يقول الطاهر: «والمراد بالخبث: خبث الصّفات الإنسانيّة كالفواحش، وكذلك المراد بالطّيّب: زكاء الصّفات الإنسانيّة من الفضائل المعروفة في البشر، فليس الكفر من الخبث، ولكنّه من متمّماته، وكذلك الإيمان من مكمّلات الطّيّب؛ فلذلك لم يكن كفر امرأة نوحٍ وامرأة لوط ناقصًا لعموم قوله: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ} فإنّ المراد بقوله تعالى: {كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا} [التحريم: 10] .
أنّهما خانتا زوجيهما بإبطان الكفر، ويدلّ لذلك مقابلة حالهما بحال امرأة فرعون {إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ} إلى قوله: {وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [التحريم: 11] » 66.
وقد أحل الله عز وجل للرجال أن يتزوجوا ما طاب لهم من النساء، فيجمعوا بين اثنين أو ثلاثة أو أربعة في وقت واحد إذا استطاعوا العدل بينهن.
قال عز وجل: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} [النساء: 3] .
أي: وإن خفتم ألا تعدلوا في يتامى النساء اللاتي تحت حجوركم وولايتكم، وخفتم أن لا تقوموا بحقهن لعدم محبتكم إياهن، فاعدلوا إلى غيرهن، وانكحوا ما طاب لكم، ووقع عليهن اختياركم من ذوات الدين.
وفي هذه الآية: أنه ينبغي للإنسان أن يختار قبل النكاح، بل وقد أباح له الشارع النظر إلى من يريد تزوجها؛ ليكون على بصيرة من أمره 67.
رابعًا: المسكن:
امتن الله عز وجل على أهل سبأ؛ لأنه رزقهم البلدة الطيبة، والمسكن الطيب.
قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ} [سبأ: 15] .
يقول تعالى ذكره: لقد كان لولد سبأ في مسكنهم علامة بينة، وحجة واضحة على أنه لا رب لهم إلا الذي أنعم عليهم النعم التي كانوا فيها، حيث آتاهم الله عز وجل بستانين كانا بين جبلين، عن يمين من أتاهما وشماله، ثم أمرهم سبحانه: كلوا من رزق ربكم الذي يرزقكم من هاتين الجنتين من زروعهما وأثمارهما، واشكروا له على ما أنعم به عليكم من رزقه ذلك.
ثم ابتدأ الخبر عن البلدة فقال: هذه بلدة طيبة، ورب غفور لذنوبكم إن أنتم أطعتموه.
يحتمل ما ذكر من طيبها: هو سعتها، وكثرة ريعها ومياهها وألوان ثمارها وفواكهها، وقيل: غير سبخة، وقيل: طيبة ليس فيها هوام لطيب هوائها، وقيل: طاهرة عن المؤذيات لا حية فيها ولا عقرب ولا وباء ولا وخم 68.
ولقد ضرب الله عز وجل المثل في الدنيا بالمسكن الطيب والبلدة الطيبة.
قال تعالى: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ} [الأعراف: 58] .
يقول سبحانه: والبلد الطيب، أي: طيب التربة والمادة إذا نزل عليه مطر يخرج نباته الذي هو مستعد له بإرادة الله ومشيئته، فليست الأسباب مستقلة بوجود الأشياء حتى يأذن الله بذلك 69.
هذا عن المسكن الطيب في الدنيا، أما في الآخرة فقد بشر الله عز وجل أهل الإيمان بالمساكن الطيبة في الجنة.
قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 72] .
وقال تعالى: {يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [الصف: 12] .
والمساكن الطيبة الواردة في الآيتين تفسر بأنها مساكن قد زخرفت وحسنت، وأعدت لعباد الله المتقين، قد طاب مرآها، وطاب منزلها ومقيلها، وجمعت من آلات المساكن العالية ما لا يتمنى فوقه المتمنون، حتى إن الله تعالى قد أعد لهم غرفًا في غاية الصفاء والحسن، يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها.
فهذه المساكن الأنيقة التي حقيق بأن تسكن إليها النفوس، وتنزع إليها القلوب، وتشتاق لها الأرواح؛ لأنها في جنات عدن، أي: إقامة لا يظعنون عنها، ولا يتحولون منها 70.
قال ابن كثير: « {وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 72] .
يخبر تعالى بما أعدّه للمؤمنين به والمؤمنات من الخيرات والنّعيم المقيم في {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا} أي: ماكثين فيها أبدًا، {وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً} أي: حسنة البناء، طيّبة القرار.
كما قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: (جنّتان من ذهبٍ آنيتهما وما فيهما، وجنّتان من فضّةٍ آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربّهم إلّا رداء الكبرياء على وجهه في جنّة عدنٍ) 71.
وبه قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: (إنّ للمؤمن في الجنّة لخيمة من لؤلؤةٍ واحدةٍ مجوّفة، طولها ستّون ميلًا في السّماء، للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم، لا يرى بعضهم بعضًا) 72.
وفي الصّحيحين أيضًا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: (من آمن باللّه ورسوله، وأقام الصّلاة، وصام رمضان، فإنّ حقًّا على اللّه أن يدخله الجنّة، هاجر في سبيل اللّه، أو جلس في أرضه الّتي ولد فيها) .
قالوا: يا رسول اللّه، أفلا نخبر النّاس؟
قال: (إنّ في الجنّة مائة درجةٍ، أعدّها اللّه للمجاهدين في سبيله، بين كلّ درجتين كما بين السّماء والأرض، فإذا سألتم اللّه فاسألوه الفردوس، فإنّه أعلى الجنّة، وأوسط الجنّة، ومنه تفجّر أنهار الجنّة، وفوقه عرش الرّحمن) 73» 74.
خامسًا: الذرية:
قال تعالى: {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} [آل عمران: 38] .
عند رؤية زكريا ما رأى عند مريم من رزق الله الذي رزقها، وفضله الذي آتاها من غير تسبب أحد من الآدميين في ذلك لها، ومعاينته عندها الثمرة الرطبة التي لا تكون في حين رؤيته إياها عندها في الأرض؛ طمع بالولد، مع كبر سنه، من المرأة العاقر فرجا أن يرزقه الله منها الولد، مع الحال التي هما بها، كما رزق مريم على تخليها من الناس ما رزقها من ثمرة الصيف في الشتاء، وثمرة الشتاء في الصيف، وإن لم يكن مثله مما جرت بوجوده في مثل ذلك الحين العادات في الأرض، بل المعروف في الناس غير ذلك، كما أن ولادة العاقر غير الأمر الجارية به العادات في الناس، فرغب إلى الله جل ثناؤه في الولد، وسأله الذرية الطيبة، وهي المباركة طاهرة الأخلاق، طيبة الآداب، لتكمل النعمة الدينية والدنيوية بهم 75.
من الآباء من أرّقهم عصيان وضياع أبناءهم، فتجدهم يبذلون الغالي والنفيس في سبيل استصلاحهم ودلالتهم على طرق الهدى، ومنهم من يتمنى أن يرزقه الله ذرية طيبة يأنس بهم في حياته، ويجتمع بهم في الجنة بعد مماته.
وحسبي من هذه اللفتة أن أشير إلى مفتاح عظيم من مفاتيح صلاح الذرية التي استعان بها الأنبياء بربهم لصلاح ذرياتهم: هو الدعاء، فزكريا عليه السلام يقول كما في كتاب ربنا عز وجل: {رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} [آل عمران: 38] .
وإبراهيم عليه السلام كان يقول: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ} [الصافات: 100] .
فاستجاب الله دعاءه {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ} [الصافات: 101] .
وكان يقول: {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ} [إبراهيم: 40] .
والتجأ إلى الله تعالى في موضع آخر في كتابه {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} [إبراهيم: 35] .
وهذا منطلق لكل أب بأن يجعل أمر الدعاء لذريته ملازمًا له قبل الولادة أو بعدها؛ اقتداء بأنبياء الله.
إن من الأوصاف التي وصف الله بها عباده في سورة الفرقان: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: 74] .
إن على الآباء أن يمسكوا بزمام الدعاء لذريتهم اقتداء بأنبيائهم، وأن يتفطنوا لخطورة الدعاء عليهم، فبعض الآباء والأمهات يدعون على أبناءهم باللعنة والمرض وعدم التوفيق، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم) 76.
سادسًا: الريح:
قال تعالى: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [يونس: 22] .
في الآية التي قبلها ذكر تعالى القاعدة العامة في أحوال الناس عند إصابة الرحمة لهم بعد الضراء، واليسر بعد العسر، ثم يذكر حالة تؤيد ذلك، وهي حالهم في البحر عند اشتداده، والخوف من عواقبه، فقال: هو الذي يسيركم في البر والبحر بما يسر لكم من الأسباب المسيرة لكم فيها، وهداكم إليها. حتى إذا كنتم في السفن البحرية، وجرين بهم بريح طيبة موافقة لما يهوونه، من غير انزعاج ولا مشقة.
وفرحوا بها، واطمأنوا إليها، فبينما هم كذلك إذ جاءتهم ريح عاصف شديدة الهبوب، وجاءهم الموج من كل مكان، وعرفوا أنه الهلاك، فانقطع حينئذٍ تعلقهم بالمخلوقين، وعرفوا أنه لا ينجيهم من هذه الشدة إلا الله وحده، فدعوه مخلصين له الدين، ووعدوا من أنفسهم على وجه الإلزام، فقالوا: لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين، فلما أنجاهم نسوا تلك الشدة وذلك الدعاء، وما ألزموه أنفسهم، فأشركوا بالله، من اعترفوا بأنه لا ينجيهم من الشدائد، ولا يدفع عنهم المضايق، فهلا أخلصوا لله العبادة في الرخاء، كما أخلصوها في الشدة؟!
والطيب: الموصوف بالطيب الشديد، وأصل معنى الطيب: الملاءمة فيما يراد من الشيء، ويقال: طاب له المقام في مكان كذا، ومنه سمي الشيء الذي له ريح وعرف طيبًا.
وكأنه سبحانه يتكلم هنا عن السفن الشراعية التي تسير بالهواء المتجمّع في أشرعتها، وإذا كان التقدم في صناعة السفن قد تعدّى الشراع، وانتقل إلى البخار، ثم الكهرباء، فإن كلمة الحق سبحانه: {بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ} تستوعب كل مراحل الارتقاء، خصوصًا وأن كلمة (الريح) قد وردت في القرآن الكريم بمعنى القوة أيا كانت: من هواء، أو محرك يسير بأية طاقة 77.
سابعًا: الحياة:
بشر الله عز وجل الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فقال: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97] .
يقول تعالى ذكره: من عمل بطاعة الله، وأوفى بعهود الله إذا عاهد من ذكر أو أنثى من بني آدم، وهو مصدّق بثواب الله الذي وعد أهل طاعته على الطاعة، وبوعيد أهل معصيته على المعصية، فلنحيينه حياة طيبة، ويجزيهم أجرهم في الآخرة بأحسن ما كانوا يعملون 78.
قال الطبري رحمه الله: «فلنحيينه حياة طيبة بالقناعة؛ وذلك أن من قنعه الله بما قسم له من رزق لم يكثر للدنيا تعبه، ولم يعظم فيها نصبه، ولم يتكدّر فيها عيشه باتباعه بغية ما فاته منها، وحرصه على ما لعله لا يدركه فيها.
وإنما كان ذلك أولى التأويلات في ذلك بالآية؛ لأن الله تعالى ذكره أوعد قومًا قبلها على معصيتهم إياه إن عصوه أذاقهم السوء في الدنيا، والعذاب في الآخرة، فقال تعالى: {وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [النحل: 94] .
فهذا لهم في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب عظيم، فهذا لهم في الآخرة، ثم أتبع ذلك لمن أوفى بعهد الله وأطاعه» 79.
إن الحياة الطيبة مطلب عظيم، وغاية نبيلة، بل هي مطلب كل الناس وغايتهم التي عنها يبحثون، وخلفها يركضون، وفي سبيلها يضحون ويبذلون، فما من إنسان في هذه الحياة إلا وتراه يسعى ويكدح ويضني نفسه ويجهدها كل ذلك بحثًا عن الحياة الطيبة، وطمعًا في الحصول عليها، والناس جميعًا على ذلك متفقون؛ ولكنهم يختلفون في سبل هذه الحياة الطيبة، وفي نوعها ومسالكها؛ وتبعًا لذلك فإنهم يختلفون في الوسائل والسبل التي توصلهم إلى هذه الحياة إن وصلوا إليها.
مختلفون على كافة مستوياتهم كانوا أممًا أو شعوبًا، أو مجتمعات صغيرة أو كبيرة، بل حتى الأسرة الواحدة تجد فيها ألوانًا شتى في فهم معنى الحياة الطيبة.
وللناس في كل زمان أفهام حول هذه الحياة الطيبة، وهم تبعًا لذلك أصناف، فمنهم من يرى الحياة الطيبة في كثرة المال وسعة الرزق، ومنهم من يراها في الولد أو في المنصب أو في الجاه.
لكن الله تعالى -ومن أصدق من الله حديثًا- قد حدد لنا مفهوم الحياة الطيبة، وسبيلها في كتابه الكريم، فقال: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97] .
حياة طيبة في الدنيا، وهي قوله تعالى: {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} ، وحياة طيبة في الآخرة، وهي معنى قوله تعالى: {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} .
فهذه الحياة الطيبة أساسها وقوامها على أمرين اثنين، أمرين عظيمين جليلين يسيرين على من يسرهما الله عليه:
الأمر الأول: الإيمان بالله تبارك وتعالى.
والأمر الثاني: عمل الصالحات وفق ما شرعه الله تبارك وتعالى، وما جاء عن رسوله 80. ولله در من قال 81:
يا متعب الجسم كم تسعى لخدمته
أتعبت جسمك فيما فيه خسران
أقبل على الروح واستكمل فضائلها
فأنت بالروح لا بالجسم إنسان
وقد يظن بعض الناس أن الحياة الطيبة في كثرة الأموال والأولاد والتفاخر بالمناصب والرتب؛ ولذا فهو يحاول الحصول على هذه الأشياء بما شرع وبما لم يشرع.
إن السعادة أن تعيش
لفكرة الحق التليد
لعقيدة كبرى تحل
قضية الكون العتيد
هذي العقيدة للسعيد
هي الأساس هي العمود
من عاش يحملها ويهتف
باسمها فهو السعيد 82
فالحياة الطيبة هي التي يحقق المرء فيها السعادة الحقيقية، والتي يمثلها قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من أصبح منكم آمنًا في سربه، معافًى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنّما حيزت له الدّنيا بحذافيرها) 83.
وما السعادة في الدنيا لذي أمل
إنّ السعيد الذي ينجو من النار 84
بين لنا ربنا سبحانه في القرآن بعضًا من آثار ابتغاء الطيبات المعنوية، ومن ذلك:
1.ابتغاء الطيبات سبب في القبول.
قال سبحانه: {وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ} [الحج: 24] .
جائز أن يكون هذا في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا: هو قول التوحيد، وشهادة الإخلاص.
وأمّا في الآخرة كقوله تعالى: {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [يونس: 10] .
فهو القول الطيب الذي هدوا إليه. و {الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ} هو كل قول حسن 85.
وهذا القول الطيب الذي يهدي الله المؤمنين إليه هو الذي يرفع إلى الله عز وجل، ويقبله ويثني على صاحبه.
ويشير ربنا سبحانه وتعالى إلى هذا المعنى في آية أخرى، فيقول جل ثناؤه: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ} [فاطر: 10] .
2.ابتغاء الطيبات سبب في الثبات والتوفيق.
قال سبحانه: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ} [إبراهيم: 24 - 26] .
يقول سبحانه: ألم تر كيف ضرب الله مثلًا كلمة طيبة (وهي شهادة أن لا إله إلا الله وفروعها) كشجرة طيبة (وهي النخلة) أصلها ثابت في الأرض، وفرعها منتشر في السماء، وهي كثيرة النفع دائمًا، تؤتي ثمرتها كل حين بإذن ربها، فكذلك شجرة الإيمان، أصلها ثابت في قلب المؤمن، علمًا واعتقادًا، وفرعها من الكلم الطيب والعمل الصالح والأخلاق المرضية، والآداب الحسنة في السماء دائمًا يصعد إلى الله منه من الأعمال والأقوال التي تخرجها شجرة الإيمان ما ينتفع به المؤمن وينفع غيره، ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ما أمرهم به ونهاهم عنه، فهذه صفة كلمة التوحيد وثباتها، في قلب المؤمن 86.
هذه هي صفة المؤمن الذي يبتغي الطيب ضرب الله عز وجل له مثلًا بالشجرة الثابتة الأركان والأصول.
معادلةٌ ربّانية يسيرة إن حقّقها العبد تحقّقت له الحياة الطيبة، هذه المعادلة هي وعده عز وجل بالحياة الطيبة لمن عمل صالحًا وهو مؤمن.
قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97] .
فالآية الكريمة ذكرت طرفي المعادلة:
الطرف الأول: العمل الصالح والإيمان {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ} [النحل: 97] .
والطرف الثاني: الحياة الطيبة في الدنيا، بالإضافة إلى الجزاء الأخروي {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97] .
فالطرف الأول شرط لتحقّق الطرف الثاني، يقول ابن القيم في المدارج: «وقد جعل الله الحياة الطيبة لأهل معرفته ومحبته وعبادته.
فقال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97] » 87.
قال الشنقيطي في الأضواء في سياق تعليقه على الآية: «وفي الآية الكريمة قرينة تدلّ على أن المراد بالحياة الطيبة في الآية: حياته في الدنيا حياة طيّبة، وتلك القرينة هي أنّنا لو قدّرنا أن المراد بالحياة الطيبة حياته في الجنة في قوله: {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} [النحل: 97] .
صار قوله: {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97] .
تكرارًا معه؛ لأنّ تلك الحياة الطيبة هي أجر عملهم، بخلاف ما لو قدّرنا أنها في الحياة الدنيا فإنه يصير المعنى: فلنحيينه في الدنيا حياة طيّبة، ولنجزينّه في الآخرة بأحسن ما كان يعمل، وهو واضح» 88.
بين ربنا سبحانه وتعالى أن ابتغاء الطيبات سبب في المغفرة في الدنيا، ودخول الجنة في الآخرة.