فهرس الكتاب

الصفحة 878 من 2431

وخلاصة معنى الآية: إن لكل أمة أجلًا لا يتأخرون عنه إذا جاء، ولا يتقدمون عليه أيضًا، فيهلكوا قبل مجيئه، وبنحو هذه الآية قوله تعالى: {مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ} [الحجر: 5] .

ثانيًا: نهاية الأمم:

ذكر الله تعالى في كتابه الكريم ما حل بالأمم السابقة من العذاب بسبب تكذيبهم رسلهم، وكفرانهم نعمه جل وعلا، وهذه من سنن الله الثابتة في هلاك الظالمين.

وقد ذكر الله جل وعلا نوعين من العذاب، حيث قال تعالى: {وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا} [الإسراء: 58] .

فهذه الآية بينت نوعين من العذاب:

فالنوع الأول: الهلاك، ويقصد به الفناء والاستئصال 107.

والنوع الثاني: العذاب الشديد، ويقصد به القتل بالسيف أو الزلازل أو الأمراض أو الخوف أو غير ذلك 108. وهذا ما يسمى بنهاية العطاء الحضاري.

وسوف نبين هذين النوعين بشيء من التفصيل فيما يأتي:

1.نهاية العطاء الحضاري.

وهو العذاب الذي لا يؤدي إلى زوال الأمة، كالنقص في الأموال والأنفس والشدة والقحط وغير ذلك.

قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} [الأنعام: 42] .

قال القاسمي في تفسير هذه الآية: « {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ} أي: رسلًا، فكذبوهم ولم يبالوا؛ لكونهم في الرخاء، {فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ} أي: الشدة والقحط، {وَالضَّرَّاءِ} أي: المرض ونقصان الأنفس والأموال {لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} أي: يتذللون ويتخشعون لربهم ويتوبون إليه من كفرهم ومعاصيهم، فالنفوس تتخشع عند نزول الشدائد» 109.

فأخذهم بالبأساء والضراء، أخذ ابتلاء واختبار، وذلك مفيد لهم؛ لأن سنة الله قد جرت بأنهم في مثل هذه الحال يتضرعون ويجأرون بالدعاء إلى ربهم، فالشدائد تربي النفوس وتهذب الأخلاق، فترجع المغرورين عن غرورهم، وتكف الفجار عن فجورهم 110.

وهذا رحمة من الله تعالى بهم 111.

2.نهاية استئصال.

وهو ذهاب الأمة برمتها بحيث يهلك أفرادها بعذاب ما، ولا يبقى منهم أحد، كما حدث لقوم نوح وعاد وثمود وغيرهم، ولكن يبقى من هؤلاء الصالحون.

قال تعالى: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} [غافر: 5] .

قال المراغي في تفسير هذه الآية: «كذبت قوم نوح والأمم الذين تحزبوا على أنبيائهم بالتكذيب، فحلت بهم نقمتنا بعد بلوغ أمدهم، كما هي سنتنا في أمثالهم من المكذبين، كعاد وثمود ومن بعدهم، وكانوا في جدلهم على مثل الذي عليه قومك، فأهلكتهم واستأصلت شأفتهم، فلم أبق منهم ديارًا ولا نافخ نار، وصاروا كأمس الدابر، وإنكم لتمرون على ديارهم مصبحين وممسين، كما قال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت