فهرس الكتاب

الصفحة 2371 من 2431

وهذا بصريح معناه يفيد أيضًا كفاية عن وقوع الجزاء؛ إذ لولا الجزاء على الأعمال لكان الاعتناء بإحصائها عبثًا، وأجري على الملائكة الموكلين بإحصاء أعمالهم أربعة أوصاف، هي: الحفظ، والكرم، والكتابة، والعلم بما يعلمه الناس، فقال: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12) } [الانفطار: 10 - 12] .

وابتدئ منها بوصف الحفظ؛ لأنه الغرض الذي سيق لأجله الكلام الذي هو إثبات الجزاء على جميع الأعمال، ثم ذكرت بعده صفات ثلاث بها كمال الحفظ والإحصاء، وفيها تنويه بشأن الملائكة الحافظين 190.

فالكرم صفتهم النفسية الجامعة للكمال في المعاملة وما يصدر عنهم من الأعمال، وأما صفة الكتابة فمراد بها ضبط ما وكلوا على حفظه ضبطا لا يتعرض للنسيان ولا للإجحاف ولا للزيادة، فالكتابة مستعارة لهذا المعنى، على أن حقيقة الكتابة بمعنى الخط غير ممكنة بكيفية مناسبة لأمور الغيب.

وأما صفة العلم بما يفعله الناس فهو الإحاطة بما يصدر عن الناس من أعمال وما يخطر ببالهم من تفكير مما يراد به عمل خير أو شر وهو الهم.

وما تفعلون يعم كل شيء يفعله الناس وطريق علم الملائكة بأعمال الناس مما فطر الله عليه الملائكة الموكلين بذلك.

ودخل في ما تفعلون: الخواطر القلبية لأنها من عمل القلب أي: العقل فإن الإنسان يعمل عقله ويعزم ويتردد، وإن لم يشع في عرف اللغة إطلاق مادة الفعل على الأعمال القلبية.

واعلم أنه ينتزع من هذه الآية أن هذه الصفات الأربع هي عماد الصفات المشروطة في كل من يقوم بعمل للأمة في الإسلام من الولاة وغيرهم فإنهم حافظون لمصالح ما استحفظوا عليه وأول الحفظ الأمانة وعدم التفريط 191.

ومن أثر العمل في الآخرة أن الله ينبئ العبد بما عمله في الدنيا، قال الله تعالى: {كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 108] .

وقال: {وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [المائدة: 14] .

وقال: {إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [الأنعام: 159] .

وقال: {وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النور: 64] .

وقال: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (6) } [المجادلة: 6] .

وقال: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (7) } [المجادلة: 7] .

فقوله: {فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} يقول: فيوقفهم ويخبرهم بأعمالهم التي كانوا يعملون بها في الدنيا، ثم يجازيهم بها، إن كان خيرًا فخيرًا، وإن كان شرًا فشرًا، أو يعفو بفضله، ما لم يكن شركًا أو كفرًا 192.

والتعبير بـ {ثُمَّ} للدلالة على البعد الزماني في نظرهم، والبعد بين ما زين لهم من الشر، وما يستقبلهم من جزاء؛ وفاقًا لما عملوا من شر وقوله تعالى: {إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ} فيه تقديم الجار والمجرور على ربهم للدلالة على الاختصاص أي: المرجع إلى الله وحده، وهو الذي يتولى جزاءهم على ما قدموا من شر، والتعبير بـ {رَبِّهِمْ} إشارة إلى كفرهم بالنعم التي أولاهم؛ إذ إنه هو الذي خلقهم ورباهم ونماهم وأمدهم بآلائه من وقت أن كانوا أجنة في بطون أمهاتهم إلى أن رمسوا في قبورهم.

والنبأ: الخبر الخطير {يُنَبِّئُهُمْ} أي: يخبرهم بما كانوا يعملون، وهو إنباء مقترن بالجزاء، فهو إنباء بأعمالهم وجزائها، فيجزون ما كانوا يعملون، أي: أن الجزاء موافق للعمل، وأعدل العدل أن يكون العقاب مأخوذًا من الجريمة نفسها، والله يتولى المحسنين 193.

فالنبأ في لغة العرب: أخص من الخبر؛ لأن النبأ لا يطلق إلا على الإخبار بشيءٍ له شأنٌ وخطبٌ، فمعنى: {يُنَبِّئُهُمْ} أي: يخبرهم خبرًا عظيمًا عندهم له خطبٌ، وشأنٌ عظيمٌ.

{بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} «ما» موصولةٌ، والعائد محذوفٌ، والمعنى: بالذي كانوا يعملونه في دار الدنيا، وليس المراد بهذه التنبئة والإخبار مجرد التنبئة فقط، لا وكلا، بل المراد به: الجزاء؛ لأن كل إنسانٍ يوم القيامة يخبر بجميع ما عمل من جهاتٍ متعددةٍ:

تشهد على الكافر جوارحه، تشهد عليه يده ورجله وجلده، كما يأتي في قوله: {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ} [يس: 65] .

وكقوله: {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ} [فصلت: 22] .

وكقوله: {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا} [فصلت: 21] .

وينبئه ويشهد عليه المكان؛ لأن البقعة من الأرض الذي عمل الإنسان عليها المعصية تأتي يوم القيامة، وتشهد عليه عند ربها وتقول البقعة: إن فلان بن فلانٍ فعل علي كذا وكذا في ساعة كذا في يوم كذا في شهر كذا في سنة كذا، كما يأتي في قوله: {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (2) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (3) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ} يعني: الأرض {تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} بما فعل عليها {بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (5) } [الزلزلة: 1 - 5] .

أمرها بذلك أن تشهد، ومن ذلك وهو الشيء العظيم أن كل إنسانٍ يجد جميع ما قدم من خيرٍ وشرٍ مكتوبًا في كتابٍ {لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف: 49] .

ويقال لكل إنسانٍ في ذلك الوقت: {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14) } [الإسراء: 14] .

وتلك الكتب تعطى للناس، آخذٌ كتابه بيمينه، أو آخذٌ بشماله، أو من وراء ظهره، والعياذ بالله.

وهذه الآيات معناها: اعلم أيها الإنسان أن كل ما عملت من خيرٍ وشرٍ هو محفوظٌ لك مدخرٌ عليك، إن كان خيرًا فإنما تنفع به نفسك، وإن كان شرًا فإنما تضر به نفسك، فعليك أن تجتهد في دار الدنيا وقت إمكان الفرصة، ولا تضيع الوقت؛ لأنه إذا ضاع الوقت ندم الإنسان حيث لا ينفع الندم، فعلينا معاشر المسلمين أن نعلم أن ربنا يخبرنا أن جميع ما عملنا سنجده محفوظًا لنا أمامنا على رؤوس الأشهاد ونخبر به، ونجازى به، إن خيرًا فخيرٌ وإن شرًا فشرٌ، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه. فيجب على العبد المسلم في دار الدنيا أن يلاحظ هذا، وأن يخاف الله، ويخشى من أن يجعل في صحيفته الفضائح التي يفتضح بها على رؤوس الأشهاد؛ لأن فضيحة يوم القيامة ليست كفضيحة الدنيا؛ لأن من افتضح في الدنيا ضاع عرضه أمام المجتمع، وهو صحيحٌ يأكل ويشرب وينام وينكح ويركب، ولكن من افتضح في الآخرة سيجر إلى دركات النار -والعياذ بالله جل وعلا- ففضيحة الآخرة على رؤوس الأشهاد أعظم 194.

والمقصود: أن من أثر العمل في الآخرة أن يظهره الله للعبد، كما قال: {فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 108] .

يعني: يظهرها لهم في صورتها الحقيقية حتى يعلموا حقيقة ما كانوا عليه في الدنيا، وأنها إنما زينت لهم هذه المعاصي، وهذا هو سبب عدم توبة أكثر الناس؛ لأنهم يرون الأشياء على غير حقيقتها، كما قال تبارك وتعالى: {زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ} [التوبة: 37] .

وقال تعالى: {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا} [فاطر: 8] .

وهذا كحال الكافر والمبتدع، فأحدهما يرى الشيء القبيح حسنًا، فإذا رآه حسنًا هل يتصور أنه يتوب منه؟ لا يتصور؛ لأنه يراه حسنًا؛ ولذا لن يفكر في التوبة، فمن ثم قال بعض السلف: ليس لصاحب بدعة توبة، بمعنى: أنه يستحسن البدع، ويراها بصورة حسنة، فكيف يتوب؟ فمن ثم لا ترجى له توبة، بخلاف العاصي فإن أمره أخف؛ لأن العاصي، الموحد يرى معاصيه فيبغضها، لكن الهوى يغلبه فمن ثم يرجى له التوبة، أما المبتدع فقد زين له سوء عمله فرآه حسنًا.

فأمر العباد مفوض إلى الله تعالى، وإن الله تعالى عالم بأحوالهم، مطلع على ضمائرهم، ورجوعهم يوم القيامة إلى الله، فيجازي كل أحد بمقتضى عمله، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر.

ومن أثر العمل في الآخرة أن يجزي الله العباد بأعمالهم.

قال الله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97) } [النحل: 97] .

وقال: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (7) } [العنكبوت: 7] .

وقال: {فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (27) } [فصلت: 27] .

قال الطبري: يقول: يجزيهم أجرهم في الآخرة بأحسن ما كانوا يعملون 195. أي: ولنعطينهم في الآخرة أجرهم الخاص بهم، بما كانوا يعملون من الصالحات، وإنما أضيف إليه الأحسن للاشعار بكمال حسنه، كما سبق في حق الصابرين 196.

واللام هي الموطئة أي: لنجزينهم بسبب صبرهم على ما نالهم من مشاق التكليف وجهاد الكافرين، والصبر على ما ينالهم منهم من الإيذاء بأحسن ما كانوا يعملون من الطاعات.

قيل: وإنما خص أحسن أعمالهم لأن ما عداه وهو الحسن مباح، والجزاء إنما يكون على الطاعة. وقيل: المعنى: ولنجزينهم بجزاء أشرف وأوفر من عملهم، أو لنجزينهم بحسب أحسن أفراد أعمالهم، على معنى لنعطينهم بمقابلة الفرد الأدنى من أعمالهم المذكورة ما نعطيهم بمقابلة الفرد الأعلى منها من الجزاء الجزيل، لا أنا نعطي الأجر بحسب أفرادها المتفاوتة في مراتب الحسن بأن نجزي الحسن منها بالأجر الحسن، والأحسن بالأحسن كذا قيل 197.

والمقصود: أن يوم القيامة يوم جزاء الأعمال ولهذا قال: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} أي: من عمل صالح الأعمال، وأدى فرائض الله التي أوجبها عليه، وهو مصدق بثوابه الذي وعد به أهل طاعته، وبعقاب أهل المعصية على عصيانهم، فلنحيينه حياة طيبة تصحبها القناعة بما قسم الله له، والرضا بما قدره وقضاه؛ إذ هو يعلم أن رزقه إنما حصل بتدبيره، والله محسن كريم لا يفعل إلا ما فيه المصلحة، ويعلم أن خيرات الدنيا سريعة الزوال، فلا يقيم لها في نفسه وزنًا، فلا يعظم فرحه بوجدانها، ولا غمه بفقدانها 198.

فهو سبحانه يجزي في الآخرة أحسن الجزاء، ويثاب أجمل الثواب، جزاء ما قدم من عمل صالح، وتحلى به من إيمان صادق.

أما من أعرض عن ذكر الله فلم يؤمن، ولم يعمل صالحًا فهو في عناء ونكد؛ إذ يكون شديد الحرص والطمع في الحصول على لذات الدنيا، فإن أصابته محنة أو بلاء استعظم أمره، وعظمت أحزانه، وكثر غمه وكدره، وإذا فاته شئ من خيراتها عبس وبسر، وامتلأ قلبه أسى وحسرة؛ لأنه يظن أن السعادة كل السعادة.

قال سيد: وبمناسبة العمل والجزاء يعقب بالقاعدة العامة فيهما: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} فيقرر بذلك القواعد التالية: أن الجنسين الذكر والأنثى، متساويان في قاعدة العمل والجزاء، وفي صلتهما بالله، وفي جزائهما عند الله، ومع أن لفظ: {مَنْ} حين يطلق يشمل الذكر والأنثى إلا أن النص يفصل {مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى} لزيادة تقرير هذه الحقيقة؛ وذلك في السورة التي عرض فيها سوء رأي الجاهلية في الأنثى، وضيق المجتمع بها، واستياء من يبشر بمولدها، وتواريه من القوم حزنًا وغمًا وخجلًا وعارًا! وأن العمل الصالح لا بد له من القاعدة الأصيلة يرتكز عليها، قاعدة الإيمان بالله {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} فبغير هذه القاعدة لا يقوم بناء، وبغير هذه الرابطة لا يتجمع شتاته، إنما هو هباء كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف.

والعقيدة هي: المحور الذي تشد إليه الخيوط جميعًا وإلا فهي أنكاث، فالعقيدة هي التي تجعل للعمل الصالح باعثًا وغاية، فتجعل الخير أصيلًا ثابتًا يستند إلى أصل كبير، لا عارضًا مزعزعًا يميل مع الشهوات والأهواء حيث تميل، وأن العمل الصالح مع الإيمان جزاؤه حياة طيبة في هذه الأرض، لا يهم أن تكون ناعمة رغدة ثرية بالمال، فقد تكون به، وقد لا يكون معها، وفي الحياة أشياء كثيرة غير المال الكثير تطيب بها الحياة في حدود الكفاية: فيها الاتصال بالله، والثقة به، والاطمئنان إلى رعايته وستره ورضاه، وفيها الصحة والهدوء والرضا والبركة، وسكن البيوت، ومودات القلوب، وفيها الفرح بالعمل الصالح وآثاره في الضمير، وآثاره في الحياة، وليس المال إلا عنصرًا واحدًا يكفي منه القليل، حين يتصل القلب بما هو أعظم وأزكى وأبقى عند الله، وأن الحياة الطيبة في الدنيا لا تنقص من الأجر الحسن في الآخرة، وأن هذا الأجر يكون على أحسن ما عمل المؤمنون العاملون في الدنيا، ويتضمن هذا تجاوز الله لهم عن السيئات، فما أكرمه من جزاء! 199.

قال الله تعالى: {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (32) } [النحل: 32] .

وقال: {وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: 43] .

وقال في الفريق الآخر: {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81) } [البقرة: 81] .

وقال: {أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (8) } [يونس: 8] .

وقال: {وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (90) } [النمل: 90] .

فهذه الآيات جمعيها تبين أن من أثر العمل يوم القيامة دخول الجنة أو النار، فدخولهما مرتبط بالأعمال، فمن عمل خيرًا نال خيرًا، ومن عمل سوءًا يجزى به والجزاء يوم ذاك ما هو إلا جنة أو نار.

ومن آثار العمل في الآخرة النجاة من عذاب القبر أو الوقوع فيه.

قال تعالى: {مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (44) } [الروم: 44] .

قال بعض السلف: في القبر.

يعني: أن العمل الصالح يكون مهادًا لصحابه في القبر، حيث لا يكون للعبد من متاع الدنيا فراش، ولا وساد، ولا مهاد، بل كل عامل يفترش عمله، ويتوسده من خير أو شر 200.

والمقصود: أن للعمل أثرًا في الآخرة، سواء كان صالحًا أو سيئًا، فينبغي للعبد أن يكثر من العمل الصالح، ويخلصه من الآفات والمحبطات، نسأل الله الكريم أن يوفقنا للعمل الصالح، وأن يفعل ذلك بأهلينا وذريتنا ومحبينا.

موضوعات ذات صلة:

الإخلاص، الإيمان، الجزاء، الحساب، السعي، الكسب

1 مقاييس اللغة 4/ 145.

2 العين 2/ 153.

3 انظر: العين، الفراهيدي 2/ 154، مقاييس اللغة، ابن فارس 4/ 146.

4 التوقيف على مهمات التعاريف ص 247.

5 الكليات ص 616.

6 انظر: المصدر السابق ص 616.

7 معجم لغة الفقهاء، قلعجي ص 322.

8 انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص 828.

9 انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص 587، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي 4/ 101.

10 مقاييس اللغة، ابن فارس 5/ 179.

11 التوقيف على مهمات التعاريف ص 281.

12 الصحاح، الجوهري 1/ 398.

13 مجمل اللغة، ابن فارس ص 461.

14 مقاييس اللغة، ابن فارس 4/ 511.

15 التعريفات ص 168.

16 بصائر ذوي التمييز 4/ 201.

17 المفردات ص 640.

18 المفردات ص 587.

19 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 2/ 172، أشعار النساء، المرزباني ص 90.

20 مقاييس اللغة، ابن فارس 3/ 313.

21 الكليات ص 544.

22 الكليات ص 29.

23 المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده 2/ 221.

24 الكليات ص 509.

25 العين 2/ 202.

26 مقاييس اللغة، ابن فارس 3/ 195.

27 المفردات ص 457.

28 مقاييس اللغة، ابن فارس 5/ 167.

29 الكليات ص 773.

30 انظر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة، عبدالرحمن المحمود 3/ 1369.

31 الإيمان، ابن تيمية ص 196.

32 التمهيد 9/ 238.

33 في ظلال القرآن، سيد قطب 4/ 2398.

34 أركان الإيمان، الشحود ص 239 - 241.

35 انظر: الملل والنحل، الشهرستاني 1/ 141، الإيمان، ابن تيمية ص 145، الاعتصام، الشاطبي 3/ 364.

36 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 1/ 141.

37 المصدر السابق 1/ 208.

38 أنوار التنزيل، البيضاوي 4/ 273.

39 انظر: صفوة التفاسير، الصابوني 3/ 23.

40 العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير 3/ 369.

41 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب في قوله عليه السلام: (إن الله لا ينام) ، 1/ 161، رقم 179.

42 تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين، الفاتحة والبقرة 1/ 312.

43 انظر: التفسير المنير، الزحيلي 12/ 167.

44 أيسر التفاسير، الجزائري 4/ 240.

45 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 3/ 346.

46 جامع البيان، الطبري 20/ 296.

47 المحرر الوجيز، ابن عطية 2/ 263.

48 المصدر السابق 3/ 127.

49 المصدر السابق 3/ 299.

50 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 141.

51 التفسير الوسيط، طنطاوي 1/ 290.

52 التفسير الوسيط، الواحدي 1/ 471.

53 زاد المسير 1/ 309.

54 التفسير الوسيط، طنطاوي 2/ 240.

55 جامع البيان، الطبري 24/ 347.

56 مفاتيح الغيب، الرازي 31/ 116.

57 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 206.

58 انظر: التفسير الحديث، محمد دروزة 4/ 361.

59 زهرة التفاسير، أبو زهرة 2/ 1104.

60 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 524.

61 المقصد الأسنى ص 103.

62 تفسير المنتصر الكتاني 139/ 12.

63 البحر المحيط، أبو حيان 6/ 589.

64 انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 14/ 268.

65 تفسير ابن عرفة 3/ 45.

66 أنوار التنزيل، البيضاوي 3/ 128.

67 التفسير المنير، الزحيلي 11/ 126.

68 انظر: العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير 3/ 66.

69 انظر: الكشف والبيان، الثعلبي 1/ 170، معالم التنزيل، البغوي 1/ 73.

70 لطائف الإشارات، القشيري 2/ 376.

71 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزهد والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله، 4/ 2289، رقم 2985.

72 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود، 3/ 184، رقم 2697، ومسلم في صحيحه، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة، ورد محدثات الأمور، 3/ 1343، رقم 1718.

73 تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين، سورة الكهف ص 147.

74 التفسير المنير، الزحيلي 22/ 150.

75 المصدر السابق 25/ 265.

76 زهرة التفاسير، أبو زهرة 2/ 1053.

77 أضواء البيان، الشنقيطي 2/ 440.

78 انظر: العين، الفراهيدي 3/ 174، تهذيب اللغة، الأزهري 4/ 228، لسان العرب، ابن منظور 7/ 272.

79 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب فضل النفقة في سبيل الله، 4/ 26، رقم 2842، ومسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب تخوف ما يخرج من زهرة الدنيا، 2/ 727، رقم 1052.

80 الكشاف، الزمخشري 4/ 355.

81 السراج المنير، الشربيني 3/ 333.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت