فهرس الكتاب

الصفحة 1907 من 2431

إن تساؤل المؤمنين بقولهم: {أَنَّى هَذَا} يكشف عن أن أكثرهم كان يظن أن كونهم على دين الحق سببٌ كافٍ لغلبتهم أينما غزوا وظهورهم على الباطل كيفما كانوا، وربما دفعهم إلى هذا الظن ما شاهدوه يوم بدر من ظهورهم على عدوهم، ونزول الملائكة مددا لهم، وهو ظن يؤدي إلى إفساد أساس الدين القائم على السنن الجارية لا على خوارق العادة، وتعطيل سنة الله في النصر والهزيمة القائمة على أسبابها العادية.

كان جواب القرآن الكريم حاسمًا: {قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} ، فقد انطبقت عليهم سنة الله تعالى في العمل والجزاء، فكانت النتيجة أثرا طبيعيا للعمل، فأنفسهم هي التي أخلت بشروط النصر حين عصت أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي التي دفعتهم إلى الطمع في الغنيمة، وبالجملة فقد عرضوا أنفسهم لسنة الله تعالى التي لا تعرف محاباة ولا استثناءات، فانطبقت عليهم.

وبعد ذلك العتاب الشديد، جاء التوجيه السديد، فطمأن الله جل ثناؤه عباده المؤمنين بأن العاقبة لهم، وأن الدائرة على الكافرين المكذبين، ولكنه لم يسق ذلك في قالب وعظي مباشر، بل أرشدهم إلى عالم السنن التي تحكم أسباب النصر والهزيمة، وردهم إلى الأصول التي تجري وفقها الأمور، فهم ليسوا بدعا في الحياة، فإذا هم درسوها، وأدركوا مغازيها، تكشفت لهم الحكمة من وراء الأحداث، وتبينت لهم الأهداف من وراء الوقائع، واطمأنوا إلى ثبات النظام الذي تتبعه الأحداث 125.

وتلك هي النقلة التي رفع القرآن الكريم المؤمنين إلى مستواها، فأصبحوا وحدهم قادرين على الاهتداء والاتعاظ بسنن الله تعالى، وهو المقصود بقوله جل وعلا: {هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138) } ، فالإشارة بقوله: {هَذَا} عائدة إلى ما سبق من قوله جل ثناؤه: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ} وهو ما اختاره الطبري 126.

أما آية سورة العنكبوت، وإن جاءت في سياق محاججة منكري البعث، فإن ما دعت إليه من السير في الأرض للوقوف على دلائل قدرة الله تعالى في بدء الخلق وإعادته، مما يدعى إليه المؤمنون أيضًا ليزدادوا إيمانًا، ولتطمئن قلوبهم، كما قال الخليل إبراهيم عليه السلام، ثم إن هذه الآية الكريمة من الآيات التي تدعو إلى اكتشاف سنن الله في الآفاق والأنفس، ويتعين على المؤمنين فقهها والعمل بمقتضاها، إذا أرادوا أن يمكن لهم في الأرض.

إنها دعوة مفتوحة لكل من يريد أن يكتشف أسرار بدء الخلق؛ ومن إعجاز هذا النص أنه خطاب متجدد يستجيب لكل عصر، ويساير الاكتشافات العلمية، «ذلك أن المخاطبين بهذه الآية أول مرة لم يكونوا مؤهلين لمثل هذا البحث العلمي الذي نشأ حديثا، فلم يكونوا بمستطيعين يومئذ أن يصلوا من ورائه إلى الحقيقة المقصودة به -لو كان ذلك هو المقصود- فلا بد أن القرآن كان يطلب منهم أمرا آخر داخلا في مقدورهم، يحصلون منه على ما ييسر لهم تصور النشأة الآخرة. ويكون المطلوب حينئذ أن ينظروا كيف تبدأ الحياة في النبات والحيوان والإنسان في كل مكان. ويكون السير في الأرض لتنبيه الحواس والمشاعر برؤية المشاهد الجديدة، ودعوتها إلى التأمل والتدبر في آثار قدرة الله على إنشاء الحياة التي تبرز في كل لحظة من لحظات الليل والنهار» 127.

واليوم استطاع العلم الحديث أن يؤكد الكثير من معاني تلك الآية الكريمة، بما أتيح للإنسان من إمكانات علمية، جعلته يرتاد الآفاق برًا وبحرًا وجوًا؛ ليقف في رحلاته تلك على دلائل بدء الخلق في كثير من مظاهر الكون.

وهناك ملمح علمي آخر نستشفه من التعبير بالفعل الماضي في قول الله جل وعلا: {كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ} ، وهو إشارة إلى إمكانية السير في الأرض والبحث للكشف عن كيفية بدء الخليقة على كوكب الأرض عبر الحفريات.

لقد تفاعل سلف هذه الأمة بإيجابية مع هذه الآية ومثيلاتها، ففقهوا معناها وعملوا بمقتضاها، فساروا في الأرض وضربوا في مناكبها متأملين ومكتشفين سنن الله في الآفاق والأنفس، فأبدعوا واخترعوا ونبغ منهم علماء في مختلف العلوم والفنون، وقدموا للبشرية أنموذجا راقيا من الحضارة شهد بتألقها الأعداء قبل الأصدقاء.

واليوم لا يخفى ما في واقع المسلمين من تقصير في تطبيق هذه الآية ومثيلاتها، حين ركنوا إلى الكسل والأماني، وقعدوا عن السير في الأرض والتأمل في سنن الآفاق والأنفس، وتركوا الساحة لغيرهم يكتشفون مكنونات الكون ويسخرون مدخراته في حياتهم، مما منحهم تفوقًا هائلًا في مجال التكنولوجيا والمعلوماتية، يقف المسلمون إزاءها مشدوهين، لا يسهمون فيها بشيء سوى الاستهلاك بطعم المذلة والمهانة أمام طغيان وجبروت العالم الغربي.

لقد كان المسلمون أحق بهذه الإنجازات انطلاقا من تعاليم كتابهم الذي فتح لهم آفاق السير في الأرض لاكتشاف سنن الله تعالى في الخلق، وتوجيهها الوجهة الإيمانية التي تسعد البشرية وتمنحها الحياة الطيبة.

ثانيًا: مخاطبة المكذبين:

يمثل خطاب المكذبين من الكفار والمشركين أغلب آيات السير، ويأتي إما مباشرا، أو غير مباشر -وهو الغالب- ويكون بضمير الغيبة مع الاستفهام الإنكاري، أو الخطاب بواسطة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كشف الله جل شأنه في تلك الآيات مخازي أولئك المكذبين، وهي تدور في مجملها حول جريمتين هما: تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم، وإنكار البعث، وسأذكر كل جريمة على حدة.

أولًا: تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ورد في أربعة مواضع هي: [الأنعام: 10 - 11] ، [يوسف: 109] ، [النحل: 35 - 36] ، [الحج: 42 - 46] .

خوطب فيها المكذبون خطابًا شديدًا فيه تهديد ووعيد بمصير مشؤوم، كالذي طال المكذبين بالرسل من قبل، ولا يتسع المقام لذكرها جميعا، لذلك سأكتفي بعرض أنموذجين فقط.

الأنموذج الأول: نقرؤه في قول الله جلت قدرته: {وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (42) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (43) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (44) فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (45) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46) } [الحج: 42 - 46] .

فالمقطع تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما ناله من أذى المشركين، وحض له على الصبر على ما يلحقه منهم من السب والتكذيب، يقال له: «لست بأوحديٍ في التكذيب، فقد كذب الرسل قبلك أقوامهم، وكفاك بهم أسوة» 128.

ثم ذكر ما أصاب أولئك المكذبين بعد الإملاء والاستدراج، فقد أحل الله تعالى بهم عقابه، فأبدلهم بالنعمة محنة، وبالحياة هلاكا، وبالعمارة خرابًا، وقد عرض المقطع مصارع الأقوام في مشهد شاخص مؤثر؛ قرًى مدمرةٌ خاويةٌ، وآبارٌ معطلةٌ مهجورةٌ، وقصورٌ مشيدةٌ خاليةٌ وموحشةٌ، وهي مشاهد تتحدث بالعبر وتنطق بالعظات، رآها وسمع عنها كفار قريش، ولكن لا عبرة ولا موعظة، ومن ثم يأتي السؤال في استنكار وتعجيب من عدم تأثير تلك المشاهد في نفوس أولئك المكذبين، ولكن إذا عرف السبب بطل العجب، فالقوم نزلوا إلى درك من البهيمية، فتعطلت آلات المعرفة لديهم، فلا القلوب تعي ولا الآذان تسمع، ولذلك يرون ولا يدركون، ويسمعون ولا يعتبرون.

الأنموذج الثاني: من خطاب المكذبين بنبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم يستوقفنا في سورة يوسف في قول الحق تبارك وتعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (109) } [يوسف: 109] .

فالآية الكريمة رد على اعتراض المشركين على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، واستغرابهم أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم بشرًا، كما في قوله تعالى: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (94) } [الإسراء: 94] .

فبين الله جل ذكره أن إرسال الرسل عليهم الصلاة والسلام من البشر سنة إلهية قديمة، فهل كان الرسل السابقون أمثال: إبراهيم وإسماعيل وموسى وعيسى عليهم السلام، ممن يقر المشركون بنبوتهم إلا بشرًا؟ فلماذا الاستغراب من بشرية خاتمهم صلى الله عليه وسلم؟

ثم توعدهم سبحانه وتعالى بالمصير المشئوم والعاقبة السيئة التي صار إليها الهالكون السابقون الذين اعترضوا على أنبيائهم، وقد رأوا بأعينهم آثارهم وبقايا ديارهم في رحلاتهم وأسفارهم، وهو المقصود بقوله سبحانه وتعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} .

فقد ساروا ورأوا ولكنهم لم يتعظوا ولم يعتبروا، إذ كان همهم الدنيا؛ بها شغفوا وعليها تهالكوا وفي ملذاتها انغمسوا، ونسوا حظهم من الآخرة، ولذلك جاءهم الوعيد في قوله جل ذكره: {وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ} ، وفيها أيضا وعدٌ للمؤمنين الذين اتقوا ربهم بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، وفي الالتفات إلى المشركين بالخطاب بقوله: {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} زيادة توبيخ وتقريع، يقول: «أفلا يعقل هؤلاء المشركون بالله حقيقة ما نقول لهم، ونخبرهم به من سوء عاقبة الكفر، وغب ما يصير إليه حال أهله، مع ما قد عاينوا ورأوا وسمعوا مما حل بمن قبلهم من الأمم الكافرة المكذبة رسل ربها» 129.

ثانيًا: إنكار البعث: وقد ورد فيه ثلاثة نماذج هي:

الأنموذج الأول: في قول الله جل وعلا: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (67) لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (68) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (69) } [النمل: 67 - 69] .

قال ابن كثير: «يقول الله تعالى مخبرا عن منكري البعث من المشركين: أنهم استبعدوا إعادة الأجساد بعد صيرورتها عظاما ورفاتًا وترابا، ثم قال: {لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ} أي: ما زلنا نسمع بهذا نحن وآباؤنا، وما نرى له حقيقة ولا وقوعًا. وقولهم: {إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} : يعنون: ما هذا الوعد بإعادة الأبدان، {إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} أي: أخذه قوم عمن قبلهم، من قبلهم يتلقاه بعض عن بعض، وليس له حقيقة. قال الله تعالى مجيبا لهم عما ظنوه من الكفر وعدم المعاد: {قُلْ} يا محمد لهؤلاء: {سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ} أي: المكذبين بالرسل وما جاؤوهم به من أمر المعاد وغيره، كيف حلت بهم نقم الله وعذابه ونكاله، ونجى الله من بينهم الرسل ومن اتبعهم من المؤمنين، فدل ذلك على صدق ما جاءت به الرسل وصحته» 130.

فإنكار هؤلاء المجرمين للبعث وصل حد التبجح، فما يخبرهم به النبي صلى الله عليه وسلم عن البعث والنشور - في اعتقادهم- حديث خرافة حكاه الأولون وسطروه وتلقفه من جاء بعدهم، ولم يقع منه شيء، ولما أمعن الذين كفروا في إنكارهم وعاندوا، أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أن يحذرهم من عواقب إنكارهم؛ بأن يسيروا في الأرض ويعتبروا بمن كان قبلهم من المكذبين رسل الله، وكيف دمر الله عليهم، فخلت منهم الديار، وتعفت منهم الآثار، وتلك سنة الله في كل مجرم لايؤمن بالله واليوم الآخر.

الأنموذج الثاني: ورد في قول المولى تبارك وتعالى: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (8) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (9) } [الروم: 7 - 9] .

وقد سبق ذكر معاني التفكر في الخلق الواردة في هذه الآيات، فلا حاجة لتكراره، ويهمنا في هذا المقام الإشارة إلى أن المخاطبين بالسير في الأرض منكرون للبعث، بدليل قوله تعالى: {وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} ، {وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ} ، وقد أنكر الله جل وعلا عليهم غفلتهم، ووبخهم كما يتضح من الاستفهام الإنكاري الذي تكرر مرتين، ونعى عليهم تعاميهم عن أدلة قدرته على إعادة الخلق المبثوثة في آيات الآفاق والأنفس، أو سنته في أخذ الظالمين الذين رأوا آثارهم وديارهم، فلا هم تبصروا بالأولى، ولا هم اتعظوا بالثانية، فلم يعد ينتظرهم إلا المصير المشؤوم الذي طال أمما ظالمة قبلهم، كانت أقوى وأشد منهم، فما أغنى عنهم ذلك من الله شيئًا.

الأنموذج الثالث: ورد في قول الله جلت قدرته: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (18) يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19) وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (20) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (21) } [غافر: 18 - 21] .

وليس المقصود بيان معاني هذا المقطع، وإنما سقته لبيان العلاقة بين الأمر بالسير وما سبقه من إنذار بيوم الأزفة، وتعني: يوم القيامة، وسميت بذلك لقربها وضيق وقتها 131.

فالآيات الثلاث الأولى تصوير لمشهد المكذبين يوم القيامة، وما يحيط بهم من كرب شديد حين تبلغ القلوب الحناجر، وقد يئسوا من شفيع يسعى لهم بعدم المؤاخذة بذنوبهم، ويئسوا أيضًا من استطاعة إخفاء شيء من نواياهم أو أدنى حركات أعمالهم على ربهم 132، يعرض عليهم هذا المشهد من يوم الحشر الذي يكذب به المشركون كأنه رأي العين.

ولما علم الله جل وعلا جحودهم وعنادهم، نقلهم من إنذارهم بعذاب الآخرة إلى موعظتهم وتحذيرهم من عذاب الدنيا كما حل بأمم أمثالهم، فخاطبهم في الآية الرابعة منكرًا وموبخًا: أولم يسر هؤلاء المقيمون على شركهم بالله، المكذبون رسوله من قريش، في البلاد، فيروا ما الذي كان خاتمة الأمم الذين كانوا من قبلهم، كانوا أشد منهم بطشًا، وأبقى في الأرض آثارًا، فلم تنفعهم شدة قواهم، وعظم أجسامهم، إذ جاءهم أمر الله، وأخذهم بما أجرموا من معاصيه واكتسبوا من الآثام، ولكنه أباد جمعهم، وصارت مساكنهم خاويةً منهم بما ظلموا، وما كان لهم من عذاب الله إذ جاءهم، من واقٍ يقيهم، فيدفعه عنهم 133.

تلك أهم النماذج من آيات السير في القرآن الكريم التي خوطب بها المكذبون للنبي صلى الله عليه وسلم والمنكرون للبعث، حاولت أن أقف عند دلالاتها ومعانيها، وما تحمل من النذر لكل من يسلك هذا السبيل، فيحل عليه العذاب، كما حل بالأمم التي كذبت رسلها، فجعلها الله عبرة لمن يعتبر.

موضوعات ذات صلة:

الأرض، البصر، التفكر، السعي، المشي

1 مقاييس اللغة، ابن فارس، 1/ 580.

2 انظر: الصحاح، الجوهري، ص 527، لسان العرب، ابن منظور، 4/ 389 - 390، القاموس المحيط، الفيروزآبادي، ص 412، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، ص 497.

3 التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي، ص 420.

4 1 انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص 374، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب السين ص 655 - 656.

5 2 انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني ص 278 - 279، عمدة الحفاظ، السمين الحلبي، 2/ 244 - 245.

6 القاموس المحيط، الفيروزآبادي، ص 1295.

7 لسان العرب، ابن منظور، 14/ 385.

8 مقاييس اللغة، ابن فارس،2/ 511.

9 لسان العرب، ابن منظور، 15/ 281.

10 المفردات، الراغب، ص 489.

11 مقاييس اللغة، ابن فارس، 2/ 66.

12 المفردات، ص 303.

13 انظر: الوجوه والنظائر في القرآن العظيم، مقاتل بن سليمان، ص 222.

14 القاموس المحيط، الفيروزآبادي، ص 225.

15 انظر: الكشاف، الزمخشري، 4/ 542، المحرر الوجيز، ابن عطية، 6/ 634.

16 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 16/ 351.

17 التحرير والتنوير، ابن عاشور، 20/ 228 - 229.

18 المصدر السابق 20/ 228.

19 مفاتيح الغيب، الرازي، 25/ 48.

20 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 16/ 352.

21 في ظلال القرآن، سيد قطب، 5/ 2730.

22 جامع الرسائل، رسالة: لفظ السنة في القرآن، المجموعة الأولى، ابن تيمية، ص 52.

23 انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، فؤاد عبد الباقي، مادة نظر، ص 877.

24 المنار، محمد رشيد رضا،، 4/ 142.

25 التحرير والتنوير، ابن عاشور، 4/ 97.

26 المصدر السابق.

27 انظر: العين، الفراهيدي، 4/ 237، الصحاح، الجوهري، 2/ 1148، مقاييس اللغة، ابن فارس، 2/ 567، لسان العرب، ابن منظور، 5/ 215، تاج العروس، الزبيدي، 14/ 245.

28 المفردات، الأصفهاني، ص 518 - 519.

29 الأشباه والنظائر، العسكري، ص 480.

30 المصدر السابق، ص 480 - 481.

31 نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ص 587، قاموس القرآن، الدامغاني، ص 459.

32 الكشاف، الزمخشري، 2/ 327.

33 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 14/ 419 - 420.

34 التحرير والتنوير، ابن عاشور، 4/ 97.

35 التحرير والتنوير، ابن عاشور، 20/ 230.

36 جامع البيان، الطبري، 6/ 70.

37 انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود، 1/ 260، فتح القدير، الشوكاني، ص 245.

38 التحرير والتنوير، ابن عاشور، 4/ 97.

39 انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، 9/ 12.

40 إرشاد العقل السليم، أبو السعود، 1/ 560.

41 جامع البيان، الطبري، 14/ 216 - 217.

42 المصدر السابق، 9/ 166 - 167.

43 انظر: نظم الدرر، البقاعي، 14/ 207.

44 الكشاف، الزمخشري،5/ 519.

45 انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، 26/ 88.

46 فتح البيان، القنوجي، 13/ 56.

47 التحرير والتنوير، ابن عاشور، 26/ 88.

48 انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي،4/ 200.

49 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 6/ 305.

50 الكشاف، الزمخشري، 4/ 582.

وانظر: المحرر الوجيز، ابن عطية، 7/ 31، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 6/ 320

51 انظر: التفكر من المشاهدة إلى الشهود، مالك بدري، ص 63 - 64.

52 مقاييس اللغة، ابن فارس، 2/ 328.

53 لسان العرب، ابن منظور، 5/ 65.

54 القاموس المحيط، الفيروزآبادي، ص 458.

55 المفردات، الراغب، ص 398.

56 مفردات القرآن، عبد الحميد الفراهي، ص 302.

57 تعليم التفكير، فتحي عبد الرحمن جروان، ص 33.

58 الحكمة في مخلوقات الله، أبو حامد الغزالي، ص 14.

59 مفتاح دار السعادة، ابن القيم، 1/ 545 - 546.

60 إحياء علوم الدين، الغزالي، 4/ 388.

61 انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، 20/ 229.

62 جامع البيان، الطبري، 18/ 376.

63 تفسير القرآ العظيم، ابن كثير، 6/ 270.

64 جامع البيان، الطبري، 18/ 376.

65 إرشاد العقل السليم، أبو السعود، 4/ 332.

66 جامع البيان، الطبري، 18/ 378.

67 جامع البيان، الطبري، 18/ 464.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت