قال الراغب في بيان معنى القيام: «يقال: قام يقوم قيامًا فهو قائم، وجمعه: قيام ... والقيام على أضرب: قيامٌ بالشخص إما بتسخير أو اختيار، وقيام للشيء هو المراعاة للشيء والحفظ له، وقيام هو على العزم على الشيء. فمن القيام بالتسخير: (قَائِمٌ وَحَصِيدٌ) [هود: 100] .
ومن القيام الذي هو بالاختيار: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا) [الزمر: 9] .
ومن المراعاة للشيء قوله: كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ) [المائدة: 8] .
ومن القيام الذي هو العزم قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ) [المائدة: 6] .
وقوله (يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ) [المائدة: 55] .
أي: يديمون فعلها ويحافظون عليها» 31.
فمعنى (يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ) أي: يداومون على أفعالها ويحافظون عليها.
وذكر البيضاوي معنى (يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ) فقال: «أي: يعدلون أركانها ويحفظونها من أن يقع زيغ في أفعالها، من أقام العود إذا قومه، أو يواظبون عليها، من قامت السوق: إذا نفقت وأقمتها: إذا جعلتها نافقة .. فإنه إذا حوفظ عليها كانت كالنافق الذي يرغب فيه، وإذا ضيعت كانت كالكاسد المرغوب عنه. أو يتشمرون لأدائها من غير فتور ولا توانٍ، من قولهم: قام بالأمر وأقامه إذا جد فيه وتجلد، وضده قعد عن الأمر وتقاعد. أو يؤديها، عبر عن الأداء بالإقامة؛ لاشتمالها على القيام، كما عبر عنها بالقنوت والركوع والسجود والتسبيح. والأول أظهر؛ لأنه أشهر، وإلى الحقيقة أقرب وأفيد؛ لتضمنه التنبيه على أن الحقيقة بالمدح من راعى حدودها الظاهرة من الفرائض والسنن، وحقوقها الباطنة من الخشوع والإقبال بقلبه على الله تعالى، لا المصلون الذين هم عن صلاتهم ساهون، ولذلك ذكر في سياق المدح المقيمين الصلاة، وفي معرض الذم فويل للمصلين» 32.
وصف الله المتقين بأنهم يؤتون الزكاة، وذكر صفة زكاتهم وإنفاقهم، ومن هذه الصفات هي: (وَآتَى الْمَالَ عَلَى? حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى? وَالْيَتَامَى? وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ) [البقرة: 177] .
وهذه الآية تبين أن المتقين يؤتون المال على حبه.
فهذه الصفة من صفات المتقين أنهم يؤتون المال على حبه، أي: يدفعون للصدقات أفضل ما عندهم من مال، وقوله تعالى: (وَآتَى الْمَالَ عَلَى? حُبِّهِٹ) [البقرة: 177] .
يحتمل أن يكون المقصود به الزكاة المفروضة ويحتمل أن يراد به النوافل، قال البيضاوي: (وَآتَى الزَّكَاةَ) [البقرة: 177] .
«يحتمل أن يكون المقصود منه ومن قوله: (وَآتَى الزَّكَاةَ) [البقرة: 177] .
الزكاة المفروضة، ولكن الغرض من الأول بيان مصارفها، ومن الثاني أداؤها والحث عليها. ويحتمل أن يكون المراد بالأول نوافل الصدقات أو حقوقًا كانت في المال سوى الزكاة» 33.
وقال الألوسي: (وَآتَى الْمَالَ عَلَى? حُبِّهِ) [البقرة: 177] «بناءً على أن المراد بما مر من إيتاء المال نوافل الصدقات. وقدمت على الفريضة؛ مبالغة في الحث عليها، أو حقوق كانت في المال غير مقدرة سوى الزكاة» 34.
وعليه فقوله تعالى: (عَلَى? حُبِّهِ) [البقرة: 177] .
يحتمل أن يكون في الزكاة أو في نوافل الصدقات. وأيًا ما كانت فإنها صفة امتدح الله بها المتقين، وهي أنهم يؤتون المال على حبه.
والضمير المجرور في قوله: عَلَى? حُبِّهِ) [البقرة: 177] .
عائد على المال «أي: أعطى المال كائنًا على حب المال. والتقييد بقوله: لبيان أفضل أنواع الصدقة» 35.
وقال ابن كثير: «أي: أخرجه وهو محب له راغب فيه» 36.
وهناك آية أخرى وصفت إنفاق المتقين، وهي قوله تبارك وتعالى في وصف المتقين: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ) [آل عمران: 134] .
قال الراغب في بيان معنى الإنفاق: «نفق الشيء: مضى ونفذ .. والإنفاق قد يكون في المال وغيره، وقد يكون واجبًا، وقد يكون تطوعًا» 37.
وقال الألوسي: «والإنفاق: الإنفاد، يقال: أنفقت الشيء وأنفدته بمعنًى، والهمزة للتعدية، وأصل المادة تدل على الخروج والذهاب» 38.
وقد حث الله تبارك وتعالى على الإنفاق وبذل المال، فقال تعالى: (ڑيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ ?) [البقرة: 254] .
وحث على إخراج الطيبات من الرزق، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ?ں) [البقرة: 267] .
بين سبحانه أجر الإنفاق فقال: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ ? وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ ? وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [البقرة: 261] .
وقال جل شأنه: (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ? وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [البقرة: 265] .
كما بين الله تعالى أن الصدقة والإنفاق لا يذهبان بالمال، بل على العكس فهما ينميان المال أكثر.
قال تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَ?كِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ? وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ ? وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ? وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ) [البقرة: 272] .
وبهذه الصورة وامتثالًا لأمر الله تبارك وتعالى وسنة رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام لبى المتقون نداء ربهم، فجادت نفوسهم بالعطاء، فكان العطاء بالنسبة لهم خيرًا من الأخذ، وقد علموا أن ما أعطوه إنما هو ذخرٌ لهم عند ربهم تبارك وتعالى، وقد أنفقوا أموالهم في سبيله لا يبتغون إلا رضاء وجهه الكريم.
ومعنى قوله تعالى: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ) [آل عمران: 134] .
أي: في اليسر والعسر.
قال أبو السعود: «في حالتي الرخاء والشدة واليسر والعسر، أو في الأحوال كلها؛ إذ الإنسان لا يخلو من مسرة أو مضرة. أي: لا يخلون في حالٍ ما بإنفاق ما قدروا عليه من قليل أو كثير» 39.
وقال ابن كثير: «أي: في الشدة والرخاء والمنشط والمكره والصحة والمرض، وفي جميع الأحوال كما قال: (البحث الرقم: 282 المشاهدات: 8517
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً [البقرة: 274] .
والمعنى: أنهم لا يشغلهم أمر عن طاعة الله تعالى، والإنفاق في مراضيه، والإحسان إلى خلقه من قراباتهم وغيرهم بأنواع البر» 40.
وقد عبر عن الإنفاق بالفعل المضارع؛ لأنه يفيد التجدد والاستمرار.
قال الألوسي: «وأما الإنفاق حيث كان أمرًا متجددًا عبر عنه بما يفيد التجدد والحدوث» 41.
بينما عبر في آية أخرى بالجملة الاسمية فقال: (الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ) [آل عمران: 17] .
وذلك أن الجملة الاسمية تفيد الثبات والاستقرار، فالجملة الأولى: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ) تفيد التجدد والاستمرار والتي تبين استمرار إنفاقهم وتصدقهم. والجملة الثانية: (وَالْمُنْفِقِينَ) تفيد المدح؛ لأنها منصوبة على المدح. وقد تم الجمع بين الجملة الفعلية والاسمية.
أما قوله تعالى: (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) [البقرة: 3] .
فقد عبر هنا عن الشيء الذي ينفقونه بالرزق، والرزق: العطاء ... وقيل: أصل الرزق الحظ. قال الراغب: «الرزق يقال للعطاء تارة -دنيويًا كان أم أخرويًا- وللنصيب تارة، ولما يصل إلى الجوف ويتغذى به تارة، يقال: أعطى السلطان رزق الجند، ورزقت علما» 42.
وفي الآية (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) [البقرة: 3] .
«أسند الرزق إلى نفسه تبارك وتعالى؛ للإعلام بأنهم ينفقون الحلال المطلق الذي يستأهل أن يضاف إلى الله، ويسمى رزقًا منه ... ، وقدم مفعول الفعل دلالة على كونه أهم، وكأنه قال: يخصون بعض المال الحلال بالتصدق به» 43.
وصف الله المتقين بأنهم يستغفرون الله تبارك وتعالى، وكانت لهم في ذلك صفات مميزة.
قال تعالى: (وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) [الذاريات: 18] .
وقال: (وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ) [آل عمران: 17] .
وقال: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى? مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) [آل عمران: 135] .
فالمتقون يستغفرون بالأسحار ولا يصرون على المعاصي.
الاستغفار هو مغفرة الذنوب. وأصل الغفر: الستر والتغطية.
قال ابن منظور في لسان العرب: «وأصل الغفر: الستر والتغطية. وغفر الله ذنوبه، أي: سترها ... واستغفر الله ذنبه -على حذف الحرف-: طلب منه غفره» 44.
فأصل كلمة غفر: ستر وغطى، وفي الاصطلاح: ستر الذنوب.
والسحر: هو الوقت الذي يكون قبل طلوع الفجر.
قال الراغب في المفردات: «السحر والسحرة: اختلاط ظلام آخر الليل بضياء النهار» 45.
فوقت السحر ينتهي بطلوع الفجر. وهو آخر الليل قبيل الصبح. قال ابن كثير: «وأصح ما ورد في تحديد وقت السحر ما ثبت في الصحيحين وغيرهما ... من غير وجه عن جماعة من الصحابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ينزل الله تبارك وتعالى في كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير، فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من داعٍ فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟) 46» 47.
وقد اختلف المفسرون في بيان معنى الاستغفار في الآية (وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) [الذاريات: 18] .
فقال بعضهم: المراد به: الدعاء. قال ابن جرير الطبري: «اختلف أهل التأويل في القوم الذين هذه صفتهم، فقال بعضهم: هم المصلون بالأسحار .. وقال آخرون: هم المستغفرون ... وقال آخرون: هم الذين يشهدون الصبح في جماعة .. وأولى هذه الأقوال قول من قال: هم السائلون ربهم أن يستر عليهم فضيحتهم بها بالأسحار، وهي جمع سحر، وأظهر معاني ذلك أن تكون مسألتهم إياه بالدعاء. وقد يحتمل أن يكون معناه: تعرضهم لمغفرته بالعمل والصلاة، غير أن أظهر معانيه ما ذكرنا من الدعاء» 48.
وقال القرطبي: «لا تناقض في ذلك فإنهم يصلون ويستغفرون» 49.
والحكمة في تخصيص وقت السحر بالدعاء والاستغفار: أنه أفضل الأوقات للعبادة والدعاء. فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ينزل الله تبارك وتعالى في كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير، فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟) 50.
وقال الشيخ محمد رشيد رضا: «وحكمة تخصيص السحر: أن العبادة تكون حينئذ أشق على أهل البداية؛ لأنه الوقت الذي يطيب فيه النوم ويعزب الرياء، وأروح لأهل النهاية؛ لأن النفس تكون أصفى، والقلب أفرغ من الشواغل» 51.
وقال القاسمي في تفسيره: «والحكمة في تخصيص الأسحار: كونه وقت غفلة الناس عن التعرض للنفحات الرحمانية والألطاف السبحانية. وعند ذلك تكون العبادة أشق، والنية خالفة، والرغبة وافرة، مع قربه -تعالى وتقدس- من عباده» 52.
وقال الرازي: «واعلم أن الاستغفار بالسحر له مزيد أثر في قوة الإيمان وفي كمال العبودية من وجوه:
الأول: أن وقت السحر يطلع نور الصبح بعد أن كانت الظلمة شاملة للكل، وبسبب طلوع نور الصبح كأن الأموات يصيرون أحياء، فهناك وقت الجود العام والفيض التام، فلا يبعد أن يكون عند طلوع صبح العالم الكبير يطلع صبح العالم الصغير وهو ظهور نور جلال الله تعالى في القلب.
والثاني: أن وقت السحر أطيب أوقات النوم، فإذا أعرض العبد عن تلك اللذة وأقبل على العبودية كانت الطاعة أكمل ... » 53.
وقال النسفي: «وخص الأسحار؛ لأنه وقت إجابة الدعاء، ولأنه وقت الخلوة» 54.
قال الله تعالى في وصف المتقين: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى? مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) [آل عمران: 135] .
قال الراغب في بيان معنى الفاحشة: «الفحش والفحشاء والفاحشة: ما عظم قبحه من الأفعال والأقوال» 55.
وقال البيضاوي: « (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً) فعلة بالغة في القبح كالزنى (وْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) بأن أذنبوا أي ذنب كان. وقيل: الفاحشة الكبيرة، وظلم النفس الصغيرة» 56.
فكل تجاوز أو كل ذنب يسمى ظلمًا، والذنب سواء كان كبيرًا أم صغيرًا فإنه يسمى ظلمًا، وعليه فمعناه في الآية: (وْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) [آل عمران: 135] .
أي: أذنبوا في حق الله تعالى، وعليه تكون الفاحشة: المعصية البالغة في القبح، والظلم: الذنب مطلقًا، كما ذكر الألوسي سابقًا.
والمتقون -إن وقع منهم ذنب سواء كان كبيرًا أو عظيمًا والتي سماها (الفاحشة) أو أذنبوا ذنبًا صغيرًا والتي سماها (وْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) ، يسارعون ويتذكرون حق الله تعالى ويتذكرون عقابه ويتذكرون عفوه فيستغفرون الله عما وقع منهم.
ومعنى (ذكروا الله) : أي: تذكروا حقه العظيم ووعيده، أو ذكروا العرض عليه، أو السؤال عن الذنب يوم القيامة أو نهيه أو غفرانه.
وقوله تعالى: (ولم يصروا على ما فعلوا) .
قال ابن كثير في معناه: «أي: تابوا من ذنوبهم ورجعوا إلى الله عن قريب، ولم يستمروا على المعصية ويصروا عليها غير مقلعين عنها، ولو تكرر منهم الذنب تابوا منه» 57.
وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما أصر من استغفر، وإن عاد في اليوم سبعين مرة) 58
قال الراغب: «الإصرار: التعقد في الذنب والتشدد فيه والامتناع من الإقلاع عنه، وأصله من الصر، أي: الشد» 59.
من صفات المتقين الإيمانية أنهم (يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ) [الأنبياء: 49] .
والخشية: خوف يشوبه تعظيم.
قال الراغب: «الخشية: خوف يشوبه تعظيم. وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه، ولذلك خص العلماء بها في قوله تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) [فاطر: 28] .
وقوله تعالى: (مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَ?نَ بِالْغَيْبِ) [ق: 33] . أي: من خاف خوفًا اقتضاه معرفته بذلك من نفسه» 60.
والخشية ينبغي أن تكون خالصة لله تعالى ولا يكون فيها خشية للناس.
قال تعالى: (فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ) [المائدة: 44] .
وقال تعالى: (فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي) [البقرة: 150] .
ولقد نهى رسوله أن يخشى الناس؛ إذ الخشية ينبغي أن تكون لله تعالى: (وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ?) [الأحزاب: 37] .
وبما أن الخشية أكثر ما تكون عن علم بما يخشى منه فإن خشية الله أكثر ما تكون من خلال معرفته عز وجل بصفاته وآياته وأفعاله، فمن كان أعلم بالله تعالى كان أخشى له، لهذا قال تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) [فاطر: 28] .
قال الألوسي: «والمراد بالعلماء: العالمون بالله عز وجل وبما يليق به من صفاته الجليلة وأفعاله الحميدة وسائر شئونه الجميلة، لا العارفون بالنحو والصرف مثلًا، فمدار الخشية ذلك العلم لا هذه المعرفة، فكل من كان أعلم به تعالى كان أخشى ... وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أنا أخشاكم لله وأتقاكم له) 61.
ولكونه المدار ذكرت الخشية بعد ما يدل على كمال القدرة، ولهذه المناسبة فسر ابن عباس -كما أخرج عنه ابن المنذر وابن جرير- (العلماء) في الآية بالذين يعلمون أن الله تعالى على كل شيء قدير» 62.
فمعرفة الله تبارك وتعالى تورث الخشية له، والعلماء العارفون بآيات الله وصفاته أكثر خشية له. ويدخل في إطار العلماء علماء الكون والطبيعة الذين يتوصلون لمعرفة أسرار الله في خلقه. فالكون هو كتاب الله المنظور الذي يدل فيه على أن الله هو خالق هذا الكون والمتصرف فيه، حيث جعل فيه دلائل قدرته وبديع صنعه، فحث على النظر في ملكوت السموات والأرض، والتفكر في شئونهما، لذا كان العلماء الذين يتوصلون لاكتشاف بدائع صنع الله تعالى داخلون في الخشية التي خصهم الله بها، وهذا إن كانت هذه الأمور توصلهم لخشية الله تعالى.
وصف الله المتقين بالقنوت، وهو طاعة الله عز وجل مع الخضوع له.
قال تعالى: {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (16) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} [آل عمران: 15 - 17] .
قال الراغب: «القنوت: لزوم الطاعة مع الخضوع، وفسر بكل واحد منهما في قوله: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] .
وقوله تعالى: {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} [البقرة: 116] .
وقيل: خاضعون، وقيل: طائعون، وقيل: ساكتون، ولم يعن به كل سكوت، وإنما عنى به ما قال عليه الصلاة والسلام: (إن هذه الصلاة لا يصح فيها شيءٌ من كلام الآدميين: إنما هي قرآن وتسبيح) ، وعلى هذا قيل: أي الصلاة أفضل؟ فقال: (طول القنوت) ، أي: الاشتغال بالعبادة ورفض كل ما سواه» 63.
وقال الألوسي: « {قَانِتِينَ} أي: المطيعين، قاله ابن جبير، أو المداومين على الطاعة والعبادة، قاله الزجاج، أو القائمين بالواجبات، قاله القاضي» 64.
وقال الألوسي عند قوله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] : « {قَانِتِينَ} أي: مطيعين كما هو أصل معنى القنوت عند البعض، وهو المروي عن ابن عباس رضي الله عنهما» 65.
فأصل معنى القنوت: هو الطاعة مع الخضوع، وإذا فسر معناه بعبارات أخرى فإنه ينطوي تحت هذا المعنى، وقد وصف الله المتقين بالقنوت، وهذا يشمل الصلاة وغيرها.
وصف الله تبارك وتعالى المتقين بالصبر، فقال تعالى: (قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَ?لِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ?15? الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ?16? الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ) [آل عمران: 15 - 17] .
وقال تعالى: (وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ? أُولَ?ئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ? وَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) [البقرة: 177] .
فقد وصف المتقين بالصبر، وأنهم يصبرون في كل حال، وإليك بيانها.
قال أبو حيان: «واختلف المفسرون في البأساء والضراء، فأكثرهم على أن البأساء هو الفقر» 66، وقال الألوسي: « (البأساء) : البؤس والفقر» 67، وقال الراغب: «البؤس والبأساء في النكاية» 68.
وأصل كلمة بؤس وبأس: الشدة والمكروه، لكن ورد عن كثير من المفسرين أن المراد بها هنا: الفقر، ولا يمنع أن يراد بها كل شدة أو مكروه، ومنها الفقر.
وقضية الفقر ابتلاء من الله تبارك وتعالى لعباده، فمن صبر كان من المتقين الذين وصفهم الله وامتدحهم بالصبر على الفقر، لذلك كان الفقراء الصابرون أكرم عند الله تعالى، وكان أكثر أهل الجنة من الفقراء. روى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام) 69. وروى البخاري ومسلم عن ابن عباس وعمران بن الحصين رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء) 70.
الضراء من الضر، وهو عكس النفع، وهو سوء الحال إما في النفس أو في البدن أو في حالة ظاهرة من قلة مالٍ أو جاه أو نحوه.
وقد ورد عن المفسرين تفسير الضراء بالمرض والأسقام.
قال أبو حيان في تفسير البحر المحيط: «واختلف المفسرون في البأساء والضراء، فأكثرهم على أن البأساء هو الفقر، وأن الضراء الزمانة في الجسد، وإن اختلفت عباراتهم» 71.
وقال الألوسي: «الضراء: السقم والوجع» 72.
وقد يراد به كل ما يضر الإنسان من مرض أو غيره.
فما يصيب الإنسان من ضر أصابه سواء كان في بدنه أو في نفسه أو غير ذلك إنما هو ابتلاء من الله تبارك وتعالى؛ ليعلم الصابر من غير الصابر.
ففي الابتلاء في المرض تكفير للسيئات وحط للذنوب حتى يلقى الله وما عليه خطيئة من كثرة ما أصابه من البلاء.
ففي الحديث الذي رواه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة) 73.
أي: في مواطن القتال عند لقاء الأعداء، وعندها يكون الصبر فريضة لازمة ويكون الفرار من الزحف من الموبقات التي حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم. وإذا ما ذكر القتال والحث عليه فإنه غالبًا يذكر الصبر، وغلبة الأعداء مقترنة بالصبر بعد إعداد العدة والتوكل على الله وإخلاص النية لله تعالى، فلا غلبة بلا صبر.
ولهذا يأمر الله المؤمنين بالقتال والثبات والصبر، فيقول تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا إِذا لَقيتُم فِئَةً فَاثبُتوا وَاذكُرُوا اللَّهَ كَثيرًا لَعَلَّكُم تُفلِحونَ ?45? وَأَطيعُوا اللَّهَ وَرَسولَهُ وَلا تَنازَعوا فَتَفشَلوا وَتَذهَبَ ريحُكُم وَاصبِروا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرينَ) [الأنفال: 45 - 46] .
ويشتد الأمر بطلب الصبر عندما تتحكم القوى والنفوس، وعندها يتبين الصابر من غيره.
ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يحث على الثبات عند لقاء العدو، فقد روى البخاري ومسلم عن عبدالله بن أبي أوفى رضي الله عنهما «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أيامه التي لقي فيها العدو انتظر حتى إذا مالت الشمس قام فيهم فقال: (يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف) » 74.
قال تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى? مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ?133? الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ) [آل عمران: 133 - 134] .
والغيظ يعني: حبس النفس عند الغضب، وهو: أشد أنواع الغضب، والغضب: هيجان في الطبع.
قال الراغب في بيان معنى الغيظ: «الغيظ: أشد غضب، وهو الحرارة التي يجدها الإنسان من فوران دم قلبه» 75.
وقال الألوسي: «والغيظ: هيجان في الطبع عند رؤية ما ينكر» 76.
والكظم معناه: الحبس.
قال أبو السعود: «والكظم: الحبس يقال: كظم غيظه، أي: حبسه، قال المبرد: تأويله أنه كتمه على امتلائه منه، يقال: كظمت السقاء إذا ملأته وشددت عليه» 77.