فهرس الكتاب

الصفحة 1556 من 2431

ولا جرم أن الله تعالى خص الشريعة الإسلامية بوصف الرحمة الكاملة، وقد أشار إلى ذلك قوله تعالى فيما حكاه خطابًا منه لموسى عليه السلام: (? ٹ ٹ ٹٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأعراف: 156 - 157] .

ففي قوله: (ٹ ٹ ٹ) إشارة إلى أن المراد رحمة هي عامة، فامتازت شريعة الإسلام بأن الرحمة ملازمة للناس في سائر أحوالهم، وأنها حاصلة بها لجميع الناس لا لأمة خاصة.

فأقيمت شريعة الإسلام على دعائم الرحمة والرفق واليسر، قال تعالى: (ھ ھ ھ ھ ے ے ) [الحج: 78] .

وقال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 185] .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (بعثت بالحنيفية السمحة) 135.

وما يتخيل من شدة في نحو القصاص والحدود، فإنما هو لمراعاة تعارض الرحمة والمشقة، كما أشار إليه قوله تعالى: (? ? ? ?) فالقصاص والحدود شدة على الجناة ورحمة ببقية الناس.

وأما رحمة الإسلام بالأمم غير المسلمين فإنما نعني به رحمته بالأمم الداخلة تحت سلطانه وهم أهل الذمة، ورحمته بهم عدم إكراههم على مفارقة أديانهم، وإجراء العدل بينهم في الأحكام، بحيث لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم في الحقوق العامة.

هذا وإن أريد بلفظة: (گ) في قوله تعالى: (گ گ گ) [الأنبياء: 107] النوع من أنواع المخلوقات ذات الحياة، فإن الشريعة تتعلق بأحوال الحيوان في معاملة الإنسان إياه وانتفاعه به، إذ هو مخلوق لأجل الإنسان.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 29] .

وقال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ?) [النحل: 6 - 7] .

وكل ما سبق ذكره من تقسيمات مقاصد وتفريعاتها المختلفة، تخدم جوانب الحياة المختلفة، سواء في مجال الضروريات أو الحاجيات أو التحسينات.

وأكتفي هنا بالإشارة إلى الضروريات الخمس، وما جاء في القرآن الكريم بشأنها من النصوص على هذا النحو:

الأول: حفظ الدين.

حيث شرع الله لإقامته العبادات، وشرع لحفظه الجهاد وعقوبة المرتد، وزجر من يفسد على الناس عقيدتهم 136.

الثاني: حفظ النفس.

شرع الله لإيجادها النكاح، وشرع لحفظها القصاص على من يعتدي عليها، وتحريم إلقاء النفس في التهلكة، ولزوم دفع الضرر عنها 137.

قال تعالى: (ژ ژ ڑ ڑ ک ک کک) [البقرة: 178] .

وقال سبحانه: (گ گ ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہہ ہ ھ ھ) [الإسراء: 33] .

وقال الله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 179] .

في هذه الآية تنبيه على الحكمة في شرع القصاص، وإبانة الغرض منه، وخص أولي الألباب مع وجود المعنى في غيرهم؛ لأنهم المنتفعون به 138.

ومن علم أنه يقتل إذا قتل، يكون ذلك رادعًا له وزاجرًا عن القتل، ولو كان الاثنان لا يقتص منهما للواحد، لكان كل من أحب أن يقتل مسلمًا، أخذ واحدًا من أعوانه فقتله معه، فلم يكن هناك رادع عن القتل، وبذلك تضيع حكمة القصاص من أصلها، مع أن المتمالئين على القتل، يصدق على كل واحد منهم أنه قاتل فيقتل، ويدل له أن الجماعة لو قذفوا واحدًا لوجب حد القذف على جميعهم 139.

ولا شك أن هذا من أعدل الطرق وأقومها، ولذلك يشاهد في أقطار الدنيا قديمًا وحديثًا، قلة وقوع القتل في البلاد التي تحكم كتاب الله، لأن القصاص رادع عن جريمة القتل، كما ذكره الله في الآية 140.

وفيه ارتداع الناس عن قتل النفوس، فلو أهمل حكم القصاص لما ارتدع الناس؛ لأن أشد ما تتوقاه نفوس البشر من الحوادث هو الموت 141.

الثالث: حفظ العقل.

حيث شرع الله لحفظه تحريم الخمر وعقوبة شاربها، قال الله تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ?) [المائدة: 90] .

في هذه الآية دليل على وجوب اجتناب الخمر، وقد أخذ بعض العلماء منها أن الخمر نجسة العين، لأن الله تعالى قال: إنها (پ) ، والرجس في كلام العرب: كل مستقذر تعافه النفس.

قالوا: ويدل لهذا مفهوم المخالفة في قوله تعالى في شراب أهل الجنة: (? ? ? ?) [الإنسان: 21] ؛ لأن وصفه لشراب أهل الجنة بأنه طهور يفهم منه، أن خمر الدنيا ليست كذلك، والنزاع الفقهي في هذه المسألة شهير 142.

وقد بينت السنة حد شرب الخمر، وهو ثمانون جلدة مع الحرية وأربعون مع الرق 143.

الرابع: حفظ النسب.

شرع الله لإيجاده الزواج، وشرع لحفظه عقوبة الزنى، وحرمة إجهاض المرأة الحامل إلا لضرورة 144.

قال تعالى: (ژ ژ ڑڑ ک ک ک ک گ) [الإسراء: 32] .

وقال سبحانه: (? ? ? ? ? ? ? ) [النور: 2] .

كما أوجب الله سبحانه العدة صيانة وحفظًا للأنساب.

قال الله تعالى: (? ? چ چ چچ) [البقرة: 228] .

وقال سبحانه: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ) [الطلاق: 4] .

الخامس: حفظ العرض.

حيث شرع الله لحفظه عقوبة الزنى والقذف، قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ?) [النور: 23] .

السادس: حفظ المال.

شرع الله لتحصيله أنواع المعاملات من بيع وشراء وشركة ونحو ذلك، وشرع لحفظه حرمة أكل مال الناس بالباطل، أو إتلافه والحجر على السفيه وتحريم الربا، وعقوبة السرقة 145.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹٹ ? ? ?) [المائدة: 38] .

وقال سبحانه: (? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ) [البقرة: 188] .

وقال تعالى: (ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ) [النساء: 29] .

كما شرع الله تعالى حد الحرابة، وهو حد قطاع الطريق: (چ چ چ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گگ گ گ ? ? ? ? ? ? ں) [المائدة: 33] .

وما تقدم ذكره من ضروريات الشريعة وكلياتها يصب في مصلحة الأمة من النواحي المختلفة، وخصوصًا الناحية السياسية، إذ إن ضبط هذه المصالح والحفاظ عليها هو تحقيق واضح لمقاصد الشريعة بتقسيماتها المختلفة، وأساس من أسس تماسك الأمة ووحدتها، وسلامة أفرادها ومجتمعاتها من العبث والإتلاف، واستبقاء لصورة الأمة قوية قلبًا وقالبًا أمام نفسها وأمام أعدائها.

خامسًا: دفع العدوان:

من أعظم المهام المنوطة بالإمام رعاية الأمة ودفع العدوان عنها، سواء كان العدوان على ثغور المسلمين، أو كف عدوان بعض المسلمين على المسلمين، ويكون ذلك بما يلي:

••تحصين الثغور بالعدة المانعة والقوة الدافعة حتى لا تظفر الأعداء بغرةٍ ينتهكون فيها محرمًا، أو يسفكون فيها لمسلم أو معاهد دمًا 146.

••جهاد من عاند الإسلام بعد الدعوة حتى يسلم، أو يدخل في الذمة ليقام بحق الله تعالى في إظهاره على الدين كله 147.

والعدوان مصدر عدا، بمعنى: اعتدى، وهو نفي عام، أي: لا يؤخذ فرد فرد من أنواعه البتة إلا على من ظلم، ويراد بالعدوان الذي هو الظلم الجزاء 148.

ومن واجبات السياسة في الإسلام دفع العدوان، سواء كان هذا العدوان على بلاد المسلمين، والذي هو جهاد الدفع، أو كان عدونًا من المسلمين بعضهم على بعض.

ومن أمثلة الأول قوله تعالى: (? ? ? ? چ چ چ چ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 193] .

أي: فإن انتهوا عما هم فيه من الشرك، وقتال المؤمنين، فكفوا عنهم، فإن من قاتلهم بعد ذلك فهو ظالم، ولا عدوان إلا على الظالمين، وهذا معنى قول مجاهد: لا يقاتل إلا من قاتل. أو يكون تقديره: فإن انتهوا فقد تخلصوا من الظلم، وهو الشرك، فلا عدوان عليهم بعد ذلك.

والمراد بالعدوان هاهنا: المعاقبة والمقاتلة، كقوله: (ک ک ک ک گ گ گ گ ) [البقرة: 194] .

وقوله: (ھ ھ ے ے?) [الشورى: 40] .

وقوله: (? ? ? ? ? ? ) [النحل: 126] 149.

وقوله: (? ? ? ? ?) إنما ذلك على وجه المجازاة، والمعنى: افعلوا بهم مثل الذي فعلوا بكم، ولا تقاتلوا إلا من قاتلكم 150.

وقوله: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 190] .

في هذه الآية نهي عن الاعتداء، وقد ذكر بعض المفسرين أن الاعتداء على ثلاثة أقوال: الأول: قتال من لم يقاتل. والثاني: أنه قتل النساء والولدان. والثالث: أنه القتال على غير الدين 151. ولا يمنع أن يكون اللفظ شاملًا للأقوال الثلاثة.

وقد يكون الاعتداء بتعدي حدود الله تعالى، فيجب على الإمام حمايتها ورعايتها، والشريعة جاءت بحماية حقوق الناس، ورعايتها لشؤونهم، أيًا كان هذا الاعتداء حتى بين الزوجين.

ومن ذلك قوله تعالى: (? ? ? ) [البقرة: 231] .

صرح تعالى في هذه الآية الكريمة بالنهي عن إمساك المرأة مضارة لها؛ لأجل الاعتداء عليها بأخذه ما أعطاها؛ لأنها إذا طال عليها الإضرار افتدت منه؛ ابتغاء السلامة من ضرره 152.

وقال تعالى: (? ? ? ? ? ?) [النساء: 14] .

والتعدي هو: مجاوزة الحد الذي حده الله فيها، وقد جاء ذلك بعد أحكام المواريث، وذكر أنصباء الوارث، والنظر في أموال الأيتام، وبيان عدد ما يحل من الزوجات، فناسب أن يذكر عقيب هذا كله التعدي، الذي هو مجاوزة ما شرعه الله من هذه الأحكام إلى ما لم يشرعه، وجاء قوله: (? ? ?) عقيب قوله: (ھ ے ے?) [النساء: 12] .

ثم وعد من أطاع بالجنة، وأوعد من عصا وتعدى حدوده بالنار 153، وقال تعالى: (? ? ? ? ) [البقرة: 229] .

في هذه الآية نهي عن استحلال المحرمات، وذلك بالاعتداء على حقوق الناس، وهو أشد الاعتداء، أو على حقوق الله تعالى في أمره ونهيه دون حق الناس، كتناول الخنزير أو الميتة. ويعم الاعتداء في سياق النهي جميع جنسه مما كانت عليه الجاهلية من العدوان، وأعظمه الاعتداء على الضعفاء كالوأد، وأكل مال اليتيم، وعضل الأيامى، وغير ذلك 154.

وقال تعالى: (ھ ھ ھ ے ے ? ?) [البقرة: 178] .

«أي: من تجاوز شرع الله بعد القود، وأخذ الدية بقتل القاتل، بعد سقوط الدم، أو بقتل غير القاتل، وكانوا في الجاهلية يفعلون ذلك، ويقتلون بالواحد الاثنين والثلاثة والعشرة، وقيل: المعنى: من قتل بعد أخذ الدية، وقيل: بعد العفو، وقيل: من أخذ الدية بعد العفو عنها.

والأظهر القول الأول لتقدم العفو، وأخذ المال، والاعتداء وهو: تجاوز الحد، يشمل ذلك كله» 155.

«وهذا تفريع عن حكم العفو؛ لأن العفو يقتضي شكر الله على أن أنجاه بشرع جواز العفو، وبأن سخر الولي للعفو، ومن الشكر ألا يعود إلى الجناية مرة أخرى، فإن عاد فله عذاب أليم، وقد فسر الجمهور العذاب الأليم بعذاب الآخرة» 156.

وقال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ) [المائدة: 2] .

والعدوان هنا إما أن يكون أعم من الإثم، وإما أن يكون نوعًا آخر، وإما أن يكون العدوان في مجاوزة حدود المأمورات، واجبها ومستحبها، ومجاوزة حد المباح، وإما أن يكون في ذلك مجاوزة حد التحريم أيضًا؛ فإنها ثلاثة أمور: مأمور به، ومنهى عنه، ومباح 157.

وقال تعالى: (? ? ? ? ? ژژ) [النساء: 30] .

في هذه الآية نهي عن أن يقتل الرجل غيره، فالضميران فيه على التوزيع، إذ قد علم أن أحدًا لا يقتل نفسه فينهى عن ذلك، وقتل الرجل نفسه داخل في النهي، لأن الله لم يبح للإنسان إتلاف نفسه كما أباح له صرف ماله 158.

يتسم النظام السياسي في القرآن الكريم بسمات عامة، تجعله في منزلة لا يصل إليها أي نظام سياسي آخر في الشرق أو الغرب، ومن أبرز هذه السمات ما يلي:

مصدر الشريعة الإسلامية هو الله تعالى، فهي وحيه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم باللفظ والمعنى وهو القرآن، أو بالمعنى دون اللفظ وهو السنة، فهي بهذا الاعتبار تختلف اختلافًا جوهريًا عن جميع الشرائع الوضعية، لأن مصدر هذه الشرائع البشر، ومصدر الشريعة الإسلامية رب البشر.

وينبني على ذلك أن أحكام النظام السياسي في الإسلام معصومة من التناقض، فهي خالية من معاني الجور والنقص والهوى، لأن صانعها هو الله، والله له الكمال المطلق الذي هو لوازم ذاته، بخلاف القوانين الوضعية التي لا تنفك عن هذه المعاني؛ لأنها صادرة عن الإنسان، والإنسان لا يخلو من معاني الجهل والجور والنقص والهوى وما إلى ذلك.

وكذلك مما ينبني عليها أيضًا أن لأحكام النظام السياسي الإسلامي هيبة واحترامًا في نفوس المؤمنين بها حكامًا كانوا أو محكومين، لأنها صادرة عن الله، ومن ثم فلها صفة الدين. وما له هذه الصفة من حقه أن يحترم ويطاع طاعة اختيارية تنبعث من النفس وتقوم على الإيمان، ولا يقسر عليها الإنسان قسرًا. وفي هذا أعظم ضمان لحسن تطبيق القانون الإسلامي من الجميع، وعدم الخروج عليه، ولو مع القدرة على هذا الخروج 159.

والثوابت في هذه الشريعة من أظهر الأدلة على ربانيتها، وأنها من عند الله عز وجل، حيث إنها لا تقبل التعديل أو التبديل أو التغيير أو التعارض والاختلاف، قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النساء: 82] .

فالقرآن لا يشتمل على كلام يوجب الريبة في أنه من عند الحق رب العالمين، من كلام يناقض بعضه بعضًا، أو كلام يجافي الحقيقة والفضيلة، أو يأمر بارتكاب الشر والفساد، أو يصرف عن الأخلاق الفاضلة، وانتفاء ذلك عنه يقتضي أن ما يشتمل عليه القرآن إذا تدبر فيه المتدبر، وجده مفيدًا اليقين بأنه من عند الله 160.

وقال الفراء: أظن أن القرآن سمي من القرائن، وذلك أن الآيات يصدق بعضها بعضًا 161.

وحيث خلا هذا الكتاب عن التناقض علمنا أنه من عند الله 162.

وقال القرطبي: «إنه ليس من متكلم يتكلم كلامًا كثيرًا إلا وجد في كلامه اختلاف كثير؛ إما في الوصف واللفظ؛ وإما في جودة المعنى، وإما في التناقض، وإما في الكذب. فأنزل الله عز وجل القرآن وأمرهم بتدبره؛ لأنهم لا يجدون فيه اختلافًا في وصف ولا ردًا له في معنى، ولا تناقضًا ولا كذبًا فيما يخبرون به من الغيوب وما يسرون» 163.

وقال سبحانه: (ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النحل: 116] .

أوضحت هذه الآية أن المشرعين غير ما شرعه الله إنما تصف ألسنتهم الكذب، لأجل أن يفتروه على الله، وأنهم لا يفلحون، وأنهم يمتعون قليلًا ثم يعذبون العذاب الأليم، وذلك واضح في بعد صفاتهم من صفات من له أن يحلل ويحرم 164.

أمر الله تعالى في كتابه بجملة من مكارم الأخلاق والفضائل والمحاسن، منها: العدل، والإحسان، وإيتاء ذي القربى، والنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي، والتفضل بالإحسان، والصفح والعفو، والوفاء بالعهد، وعدم نقض الميثاق، والصبر، والأمر بالعمل الصالح، والنهي عن الظلم، والآيات في ذلك أكثر من أن يستوعبها هذا المجال.

ونصوص القرآن العديدة في شأن اليتيم، زادت على العشرين موضعًا 165.

قال تعالى: (? ? ? ? ? چ چ) [الأعراف: 199] .

في هذه الآية أمر بمراعاة مكارم الأخلاق ومداراة الناس، والمعنى: استعمال العفو، وقبول ما سهل من أخلاق الناس، وترك الاستقصاء عليهم في المعاملات، وقبول العذر ونحوه 166. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أثقل شيءٍ في ميزان المؤمن خلقٌ حسنٌ) 167. وروى ابن عمر أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أي المؤمنين أفضل؟ فقال: (أحسنهم خُلُقًا) 168.

وقد جمعت هذه الآية مكارم الأخلاق، لأن فضائل الأخلاق لا تعدو أن تكون عفوًا عن اعتداء، فتدخل في: (? ?) ، أو إغضاء عما لا يلائم فتدخل في: (? چ چ) ، أو فعل خير واتسامًا بفضيلة فتدخل في: (? ?) .

وهذا معنى قول جعفر بن محمد: في هذه الآية أمر الله نبيه بمكارم الأخلاق، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها، وهي صالحة لأن يبين بعضها بعضًا، فان الأمر بأخذ العفو يتقيد بوجوب الأمر بالعرف، وذلك في كل ما لا يقبل العفو والمسامحة من الحقوق، وكذلك الأمر بالعرف يتقيد بأخذ العفو، وذلك بأن يدعو الناس إلى الخير بلين ورفق 169.

فجعل الله تعالى أصل شريعته إكمال ما يحتاجه البشر من مكارم الأخلاق في نفوسهم، ولا شك أن الرسول صلى الله عليه وسلم أكبر مظهر لما في شرعه، قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ?) [الجاثية: 18] . وأمره أن يقول: (? ? ?) [الأنعام: 163] .

فكما جعل الله رسوله صلى الله عليه وسلم على خلق عظيم، جعل شريعته لحمل الناس على التخلق بالخلق العظيم بمنتهى الاستطاعة. وبهذا يزداد وضوحًا معنى التمكن الذي أفاده حرف الاستعلاء في قوله: (? ? ? ں) [القلم: 4] .

فهو متمكن منه الخلق العظيم في نفسه، ومتمكن منه في دعوته الدينية 170.

قال القرطبي: تضمنت هذه الآية قواعد الشريعة في المأمورات والمنهيات، فقوله: (? ?) دخل فيه صلة القاطعين، والعفو عن المذنبين، والرفق بالمؤمنين، وغير ذلك من أخلاق المطيعين. ودخل في قوله: (? ?) صلة الأرحام، وتقوى الله في الحلال والحرام، وغض الأبصار، والاستعداد لدار القرار. وفي قوله: (? چ چ) الحض على التعلق بالعلم، والإعراض عن أهل الظلم، والتنزه عن منازعة السفهاء، ومساواة الجهلة الأغبياء، وغير ذلك من الأخلاق الحميدة والأفعال الرشيدة 171.

وقال سبحانه: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ?) [الحجرات: 12] .

وقال سبحانه: (ژ ژ ڑ ڑ کک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ?) [فصلت: 34] .

«لبيان ما في ذلك الأمر من الصلاح ترويضًا على التخلق بذلك الخلق الكريم، وهو أن تكون النفس مصدرًا للإحسان، ولما كانت الآثار الصالحة تدل على صلاح مثارها. وأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالدفع بالتي هي أحسن، أردفه بذكر بعض محاسنه، وهو: أن يصير العدو كالصديق، وحسن ذلك ظاهر مقبول، فلا جرم أن يدل حسنه على حسن سببه» 172.

وهذا من جملة حسن الأدب في الخدمة في حق صحبتك مع الله؛ تحلم مع عباده لأجله، ومن جملة حسن الخلق في الصحبة مع الخلق ألا تنتقم لنفسك، وأن تعفو عن خصمك 173.

وقال سبحانه: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 83] .

وهذه الشرائع من أصول الدين، التي أمر الله بها في كل شريعة، لاشتمالها على المصالح العامة، في كل زمان ومكان، فلا يدخلها نسخ، كأصل الدين 174.

وقد أمر الله بالإحسان في آيات كثيرة منها: قوله تعالى: (ھھ ھ ھ ے ے) [البقرة: 195] .

وقوله: (ں ں) [النساء: 36] .

وقال سبحانه: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [القصص: 77] .

وحض الله في كتابه على العفو، فقال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 237] .

قال الأمين الشنقيطي: «فانظر: ما في هذه الآية من الحض على مكارم الأخلاق من الأمر بالعفو والنهي عن نسيان الفضل» 175.

«والعفو أقرب إلى صفة التقوى من التمسك بالحق؛ لأن التمسك بالحق لا ينافي التقوى، لكنه يؤذن بتصلب صاحبه وشدته، والعفو يؤذن بسماحة صاحبه ورحمته، والقلب المطبوع على السماحة والرحمة، أقرب إلى التقوى من القلب الصلب الشديد، لأن التقوى تقرب بمقدار قوة الوازع، والوازع شرعي وطبيعي، وفي القلب المفطور على الرأفة والسماحة لين يزعه عن المظالم والقساوة، فتكون التقوى أقرب إليه لكثرة أسبابها فيه» 176.

وقال سبحانه: (گ گ ? ? ? ? ? ?) [التغابن: 14] .

وفي الحقوق العامة أوامر ونواهي، عبادات ومعاملات، جاءت آيات الوصايا العشر، التي قال عنها ابن مسعود رضي الله عنه: من أراد أن ينظر إلى وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم التي عليها خاتمة فليقرأ: ( ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأنعام: 151] .

فهذه الآية تعرف بالوصايا العشر، والتي هي جامعة لأبواب الخير، وموصدة لأبواب الشر، فصارت هذه السورة بحق جامعة لأصول الرسالة 177، حيث ذكر الله تعالى فيها مبادئ الأخلاق العامة التي يصلح بها المجتمع الإسلامي، والذي يبين أن النظام السياسي في الإسلام اهتم بجانب الأخلاق وحفظ الحقوق ورعايتها اهتمامًا ظاهرًا.

ومن ذلك: بر الوالدين، ورعاية حق الأولاد والإحسان إليهم، والنهي عن قتلهم خشية الفقر، والنهي عن الفواحش، والنهي عن قتل النفس المحرمة إلا بالحق.

تناول كتاب الله عز وجل قضايا الناس والمجتمعات، سواء كانت المتعلقة بالعبادات أو المعاملات أو المناكحات أو العلاقات السياسية أو القضايا الاجتماعية أو محاسن الاخلاق ونحو ذلك.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النحل: 89] .

وبين ذلك في غير هذا الموضع، كقوله: (? ? ? ? ? ?) [الأنعام: 38] .

فلا شك أن القرآن فيه بيان كل شيء، والسنة كلها تدخل في آية واحدة منه، وهي قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ہ ہ) 178 [الحشر: 7] .

والسنة والإجماع والقياس والاجتهاد مستندة إلى تبيين الكتاب، فمن ثم كان تبيانًا لكل شيء 179.

والقرآن أنزله الله تعالى كتابًا لصلاح أمر الناس كافة، رحمة لهم لتبليغهم مراد الله منهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت