قال تبارك وتعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) } الآيات [البقرة:30] .
وقد أخبر الله سبحانه وتعالى أيضًا أن الملائكة عليهم السلام يكلم بعضهم بعضًا، وأن لهم قلوبًا يعقلون بها، ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [سبأ:23] 51.
وجاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان ينفذهم ذلك {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ(23) } [سبأ:23] ) 52.
وقد ذكر الشيخ ابن عثيمين أن في هذه الآية: «إثبات بأن الملائكة يتكلمون ويفهمون ويعقلون لأنهم يسألون: {مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ} ويجابون: {قَالُوا الْحَقَّ} خلافًا لمن قال: إنهم لا يوصفون بذلك؛ فيلزم من قولهم هذا أننا تلقينا الشريعة ممن لا عقول لهم، وهذا قدح في الشريعة بلا ريب» .
ثم قال: «وفي قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ} إثبات القلوب للملائكة» 53.
وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن المعني بالكلام في الآية الكريمة هم الكفار، وليس الملائكة وهو مردود عليهم لمخالفتهم الحديث الصحيح السابق ذكره 54.
الملائكة خلق من خلقه تبارك وتعالى، خصهم الله جل وعلا بخصائص، ووهبهم عظم الخلقة، والقدرة على التشكيل، وأوكل إليهم القيام بأمور هذا الكون، فلهم أعمال ووظائف متعددة، يقومون بها امتثالًا لأمره تبارك وتعالى، وأعطاهم القدرة على تأديتها على أكمل وجه، وسوف نبين في المطالب التالية هذه الأعمال والوظائف التي يقومون بها، فمن ذلك:
أولًا: عبادة الله:
الملائكة عباد الله، مكلفون بطاعته، وقد جاء في الكتاب والسنة ذكر بعض العبادات التي تتعبد بها الملائكة ربها تعالى، ومن نماذج عبادتهم ما يلي:
1.أنهم يشهدون بوحدانية الله.
قال تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَ?هَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ? لَا إِلَ?هَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [آل عمران:18] .
2.أنهم يشهدون على صحة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى: (لَ?كِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ ? أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ ? وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ ? وَكَفَى? بِاللَّهِ شَهِيدًا ?166? [النساء:166] .
3.أنهم يصلون.
وورد في النصوص تفصيل بعض صفة صلاتهم، فورد أنهم يصفون عند ربهم.
قال تعالى: (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا) [الصافات:1] .
وقال تعالى: (وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ) [الصافات:165] .
ولعل المقصود بالصف هنا صف الملائكة للصلاة، وهو مروي عن عائشة والسدي 55، ويؤيد ذلك ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خرج على أصحابه فٌال: (ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟ فقلنا: يا رسول الله وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: يتمون الصف الأول ويتراصون في الصف) 56.
وكان ورود الحديث حال الاصطفاف للصلاة، فهي قرينة دالة أن الملائكة يتمون الصفوف ويتراصون صفوفهم في الصلاة.
ومما جاء في صفة صلاتهم أنهم يسجدون ويركعون ويقومون: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا) [الرعد:15] .
وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ) [الأعراف:206] .
وعن حكيم بن حزام قال: (بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه إذ قال لهم: أتسمعون ما أسمع؟ قالوا: ما نسمع من شيء، قال: إني لأسمع أطيط السماء، وما تلام أن تئط، ما فيها موضع شبر إلا عليه ملك ساجد أو قائم) 57.
فهذا كله بيان لصفة وهيئة من هيئات صلاتهم.
4.أنهم يطوفون.
للملائكة كعبة في السماء السابعة يطوفون بها، وهذه الكعبة هي التي أسماها الله تعالى: البيت المعمور، وأقسم به في سورة الطور: وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ [الطور:4] .
قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: يتعبدون في البيت المعمور، ويطوفون به كما يطوف أهل الأرض بكعبتهم، والبيت المعمور هو كعبة أهل السماء السابعة؛ ولهذا وجد إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام مسندًا ظهره إلى البيت المعمور؛ لأنه باني الكعبة الأرضية، والجزاء من جنس العمل) 58.
5.أنهم يذكرون الله.
قال تعالى: (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا(1) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (2) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا) [الصافات:1 - 3] .
أي: الملائكة تتلو ذكر الله 59.
ومن أنواع ذكرهم التسبيح: (وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [الشورى:5] .
(وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ [البقرة:30] .
(وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ ?165?وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ ?166?) [الصافات:165 - 166] .
6.أنهم يخافون الله ويخشونه.
لما كانت معرفة الملائكة بربهم كبيرة كان تعظيمهم له وخشيتهم له أعظم.
قال تعالى: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل:50] .
وقال: {وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء:28] .
ثانيًا: تنفيذ أوامر الله:
ومن أعمال الملائكة تثبيت المؤمنين عند الموت، فحين يتعرض المؤمنون لغمرات الموت، فإن الملائكة تبشرهم بالجنة.
قال تعالى: {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (32) } [النحل:32] .
قال ابن كثير: «أخبر تعالى عن حالهم عند الاحتضار، أنهم طيبون، أي: مخلصون من الشرك والدنس وكل سوء، وأن الملائكة تسلم عليهم وتبشرهم بالجنة، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) } [فصلت:30] » 60.
وفي الآيتين دليل واضح على أن المؤمن يبشر بالجنة قبل موته، ومما يؤكد كذلك ما جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة: (أن الملائكة تقول لروح المؤمن:(اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة، وابشري بروح وريحان ورب غير غضبان) 61.
وعلى النقيض مما سبق، يكون موقف الملائكة مع الكافرين الجاحدين، وذلك أن الكافر إذا احتضر بشرته الملائكة بالعذاب.
قال تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (50) } [الأنفال:50] .
قال الطبري في تفسير هذه الآية: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ولو تعاين يا محمد، حين يتوفى الملائكة أرواح الكفار، فتنزعها من أجسادهم، تضرب الوجوه منهم والأستاه، ويقولون لهم: ذوقوا عذاب النار التي تحرقكم يوم ورودكم جهنم» 62.
وفي الآية دليل واضح على أن الكافر يبشر بالعذاب قبل موته.
ومما يؤكد على ذلك ما جاء في الحديث الصحيح المذكور سابقًا عن أبي هريرة والذي جاء فيه: (أن الملائكة تقول لروح الكافر:(اخرجي أيتها النفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة، وأبشري بحميم وغساق، وآخر من شكله أزواج) 63.
ثالثًا: حفظ الإنسان:
ومن الأعمال والمهام التي كلفهم الله بها حفظ الإنسان من بين يديه ومن خلفه.
قال تعالى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (61) } [الأنعام:61] .
قال ابن كثير في قوله تعالى: {وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً} «أي: من الملائكة يحفظون بدن الإنسان، كما قال تعالى: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} [الرعد:11] » 64.
وفي هذه الآية يقول السعدي: «أي: للإنسان {مُعَقِّبَاتٌ} من الملائكة يتعاقبون في الليل والنهار {مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} أي: يحفظون بدنه وروحه من كل من يريده بسوء، ويحفظون عليه أعماله، وهم ملازمون له دائمًا» 65.
وقال عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى: {يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} قال: ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء قدر الله خلوا عنه 66.
رابعًا: قبض الأرواح:
ومن أعمالهم كذلك قبض أرواح العباد عندما تنتهي آجالهم.
قال تعالى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (61) } [الأنعام:61] .
والمراد بالرسل هنا الملائكة الموكلون بقبض الأرواح، وقد فسرها ابن عباس بهذا المعنى حيث قال: «إن لملك الموت أعوانًا من الملائكة» 67.
وقال المراغي: «وهؤلاء الرسل هم أعوان ملك الموت الذين يتولون ذلك بأمره، كما قال تعالى: {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (11) } [السجدة:11] » 68.
قال الشنقيطي في هذه الآية: «وظاهر هذه الآية الكريمة أن الذي يقبض أرواح الناس ملك واحد معين، وهذا هو المشهور، وقد بين تعالى في آيات أخر أن الناس تتوفاهم ملائكة لا ملك واحد.
وإيضاح هذا عند أهل العلم: أن الموكل بقبض الأرواح ملك واحد هو المذكور هنا، ولكن له أعوان يعملون بأمره ينتزعون الروح إلى الحلقوم، فيأخذها ملك الموت، أو يعينونه إعانة غير ذلك» 69.
خامسًا: النزول بالوحي:
ومن الأعمال كذلك النزول بالوحي على أنبيائه ورسله.
قال تعالى: {يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (2) } [النحل:2] .
قال الشنقيطي: «وأظهر الأقوال في معنى الروح في هذه الآية الكريمة: أن المراد بها الوحي؛ لأن الوحي به حياة الأرواح، كما أن الغذاء به حياة الأجسام، ويدل لهذا قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا} [الشورى:52] » 70.
وفي قوله تعالى: {عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} يقول ابن كثير: هم الأنبياء، كما قال تعالى: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ} [الحج:75] .71.
وقال أبو زهرة: «أي: من اختارهم لرسالته، ويصطفيهم الله: يختبر من يشاء من عباده، وهو أعلم حيث يجعل رسالته» 72، كما قال تعالى: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام:124] .
سادسًا: الدعاء للمؤمنين:
أخبر الله تعالى في كتابه الكريم بأن ملائكته الكرام تصلي على المؤمنين، والصلاة من الملائكة بمعنى الدعاء والاستغفار، كما ذكر أهل العلم.
قال تعالى: {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (43) } [الأحزاب:43] .
قال الشوكاني: والصلاة من الملائكة الدعاء لهم والاستغفار كما قال تعالى: {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا} [غافر:7] 73.
وهذا يدل على رحمة الله ولطفه بعباده أن جعل من صلاته عليهم وثنائه، وصلاة ملائكته ودعائهم ما يخرجهم من ظلمات الذنوب والجهل إلى نور الإيمان، والتوفيق، والعلم، والعمل، فهذه أعظم نعمة أنعم بها على عباده الطائعين، تستدعي منهم شكرها، والإكثار من ذكر الله، الذي لطف بهم ورحمهم 74.
سابعًا: تبشير المؤمنين:
ومن أعمالهم كذلك تبشير المؤمنين، فقد بشر ملائكة الرحمن إبراهيم عليه السلام بذرية صالحة.
قال تعالى: {فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (28) } [الذاريات:28] .
قال السمعاني في تفسير هذه الآية: أي: دخل في نفسه منهم خيفة، والسبب في ذلك أن الرجل كان إذا طرقه ضيف فقدم إليه شيئًا وأكله أمن منه، وإن لم يأكل خاف شره، وقوله: {قَالُوا لَا تَخَفْ} يعني: نحن ملائكة الله فلا تخف 75.
وفي قوله تعالى: {وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ} يقول القرطبي: «أي: بولد يولد له من سارة زوجته، والجمهور على أن المبشر به هو إسحاق عليه السلام» 76.
وبشرت كذلك مريم بعيسى عليه السلام.
قال تعالى: {إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) } [آل عمران:45] .
وبشرت كذلك زكريا بيحيى عليهما السلام.
قال تعالى: {فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى} [آل عمران:39] .
وجاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن رجلًا زار أخا له في قرية أخرى، فأرصد الله له، على مدرجته ملكًا، فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخا لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تربها؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله عز وجل، قال: فإني رسول الله إليك، بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه) 77.
ثامنًا: مناصرة المؤمنين في القتال:
ومن أعمالهم كذلك مشاركة المؤمنين في قتالهم؛ لتثبيتهم وتقوية عزائمهم.
قال تعالى: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (12) } [الأنفال:12] .
قال البغوي: « {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ} الذين أمد بهم المؤمنين {أَنِّي مَعَكُمْ} بالعون والنصرة {فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا} أي: قووا قلوبهم، قيل: إن ذلك التثبيت حضورهم معهم القتال ومعونتهم، أي: ثبتوهم بقتالكم معهم المشركين» 78، وهذه نعمة خفية أظهرها الله تعالى لهم، ليشكروه عليها 79.
والحكمة في قتال الملائكة؛ لإرادة أن يكون الفضل للنبي وأصحابه، وتكون الملائكة مددًا على عادة مدد الجيوش، رعاية لصورة الأسباب التي أجراها الله تعالى في عباده، والله فاعل الجميع 80.
تاسعًا: حمل العرش:
ومن الأعمال الموكلة إلى الملائكة حمل عرش الرحمن.
قال تعالى: {وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (17) } [الحاقة:17] .
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: « {وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا} أي: الملائكة على أرجاء السماء، وقوله: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} أي: يوم القيامة يحمل العرش ثمانية من الملائكة، ويحتمل أن يكون المراد بهذا العرش العرش العظيم، أو: العرش الذي يوضع في الأرض يوم القيامة لفصل القضاء، والله أعلم بالصواب» 81.
ونحو هذه الآية قوله تعالى: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا} [غافر:7] .
والآيتان تدلان على أن لعرشه تبارك وتعالى حملة يحملونه اليوم ويوم القيامة، وأن حملته ومن حوله يسبحون ويستغفرون للمؤمنين 82.
عاشرًا: تنفيذ أحداث الساعة:
ومن أعمالهم كذلك: تنفيذ أحداث الساعة، كالنفخ في الصور.
وقد أخبر القرآن الكريم بثلاث نفخات: نفخة الفزع ذكرها في سورة النمل في قوله تعالى: {وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ} [النمل:87] .
ونفخة الصعق والقيام، ذكرهما في قوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (68) } [الزمر:68] .83.
حادي عشر: النزول بالأمر المقدر:
ومن أعمال الملائكة النزول إلى الأرض في هذه الليلة بالخير والبركة والرحمة لأهل الإيمان.
قال تعالى: {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) } [القدر:4] .
قال ابن كثير في هذه الآية: «أي: يكثر تنزل الملائكة في هذه الليلة لكثرة بركتها، والملائكة يتنزلون مع تنزل البركة والرحمة، كما يتنزلون عند تلاوة القرآن ويحيطون بحلق الذكر» 84.
والروح هو جبريل عند جمهور المفسرين أي: ومعهم جبريل، ووجه ذكره بعد دخوله في الملائكة التعظيم له والتشريف لشأنه 85.
وسميت ليلة القدر؛ لعظم قدرها وفضلها عند الله؛ ولأنه يقدر فيها ما يكون في العام من الأجل والأرزاق والمقادير القدرية 86.
وقال ابن عثيمين في هذه الآية: «أي: تنزل شيئًا فشيئًا؛ لأن الملائكة سكان السموات، والسموات سبع، فتتنزل الملائكة إلى الأرض شيئًا فشيئًا حتى تملأ الأرض، ونزول الملائكة في الأرض عنوان على الرحمة والخير والبركة؛ ولهذا إذا امتنعت الملائكة من دخول شيء كان ذلك دليلًا على أن هذا المكان الذي امتنعت الملائكة من دخوله قد يخلو من الخير والبركة، فالملائكة تتنزل في ليلة القدر بكثرة، ونزولهم خير وبركة.
وقوله تعالى: {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} أي: بأمره القدري.
وقوله: {مِنْ كُلِّ أَمْرٍ} أي: بكل أمر مما يأمرهم الله به، وهو مبهم لا نعلم ما هو، لكننا نقول: إن تنزل الملائكة في الأرض عنوان على الخير والرحمة والبركة» 87.
خلق الله تعالى عددًا كبيرًا من الملائكة لا يعلم عددهم وكثرتهم إلا الله جل وعلا، كما قال تعالى في محكم كتابه: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} [المدثر:31] .
وقد ذكر القرآن الكريم الملائكة إجمالًا في مواطن كثيرة، وورد في بعض المواطن منها ذكر بعض أسماء الملائكة خصوصًا، فمن أسمائهم:
أولًا: جبريل عليه السلام:
وهو السفير بين الله وأنبيائه.
قال تعالى: {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (97) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (98) } [البقرة:97 - 98] .
وهذه الآية نزلت جوابًا لليهود من بني إسرائيل، إذ زعموا أن جبريل عدو لهم، وأن ميكائيل ولي لهم 88.
ومن أسمائه وأوصافه التي ذكرت في القرآن 89:
1.الروح الأمين.
قال تعالى: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ?192?نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ?193?) [الشعراء:192 - 194] .
قال ابن كثير: «وهو جبريل، عليه السلام، قاله غير واحد من السلف، وهذا ما لا نزاع فيه» 90.
وهو أمين الله فيما بين الله وبين أنبيائه، فيما استودعه الله من الرسالة إليهم 91.
2.روح القدس.
قال تعالى: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ} [النحل:102] .
قال السعدي: «هو جبريل الرسول المقدس المنزه عن كل عيب وخيانة وآفة» 92.
وقيل: سمي جبريل عليه السلام روحًا؛ للطافته ولمكانته من الوحي الذي هو سبب حياة القلوب 93.
وأما عن وصفه: فقد أثنى الله سبحانه على عبده جبريل في القرآن أحسن الثناء، ووصفه بأجمل الصفات فقال: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (21) } [التكوير:19 - 21] .
فوصفه بأنه رسوله، وأنه كريم عنده، وأنه ذو قوة ومكانة عند ربه سبحانه، وأنه مطاع في السماوات، وأنه أمين على الوحي، فمن كرمه على ربه أنه أقرب الملائكة إليه، قال بعض السلف: منزلته من ربه منزلة الحاجب من الملك 94.
قال ابن عثيمين في تفسير هذه الآية: « {لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} هو جبريل عليه الصلاة والسلام، فإنه رسول الله إلى الرسل بالوحي الذي ينزله عليهم. ووصفه الله بالكرم؛ لحسن منظره، كما قال تعالى في آية أخرى: {ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) } [النجم:6] .
و {ذُو مِرَّةٍ} قال العلماء: المرة: الخلق الحسن والهيئة الجميلة، فكان جبريل عليه الصلاة والسلام موصوفًا بهذا الوصف: {كَرِيمٍ} ، {ذِي قُوَّةٍ} وصفه الله تعالى بالقوة العظيمة» 95.
فإن الرسول صلى الله عليه وسلم رآه على صورته التي خلقه الله عليها له ستمائة جناح 96.