فمن باب حرص الصحابة رضي الله عنهم على مخالفة أفعال المشركين في الجاهلية، وألا يتشبهوا بهم في عباداتهم، تحرج بعضهم من السعي بين الصفا والمروة، فأنزل الله تعالى ما يدفع هذا الحرج. وكان بالصفا والمروة صنمان إساف ونائلة، وقيل: إنهما رجل وامرأة زانيان، مسخهما الله تعالى فنصبا على الصفا والمروة ليتعظ بهما الناس، ثم نحر قصي بن كلاب عندهما وأمر بعبادتهما، فلما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة كسرهما كراهية لذينك الصنمين، والسعي بينهما، وكان ذلك سنة في آبائهم 73.
ثالثًا: الصيام.
وفي باب الصيام، وجدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوضح لنا مخالفة اليهود والنصارى في صيامهم. ففي مجال الترغيب في تعجيل الفطر، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا يزال الدين ظاهرًا ما عجل الناس الفطر، إن اليهود والنصارى يؤخرون) 74. قال الطيبي: «في هذا التعليل دليل على أن قوام الدين الحنيفي على مخالفة الأعداء من أهل الكتاب وأن في موافقتهم تلفًا للدين» 75.
وفي مجال مخالفة اليهود والنصارى في كيفية صيام يوم عاشوراء: روى مسلم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما يقول حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى. فقال: (فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع) 76.
فحينما أخبر صلى الله عليه وسلم بتعظيم أهل الكتاب ليوم عاشوراء، أضاف لصيامه التاسع؛ وذلك تركًا لمشابهتهم، وأمرًا بمخالفتهم.
أمر الله تعالى كل رسول بتشريع يناسب قومه وحالهم، موصيًا إياهم بإقامته، فقال الله سبحانه: (شرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى? بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى? وَعِيسَى? ? أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) [الشورى: 13] .
إلا أن المشركين ردوا شرع الله تعالى، زاعمين أنهم أهل للتشريع والتحليل والتحريم؛ فضلوا وأضلوا.
قال الله تعالى: (كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ) [الشورى: 13] .
ولقد ذكر الله تعالى قضية التحليل والتحريم في سور كثيرة -كانت الأنعام المكية والمائدة المدنية في مقدمتها- وربطها بالعقيدة، ليبين لنا أنه لا يمكن أن تكتمل دائرة الإيمان إلا بالعقيدة والشريعة معًا.
فأهل الجاهلية إن قيل لهم: اتبعوا شرع الله في الأنعام، قالوا: بل نتبع ما ألفينا عليه الآباء.
يقول الله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ?) [البقرة: 170] نزلت في قبائل عربية حرموا على أنفسهم من الحرث والأنعام والبحيرة 77 والسائبة 78 والوصيلة 79 والحام 80 81.
والآية السابقة جاءت بعد نداء الله للناس بأكل الحلال الطيب من الأرض والنهي عن اتباع خطوات الشيطان 82.
وجاء السياق بعدها يأمر المؤمنين بالأكل من طيبات ما رزقهم الله، ويبين لهم المحرمات الأربعة من المأكولات 83.
ويؤيد هذا قول الله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى? مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ? أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ) [المائدة: 104] .
فهذه الآية جاءت بعد آية 84 تنفي تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة التي كانت الجاهلية تصنع منها جزءًا من تشريعها.
فإذا دعي الكفار لاتباع ما أحل الله، واجتناب ما حرم قالوا مستكبرين: بل نتبع شرع آبائنا، فنحل ما أحلوا، ونحرم ما حرموا، فهم لنا سلف في التشريع، ونحن لهم خلف في التقليد. وهذا يظهر تغلغل التبعية للآباء في صدور المدعوين للإسلام، فحتى لو لم يكن الآباء يعقلون من أمر التحليل والتحريم شيئًا، وليس عندهم علم بما أحلوا وما حرموا، ولا عندهم كتاب اهتدوا من خلاله للتحريم والتحليل، فهم يتبعونهم في ذلك. وهذا عناد شديد وغلظة وجفوة وشدة في الصد عن دين الله تعالى.
وأراد قوم من الصحابة رضي الله عنهم أن يوجدوا تشريعًا لهم من عند أنفسهم، تشبهًا بالنصارى وذلك بتحريم بعض الطيبات من النساء والطعام كما يفعل القسيسون والرهبان، واتفقوا على صيام النهار، وقيام الليل، ولا يأكلوا اللحم ولا الودك ولا يقربوا النساء والطيب، وأن يلبسوا المسوح، ويترهبوا، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنهاهم عن ذلك، ونهاهم عن التشبه بالقسيسين والرهبان. وبين أن تشددهم كان سببًا لهلاكهم، فأنزل الله تعالى قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ? إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) [المائدة: 87] 85.
فالصحابة أرادوا تحريم طيبات أحلت لهم؛ فكان النهي عن ذلك، وسماه الله اعتداءً، فهذا ليس لهم ولا للبشر. وقد عد الله تعالى طاعة الجاهليات التي تتواصى بمجادلتنا في شرع ربنا شركًا، فقال الله سبحانه: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ? وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى? أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ ? وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) [الأنعام: 121] .
والاعتداء على التشريع، لا يقتصر على تحريم طيبات أحلت، وتحليل خبائث حرمت. فالقضية قضية مبدأ، ولمن يكون التشريع في الأمور كلها، هل يكون لله وحده سبحانه؟ أم يكون للبشر؟ وبناءً عليه وجدنا الأحبار والرهبان نصبوا من أنفسهم آلهة لها الحق في التشريع بما تهوى أنفسهم، فكان لهم أتباع اتخذوهم أربابًا من دون الله.
يقول الله تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ) [التوبة: 31] .
روى الترمذي عن عدي ابن حاتم قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: (يا عدي اطرح عنك هذا الوثن، وسمعته يقرأ في سورة براءة:(اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) قال: أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئًا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئًا حرموه) 86.
وكان على شاكلة هؤلاء، العرب الذين جاءهم عمرو بن لحي بتشريع جديد، غير فيه دين إبراهيم عليه السلام، فاتبعه جهلة العرب يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (رأيت عمرو بن عامر بن لحي الخزاعي يجر قصبه في النار، وكان أول من سيب السوائب) 87.
فهناك المشرعون في الأرض من دون الله، ولهم أتباع يأخذون بتشريعهم. فحق الحاكمية المطلقة-كما يبين سيد قطب- لله وحده، والبشر مجردون من مزاولة هذا المبدأ في أي صورة من الصور. وحينها تكون الصغيرة كالكبيرة، ولا يهم أن يكون الأمر أمر ذبيحة، أو أمر دولة، فهذه كتلك من ناحية المبدأ 88.
ولقد أخبرنا القرآن العظيم عن تشريعات أهل الكتاب وأهل الجاهلية المخالفة لشريعة الله تعالى، من رفض لحكم الله تعالى سواءٌ في النظام الاجتماعي، أم النظام الاقتصادي، أم نظام العقوبات، أم غيرها من النظم. وتوالت الجاهليات في ذلك مستبدلة تشريع الله تعالى بتشريعها، تاركة كتاب ربها وراءها ظهريًا، وشرعت ما لم يأذن به الله.
فقد روى مسلم عن البراء بن عازب قال: (مر على النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي محممًا مجلودًا، فدعاهم صلى الله عليه وسلم فقال: هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قالوا: نعم. فدعا رجلًا من علمائهم فقال: أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك. نجده الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، وكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد. قلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه. فأمر به فرجم، فأنزل الله عز وجل:(يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ) الى قوله (إِنْ أُوتِيتُمْ هَ?ذَا فَخُذُوهُ) [المائدة: 41] .
يقول: ائتوا محمدًا صلى الله عليه وسلم فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا 89.
فاليهود شرعوا التحميم والجلد على الزاني المحصن بدل الرجم مخالفين بذلك تعاليم التوراة. والحديث يبين لنا أن اليهود كثر في أشرافهم الزنا، وعز عليهم أن يقيموا عليهم الحد، فغير الأحبار شرع الله تعالى من الرجم إلى الجلد والفضيحة والتحميم. ولقد حاول بعض الصحابة رضي الله عنهم أن يفعلوا فعل اليهود بتغيير حد السرقة في المرأة المخزومية التي سرقت، لأنها من قبيلة لها اعتبارها وشأنها، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم، مبينًا لهم أن عدم إقامة الحد على الشرفاء وعلية القوم، وإقامته على الضعفاء فقط، ديدن الأمم السابقة، وكان هذا سببًا في هلاكهم.
فقد روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها: أن قريشًا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: ومن يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة ابن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلمه أسامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتشفع في حد من حدود الله) . ثم قام فاختطب، ثم قال: (إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) 90.
وهذا التحاكم المذموم حسب الأهواء صفة المنافقين إخوة اليهود في الأخلاق، فقد أخبر الله تعالى عنهم فقال: (وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ?47? وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ) [النور: 47 - 48] .
وهذا ينطبق على ساسة الأمة اليوم في عدم قبول حكم الله تعالى واستبدالهم إياه بحكم الطاغوت. فقانون البشر الوضعي هو المطبق في حياة الأمة الإسلامية، بدل الشريعة الإسلامية. ففي الناحية الاجتماعية، تجد خروج المرأة كاشفة عن مفاتن جسمها، أمر يحفظه القانون! واتخاذ الخليلات حرية شخصية لا يجوز التعرض لها، فالقانون يكفله! ولم نر حالة رجم أو جلد لزانٍ- وما أكثرهم- بل هي حرية شخصية لا يعاقب عليها القانون، بل يحميها!. وفي المجال الاقتصادي تجد التعامل بالربا عنوان غالبية البنوك في طول بلاد المسلمين وعرضها. وفي مجال العقوبات لم نر أي قطع يد للسارق- وما أكثرهم-، بل يسجنون شهورًا أو قليلًا من السنين، ثم يخرجون محترفين أكثر، هذا إن كان من العامة، أما علية القوم، فمعفو عنهم، مبرر لهم. ولم تكن هناك حالة قصاص لقاتل عمدًا، بل يقتل من لا ناقة له ولا جملًا من أقربائه. وهكذا نجد أن حياتنا يحكمها الحكم الذي قلد الطاغوت العلماني الغربي، لا بحكم الله تعالى. (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ? وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [المائدة: 50] .
بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم ليتمم مكارم الأخلاق، ووصف الله عز وجل خلقه فقال: وَإِنَّكَ لَعَلَى? خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم: 4] .
ومكارم الأخلاق جاءت الأنبياء عليهم السلام لتبثها في الناس، ناهية في الوقت ذاته عن سيئها. وجاء القرآن الكريم ليحذر المؤمنين من التشبه بأخلاق أهل الكتاب والمنافقين والمشركين. ومن هنا سيكون تحت هذا المسألة العناوين الآتية:
تحدث القرآن الكريم كثيرًا عن أهل الكتاب، مبينًا للمسلمين صفاتهم وأخلاقهم السيئة، ليكونوا على بينة من دينهم، وليحذروا هذه الصفات؛ حتى لا يصيبهم ما أصابهم. ومن صفات أهل الكتاب التي حذر القرآن المؤمنين منها: قسوة القلب، وقلة الأدب مع الرسل عليهم السلام، وإيذاء الأنبياء عليهم السلام، والتفرق والاختلاف.
فقسوة القلب نتيجة طبيعية لاقتراف المعاصي، والقلوب القاسية توعدها الله تعالى بالويل، فقال سبحانه: (فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ ?) [الزمر: 22] .
ولقد اتصف أهل الكتاب بهذه الصفة- وخاصة اليهود- حينما طال عليهم الأمد؛ فلما كان الأمر كذلك نهى الله تعالى المؤمنين عن مشابهتهم في هذه الصفة الذميمة، وأمرهم بطاعته والخشوع لذكره، فقال الله سبحانه: (ے ے ? ? أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ? وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) [الحديد: 16] .
وسبب نزولها: أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا قد أصابوا من العيش ما أصابوا بعد ما كان بهم القحط والجهد، ففتروا عن بعض ما كانوا عليهم من الطاعة. أو أنهم أخذوا رضي الله عنهم في المزاح فنزلت 91.
والآية تنهى المؤمنين أن يسلكوا طريق أهل الكتاب في الانغماس في الشهوات ومتابعة الملذات؛ فتكون النتيجة قسوة قلوبهم، كما قست قلوب أهل الكتاب. والناظر اليوم لأمة الإسلام يجد هذه الصفة الذميمة موجودة في كثير من أبناء الأمة، لكثرة الذنوب، لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا. فشابهنا اليهود في حب الدنيا فكثرت الذنوب، فكانت النتيجة تشابهًا في قسوة القوب.
ومن أخلاق اليهود التي نهانا الله تعالى عن التخلق بها، قلة الأدب مع الأنبياء وإيذاؤهم. فنهى الله تعالى المؤمنين عن التشبه باليهود في قلة التأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم حيث يقول الله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ? وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [البقرة: 104] .
وسبب نزولها- كما ذكر السيوطي- أنه: كان رجلان من اليهود: مالك بن الصيف، ورفاعة بن زيد إذا لقيا النبي صلى الله عليه وسلم قالا وهم يكلمانه: راعنا سمعك واسمع غير مسمع، فظن المسلمون أن هذا الشيء كان أهل الكتاب يعظمون به أنبياءهم، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فأنزل الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا) 92.
وكلمة راعنا سب بلغة اليهود يورون عنها بالرعونة، وكان المسلمون يقولونها ظنًا منهم أن الأنبياء تفخم بها، فكره الله تعالى للمؤمنين أن يقولوه لنبيهم ذلك؛ سدًا للذريعة، ونهيًا عن تقليد اليهود في قصدهم. فالله تعالى نهى المؤمنين عن التشبه باليهود في أقوالهم وكيفية مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم. وكانت اليهود لهم كلمة عبرانية يتسابون بها تشبه كلمة (راعنا) وهي (راعينا) ومعناها: اسمع لا سمعت، أو أنت راعي غنمنا، وكان المؤمنون يقولون للرسول صلى الله عليه وسلم إذا حدثهم بحديث: راعنا يا رسول الله، أي: راقبنا وانظرنا حتى نفهم كلامك ونحفظه، فتلقفها اليهود لموافقتها الكلمة السيئة عندهم، وأخذوا يلوون بها ألسنتهم، إساءة للنبي صلى الله عليه وسلم موهمين أنهم يريدون الانتظار، فنهى الله عز وجل المؤمنين عن هذه الكلمة، حتى لا يتخذها اليهود وسيلة الى إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم، وكرهها لهم 93.
ولقد حاكى اليهود الذين عاصروا النبي صلى الله عليه وسلم، أسلافهم في إيذاء الأنبياء عليهم السلام. فقد آذوا الأنبياء بالقتل والتعنت والصلف، وعدم طاعتهم، وعلى رأس هؤلاء الأنبياء الذين تعرضوا لإيذاء اليهود سيدنا موسى عليه السلام، فقال الله سبحانه مخبرًا عن هذا الإيذاء: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى? لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ ? فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ? وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَا) [الصف: 5] .
ومن إيذاء اليهود لموسى عليه السلام ما رواه البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عليه وسلم: (إن موسى كان رجلًا حييًا ستيرًا لا يرى من جلده شيء؛ استحياء منه. فآذاه من آذاه من بني إسرائيل فقالوا: ما يستتر هذا التستر إلا من عيب بجلده، إما برص وإما أدرة 94 وإما آفة، وإن الله أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى، فخلا يومًا وحده فوضع ثيابه على الحجر ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها وإن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر فجعل يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر حتى انتهى إلى ملأ من بني اسرائيل، فرأوه عريانًا أحسن ما خلق الله وأبرأه مما يقولون ... فذلك قول الله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى? فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا ? وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا ) ) 95.
فجاء القرآن الكريم ناهيًا المؤمنين أن يفعلوا فعل اليهود بإيذاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى? فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا ? وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهً) [الأحزاب: 69] .
فالله تعالى ينهى كل مؤمن أن يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم بقول يكرهه، أو بفعل لا يحبه، ونهاهم أن يكونوا أشباه الذين آذوا موسى عليه السلام.
وقد وقع الخلاف فيما أوذي به النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزلت هذه الآية، فبين النقاش: أن إيذاءهم للنبي صلى الله عليه وسلم بقولهم: زيد بن محمد. وقيل: نزلت في شأن زيد بن حارثة وزينب بنت جحش، وما سمع فيه من قالة بعض الناس، أو إيذاءه في اتهام زوجته الطاهرة عائشة رضي الله عنها بالفاحشة من قبل أصحاب الإفك، وقول بعضهم وقد قسم مالًا: اعدل فينا يا رسول الله. فقال له: ويحك إذا لم أعدل أنا فمن يعدل؟ وكان يقول: يرحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر 96.
فالله تعالى ينادي مؤمني هذه الأمة ناهيًا إياهم عن إيذاء نبيهم بأدنى أذى، ولا يكونوا كبني إسرائيل الذين آذوا موسى في غير موطن.
ومن الذين حاكى اليهود في إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم، المنافقون إذ طعنوا في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فاتهموها بالفاحشة.
حيث أنزل الله تعالى في رأس النفاق عبد الله بن أبي بن سلول وأناس معه قذفوا عائشة، قوله سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا) [الأحزاب: 57] 97.
فنحن نرى أن سورة الأحزاب، تتحدث عن إيذاء المنافقين للنبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك عن إيذاء اليهود لموسى عليه السلام، ونهينا عن التأسي بالفريقين. ومعلوم أن المنافقين إخوان اليهود في أخلاق السوء، بنص القرآن: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ) [الحشر: 11] .
وتتوالى الأنفس المريضة الكافرة في إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم، متبعًا اللاحق منها السابق، سواء بالاعتداء على شخصه أو أتباعه المؤمنين، أم بالافتراء والكذب عليه بوضع الحديث. ويتداول خلق الإيذاء هذا أناس، منهم المشركون ومنهم اليهود ومنهم المنافقون، حتى العصر الحديث. ففي العهد المكي: كان من أوائل من آذوه عمه أبو لهب وزوجته حمالة الحطب. وألقى الشقي عقبة بن أبي معيط سلا الجزور على ظهره صلى الله عليه وسلم. وفي العهد المدني آذاه اليهود بالقول والفعل، فقد كان اليهودي كعب بن الأشرف يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم بشعره، وحاول يهود بني النضير إيذاءه بالقتل. ويتوالى الإيذاء في العهد الأموي، حيث وصف النصراني الحاقد يوحنا الدمشقي الرسول صلى الله عليه وسلم باستغلاله الدين لمصالحه الشخصية. ويتبع مرضى العصر الحديث أسلافهم المرضى في إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم، ويشابه هذا الإيذاء، ما كان من صحيفة بلاند بوستن. وكذلك ما كان من فيلم الإساءة للنبي صلى الله عليه وسلم والذي عرض في أمريكا.
إن الإيذاء للرسول صلى الله عليه وسلم ولدينه، تتشابه فيه فئات من الناس على اختلاف ألوان مللهم، وعلى توالي الزمان، ونسمع من المسلمين- وللأسف- شتمه للنبي صلى الله عليه وسلم. ومنهم من لا يتأدب عند رواية أحاديثه، ولا عند مناقشتها، ولا عند رؤية من يلتزم بسنته صلى الله عليه وسلم، وهذا كله من الإيذاء.
ومن أخلاق السوء التي نهانا الله عن امتثالها، وعن فعلها كما فعلها أهل الكتاب: التفرق والاختلاف والتشرذم.
يقول الله تعالى: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ? وَأُولَ?ئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [آل عمران: 105] .
أي: لا تكونوا يا معشر المؤمنين كأهل الكتاب الذين تفرقوا واختلفوا في دين الله تعالى، وخالفوا أمره، من بعد ما جاءهم البينات. فلا تفعلوا فعلهم، وتستنوا سنتهم 98.
وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم تفرق اليهود والنصارى وتفرق أمة الإسلام في حديث واحد، حيث قال: (تفرقت اليهود على إحدى وسبعين أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة) 99.
وفي هذا دلالة على وقوع التفرق والاختلاف في الأمة كما وقع في أهل الكتاب.
ويحذرنا الله عز وجل في آيات أخرى من مشابهة أهل الكتاب في التفرق، فيقول سبحانه وتعالى: (مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ?31? مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) [الروم: 31 - 32] .
وأوحى الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم، أن يتبرأ من الذين تفرقوا في دينهم، وأصبحوا شيعًا وأحزابًا. والتبرؤ يقتضي المخالفة، وترك المشابهة بأفعالهم وتفرقهم. فقال الله سبحانه وتعالى: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ?) [الأنعام: 159] .
ومن كرامة هذه الأمة على الله تعالى، أن يأمرهم بما أمر به أولي العزم من الرسل، وينهاها عما نهاهم عنه، فقال الله سبحانه: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى? بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى? وَعِيسَى? ? أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) [الشورى: 13] .
وهذا فيه حث لهذه الأمة أن تسلك سبيل صفوة الصفوة من الخلق وهم أولوا العزم وتلتزم بصفاتها، وألا يسلكوا سبيل من اتبع غير سبيل المؤمنين.