فهرس الكتاب

الصفحة 579 من 2431

النصر

أولًا: المعنى اللغوي:

النون والصاد والراء أصل صحيح يدل على إتيان خير وإيتائه، ونصر الله المسلمين: آتاهم الظفر على عدوهم، ينصرهم نَصْرًا، وانتصر: انتقم، وأما الإتيان فالعرب تقول: نَصَرْتُ بلد كذا: إذا أتيته، ويسمى المطر نَصْرًا، ونصرت الأرض، فهي منصورة، والنصر: العطاء، والنصر: العون 1.

نَصَرَهُ على عَدوِّه، يَنْصُرُه نَصْرًا، والاسم النُّصْرَةُ، والنَّصيرُ، والناصِرُ، وجمعه أنصارٌ كشريفٍ وأشرافٍ، وجمع الناصر: نصرٌ كصاحبٍ وصحبٍ، واستنصره على عدوه: سأله أن ينصره عليه، وتناصر القوم: نصر بعضهم بعضًا، والنصارى جمع نصرانٍ ونصرانةٍ 2.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

لا يختلف النصر في معناه الاصطلاحي عن المعنى اللغوي، فهو يتضمن عدة معانٍ، منها: العون، والتأييد، والعطاء، ودفع الضر، فنصر فردٍ أو جماعة يشمل إعانتهم بالقول أو الفعل، وتأييدهم بالقول أو الفعل، وإعطاءهم ما ينصرهم، ويدفع الضر عنهم، وإلى هذا أشار الشوكاني رحمه الله بقوله: «هو التأييد الذي يكون به قهر الأعداء وغلبهم والاستعلاء عليهم» 3.

وردت مادة (نصر) في القرآن الكريم (155) مرة، يخص موضوع البحث منها (140) مرة 4.

والصيغ التي وردت، هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 15 ... {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ} [آل عمران:123]

الفعل المضارع ... 43 ... {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7) } [محمد:7]

فعل الأمر ... 8 ... {وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250) } [البقرة:250]

المصدر ... 22 ... {أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214) } [البقرة:214]

اسم الفاعل ... 15 ... {فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (10) } [الطارق:10]

الجمع ... 11 ... {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (270) } [البقرة:270]

الصفة المشبهة ... 24 ... {وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (107) } [البقرة:107]

اسم المفعول ... 2 ... {فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (33) } [الإسراء:33]

وجاء النصر في الاستعمال القرآني على أربعة أوجه 5:

الأول: المنع: ومنه قوله تعالى: {وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} [البقرة: 48] . يعني: ولا هم يمنعون.

الثاني: العون: ومنه قوله تعالى: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ} [الحج: 40] .

الثالث: الظفر: ومنه قوله تعالى: {وَمَا النَّصْرُ} يعني: وما الظفر {إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [آل عمران: 126] .

الرابع: الانتقام: ومنه قوله تعالى: {وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ} [الشورى: 41] . يعني: انتقم.

الفتح:

الفتح لغةً:

الفاء والتاء والحاء أصلٌ صحيح يدل على خلاف الإغلاق. يقال: فتحت الباب وغيره فتحًا. ثم يحمل على هذا سائر ما في هذا البناء. فالفتح والفتاحة: الحكم، والله تعالى الفاتح أي: الحاكم.

والفتح: الماء يخرج من عينٍ أو غيرها، والفتح: النصر والظفر، واستفتحت: استنصرت 6.

الفتح اصطلاحًا:

إزالة الإغلاق والإشكال؛ بصرًا وبصيرةً 7.

الصلة بين النصر والفتح:

النصر: الإغاثة والإظهار على العدو، والفتح: إظهار على العدو بفتح البلاد دون إغاثة 8.

ظفر:

ظفر لغةً:

الظاء والفاء والراء أصلان صحيحان، يدل أحدهما على القهر والفوز والغلبة، والآخر على قوةٍ في الشيء، ولعل الأصلين يتقاربان في القياس، والظفر: الفوز، وأصله من: ظفر عليه. أي: نشب ظفره فيه 9.

ظفر اصطلاحًا:

غلبة وقهر الآخرين بالقوة والسيطرة عليهم.

الصلة بين النصر والظفر:

النصر: هو العلو على المنازع والخصم والمناوئ المشاغب ككل، الظفر: العلو على المنازع قد يكون واحدا أو أكثر 10.

الفوز:

الفوز لغةً:

الفاء والواو والزاي كلمتان متضادتان، فالأولى: النجاة، والأخرى: الهلكة.

فمن الأولى قولهم: فاز يفوز، إذا نجا، وهو فائز، وفاز بالأمر: إذا ذهب به وخلص، ويقال هذا لمن ظفر بخير وذهب به، والكلمة الأخرى قولهم: فوز الرجل، إذا مات وهلك 11.

الفوز اصطلاحًا:

«الظفر بالخير مع حصول السلامة» 12.

الصلة بين النصر والفوز:

النصر: هو الخلاص من اضطهاد وسيطرة الآخرين مع إذلالهم، الفوز: هو الخلاص من المكروه مع الوصول الى المحبوب 13.

الظهور:

الظهور لغةً:

الظاء والهاء والراء أصل صحيح واحد يدل على قوة وبروز، من ذلك: ظهر الشيء يظهر ظهورا فهو ظاهر، إذا انكشف وبرز، والظهور: الغلبة 14.

الظهور اصطلاحًا:

تكلف المظاهرة، وهو تسند القوة، كأنه استناد ظهر إلى ظهر 15.

الصلة بين النصر والظهور:

النصر: يكون بقصد مخطط له، والظهور: يكون بقصد وبغير قصد 16.

ذكر سبحانه وتعالى أنه خير الناصرين لأوليائه، وأن الكافرين ليس لهم نصير يمنعهم من عذابه.

أولًا: الله سبحانه وتعالى نصير المؤمنين:

أخبر سبحانه وتعالى أنه المتولي للمؤمنين تولي عناية، والناصر لهم من أعدائهم.

قال تعالى: {وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} [الأنفال: 40] .

وقال تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} [الحج: 78] .

أي: «ونعم الناصر من الأعداء» 17، فيدفع عن المؤمنين «كيد الفجار، وتكالب الأشرار» 18، وعطف على {نِعْمَ الْمَوْلَى} قوله: {وَنِعْمَ النَّصِيرُ} ؛ لما في المولى من معنى النصر 19.

ثانيًا: الكافرون لا نصير لهم:

أخبر سبحانه وتعالى أن الكافرين يحرمون النصير؛ بسبب كفرهم.

قال تعالى: {وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [الفتح: 22] .

وقال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} [آل عمران: 56] .

وقال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ} [الحج: 71] .

وقال تعالى: {وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ} [فاطر: 37] .

قال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} [الشورى: 8] .

أي: «والكافرون بالله ما لهم من ولي يتولاهم يوم القيامة، ولا نصير ينصرهم من عقاب الله حين يعاقبهم، فينقذهم من عذابه، ويقتص لهم ممن عاقبهم» 20.

وأخبر عز وجل أن المنافقين لا يجدون من يدفع عنهم عذاب الله.

قال تعالى: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ لَهُمْ فِي وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} [التوبة: 74] .

وقال تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} [النساء: 145] .

أي: ينقذهم مما هم فيه، ويخرجهم من أليم العذاب 21.

وأخبر سبحانه وتعالى أن المستنكفين عن عبادته والمستكبرين عنها لا يجدون من دون الله من ينجيهم من عذابه إذا حل بهم.

قال تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [النساء: 173] .

أي: «ولا يجد المستنكفون عن عبادته والمستكبرون عنها إذا عذبهم الله الأليم من عذابه سوى الله لأنفسهم وليا ينجيهم من عذابه وينقذهم منه، ولا ناصرا ينصرهم، فيستنقذهم من ربهم، ويدفع عنهم بقوته ما أحل بهم من نقمته، كالذي كانوا يفعلون بهم إذا أرادهم غيرهم من أهل الدنيا في الدنيا بسوء من نصرتهم والمدافعة عنهم» 22.

ويستفاد من الآيات: أنه من كان يعتمد عند الضيق في الدنيا على الأولياء والنصراء من دون الله؛ ليكفوا عنهم المصائب، يحرم النصير الذي يدفع عنه عذاب الله يوم القيامة.

أشار القرآن الكريم إلى أن النصر منه المحمود ومنه المذموم، وسيتناول هذا المبحث هذه النوعين في النقاط الآتية:

أولًا: النصر المحمود:

وله صور، منها:

1.نصر الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.

أخذ الله الميثاق على كل نبي أنه إذا بُعِثَ محمد ليؤمنن به ولينصرنه.

قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ ? قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى? ذَ?لِكُمْ إِصْرِي ? قَالُوا أَقْرَرْنَا ? قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ(81 ) ) [آل عمران: 81] .

قال علي بن أبي طالب وابن عمه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: ما بعث الله نبيًّا من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق، لئن بعث محمدًا وهو حيٌّ ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته: لئن بُعِثَ محمدٌ صلى الله عليه وسلم وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه 23.

ويستفاد من الآية: علوُّ مرتبة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وأنه أفضل الأنبياء -عليهم السلام- وسيدهم.

وأخبر الله سبحانه وتعالى أن المهاجرين هم الذين صدقوا قولهم بفعلهم عند خروجهم من ديارهم وأموالهم للجهاد في سبيل الله ونصرة رسول الله.

قال تعالى: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ? أُولَ?ئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحشر: 8] .

أي: «وينصرون دين الله الذي بعث به رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم» 24.

«وهي صورة صادقة تبرز فيها أهم الملامح المميزة للمهاجرين، أخرجوا إخراجًا من ديارهم وأموالهم، أكرههم على الخروج الأذى والاضطهاد والتنكر من قرابتهم وعشيرتهم في مكة، لا لذنب (إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ.

وقد خرجوا تاركين ديارهم وأموالهم (يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا) اعتمادهم على الله في فضله ورضوانه. لا ملجأ لهم سواه، ولا جناب لهم إلا حماه، وهم مع أنهم مطاردون قليلون (ا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) بقلوبهم وسيوفهم في أحرج الساعات وأضيق الأوقات. (أُولَ?ئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) الذين قالوا كلمة الإيمان بألسنتهم، وصدقوها بعملهم، وكانوا صادقين مع الله في أنهم اختاروه، وصادقين مع رسوله في أنهم اتبعوه، وصادقين مع الحق في أنهم كانوا صورة منه تدب على الأرض ويراها الناس!» 25.

وفي الآية: أن من دلائل الإخلاص ما يلحق العامل من مشاقَّ وأذى وأضرار، فيحتمل ذلك ابتغاء مرضاة الله.

2.نصر المظلومين والمستضعفين.

حَثَّ الله عز وجل عباده المؤمنين وهيجهم؛ لنصرة إخوانهم المستضعفين الذين وقع عليهم الظلم من الأعداء، قال سبحانه وتعالى: {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا} [النساء: 75] .

وهؤلاء المستضعفون يدعون الله أن يجعل لهم من ينصرهم على من ظلمهم، أي: «واجعل لنا من عندك من ينصرنا على من ظلمنا من أهل هذه القرية الظالم أهلها، بصدهم إيانا عن سبيلك حتى تظفرنا بهم ونعلي دينك» 26.

ويستفاد من الآية: أن الجهاد من أجل استنقاذ المستضعفين من أيدي أعدائهم أعظم أجرًا وأكبر فائدة من جهاد الطلب 27؛ لأن هذا النوع من الجهاد من باب دفع الأعداء.

ثانيًا: النصر المذموم:

وله صور، منها:

1.نصر المعبودات من دون الله.

قال سبحانه وتعالى على لسان بعض قوم إبراهيم عليه السلام لبعض: (ے حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ) [الأنبياء: 68] .

«أي: إن كنتم ناصرين آلهتكم نصرًا مؤزرًا، فاختاروا له أفظع قتلة، وهي الإحراق بالنار، وإلا فقد فرطتم في نصرها» 28.

وأسند قول الأمر بإحراقه إلى جميعهم؛ لأنهم قبلوا هذا القول، والأمر في قولهم: (حَرِّقُوهُ) مستعمل في المشاورة 29.

ومن هداية الآية: أن المبطل إذا أفحم بالحجة القاهرة لجأ إلى ما عنده من القوة؛ ليستعملها ضد أهل الحق، وهذه عادة الطغاة والمستبدين في كل وقت، يستشير بعضهم البعض ثم ينبعث أشقاهم بالفكرة المهلكة وينفذها.

وأن الحرق وسيلة من وسائل الطغاة في محاربة أهل الحق؛ بقصد استئصالهم، وهذا ما حدث مع أصحاب الأخدود، وحدث مع ماشطة بنت فرعون وأبنائها، وحدث في العصر الحديث.

2.نصر أعداء الأمة.

عادة أهل النفاق معاونة أعداء الأمة من اليهود والنصارى ونصرتهم على المسلمين.

قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الحشر:11] .

أي: وإن قاتلكم محمد صلى الله عليه وسلم ومن معه لننصرنكم معشر بني النضير عليهم 30.

وهم -خذلهم الله- سبب كل بلية أصابت الأمة في ماضيها، وسبب كل بلية تصيب الأمة في حاضرها، وقد حصر الله العداوة فيهم؛ لأنهم في وسط المسلمين ويعرفون مواطن القوة والضعف، ويعرفون من أين يؤتى المسلمون؛ ثم يخبرون الأعداء بها، وخاصة إذا كانوا أهل قوة وسلطان.

قال تعالى: {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ} [المنافقون: 4] .

أولًا: سنن الله في نصر المؤمنين:

ومنها:

1.الابتلاء قبل النصر.

قرن سبحانه وتعالى في كتابه بين ابتلاء المؤمنين وتحقيق نصرهم على أعدائهم.

قال تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ ? مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى? يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى? نَصْرُ اللَّهِ ? أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) [البقرة: 214] .

قال الطبري رحمه الله في تفسير الآية: «أم حسبتم أنكم أيها المؤمنون بالله ورسله تدخلون الجنة، ولم يصبكم مثل ما أصاب من قبلكم من أتباع الأنبياء والرسل من الشدائد والمحن والاختبار، فتبتلوا بما ابتلوا واختبروا به من البأساء وهو شدة الحاجة، والفاقة، والضراء، وهي العلل، والأوصاب؛ ولم تزلزلوا زلزالهم، يعني: ولم يصبهم من أعدائهم من الخوف، والرعب شدةٌ وجهدٌ حتى يستبطئ القوم نصر الله إياهم، فيقولون: متى الله ناصرنا. ثم أخبرهم الله أن نصره منهم قريبٌ، وأنه معليهم على عدوهم، ومظهرهم عليه، فنجز لهم ما وعدهم، وأعلى كلمتهم، وأطفأ نار حرب الذين كفروا» 31.

فهي سنته الجارية، التي لا تتغير ولا تتبدل، أن من قام بدينه وشرعه، لا بد أن يبتليه، فإن صبر على أمر الله، فهو الصادق الذي تحققت فيه الأهلية؛ لينال نصر الله مؤتمنًا عليه، فمن حكمته تعالى أن يضع الأشياء في محلها اللائق بها. وفي الآية: بشارة من الله تعالى للمسلمين بقرب النصر إذا حصل لهم من الزلزلة ما يملأ القلوب رعبًا، والقصد منه إكرام هذه الأمة بأنها لا يبلغ ما يمسها مبلغ ما مس من قبلها من الأمم، وأن يجيء نصر الله لها قبل استبطائه.

لقد رسمت الآية طريق النصر: إنه طريق الإيمان والجهاد، ثم المحنة والابتلاء، ثم الصبر والثبات، ثم التوجه إلى الله وحده، ثم يجيء النصر.

وقد سئل أحد الصالحين: أيما أفضل للرجل، أن يمكن له أو يبتلى؟ فقال: لا يمكن الرجل حتى يبتلى، فإن الله ابتلى نوحًا، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمدًا عليهم السلام فلما صبروا مكنهم، فلا يظن أحد أن يخلص من الألم البتة 32.

2.سنة التدافع.

قال تعالى: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ [البقرة: 251] أي: «ولولا أن الله يدفع ببعض الناس -وهم أهل الطاعة له والإيمان به- بعضًا -وهم أهل المعصية لله والشرك به- كما دفع عن المتخلفين عن طالوت يوم جالوت من أهل الكفر بالله والمعصية له، وقد أعطاهم ما سألوا ربهم ابتداءً من بعثة ملكٍ عليهم؛ ليجاهدوا معه في سبيله بمن جاهد معه من أهل الإيمان بالله واليقين والصبر، جالوت وجنوده،(لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ) يعني: لهلك أهلها بعقوبة الله إياهم، ففسدت بذلك الأرض، ولكن الله ذو مَنٍّ على خلقه، وتطوُّلٍ عليهم بدفعه بالبر من خلقه عن الفاجر، وبالمطيع عن العاصي منهم، وبالمؤمن عن الكافر» 33.

وعن علاقة التدافع بالنصر: قال تعالى: (ٹ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ? وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ? إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) [الحج: 40] .

فقوله: (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ) عطف على جملة (ٹوَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ) ، أي: أمر الله المسلمين بالدفاع عن دينهم وضمن لهم النصر في ذلك الدفاع؛ لأنهم بدفاعهم ينصرون دين الله، فكأنهم نصروا الله 34.

«لقد كانت الحياة كلها تأسن وتتعفن لولا (دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ) ، ولولا أن طبيعة الناس التي فطرهم الله عليها تعارض مصالحهم واتجاهاتهم الظاهرية القريبة؛ لتنطلق الطاقات كلها تتزاحم وتتغالب وتتدافع، تنفض عنها الكسل والخمول، وتستجيش ما فيها من مكنونات مذخورة، وتظل أبدًا يقظة عاملة، مستنبطة لذخائر الأرض مستخدمة قواها وأسرارها الدفينة، وفي النهاية يكون الصلاح والخير والنماء» 35.

3.سنة التغيير.

قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11] .

تقرر هذه الآية سنة من سنن الله سبحانه وتعالى في التغيير في حياة الناس، وهي أن يكون التغيير مبنيًّا على التغيير الواقعي في قلوبهم ونواياهم وسلوكهم وعملهم وأوضاعهم التي يختارونها لأنفسهم.

«فالإنسان في نظر الإسلام مخلوق مكلف مسؤول، سيد في الكون، عبد لله، قادر على تغيير ما حوله بقدر ما يغير ما بنفسه» 36.

لذلك لابد للمصلحين «أن يعتمدوا منهج التغيير النفسي على أنه وسيلتها في بناء مجتمع أفضل، تزدهر فيه قوى الخير، وتنتصر فيه إرادة الحق، والتغيير من قديمٍ سبيلُ إصلاح، وأسلوب بناء، وطريق بقاء» 37.

ثانيًا: قواعد النصر:

للنصر قواعد يقوم عليها منها:

إذا تتبعنا آيات النصر في القرآن نجد أنه قلما ذكر الله سبحانه وتعالى النصر من غير إضافته إليه، فالله سبحانه وتعالى هو النصير، وهو خير الناصرين، فهو سبحانه ينصر عباده المؤمنين على أعدائهم، ويبين لهم ما يحذرون منهم، ويعينهم عليهم. فالنصر حقُّ الله يمتن به على من يشاء من عباده؛ لحكم يعلمها ومنافع لعباده يقدرها.

قال تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ ? مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى? يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى? نَصْرُ اللَّهِ ? أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ?214? ... [البقرة: 214] .

قال الشنقيطي رحمه الله: «ومعلوم أن هذه الإضافة هنا لها دلالة تمام وكمال، كما في بيت الله. مع أن المساجد كلها بيوت لله، فهو مشعر بالنصر كل النصر، أو بتمام النصر كله لرسول الله صلى الله عليه وسلم» 38.

وفي آيات أخر أخبر سبحانه وتعالى أنه واهب النصر، كما قال تعالى: (ڑ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ) [العنكبوت: 10] .

وقال تعالى: (وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى? لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ ? وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ?126?) [آل عمران: 126] .

وقال تعالى: (وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى? وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ? وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ? إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ?10?) [الأنفال: 10] .

والمعنى أن: «كل نصر هو من عند الله لا من الملائكة» 39.

والغرض منه: «أن يكون توكلهم على الله لا على الملائكة، وهذا تنبيه على أن إيمان العبد لا يكمل إلا عند الإعراض عن الأسباب والإقبال بالكلية على مسبب الأسباب» 40.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت