فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 2431

الاستقامة

أولًا: المعنى اللغوي:

«القاف والواو والميم أصلان صحيحان، يدل أحدهما على جماعة ناس، وربما استعير في غيرهم. والآخر على انتصاب أو عزم» 1. «والاستقامة: ضد الطغيان، وهو مجاوزة الحد في كل شيء» 2.

وقد أطلق على معنى الاستقامة عدة معانٍ، منها: القصد، والإصابة، والاستواء، والنظام، والاعتدال، والرشد، والزم، وغير ذلك 3.

وقد اتفق كثير من أهل اللغة - ومن خلال ذكر جذرها حتى الألفاظ القريبة- على أنها ترجع إلى معنى الاعتدال والتوسط، والسلامة من غضب الله تعالى 4.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

الاستقامة: هي سلوك الصراط المستقيم، وهو الدين القويم من غير تعويج عنه يمنة ولا يسرة، ويشمل ذلك فعل الطاعات كلها الظاهرة والباطنة، وترك المنهيات كلها كذلك 5.

وقد عرفها الجرجاني بأنها: «الوفاء بالعهود كلها، وملازمة الصراط المستقيم برعاية حد التوسط في كل الأمور، من الطعام والشراب واللباس، وفي كل أمر ديني ودنيوي، فذلك هو الصراط المستقيم، كالصراط المستقيم في الآخرة» 6.

وردت مادة (ق و م) في القرآن (660) مرة، والذي يخص موضوع الاستقامة منها (47) مرة 7.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 4 ... {فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ} [التوبة:7]

الفعل المضارع ... 1 ... {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) } [التكوير:28]

فعل الأمر ... 5 ... {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} [هود:112]

اسم الفاعل ... 37 ... {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) } [الفاتحة:6]

وجاءت الاستقامة في القرآن بمعناها اللغوي، وهو: الاعتدال، والاستواء، والالتزام 8.

الإصابة:

الإصابة لغة:

تعني ثلاثة أمور، هي: الصواب، والإيجاد، والإرادة 9.

الإصابة اصطلاحًا:

إرادة العمل الصالح المقبول شرعًا بإيجاد الظروف المناسبة له ضمن ضوابط الشرع الحنيف.

الصلة بين الإصابة والاستقامة:

إن ثمة اتصالًا قويًا بين الإصابة والاستقامة من حيث مدلول الجذر؛ فكلاهما يشترك في الدعوة إلى السلامة من غضب الله تعالى، ومن ثم عذابه؛ لكن الاستقامة أشمل من حيث إنها تجمع أقوال وأعمال وأحوال المسلم، أما الإصابة فيغلب عليها الأعمال، ومن ثم الأقوال.

الاستواء:

الاستواء لغةً:

أصلٌ يدل على استقامة واعتدال بين شيئين 10.

الاستواء اصطلاحًا:

أية عبادة دلت على استقامةٍ واعتدالٍ بعد اعوجاجٍ وميلٍ عن الحق واتباعه 11.

الصلة بين الاستواء والاستقامة:

الاستقامة تعني الاعتدال والالتزام بما فيه سلامة من غضب الله تعالى ومن ثم عذابه، أما الاستواء فهي العبادات التي تدل على استقامة بعد اعوجاج حدث، أو ميل عن الحق وقع، وعلى هذا فالاستقامة أعم وأشمل.

الرشد:

الرشد لغةً:

السير على النهج الصحيح والطريق المستقيم، والرشد والرشد: خلاف الغي 12.

الرشد اصطلاحًا:

«حسن التصرف في الأمر حسًا أو معنىً، دينًا أو دنيا» 13.

الصلة بين الرشد والاستقامة:

الاستقامة: هي السير على المنهج القويم بما يضمن السلامة من غضب الله تعالى ومن عذابه، أما الرشد: فحسن التصرف في الأعمال؛ للوصول إلى الاستقامة، وعلى هذا فالاستقامة هدف، والرشد طريق عملي؛ للوصول إلى ذلك الهدف.

القصد:

القصد لغةً:

استقامة الطريق 14، والقصد هو بيان الهدى 15.

القصد اصطلاحًا:

حسن التوجه في النية، بما يكفل سلامة العبد من العذاب.

الصلة بين القصد والاستقامة:

الاستقامة: هي السير على المنهج القويم بما يضمن السلامة من غضب الله تعالى ومن عذابه، أما القصد: فحسن التوجه القلبي؛ للوصول إلى الاستقامة، وعلى هذا فالاستقامة هدف، والقصد طريق قلبي؛ للوصول إلى ذلك الهدف.

العدل:

العدل لغةً:

يعني المثل 16، والعدولة والعدل: الحكم بالحق 17، وهو عين الاستقامة في الحال في الدنيا، واستقامة المآل في الدنيا والآخرة.

العدل اصطلاحًا:

«وهو الاعتدال والاستقامة، وهو الميل إلى الحق» 18.

الصلة بين العدل والاستقامة:

العدل أعم من الاستقامة؛ لأن العدل يقتضي استقامة الحال في الدنيا، واستقامة المآل في الآخرة؛ فهو بهذا الوجه بمعنى الاستقامة، وكل ما له مدلول المثلية فهو عدل؛ فإن من العدل ما هو مذموم، كما قال تعالى: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام:1] .

أولًا: أسلوب الأمر:

ومثال ذلك قوله تعالى: {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [التوبة:7] .

بينت هذه الآية وما بعدها سبب البراءة من المشركين، وإمهالهم أربعة أشهر، ثم قتالهم، وذلك هو نقضهم العهود، وأنهم معتدون بكل ما تعني الكلمة؛ لكن الاستثناء يظهر هنا للمعاهدين من المشركين الملتزمين؛ فإن استقامتهم هذه على العهود جعلت ضرورة المعاملة بالمثل بالنسبة للمسلمين، ثم تذيل الآية بالجملة التقريرية، ويمكن أن تكون تعليلية ببيان أن الله تعالى يحب المتقين، الذين يخافون من غضب الله تعالى بعدم التزام أوامره ونواهيه 19.

والأسلوب الاستفهامي الاستنكاري في قوله تعالى: {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ} بمعنى كيف لا يكون؛ ليفيد مدى بشاعتهم، وبالتالي فإن المعاملة بالمثل من تمام الاستقامة التي أمر المسلمون بالتزامها.

وفي أثناء المعركة قد تشحن النفوس ضد المشركين، وبالتالي لا يضبط المسلمون أنفسهم أمام قاتليهم، وبالتالي فإن الاستقامة مع من استقام من المشركين جاءت بأسلوب الأمر وبعدها ترغيب بأن الله تعالى يحب المتقين؛ لما في أمر الله تعالى وترغيبه من عظيم الأثر في الالتزام.

وتوضح الآية أن الأصل في الإسلام الرحمة والعفو والصفح؛ لكن الذي يستهزئ بالعهود التي أبرمت مع المسلمين فلا عهد له ولا أمان بعد ذلك، مع أهمية ألا تختلط الأمور فيعامل من التزم بالعهد كمن لا يلتزم، ومن هنا جاء الأمر بالاستقامة؛ حتى يمتاز جانب الاعتدال في التعامل مع المشركين إن التزموا بعهودهم.

ثانيًا: أسلوب الترغيب والترهيب:

يكثر في القرآن الكريم استعمال أسلوب الترغيب والترهيب في قضايا كثيرة، ومنها: الترغيب في الاستقامة على المنهج الإسلامي، والترهيب من الإعراض عنه الذي يخالف مبدأ الاستقامة.

قال تعالى: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا} [الجن:16 - 17] .

بعد أن ذكرت الآيات السابقة أحوال الجن، وتصنيفهم إلى مسلم منصف في المفهوم الرباني ومقتضياته، وظالم في ذلك، ترغب هذه الآية بصيغة إغرائية للخير، بأنهم لو التزموا نهج الصراط المستقيم، واعتدلوا في خط الحق لأتتهم الدنيا بكثرة رزقها، وعبر عن الرزق الوفير في الآية بالماء؛ لأنه أخص خصوص الرزق، وكل هذا الرزق سببه الاختبار في هذه الدنيا؛ وهنا يأتي الترهيب الواضح لمن عدل عن الاستقامة، فاعترض طريق الحق، فإنه يسلك هذه الطريق بمزيد من العذاب الذي لا يتوقف 20.

ثالثًا: أسلوب التأكيد والتنكير:

ومثال ذلك قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى:52] .

تبين هذه الآية أن قدرة الله تعالى تظهر أيضًا بوحي الله تعالى إليك أيها النبي برسالة القرآن، الذي يصفه بأنه روح من أمر الله تعالى.

ثم يبين الله تعالى نعمته على نبيه صلى الله عليه وسلم بأنه لولا فضله جل جلاله لما علم عن القرآن والإيمان شيئًا، ولكن الله تعالى جعل من هذا القرآن وهذا الإيمان نورًا يستضاء به.

رابعًا: أسلوب ضرب المثل:

وهو ما يظهر واضحًا في قوله تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} [الأنعام:125 - 126] .

من يرد الله تعالى هدايته إلى الإيمان يقذف في قلبه النور؛ فينفسح القلب ويعمر بالإيمان، ومن كان غير ذلك ويريد أن يبقى على الضلالة، وينحرف عن الاستقامة التي هي سبيل النجاة، فإن هذه الذنوب تجعل-بتقدير الله تعالى وحده- هذا القلب ضيقًا ليس للخير فيه منفذ، وهكذا فإن الله تعالى يجعل عليهم بشؤم ذنوبهم النجاسة العظيمة، فهم سيئوا التصرف؛ لأنهم غير مسلمين؛ فكما لا يستطيع ابن آدم أن يبلغ السماء، فكذلك لا يقدر على أن يدخل التوحيد والإيمان قلبه حتى يدخله الله في قلبه 21.

من المعلوم أن أولى الناس التزامًا بالاستقامة هم الأنبياء عليهم السلام؛ إذ إنهم يمتازون عن البشر بعلو كعبهم في الصبر وتحمل المشاق لأجل الدعوة، ومن ثم طلب رضا الله تعالى.

ولذلك فإن القرآن الكريم قد بين أن الأنبياء مأمورون بالاستقامة، التي هي سبيل النجاة من عذاب الله تعالى، وذلك من خلال أربعة نماذج، وهم: سيدنا إبراهيم صلى الله عليه وسلم، وسيدانا موسى وهارون عليهما السلام، وسيدنا عيسى صلى الله عليه وسلم، وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

وقد اختلفت صيغة الأمر بالاستقامة للأنبياء عليهم السلام، فنجد ما يلي:

منها ما يأتي بصيغة الأمر المباشر من الله تعالى بالاستقامة، كما في نموذج سيدينا موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام.

ومنها ما يأتي من خلال بيان ثمرة الالتزام بأمر الله تعالى؛ فهي الهداية إلى صراط الله المستقيم، كما في نموذج سيدنا إبراهيم صلى الله عليه وسلم.

ومنها ما يأتي بصيغة الأمر للمؤمنين بعبادة الله تعالى وحده، وبأن من فعل ذلك فقد هدي إلى صراطٍ مستقيم، وهو منهج الإسلام العظيم، كما في نموذج سيدنا عيسى عليه السلام.

ومنها ما يأتي بصيغة الأمر المباشر للنبي، ومن ثم لمن تاب من أمته من الشرك وأخلص لله تعالى بالتوحيد، بعد بيان نماذج كثيرة من أحوال السابقين، كما في نموذج سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

أولًا: الاستقامة في قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام:

قال تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} [النحل:120 - 122] .

تذكر هذه الآيات نموذجًا مثاليًا في الاستقامة الحقة؛ حيث إنه عليه السلام كان معلم خير، يأتم به أهل الحق والهدى، فهو مطيعٌ لله تعالى على الحنيفية، ليس من المشركين بالله تعالى، كان يخلص الشكر لله جل جلاله ولنعمه الجمة، وقد اصطفاه الله تعالى واختاره لخلته، وهداه إلى الدين الإسلامي القويم، وجزاءً لما بدر منه من عبادات ترضي الله تعالى، آتاه الله عز وجل في هذه الدنيا ذكرًا حسنًا، وثناءً جميلًا باقيًا على الأيام، وإنه في الدار الآخرة يوم القيامة ممن صلح أمره وشأنه عند الله، وحسنت فيها منزلته وكرامته 22.

وإن سيدنا إبراهيم عليه السلام مثال الاستقامة الحقة؛ بل إن من تشريف الله تعالى له أن جعله أبًا للاستقامة، إن كانت تعني الإسلام، فهو أبو المسلمين بنص القرآن، كما قال تعالى: {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [الحج:78] .

ومن يستقم على الدين، ويلتزم حقيقته فإنه يفلح في الدنيا والآخرة، وهو ما توضحه الآية الثانية والعشرون بعد المائة من سورة النحل.

ومن يطلب الصلاح والاستقامة يهده الله تعالى لها، كما في قوله تعالى: {اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [النحل:121] .

ثانيًا: الاستقامة في قصة موسى وهارون عليهما السلام:

قال تعالى: {وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [يونس:88 - 89] .

تذكر هذه الآية دعاء سيدينا موسى وهارون عليهما السلام من خلال مقولة الرجاء من سيدنا موسى عليه السلام لربه سبحانه وتعالى - بعد ما زاد فرعون وقومه من طغيانهم-: ربنا إن عطاءك اللامحدود الذي أعطيته لفرعون وقومه من خير كثير، ربنا إن هذا الأمر وجه لأجل الضلال، ربنا اطمس على أموالهم، فمسخت دنانيرهم ودراهمهم وزروعهم حجارةً، واشدد على قلوبهم بالضلالة، فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الكثير المؤلم، فحيل بينهم وبين أن يؤمنوا.

وقد كان هارون عليه السلام يؤمن من وراء موسى عليه السلام، ولذلك فإن الله تعالى أجاب دعوتهما مرتبطًا ذلك بالأمر لهما بالاستقامة، وهي الاتزان في لزومها سيما بعدم اتباع طريق الذين لا يعلمون 23.

وتبين هذه الآية أن الله تعالى يهدي من يستحق النصر والتمكين أمثال سيدينا موسى وهارون عليهما السلام إلى الدعاء والرجاء بتذلل وانكسار إليه عز وجل، ثم تبين الآية التالية أن الله تعالى أمر بالاستقامة التي هي أصل الاعتدال؛ لأجل عدم الميل إلى الجهلة، الذين لا يعلمون حقيقة الدين القويم.

ثالثًا: الاستقامة في قصة سيدنا عيسى ابن مريم عليه السلام:

قال تعالى: {ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} [مريم:34 - 36] .

بينة الآيات الكريمات أن قضية التوحيد ونفي الولد عنه سبحانه وتعالى من قضايا العقيدة الأساسية، ويترتب على ذلك إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له. وهذا هو المنهج المستقيم الذي لا اعوجاج فيه.

رابعًا: الاستقامة في قصة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم:

قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [هود:110 - 112] .

تذكر الآية العاشرة بعد المائة من سورة هود جملةً من أساليب التوكيد أن الله تعالى آتى سيدنا موسى عليه السلام التوراة وما فيها من أحكام فاختلف الناس فيها من مصدقٍ إلى مكذب، ولولا أن الله تعالى أخر على هذه الأمة عقاب من يكذبك يا محمد صلى الله عليه وسلم لجاءهم العذاب بعجلٍ بقضاء الله تعالى، وإنهم لفي شكٍ منه موقع للريب.

وتذكر الآية التالية أن كل من ذكرهم الله تعالى من قصص البشر والخلق في هذه السورة وغيرها، والله ليوفينهم ربك أعمالهم، فإن من صفاته أنه خبير بكل ما يعمل هؤلاء الخلق إن كان خيرًا أو غير ذلك.

ثم يأتي الأمر الرباني المباشر من الله تعالى لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بالاستقامة بعد بيان حال الخلق عمومًا كما ذكر القرآن؛ لأن الملجأ الحقيقي للنجاة من غضب الله تعالى هو الاستقامة الحقة، وذلك بالتخلي عن الباطل، والتحلي باتباع المنهج المستقيم الذي يتمثل في الإسلام العظيم، وليس الأمر لك يا محمد صلى الله عليه وسلم فحسب؛ بل إن الأمر بالاستقامة ينسحب على من تاب معك من المؤمنين الذين أنابوا إلى بارئهم عز وجل.

ثم جاء التحذير الإلهي لنبي الله تعالى ولجميع من تاب بعدم مجاوزة الحد الذي يحرفكم عن المسار الصحيح، وهو التوحيد الخالص الصافي من الشك والريب، وذلك عين الاستقامة الحقة، فإن من عمل بالحق أو الباطل فالله تعالى بصير بذلك، فيجازي بفضله أو بعدله 24.

وقد ورد الأمر بالاستقامة لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ولقومه بعد بيان قصص مجموعة من الأنبياء عليهم السلام؛ لما في ذلك مزيد عبرة.

وربط قصة سيدنا موسى صلى الله عليه وسلم واختلاف الناس في التصديق أو التكذيب بتأخير العذاب على هذه الأمة لما في ذلك من تخصيص هذه الأمة بالخيرية أكثر من غيرها حتى بني إسرائيل الذين فضلوا على عالمي زمانهم بمتاع زائل، وأمة محمد صلى الله عليه وسلم تكتسب خيريتها من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله.

قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [آل عمران:110] .

وهذا النص القرآني مفعمٌ بأساليب التوكيد؛ لما يدلل على أهمية الأمر بالاستقامة، وأن الوصول إليها يحتاج إلى طلب العون من الله تعالى وحده.

إن الاستقامة سمة النبيين ودأب الصالحين، وإنها وسيلة للنجاة من غضب الله تعالى، وبالتالي عذابه، وإن المسلم الحق هو الذي يسلم من الشوائب المبعدة عن الحق، ويتحلى بصفة الاعتدال التي هي في حقيقتها استقامة.

وسبل الاستقامة يمكن تلخيصها في النقاط الآتية:

أولًا: الإيمان بالله تعالى والإخلاص له:

قال تعالى: {لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الحج:53 - 54] .

بعد أن ذكرت الآية السابقة ما حكم به عز وجل من تمكين الشيطان من إلقاء الشبه، ذكرت الآية الثالثة والخمسون من السورة العلة من إلقاء الشبه في قلوب أوليائه، وهي جعل إلقائه لهذه الشبه امتحانًا واختبارًا لمن انزلق عن حد الاعتدال والاستقامة وهم المنافقون، ومن قسا قلبه عن فهم الآيات فصارت حجريةً، ثم تذيل الآية بجملة تقريرية لحقيقةٍ، ألا وهي أن الظالمين الذين وضعوا أقوالهم وأفعالهم في غير مواضعها لفي خلاف بسبب أنهم في غير شق حزب الله تعالى.

وإن جميع هذه العوامل الإيمانية تجعل منة الهداية الإلهية لهؤلاء المؤمنين - الذين أثبتوا قلبًا وقولًا وعملًا على صدق إيمانهم- موصلةً إلى طريق الاستقامة الحقة، المنجية من غضب الله تعالى وعذابه، سيما وأنها تعني لزوم الإسلام العظيم 25.

والوصول إلى الاستقامة منة من الله تعالى، فإذا أحسنت التوجه إلى الله تعالى، وآمنت به فإن الله تعالى يهديك إلى الاستقامة الحقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت