فهرس الكتاب

الصفحة 439 من 2431

وهي دعوة إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له مصحوبة بدليلها وبرهانها، فقوله (اعْبُدُوا اللَّهَ) جوهر الحقيقة التي هي مفتاح صلاح حالهم واستقامة أمرهم، ووقوفهم على الحق الذي ما سواه باطل وضلال، فإن العبادة لا تنبغي إلا له وحده، والبرهان على هذه الدعوى قوله: (مَا لَكُمْ مِنْ إِلَاهٍ غَيْرُهُ) فهي الحقيقة الواضحة التي لا ينكرها عاقل، ولا تخفى على ذي لب؛، فهل في الوجود إله تفرد بكل خصائص الألوهية من خلق وإيجاد ورعاية وإمداد وتدبير للكون كله سمائه وأرضه غير الله؟ وهل من معبود يصلح أن يعبد سواه؟

وهذه الدعوة مع برهانها تتضمن ترك كل ما يعبدون من آلهة مفتراة لا تحمل من مقومات الألوهية ومعانيها شيئا، وهي آلهة ظاهرة البطلان مخلوقة عاجزة، عابدها في ضلال مبين، متذلل لما لا يستحق التعظيم غافل عمن يستحقه. « (أَفَلَا تَتَّقُونَ) : أفلا تخافون عقاب الله بعبادتكم شيئا دونه، وهو الإله الذي لا إله لكم سواه» 78.

قال الإمام الرازي: «اعلم أن هودا عليه السلام دعا قومه إلى التوحيد وترك عبادة الأصنام بالدليل القاطع وذلك لأنه بين أن نعم الله عليهم كثيرة عظيمة وصريح العقل يدل على أنه ليس للأصنام شيء من النعم على الخلق لأنها جمادات والجماد لا قدرة له على شيء أصلا وظاهر أن العبادة نهاية التعظيم، ونهاية التعظيم لا تليق إلا بمن يصدر عنه نهاية الإنعام، وذلك يدل على أنه يجب عليهم أن يعبدوا الله وأن لا يعبدوا شيئا من الأصنام. ومقصود الله تعالى من ذكر أقسام إنعامه على العبيد هذه الحجة التي ذكرها ثم إن هودا عليه السلام لما ذكر هذه الحجة اليقينية لم يكن من القوم جواب عن هذه الحجة التي ذكرها إلا التمسك بطريقة التقليد فقالوا: (أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا) [الأعراف:70] » 79.

وقد تولى هود عليه السلام كشف ضلالهم وضلال آبائهم وفرط جهالتهم في اتخاذ آلهة ظاهرة البطلان، وأنها مجرد أسماء فارغة مجردة من أي من صفات الألوهية وخصائصها حين قال: (أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ?) [الأعراف:71] .

حيث أنكر عليهم مجادلتهم في آلهة ظاهرة البطلان تحمل أسماء اختلقوها هم وآباؤهم؛ «وذلك لأنهم كانوا يسمون الأصنام بالآلهة مع أن معنى الإلهية فيها معدومٌ، وهذا صنيع الكافرين حيث سموا واحدًا منها بالعزى مشتقًا من العز والله ما أعطاه عزًا أصلًا، وسموا آخر منها باللات وليس له من الإلهية شيءٌ» 80.

وقال ابن جزي: «أتجادلونني في أسماءٍ سميتموها يعني الأصنام: أي تجادلونني في عبادة مسميات أسماء، ففي الكلام حذف، وأراد بقوله: سميتموها أنتم وآباؤكم جعلتم لها أسماء، فدل ذلك على أنها محدثة، فلا يصح أن تكون آلهة، أو سميتموها آلهة من غير دليل على أنها آلهة، فقولكم باطل. فالجدال على القول الأول في عبادتها، وعلى القول الثاني في تسميتها آلهة» 81.

«وقوله: (مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ) عبارةٌ عن خلو مذاهبهم عن الحجة والبينة» 82.

وقد جعل هود عليه السلام الدعوة إلى عبادة الله تعالى وحده منطلقا إلى عناصر العقيدة، وركيزة إلى منهج الحياة.

فمرة ربط الدعوة إلى عبادة الله تعالى وحده بالتقوى التي يراد بها الاستقامة على أمر الله بطاعته وطلب رضوانه، والحذر من معصيته المفضية إلى التعرض لغضبه وعقابه، فقال: (وَإِلَى? عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ? قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَ?هٍ غَيْرُهُ ? أَفَلَا تَتَّقُونَ) [الأعراف:65] .

وقال: (فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَ?هٍ غَيْرُهُ ? أَفَلَا تَتَّقُونَ) [المؤمنون:32] .

ومرة أخرى قرنها بالتحذير من الكذب وجعلها مدخلا للزجر عن الافتراء الذي تقوم عليه حياتهم ومعتقدهم، وهو ادعاء ما لا علم لهم به، ولا دليل عليه مما هو ظاهر بطلانه ومخالفته للحق فقال: (وَإِلَى? عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ? قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَ?هٍ غَيْرُهُ ? إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ ?50?) [هود:50] .

قال الرازي في تفسير هذه الآية: «يعني: أنكم كاذبون في قولكم: إن هذه الأصنام تحسن عبادتها، أو في قولكم: إنها تستحق العبادة، وكيف لا يكون هذا كذبا وافتراء وهي جمادات لا حس لها ولا إدراك، والإنسان هو الذي ركبها وصورها فكيف يليق بالإنسان الذي صنعها أن يعبدها وأن يضع الجبهة على التراب تعظيما لها» 83.

ومرة أخرى جعله مدخلا للدعوة إلى الإيمان باليوم الآخر والتحذير من عواقبه، فقال: (وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ?21?) [الأحقاف:21] .

وجعلها كذلك المستند لإدراك مفهوم النبوة وقيمتها وفضلها وأهميتها في اعتمادها الطريق الوحيد للفوز برضوان الله فلا سبيل للنجاة إلا بطاعة نبيهم، فهو دليلهم الهادي إلى ما ينجيهم من سخط الله ويوصلهم إلى أبواب رضوانه ورحمته وهي الأساس الثاني من الأسس العقدية لدعوة هود عليه السلام، حيث قال: (إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ?125?فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ?126?) [الشعراء: 125 - 126] .

وهكذا يبرز هود عليه السلام أن عقيدة التوحيد هي الأساس الذي يبنى عليه كل صلاح.

لقد أرسل الله تعالى هودا رسولا إلى قومه كما أخبر عن ذلك في آيات عديدة منها تصريحا باسمه كما في سورتي الأعراف وهود، حيث قال: (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا) [الأعراف:65] .

عطفا على قوله: (. لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى? قَوْمِهِ) [الأعراف:59] .

أي: وأرسلنا إلى عاد أخاهم هودا، وقال: (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا) [هود:50] عطفا على قوله: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى? قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ) [هود:25] .

ومنها بصفته من حيث صلته مع قومه كما في الأحقاف حيث قال: (وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ) [الأحقاف:21] .

وذكره في عداد الرسل كما في سورة فصلت، حيث قال: (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ ?13?إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ) [فصلت:13 - 14] .

وجعل هود عليه السلام الدعوة إلى النبوة والرسالة ومقتضياتها من العناصر الأساسية في دعوته لقومه كما هي في دعوة كل نبي إعلانا للحقيقة التي اختاره الله تعالى لها، ولا بد من إعلامهم بهذه الحقيقة بصراحة ووضوح مع إقامة الحجة وإظهار البينة حتى يقع الإلزام بالاستجابة إليه وطاعته فيما يأمر وينهى، فما هو إلا مبلغ عن الله تعالى. وقد جاءت هذه الحقيقة واضحة في آيات عديدة، منها قوله تعالى: (إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ ?124?إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ?125?فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ?126?وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ? إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى? رَبِّ الْعَالَمِينَ ?127?) [الشعراء:124 - 127] .

وفي موضع الرد على تسفيههم له يقول: (وَلَ?كِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ?67?أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ ?68?أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى? رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ) [الأعراف:67 - 69] .

وقد تضمنت هذه الآيات عدة أمور تتعلق بالرسالة والرسول؛ من حيث حقيقتها ودليلها وصفات الرسول والرد على شبهات القوم حولها.

فحقيقتها أنه رسول من رب العالمين، أي: الله أرسلني فأتلقى الوحي والعلم منه، فأنا أبلغكم رسالات ربي، وأؤديها إليكم كما أمرني أن أؤديها. وجاءت في سياق الرد على وصفهم له بالسفه فقال: (وَلَ?كِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ) استدراكٌ مما قبله باعتبار ما يستلزمه من كونه في الغاية القصوى من الرشد والأناة والصدق والأمانة، فإن الرسالة من جهة رب العالمين موجبةٌ لذلك حتمًا؛ كأنه قيل ليس بي شيء مما نسبتموني إليه ولكني في غاية ما يكون من الرشد والصدق 84 (أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي) وما علي إلا أن أبلغكم على أتم وجه رسالات ربي التي أوحاها إلي لما فيها من سوق الخير إليكم ودفع الشر عنكم.

«وتخصيص ربوبيته تعالى له عليه السلام بعد بيان عمومها للعالمين للإشعار بعلة الحكم الذي هو تبليغ رسالته تعالى إليهم فإن ربوبيته تعالى له من موجبات امتثاله بأمره تعالى بتبليغ رسالته» 85.

«وجمع الرسالات مع أن رسالة الأنبياء واحدة رعاية لاختلاف أوقاتها، أو تنوع المعاني التي فيها، أو باعتبار حاملها، أي: أنه أراد رسالته ورسالة غيره ممن قبله من الأنبياء كإدريس وشيث عليهما السلام» 86.

(وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ) «قال الأصمعي: الناصح: الخالص من العسل وغيره، وكل شيءٍ خلص فقد نصح» 87.

فمعنى: (وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ) أي: أخلص النية لكم عن شوائب الفساد. وذلك أني أتحرى ما فيه صلاحكم بناء على أن النصح تحري ذلك قولا أو فعلا، وقيل: هو تعريف وجه المصلحة مع خلوص النية من شوائب المكروه، والمعنى هنا: أبلغكم أوامر الله تعالى ونواهيه بصدق وأمانة لا أكذب فيه ولا أزيد ولا أبدل، بل أبلغ ما أمرت كما أمرت» 88. وأرغبكم في قبولها وأحذركم عقابه إن عصيتموه 89.

وعبر عنها بصيغة اسم الفاعل وذلك؛ «أن القوم رموه بالسفاهة وهي من صفات النفس وصفات النفس ثابتة، يتولد عنها الخفة، والعجلة المذمومتين، وهي ضد الحلم، وهو معنى ثابت، يتولد عنه الأناة المحمودة، فأجابهم بصيغة الاسم الدال على ثبات النصح والاستمرار فيه» 90.

وجيء باللام هنا في: (لَكُمْ) لإفادة أنهم مخصوصون بالنصيحة، فالنصح لهم وليس لغيرهم؛ بمعنى: أن نفعه يعود عليهم لا عليه عليه السلام وهذا مبني على أن اللام للاختصاص لا زائدة 91.

واحتج على صدقه في رسالته بتجرده وقطع طمعه عن مكاسب الدنيا أو منازعتهم ومنافستهم على ما في أيديهم من متاعها، فقال: (يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ? إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي ? أَفَلَا تَعْقِلُونَ ?51?) [هود:51] .

ما من رسول إلا كانت غايته نزيهة سامية نبيلة، وكثير منهم واجه قومه بهذا القول، لأن شأنهم النصيحة، والنصيحة لا يمحصها ولا يمحضها إلا حسم المطامع، وما دام يتوهم شيء منها لم تنجع ولم تنفع، كما أن الدعوة إلى الله تعالى إذا كانت مطهرةً عن دنس الطمع، قوي تأثيرها في القلب.

ثم وجه إليهم سؤالا إنكاريا بقوله: (أَفَلَا تَعْقِلُونَ) ،داعيا إياهم إلى استعمال عقولهم لمعرفة المحق من المبطل والمصيب من المخطئ 92. محذرًا من رد نصيحة من لا يطلب عليها أجرًا إلا من الله، وهو ثواب الآخرة، ولا شيء أنفى للتهمة من ذلك 93.

ثم دخل إلى إعماق نفوسهم ببراعة فائقة ليطارد فيها أسباب التكذيب والإعراض عن دعوته، كاشفا أن ذلك لا يقوم على مستند أو دليل تقوم به الحجة وإنما هو مجرد الاستبعاد والاستغراب الذي سرعان ما يتبدد أمام الفكر الحر والتدبر السليم لمن كان عاقلا فقال: (أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى? رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ) [الأعراف:69] .

أي: «استبعدتم وعجبتم أو أكذبتم وعجبتم أو أنكرتم وعجبتم (أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى) أي: وحي وموعظة على رجل منكم أي: على لسان رجل منكم تعرفونه، ولم يكن ذلك على لسان من لا تعرفونه أو لا تعرفون لغته، وقيل: (عَلَى) بمعنى: مع، أي: مع رجل منكم لأجل أن ينذركم به (وَلِتَتَّقُوا) ما يخالفه (وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) بسبب ما يفيده الإنذار لكم والتقوى منكم من التعرض لرحمة الله سبحانه لكم ورضوانه عنكم» 94.أو على رجلٍ منكم أي: من جملتكم، أو من جنسكم وكانوا يتعجبون من إرسال البشر ويقولون: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَ?ذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ) [المؤمنون:24] » 95.

وهكذا جعل هود عليه السلام الدعوة إلى النبوة وإقامة البرهان على ثبوتها هي الخطوة الثانية للإصلاح.

الإيمان باليوم الآخر وما يترتب على ذلك من حسن الاستعداد له بالعمل الصالح واستثمار الحياة الدنيا فيما يحقق حسن الاستخلاف الذي ابتلي به الإنسان في دار البلاء وأنه سيحاسب على أعماله فيها، وأن الآخرة هي دار الجزاء هو الأساس الثالث لدعوة هود عليه السلام. وقد حذر هود عليه السلام قومه من عاقبة هذا اليوم واصفا إياه بأنه يوم عظيم.

قال تعالى: {وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (21) } [الأحقاف:21] .

وقال: {إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (135) } [الشعراء:135] .

فما كان منهم إلا التكذيب بهذا اليوم الذي وصفه الله تعالى بالقارعة فقال: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (4) } [الحاقة:4] .

ثم ذكر تكذيبهم الإجمالي المتضمن للتكذيب بكل ما جاء به هود عليه السلام من الإيمان بالله تعالى، وبنبوة هود عليه السلام المتضمنة للتكذيب بالرسل جميعا، ثم التكذيب باليوم الآخر. {كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (18) } [القمر:18] .

وكيف جعلهم الله عبرة لكل مكذب بالرسل 96.

ومما يدل على تبليغ هود عليه السلام قومه حقيقة اليوم الآخر والتحذير من عواقبه ما جاء في سورة المؤمنون - عند من يرجح أنها في قوم هود-من تكذيبهم بلقاء الله وعرض شبههم التي تشبثوا بها في تبرير تكذيبهم.

قال تعالى: {وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (33) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (34) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (35) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (36) إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (37) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (38) } [المؤمنون:33 - 38] .

فالقوم مكذبون بالآخرة مكذبون بالبعث بعد الموت مستبعدون أن يعودوا للحياة بعد أن يصيروا ترابا وعظاما. وقد تولى الإجابة المترفون من قومه كما هي سنتهم يحملون كبر تكذيب الرسل وتنفير العامة منهم؛ قائلين على سبيل الاستفهام الإنكاري التكذيبي: «أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابًا في قبوركم، وعظاما قد ذهبت لحوم أجسادكم، وبقيت عظامها أنكم مخرجون من قبوركم أحياء، كما كنتم قبل مماتكم؟» 97.

وكل ذلك يدل على أن دعوة هود عليه السلام إلى الإيمان باليوم الآخر وما يجري فيه من حساب كانت واضحة بينة، كذب بها القوم وجحدوها كما فعل من قبلهم ومن بعدهم من الكافرين.

ومع الجهود المضنية المتواصلة التي بذلها هود عليه السلام واستفرغ لها حياته كلها بما أوتي من فصاحة وحجة لم يؤمن به إلا قليل، وقد استدل الزمخشري على أنه استجاب له بعض أشرافهم من نظم الآية في قوله تعالى: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ} [الأعراف:66] .

فقال: «فإن قلت: لم وصف الملأ الذين كفروا دون الملأ من قوم نوح؟ قلت: كان في أشراف قوم هود من آمن به، منهم مرثد بن سعد الذي أسلم وكان يكتم إسلامه فأريدت التفرقة بالوصف ولم يكن في أشراف قوم نوح مؤمن» 98.

وهكذا كان الإيمان باليوم الآخر وتهيئة النفوس لتحمل مسؤولية إعمالها وما يترتب على ذلك من الثواب والعقاب هي الركيزة الثالثة للإصلاح.

ثانيًا: الدعوة إلى الإصلاح:

تقدم الحديث عن مظاهر الفساد عند عاد من خلال قوله تعالى: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (131) } [الشعراء: 128 - 131] .

وهذه الآيات مع ما تحمله من الدلالة على ما بلغته عاد من الحضارة المادية، فإنها تكشف عن مظاهر الفساد وصورة الانحراف عن المنهج السليم في استثمار المنجزات الحضارية والقوة المادية التي يحققها الإنسان إذا هيأ الله تعالى له أسباب التمكين في الأرض.

كما تحمل لنا بيان منهج هود عليه السلام في الإصلاح، حيث لم تقتصر دعوته عليه السلام على القضايا الدينية العقدية، وإنما وجه نظره إلى تصويب قومه وتصحيح مسارهم في سائر مرافق الحياة، حيث لا فصل للدين عن الحياة في رسالات الأنبياء عليهم صلاة الله وسلامه.

«فينكر عليهم الترف في البنيان لمجرد التباهي بالمقدرة، والإعلان عن الثراء، والتكاثر والاستطالة في البناء من غير حاجة إليه، كما ينكر غرورهم بما يقدرون عليه من أمر هذه الدنيا، وما يسخرونه فيها من القوى، كل ذلك مع غفلتهم عن تقوى الله ورقابته، والاستعداد للقائه، حيث قال منكرا عليهم: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) } ؟، وكان القصد من ذلك هو التفاخر والتطاول بالمقدرة والمهارة، ومن ثم سماه عبثا. ولو كان لهداية المارة، ومعرفة الاتجاه ما قال لهم: «تعبثون» فهو توجيه إلى أن ينفق الجهد، وتنفق البراعة، وينفق المال فيما هو ضروري ونافع، لا في الترف والزينة ومجرد إظهار البراعة والمهارة» 99.

كما ينكر عليهم اتخاذ المصانع وهي صهاريج المياه مع وسائل جمعها وتصريفها وما تحققه من الرفاهية والنعيم والمتعة بما يجعل همهم منصرف إلى الدنيا مقبلين عليها بكل طاقاتهم مع كمال الغفلة عن الآخرة حيث تنصرف النفوس عن أي عمل خير مجرد عن مطامع الدنيا، أو التقصير فيه، أو محاسبة النفس على فعل الشر، حتى غلب عليهم الوهم بأنهم مخلدون.

كما أنكر عليهم طريقة استعمالهم لما تميزوا به من قوة فإذا بطشوا بطشوا بطشة الجبارين من غير رحمة ولا حق.

فهود عليه السلام لم ينكر على قومه المباني التي تكون مظنة النفع في الإيواء وعلامات لهداية المارة في مجاهيل الصحراء لإرشادهم. ولا اتخاذ المصانع التي تحقق جمع الماء عند نزول الأمطار وتخزينه واستثماره وقت الحاجة، فهو سر الحياة وحفظ الأنفس ووسيلة الخصب والنماء.

ولم ينكر عليهم امتلاك القوة الذي قد يكون أحيانا في موضعه مع من يستحقه، ولكنه ينكر عليهم تحويل مسار هذه المنافع في غير وجهها فلا تكون المباني والإكثار منها لغير حاجة إلا للعبث والإمعان في الغفلة والتفاخر والتباهي، كما ينكر اتخاذ المصانع التي تهيء لهم أسباب الترف والانغماس في التنعم، غافلين عن شكر الله على هذه النعم، ممعنين في الاغترار بالدنيا غافلين عن الآخرة، ليس لهم هدف ولا مطلب شريف، وكذلك استعمال القوة في غير موضعها دون رحمة أو حكمة.

بهذا يضع يده على العلة الحقيقية التي يعاني منها قومه من انطواء نفوسهم على السوء لا يعرفون إلا التفاخر لا يدركون للحياة هدفا ولا غاية، مع قسوة القلب في التعامل مع من هو أضعف منهم، فلا خيرهم مأمول ولا شرهم مأمون.

ثالثًا: التذكير بنعم الله:

لما ذكر هودٌ عليه السلام ما كان عليه قومه من مظاهر الفساد كاشفا لهم عن عللهم وأسقامهم واستخدامهم لنعم الله في غير موضعها قال: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} أي: احذروا غضب الله في جحود نعمته وعدم شكره، وأطيعون لأبين لكم طريق مرضاته وسبيل زيادة نعمته وذلك توجيها لهم إلى الآخرة؛ وزجرا لهم عن حب الدنيا والاشتغال بالسرف والحرص والتجبر، ثم وصل بهذا الوعظ ما يؤكد القبول؛ وهو التنبيه على نعم الله تعالى عليهم بالإجمال أولًا ثم التفصيل ثانيًا، فأيقظهم عن سنة غفلتهم عنها حيث قال: {أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ} [الشعراء:132] .

ثم فصلها من بعد بقوله: {أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (133) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (134) } [الشعراء:133 - 134] .

ثم حذر من عقاب الله في حال التقصير والإعراض فقال: {إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (135) } [الشعراء:135] .

فبلغ في دعائهم بالوعظ والترغيب والتخويف والبيان النهاية. فكان جوابهم {سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ} [الشعراء:136] .

حيث أظهروا قلة اكتراثهم بكلامه، واستخفافهم بما أورده. وعبروا عن قلة مبالاتهم بقولهم: {أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ} ولم يكتفوا بالقول أوعظت أم لم تعظ مع أنه أخصر وظاهر المعنى واحدٌ، وذلك لما في تعبيرهم من زيادة إظهار اللامبالاة مع الاستخفاف بوعظه، فالمعنى ليس واحدًا، وبينهما فرق؛ «لأن المراد سواءٌ علينا أفعلت هذا الفعل الذي هو الوعظ أم لم تكن أصلًا من أهله، فهو أبلغ في قلة اعتدادهم بوعظه من قولك: أوعظت أم لم تعظ» 100.

والتذكير بالنعم من المداخل المهمة التي يقيم بها الأنبياء الحجة على الخلق في وجوب الشكر، وقد مضت سنة الله تعالى في الخلق أن يزيدهم بالشكر ويعاقبهم على الكفران بالنعم.

رابعًا: أخذ العبرة من مصير الأقوام المتقدمين:

مما يعطي الموعظة بلاغة في القول وتأثيرا في النفس تعزيزها بالأمثلة والنظائر، فلم تخل دعوة نبي من ضرب الأمثال، كما قال تعالى: {وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (38) وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (39) } [الفرقان: 38 - 39] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت