّقَ بها، وكذلك مدحها بـ (الإمام والرحمة) في قوله تعالى: (وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى? إِمَامًا وَرَحْمَةً ?ہ) [الأحقاف:12] .

لما فيها من تفصيل الشريعة، ومدح ما فيها من الأحكام والآيات بكونها تامَّةً في قوله تعالى: (ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ) [الأنعام:154] .

ورد ذكر الإنجيل تصريحًا في القرآن الكريم في اثني عشر موضعًا 153، فورد مقترنًا مع الكتب السماوية، إلا أن أكثر اقترانه مع التوراة. وقد خص الله تعالى الإنجيل بالمدح بكونه (هدى ونور) في قوله تعالى: (وَقَفَّيْنَا عَلَى? آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ ? وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [المائدة:46] .

ومدحه بالذكر مع التوراة كما في قوله تعالى: (إِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ) [المائدة:110] .

ومدح بتضمنه ذكر النبي صلى الله عليه وسلم كما في قوله تعالى: (وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى? عَلَى? سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ?) [الأعراف:157] .

ومدح الله فيه الأمة المحمدية في قوله تعالى: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ) [الفتح:29] .

واقترن ذكر المسيح عليه السلام مع الإنجيل تعظيمًا لما أرسل به وإكرامًا للمرسل بها، كما في قوله تعالى: (وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ) [الحديد:27] .

ورد المدح بلفظ (القرآن) في ثمانٍ وخمسين موضعًا 154، وأكثر ورود المدح له في مطلع السور القرآنية، وأكثر وقوعه بعد الحروف المقطعة، فالغالب أن «كل سورة في أوائلها حروف التهجي فإن في أوائلها ذكر الكتاب أو التنزيل أو القرآن؛ كقوله تعالى: (الم ?1?ذَ?لِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ? فِيهِ ? هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ?2?) [البقرة:1 - 2] .

(الم ?1?اللَّهُ لَا إِلَ?هَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ?2?نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ?3?) [آل عمران:1 - 3] .

والحكمة في افتتاح السور التي فيها القرآن أو التنزيل أو الكتاب بالحروف هي أن القرآن عظيم، والإنزال له ثقل والكتاب له عبء كما قال تعالى: (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا) [المزمل:5] » 155.

ووصفه الله تعالى بالبركة كما في قوله تعالى: (وَهَ?ذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ) [الأنعام:155] .

والليلة التي نزل فيها مباركة قال تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ ?) [الدخان:3] .

ومدحه بأنه أحسن القصص فقال تعالى: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ) [يوسف:3] .

وقد اختار الله عز وجل لكتابه العزيز صفات تدل على شرفه وعلو قدره وفيها البرهان على أنه أعظم كتاب سماوي، أشملها صفة (المهيمن) في قوله تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) [المائدة:48] .

«فهو أمين وشاهد وحاكم على كل كتاب قبله، جعل الله هذا الكتاب العظيم، الذي أنزله آخر الكتب وخاتمها، أشملها وأعظمها وأحكمها حيث جمع فيه محاسن ما قبله، وزاده من الكمالات ما ليس في غيره؛ فلهذا جعله شاهدًا وأمينًا وحاكمًا عليها كلها وتكفل تعالى بحفظه بنفسه الكريمة، فقال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر:9] » 156.

وخَصَّهُ مدحًا في أم الكتاب كما في قوله تعالى: (ڑ ڑ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ) [الزخرف:4] .

فالله تعالى «بين شرفه في الملأ الأعلى، ليشرفه ويعظمه ويطيعه أهل الأرض» 157.

وهذا مدح للقرآن الذي أنزله الله هدى لقلوب العباد ممن آمن به وصدقه، فهو كتاب قد نزل بالحق ولإحقاق الحق.

قال تعالى: (وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ) [الإسراء:105] .

فالآية مدح للقرآن بأنه نزل متضمنًا للحق، ففيه أمر بالعدل والإنصاف ومكارم الأخلاق، ونهى عن الظلم والأفعال الذميمة، وذكر براهين الوحدانية وحاجة الناس إلى الرسل، لتبشيرهم وإنذارهم وحثهم على صالح الأعمال، انتظارًا ليوم الحساب والجزاء، وقد نزل هذا القرآن محفوظًا محروسًا لم يشب بغيره، فلم يزد فيه ولم ينقص.

وقد ورد التنويه بذكره في كتب السابقين قال تعالى: (وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ) [الشعراء:196] .

قال ابن كثير: «وإن ذكر هذا القران والتنويه به لموجود في كتب الأولين المأثورة عن أنبيائهم الذين بشروا به في قديم الدهر وحديثه» 158.

ومدح على لسان الجن بقولهم: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا ?1?يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ ? وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا ?2?) [الجن:1 - 2] .

فهو مدح يدل على استمرار الهداية لكل زمان ومكان ودعوة إلى الحق والإيمان.

رابعًا: مدح بعض أهل الكتاب:

أهل الكتاب هم اليهود والنصارى، والمراد بالكتاب التوراة والإنجيل، قال الله تعالى في مدح من آمن منهم: (ٹ ٹ ٹ ٹ قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا ? إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى? عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا ?107?) [الإسراء:107] .

«قال مجاهد: هم ناس من أهل الكتاب حين سمعوا ما أنزل الله على محمد قالوا: (وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا ?108?) [الإسراء:108] » 159.

ونجد آيات المدح لخيرة أهل الكتاب في قوله تعالى: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ? أُولَ?ئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ ? إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (199 ) ) [آل عمران:199] .

ففي هذه الآية «يخبر تعالى عن طائفة من أهل الكتاب أنهم يؤمنون بالله حق الإيمان، وبما أنزل على محمد، مع ما يؤمنون به من الكتب المتقدمة، وأنهم خاشعون لله، أي: مطيعون له خاضعون متذللون بين يديه، (لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا) أي: لا يكتمون بأيديهم من البشارات بمحمد صلى الله عليه وسلم، وذكر صفته ونعته ومبعثه وصفة أمته، وهؤلاء هم خيرة أهل الكتاب وصفوتهم، سواء كانوا هودًا أو نصارى» 160، فهو «مدح لهم وذم لسائر كفار أهل الكتاب» 161.

وقد ورد المدح في القرآن الكريم لبعض الصفات الحميدة التي تحلى بها بعض أهل الكتاب، ومن هذه الصفات:

قال تعالى: (? مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ ?) [المائدة:66] .

«أي: عادلة. والاقتصاد: الاعتدال في العمل من غير غلو ولا تقصير. أصله من القصد؛ لأن من عرف مقصودًا طلبه من غير اعوجاج عنه. والمراد بالأمة المقتصدة: من آمن من أهل الكتاب مثل عبد الله بن سلام وأصحابه والنجاشي وأصحابه الذين أسلموا» 162 رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين.

قال تعالى: (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ?) [آل عمران:75] .

«أخبر الله تعالى أن فيهم أمانة وخيانة، والقنطار عبارة عن المال الكثير، والدينار عبارة عن المال القليل، يقول: منهم من يؤدي الأمانة وإن كثرت، ومنهم من لا يؤديها وإن قلت» 163.

قال تعالى: (ھ ھے ے لَيْسُوا سَوَاءً ? مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ?113?يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَ?ئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ ?114?) [آل عمران: 113 - 114] .

ففي هذه الآية «أخبر جل ثناؤه أن هؤلاء الذين هذه صفتهم من أهل الكتاب، هم من عداد الصالحين؛ لأن من كان منهم فاسقًا، قد باء بغضب من الله لكفره بالله وآياته، وقتلهم الأنبياء بغير حق، وعصيانه ربه واعتدائه في حدوده» 164.

وممن خُصَّ بالمدح من أهل الكتاب

قال تعالى: (وَمِن قَوْمِ مُوسَى? أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ [الأعراف:159] .

«أي: يهدون به الناس في تعليمهم إياهم وفتواهم لهم، ويعدلون به بينهم في الحكم بينهم بقضاياهم، كما قال تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ? وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) [السجدة:24] .

وفي هذا فضيلة لأمة موسى عليه السلام، وأن الله تعالى جعل منهم هداة يهدون بأمره» 165.

قال تعالى: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ? وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى? ? ذَ?لِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ?82?) [المائدة:82] .

هذه الآية نزلت في أناس من أهل الكتاب كانوا على شريعةٍ من الحق مما جاء به عيسى، يؤمنون به وينتهون إليه. فلما بعث الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم صدقوا به وآمنوا به، وعرفوا الذي جاء به أنه الحق، فأثنى عليهم 166.

قال القاضي أبو يعلى: «وربما ظنَّ جاهل أنَّ في هذه الآية مدح النصارى، وليس كذلك، لأنه إنما مدح من آمن منهم» 167.

«ولم يصف الله تعالى النصارى بأنهم أهل ود، وإنما وصفهم بأنهم أقرب من اليهود والمشركين فهو قرب مودة بالنسبة إلى متباعدين» 168.

ثم بين سبب المدح مفصلًا بقوله: (ذَ?لِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ) فالآية «تضمن وصفهم بأن فيهم العلم والعبادة والتواضع، ثم وصفهم بالانقياد للحق واتباعه والإنصاف، فقال: (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى? أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ? يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) أي: مما عندهم من البشارة ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم (يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَٹ) أي: مع من يشهد بصحة هذا ويؤمن به» 169.

ورد ذكر الحواريين في القرآن الكريم في خمسة مواضع 170.

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ ? قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ ? فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ ? فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى? عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ ?14?) [الصف:14] .

والحواريون أتباع عيسى عليه السلام وأصفياؤه، وهم أول من آمن به، وكانوا اثني عشر رجلًا 171، وفي خطابهم وتخصيصهم مدح لهم وثناء عظيم عليهم.

خامسًا: مدح المؤمنين:

مدح الله تعالى المؤمنين من أمة النبي محمد صلى الله عليه وسلم في آيات كثيرة، منها؛ قوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ?) [البقرة:165] .

«أي: من أهل الأنداد لأندادهم، لأنهم أخلصوا محبتهم له، وهؤلاء أشركوا بها، ولأنهم أحبوا من يستحق المحبة على الحقيقة، الذي محبته هي عين صلاح العبد وسعادته وفوزه، والمشركون أحبوا من لا يستحق من الحب شيئًا، ومحبته عين شقاء العبد وفساده، وتشتت أمره» 172.

وقوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ?) [آل عمران:110] .

«وما أخرج الله تعالى للناس أمة خيرًا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ثم مدحهم بما فيهم من الخصال فقال: (تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ) الآية» 173، وكذلك مدحهم في الكتب السابقة كالتوراة والإنجيل.

قال تعالى: (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ? وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ? تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ? سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ? ذَ?لِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ? وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى? عَلَى? سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ? وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا(29 ) ) [الفتح:29] .

وأولى المؤمنين بالمدح الصحابة رضي الله عنهم، فقد مدحهم القرآن الكريم بسبقهم إلى الإيمان.

قال تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ? ذَ?لِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [التوبة:100] .

وقال في مدحهم أيضًا: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ? أُولَ?ئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ(8) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى? أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ? وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الحشر:8 - 9] .

وكما ورد المدح لمؤمني الإنس ورد كذلك لمؤمني الجن؛ فقد مدحهم الله تعالى بحسن استماعهم للقرآن الكريم حتى الفراغ من قراءته وقيامهم بالدعوة إلى الإسلام.

قال تعالى: (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا ? فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى? قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ) [الأحقاف:29] .

فالإنصات من علامات التدبر والفهم، وهي من أخلاق حملة القرآن، ومدح قولهم في القرآن في قوله تعالى: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا ?1 يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ ? وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا ?2?) [الجن:1 - 2] .

فقد «حصل لهؤلاء النفر من الجن شرف المعرفة بالله وصفاته وصدق رسوله صلى الله عليه وسلم وصدق القرآن وما احتوى عليه ما سمعوه منه فصاروا من خيرة المخلوقات» 174.

لقد مدح الله تعالى المؤمنين بما يمتازون به من خصائص تميزهم، فهم أهل لمدح الله لهم والثناء عليهم، وقد سرد القرآن الكريم الصفات القويمة التي ينبغي أن يتحلى بها المسلم، وهي في ذاتها تجلب المدح والثناء لمن امتثل بها.

وقد جاءت الآيات القرآنية تبين حب الله لعباده المؤمنين المتصفين بهذه الصفات الحسنة؛ والتي منها:

••الصبر، قال الله تعالى: (وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) [آل عمران:146] .

••والتقوى، قال تعالى: (? إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) [التوبة:4] .

••والعدل، قال سبحانه: (? إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) [الحجرات:9] .

••وبذل النفس لله، قال جل جلاله: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّه) [البقرة:207] .

••والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، قال تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ? يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) [التوبة:71] .

وغيرها من الصفات الحسنة والأخلاق الكريمة.

المقصد من مدح الله تعالى نفسه في القرآن الكريم هو تعليم عباده كيف يمدحوه؛ لأن الخلق حينما يمدحون الخالق سبحانه وتعالى يثيبهم، فينتفعون، لا لينتفع هو بالمدح، والهدف من مدح الصفات الحسنة هو شحذ الهمم في امتثال ما أمر به واجتناب ما نهى عنه، والازدياد والاستمرار في الفعل الحسن والخلق الكريم.

النفس الإنسانية مفطورة على حب المدح الصادق؛ لما له من تأثير قوي فيها، وحثها على فعل الخير وعمل الصالحات، ولأن الإسلام جعل من أولى اهتماماته: الاهتمام بترسيخ قواعد المجتمع المسلم وبنائه من خلال منهج شامل يهدف إلى إصلاح الفرد والمجتمع، ولما كان للمدح أهميته في ترسيخ هذه القواعد، اهتم الإسلام به اهتمامًا كبيرًا، فكان لمدح القرآن الكريم والرسول صلى الله عليه وسلم للمؤمنين أثر كبير في توجيههم وتحسين سلوكهم وإشاعة روح المودة بينهم.

والناظر في آيات القرآن الكريم يجد أنه في كثير من آياته يحث على التحلي بالأخلاق الحميدة والصفات النبيلة التي تجلب المدح والثناء لصاحبها.

قال تعالى في مطلع سورة المؤمنون: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون:1 - 11] .

ففي هذه الآيات «تنويه من الله، بذكر عباده المؤمنين، وذكر فلاحهم وسعادتهم، وبأي شيء وصلوا إلى ذلك، وفي ضمن ذلك الحث على الاتصاف بصفاتهم، والترغيب فيها. فليزن العبد نفسه وغيره على هذه الآيات، يعرف بذلك ما معه وما مع غيره من الإيمان، زيادة ونقصًا، كثرة وقلة» 175.

ففلاح المؤمن موقوف على اتصافه بتلك الصفات السامية العالية القدر، العظيمة الأثر في حياته الروحية، وكمالاته النفسية.

وقال تعالى في صفات عباد الرحمن: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67) وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ} [الفرقان:63 - 68] .

إلى آخر الآيات. قال ابن كثير: «لما ذكر تعالى من أوصاف عباده المؤمنين ما ذكر من هذه الصفات الجميلة، والأفعال والأقوال الجليلة قال بعد ذلك كله: {أُولَئِكَ} أي: المتصفون بهذه {يُجْزَوْنَ} أي: يوم القيامة {الْغُرْفَةَ} وهي الجنة. قال أبو جعفر الباقر، وسعيد بن جبير، والضحاك، والسدي: سميت بذلك لارتفاعها. {بِمَا صَبَرُوا} أي: على القيام بذلك {وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا} أي: في الجنة {تَحِيَّةً وَسَلَامًا} أي: يبتدرون فيها بالتحية والإكرام، ويلقون فيها التوقير والاحترام، فلهم السلام وعليهم السلام، فإن الملائكة يدخلون عليهم من كل باب، سلام عليكم بما صبرتم، فنعم عقبى الدار» 176.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت