قال تعالى: {وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (27) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (28) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (29) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (30) } [الواقعة: 27 - 30] .
وظل ممدود: لا يتقلص، بل منبسط لا ينسخه شيء، قال مجاهد: «هذا الظل من سدرها وطلحها» 109.
وذكر بعضهم في تفسير الظل الممدود على أنه شجرة في الجنة، واعتمدوا في ذلك على ما جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه، يبلغ به عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن في الجنة شجرة، يسير الراكب في ظلها مائة عام، لا يقطعها، فاقرءوا إن شئتم: {وَظِلٍّ مَمْدُودٍ(30) } [الواقعة: 30] 110.
وجاء عن ابن عباس في قوله {وَظِلٍّ مَمْدُودٍ} قال: «شجرة في الجنة على ساق يخرج إليها أهل الجنة فيتحدثون في أصلها، فيشتهي بعضهم لهو الدنيا فيرسل الله عز وجل ريحًا من الجنة، فتحرك تلك الشجرة بكل لهو في الدنيا» 111.
ويتضح مما تقدم أن في الجنة أشجارًا كثيرة ومتنوعة أعدت للمؤمنين، ذكرها الله تعالى في القرآن الكريم بأسمائها، وأكدتها السنة النبوية بأحاديث كثيرة بينت صفاتها وأنواعها وثمارها.
ثانيًا: شجر عذاب:
كما أن لأهل الجنة شجر نعيمٍ، فإن لأهل النار أيضًا شجر عذابٍ، حيث ورد ذكر شجر العذاب كالشجرة الملعونة أو شجرة الزقوم في مواضع متفرقة في القرآن الكريم من خلال الآيات الآتية:
قال تعالى: {وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا} [الإسراء: 60] .
وقال تعالى: {ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (51) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (52) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (53) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (54) } [الواقعة: 51 - 54] .
وقال تعالى: {أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (62) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (63) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (64) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (65) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (66) } [الصافات: 62 - 66]
وقال تعالى: {إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (43) طَعَامُ الْأَثِيمِ (44) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (45) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (46) } [الدخان: 43 - 46] .
والمتأمل في هذه الآيات الكريمة يجد أن الشجرة الملعونة هي شجرة الزقوم التي جعلت طعامًا للظالمين، كما وصفها الله تعالى.
ويرى جمهور المفسرين 112 أن الشجرة الملعونة التي جاء ذكرها في سورة الإسراء والصافات والواقعة والدخان هي شجرة الزقوم نفسها.
قال ابن كثير: «وأما «الشجرة الملعونة» ، فهي شجرة الزقوم، كما أخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى الجنة والنار، ورأى شجرة الزقوم، فكذبوا بذلك حتى قال أبو جهل لعنه الله بقوله: هاتوا لنا تمرًا وزبدًا، وجعل يأكل هذا بهذا ويقول: تزقموا، فلا نعلم الزقوم غير هذا» 113.
وذكر في الشجرة الملعونة أقوال:
منها: أنها شجرة الزقوم طعام الأثيم، وقال الحسن ومجاهد وقتادة والضحاك وسعيد بن جبير وطاووس وابن زيد: وكانت فتنتهم بها قول أبي جهل وأشياعه: النار تأكل الشجر فكيف تنبتها.
ومنها: هي الكشوت 114 التي تلتوي على الشجر، قاله ابن عباس 115.
فأما قوله: {إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ} ، وقوله: {لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (6) } [الغاشية: 6] .
وقولهم: كيف يكون في النار نبت وشجر، فإنه لا تعلق لهم فيه، إن كان كنى بذلك الضريع وشجرة الزقوم عن جوعهم، وأنهم لا يشبعون وعن شيء مشبهٍ لشجرةٍ تشبه رؤوس الشياطين في قبح منظرها، فليس هناك نبت ولا شجر، وإنما ذلك أمثال وتشبيه، وإذا كان أراد تعالى تحقيق نبتٍ وشجرٍ يخرج من النار، فإن ذلك غير مستحيل 116.
وأما قولهم، إنه لا معنى لتمثيل طلع الشجرة برؤوس الشياطين، من وجهين:
أحدهما: أن الشجرة لا طلع لها وإنما يكون الطلع دون الشجر.
والوجه الآخر: أننا لا نعرف رؤوس الشياطين، وليس هو ما تعرفه العرب، فيمثل لها به بعض الأشياء، فإنه باطل لأنه إنما أراد بقوله تعالى: {طَلْعُهَا} ثمرها لطلوعه كل سنةٍ، ومنه سمي طلع النخل طلعًا عند أول خروجه، مأخوذٌ ذلك من طلوعه، فإذا تغيرت حاله وانتقل إلى حكمٍ آخر سمي باسمٍ آخر من بلحٍ وبسرٍ ورطب، فطلعها المراد به ثمرها الطالع، وأما الشياطين التي مثلها برؤوسها فإنها حياتٌ خفيفاتٌ الأجسام قبيحات المناظر والرؤوس 117.
قال الرازي: فإن قيل: كيف قال: {وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ} ، وليس في القرآن لعن شجرة ما؟
قلنا: فيه إضمار تقديره: والشجرة الملعونة المذكورة في القرآن.
الثاني: أن معناه: الملعون آكلوها، وهم الكفرة.
الثالث: أن الملعونة بمعنى المذمومة، كذا قاله ابن عباس رضي الله عنهما، وهي مذمومة في القرآن بقوله تعالى: {إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (43) طَعَامُ الْأَثِيمِ (44) } ، وبقوله تعالى: {طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ} .
الرابع: أن العرب تقول لكل طعام مكروه أو ضار: ملعون، وفي القرآن الإخبار عن ضررها وكراهتها.
الخامس: أن اللعن في اللغة هو الطرد والإبعاد، فالملعون هو المطرود عن رحمة الله تعالى، المبعد عنها، وهذه الشجرة مطرودة مبعدة عن مكان رحمة الله تعالى وهو الجنة؛ لأنها في قعر جهنم، وهذا الإبعاد والطرد مذكور في القرآن بقوله تعالى: {إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ} ، وقال ابن الأنباري: سميت ملعونة لأنها مبعدة عن منازل أهل الفضل 118.
وصح عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: (والشجرة الملعونة في القرآن هي شجرة الزقوم) 119.
وجاء في الحديث عنه رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) } [آل عمران: 102] .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم، فكيف بمن يكون طعامه؟) 120.
ويتضح مما مضى ارتباط الشجر بصنوف العذاب، وإذا كانت الأشجار ترتبط بالخير والبركة والرزق، فشجرة الزقوم ارتبطت بالشر والفتنة والكفر والعذاب الشديد، وعرفت بأنها الشجرة الملعونة الموجودة في جهنم، أعدها الله تعالى طعامًا للكافرين والظالمين في جهنم.
قدم القرآن الكريم لنا وجوهًا كثيرة ومتنوعة الأساليب في الشجر من حيث الإعجاز البياني القائم على الفصاحة والبلاغة وبداعة النظم، والإعجاز العلمي الذي يرتبط مع العلم الحديث والتكنولوجيا وتطور منظومة الأبحاث العلمية وعلاقتها مع القرآن الكريم، وكذلك الإعجاز الطبي الذي يتعلق بصحة الإنسان وغذائه ودوائه وارتباطه مع بعض الأشجار والثمار التي ذكرها القرآن الكريم.
ومن هذه الآيات ما يأتي:
1.الإعجاز القرآني في قوله تعالى: (? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ) [النحل: 68] .
وتبين هذه الآية الكريمة قدرة الله تعالى في مخلوقاته حين ألهم النحل إلهامًا غريزيًا أن تتخذ من الجبال والأشجار بيوتًا تأوي إليها، وهذه الحشرات منقادة لله تعالى وطائعة له.
ومن عجيب ما خلق الله في النحل أن ألهمها اتخاذ بيوتها مسدسة؛ فبذلك اتصلت حتى صارت كالقطعة الواحدة، وذلك أن الأشكال من المثلث إلى المعشر إذا جمع كل واحد منها إلى أمثاله لم يتصل، وجاءت بينهما فرج إلا الشكل المسدس فإنه إذا جمع إلى أمثاله (التسديس) ، يحمي بعضها بعضًا عند الاتصال 121.
والأعجب من ذلك كله أن الإنسان لا يستطيع أن يبني بيتًا مثل بيوت النحل دون الاستعانة بعلوم الهندسة المعمارية والحسابات الرياضية، وبكل الأدوات والمعدات الحديثة، ومع ذلك فهو عاجز أن يبني بيتًا يشبه بيوت النحل من حيث النظام والدقة والانسجام وانعدام الخلل.
وجعلت كل بيت على قدرها، فإذا تشكل عند حركة النحلة بقدرة الله وعلمه، وملأته عسلا انتقلت إلى غيره بتسخير الله وتقديره وتذليله، إن تركت عسلت، وإن حملت اتبعت، وهي ذات جناح، ولكن القابض الباسط هو الذي سخرها ودبرها 122.
وتأتي اللمسة البيانية الأخرى في قوله تعالى: (ڑ ک ک ک ک گ گ) [النحل: 68] .
حيث يتساءل الإمام الرازي بقوله: فإن قيل: كيف قال تعالى: (ڑ ک ک ک ک) ، ولم يقل: في الجبال، وفي الشجر، والاستعمال إنما هو بفي، يقال: اتخذ فلان بيتا في الجبل، أو في الصحراء ونحو ذلك؟
قلنا: «قال الزمخشري: إنما أتى بلفظة (من) لأنه أراد معنى البعضية، وأن لا تبني بيوتها في كل جبل، وكل الشجر، ولا في كل مكان من الجبل والشجر، وأنا أقول: إنه إنما ذكره بلفظة (من) لأنه أراد كون البيت بعض الجبل وبعض الشجر، كما يشاهد ويرى من بناء بيوت النحل، لأنه متخذ من طين أو عيدان في الجبل والشجر، كما تتخذ الطيور، فلو أتى بلفظة (في) لم تدل على هذا المعنى، ونظيره قوله تعالى: (ں ? ? ?) [الشعراء: 149] » 123.
فيتبين مما تقدم حكمة الله تعالى في إلهام النحل اتخاذ مساكنها في الجبال والشجر.
2.وقال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [سبأ: 14] .
والإعجاز البياني في هذه الآية التي ارتبطت مع مفهوم الشجر من حيث كون عصا سليمان عليه السلام كانت من خشب الشجر، فلم يقل الله تعالى في الآية الكريمة (عصاه) بل عبر عنها بقوله تعالى: (منسأته) ، والمنسأة: هي العصى، و (نسأ) في اللغة لها دلالتان:
الأولى: (نسأ) البعير إذا جره وساقه، والمنسأة: هي عصى عظيمة تزجر بها الإبل لتسوقها.
والثانية: (نسأ) بمعنى أخر الشيء (النسيء) .
فلماذا استعمل كلمة (منسأة) ولم يستعمل كلمة (عصى) ؟
قيل: إن (المنسأة) لها معنيان هما: سوق الإبل والتأخير؛ وفي قصة سليمان عليه السلام كانت العصى تسوق الجن إلى العمل مع أن عليه السلام كان ميتًا إلى أن سقطت العصى وسقط سليمان عليه السلام، كما في قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [سبأ: 14] .
فكما أن الراعي يسوق الإبل لتسير، فهذه المنسأة كانت تسوق الجن، والمنسأة كأنها مدة حكم سليمان عليه السلام، فهي أخرت حكمه إلى أن سقط، فاستعمالها في قصة سليمان عليه السلام أفاد المعنيين واستعمالها من الجهتين اللغويتين في غاية البيان من جهة السوق ومن جهة التأخير.
أما في قصة موسى عليه السلام فاستعمل كلمة العصى في قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ) [طه: 18] .
ليهش بها على غنمه وبها رحمة بالحيوان فهي عكس الأولى، ولا يناسب استخدام كلمة منسأة 124.
وبهذا الكلام يتضح الفرق بين العصا والمنسأة واستعمالهما في القرآن الكريم، ومع كونهما عصى مصنوعة من خشب الأشجار إلا أنهما اختلفا في الاستعمال القرآني من حيث اللغة والبيان، كما مضى ذكره.
3.قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ?) [الحج: 18] .
واللمسة البيانية في هذه الآية الكريمة:
ما ذكره الدكتور فاضل السامرائي بقوله: «ونلاحظ في القرآن أنه تعالى عندما يستعمل (من) يعطف عليها ما لا يعقل كما في قوله تعالى في سورة الحج: (? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑڑ ک ک ک ک گ گ گگ ? ? ? ? ? ? ?) [الحج: 18] .
أما عندما يستعمل (ما) فإنه يعطف عليها ما يعقل (? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے) وهو خط بياني لم يتخلف في القرآن أبدًا والحكمة البيانية منه الجمع 125.
4.قوله تعالى: (ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [يس: 80] .
والإعجاز العلمي في هذه الآية الكريمة هو إخراج النار المتوقدة من الشجر الأخضر، التي فيها أيضًا دلالة على البعث والنشور.
والنظرة العلمية أن وراء هذه الآية حقائق علمية رائعة تدل على إعجاز القرآن العلمي في تقريره أن الشجر الأخضر هو مادة الوقود، أي: مادة الطاقة التي هي عصب الحياة الصناعية في عالمنا المعاصر، فقد دلت الأبحاث الجيولوجية على أن الفحم الحجري والبترول والغازات القابلة للاشتعال تستخرج كلها من باطن الأرض، وذلك لأن النباتات والأشجار والغابات التي نمت فوق سطح الأرض في قديم الأزمان الجيولوجية أتت عليها ظروف متعاقبة من اضطرابات وانكسارات وتقلبات في القشرة الأرضية جعلت تلك الغابات والأشجار تنطمر في باطن الأرض، وتتعرض بعد ذلك لضغوط قوية ولحرارة شديدة، فتحولت من أشجار خضراء إلى فحم حجري وبترول وغازات، وهي من مواد الطاقة التي تستخدم نارها وحرارتها في الطهي والإنارة والتدفئة وإدارة المصانع، فسبحان الله القادر الذى هيأ لحياة الإنسان على سطح الأرض مواد نافعة من باطنها بعد أن تحولت من شجر أخضر إلى فحم أسود وبترول وغازات 126.
ويذكر الدكتور عبد الدائم الكحيل في موسوعته العلمية الإعجاز العلمي الحديث لهذه الآية الكريمة، فيقول: «وأن الذي هيأ الظروف للأشجار والنباتات بعدما فنيت واندثرت وغاصت في التراب وتفتت، ولم يبق منها شيء يذكر، وأن الذي تركها لتتخمر وتتحول إلى نفط وغاز وفحم حجري، وهذه الأشياء نستطيع اليوم أن نستفيد منها في وقود التدفئة والصناعة والنقل، إن الذي خلق هذه الظروف والقوانين التي تضمن إعادة الحياة للشجر على شكل وقود قادر على أن يخلق ظروفًا جديدة تعيد الحياة للبشر بعد موتهم وقد فنوا.
وفي الوقت الحاضر توصل العلماء إلى اكتشاف جديد يؤكد وجود علاقة قوية بين تشكل العظام والشجر بطريقة لا تخطر على بال أحد من البشر، حيث توصل علماء إيطاليون من مركز أبحاث جامعة فلورنسا إلى اكتشاف طريقة لصناعة العظام من خشب بعض الأشجار، وهذا ما يوفر مادة جديدة لصناعة بدائل العظام المهشمة بسبب الحوادث أو السرطان.
ويعتمد الاكتشاف العلمي الجديد على تحويل الخشب إلى مادة صلبة قوية التحمل تحاكي إلى حد ما خواص العظام البشرية، وتقول الباحثة «أنا تامبيري» رئيسة مجموعة البحث: إن تصنيع العظم يتم بتسخين الخشب عدة مرات ومعالجته بضغط عالٍ مع تغيير التركيب الكيماوي له بإضافة الكالسيوم والفوسفات إليه ليصبح مادة قوية وشديدة التحمل يمكن لحمها بالعظام الحقيقية، ثم يتم العمل على جعل بنيتها الداخلية مماثلة لعظام الإنسان، وإن تصنيع عظام من الشجر أمر حديث لم يكن لأحد علم به زمن نزول القرآن، وبما أن القرآن قد استخدم مثال الشجر في موضع إحياء العظام وهي رميم، فهذه إشارة خفية لوجود علاقة بين العظم والشجر، ولكن العظم الذي صنعه الله تعالى يتميز بنفخ الروح فيه على عكس العظم الذي صنعه البشر حيث لا روح فيه، وأن الله تعالى يستخدم الحقائق العلمية لإثبات صدق كتابه وصدق وعده، فهذا الذي أنكر إعادة خلق العظام، يحتاج لدليل علمي ليقتنع بأنه من الممكن تصنيع عظام من مادة الشجر على يد البشر، ومن البديهي أن الله أقدر وأعظم من عباده، فهو قادر على إعادة تصنيع أو خلق هذه العظام من جديد.
والأمر الآخر أن الله تبارك وتعالى أشار إلى أمر مهم، وهو وجود طاقة في الشجر، هذه الطاقة على شكل نار أودعها الله في الأشجار، بقيت لآلاف السنين، وبسبب العوامل الطبيعية تحولت هذه الأشجار لفحم حجري وغاز طبيعي وبترول، وهذه المكتشفات الجديدة أشار إليها القرآن إشارة خفية بكلمة: (?) ، لأننا لا نستفيد من هذه الثروات الطبيعية كالنفط والغاز إلا بعد حرقه وتحوله إلى نار، وبالتالي توليد الطاقة الميكانيكية والكهربائية من هذه النار، ولو قال تعالى: إن الشجر سيتحول إلى بترول، لم يفهم أحد خطاب القرآن، ولكن الله تعالى وضع كلمة (?) لتكون مناسبة لكل العصور ومهما تطور العلم، فسبحان الله.
5.قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [لقمان: 27] .
الإعجاز البياني واللغوي في هذه الآية الكريمة استعمال الشجرة لدلالة على الكتابة بوصفها أقلاما، وهناك بعض الالتفاتات التي أشار إليها الإمام الرازي، والإمام السيوطي في هذه الآية الكريمة.
يقول الإمام الرازي: «فإن قيل: قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ?) [لقمان: 27] يطابقه وما في الأبحر من ماء مداد فكيف عدل عنه؟ قلنا: استغنى عن ذكر المداد بقوله تعالى: (?) لأنه من قولك: مد الدواة وأمدها، فجعل البحر المحيط بمنزلة الدواة، والأبحر السبعة المملوءة مدادًا أبدًا صبًا لا ينقطع، فصار نظير ما ذكرتم، ونظيره قول تعالى: (? ? ? ? ? ? ?) الآية، فإن قيل: كيف قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ?) ولم يقل: من شجر؟ قلنا: لأنه أراد تفصيل الشجر وتقصيها شجرة شجرة حتى لا يبقى من جنس الشجر شجرة واحدة إلا وقد بريت أقلامًا، فإن قيل: الكلمات جمع قلة والمقصود التعظيم والتفخيم، فكان جمع الكثرة وهو الكلم أشد مناسبة؟ قلنا: جمع القلة أبلغ فيما ذكرتم من المقصود، لأن جمع القلة إذا لم يغن بتلك الأقلام، وذلك والمداد فكيف يغنى جمع الكثرة» 127.
ويشير الإمام السيوطي إلى هذه الآية الكريمة بقوله: «لم قال: من شجرة، ولم يقل: من شجر، باسم الجنس الذي يقتضي العموم؟ فالجواب: أنه أراد تفصيل الشجر إلى شجرة شجرة حتى لا يبقى منها واحدة، فإن قلت: لم قال: (? ?) ولم يقل: كلم الله، بجمع الكثرة؟ فالجواب: أن هذا أبلغ، لأنه إذا لم تنفد الكلمات مع أنها جمع قلةٍ فكيف ينفد الجمع الكثير» 128.
ويتضح من كلام الإماميين الجليلين الإعجاز اللغوي والبياني لهذه الآية الكريمة التي وصفت الشجر وصفًا دقيقًا كونه أقلامًا، حيث جاء الآية بلفظ شجرة حتى لا يبقى منها واحدة على وجه الأرض إلا بريت أقلامًا.
6.قوله تعالى: (چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑک ک ک ک گگ گ گ ? ?) [البقرة: 261] .
واللمسة البيانية في هذه الآية الفرق بين كلمتي (سنبلات) و (سنابل) في القرآن الكريم وكلاهما جمع؟ فالجواب: استخدمت كلمة سنابل جمع كثرة في سورة البقرة في قوله تعالى: (چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑک ک ک ک گگ گ گ ? ?) [البقرة: 261] .
والحديث في السورة عن مضاعفة ثواب المنفق في سبيل الله لذا ناسب السياق أن يؤتى بجمع الكثرة (سنابل) ، أما كلمة (سنبلات) كما وردت في سورة يوسف بقوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [يوسف: 43] .
فهي تدل على جمع قلة، والسياق في سورة يوسف في المنام وما رآه الملك فناسب أن يؤتى بجمع القلة (سنبلات) 129.
7.قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [المؤمنون: 20] .
والإعجاز العلمي والطبي في هذه الآية يبين أن شجرة الزيتون من الأشجار الخشبية التي تعمر طويلًا لمدد تزيد على مئات السنين وتثمر أثمارًا مستمرة بغير جهد من الإنسان، كما تتميز بأنها دائمة الخضرة جميلة المنظر، وتفيد الأبحاث العلمية أن الزيتون يعد مادة غذائية جيدة، ففيه نسبة كبيرة من البروتين، كما يتميز بوجود الأملاح الكلسية والحديدية والفوسفاتية، وهي مواد هامة وأساسية في غذاء الإنسان، وعلاوة على ذلك فإن الزيتون يحتوي على فيتامينات، ويستخرج من ثماره زيت الزيتون الذي يحتوي على نسبة عالية من الدهون السائلة التي تفيد الجهاز الهضمي عامة والكبد خاصة، ويفضل زيت الزيتون كافة أنواع الدهون الأخرى نباتية أو حيوانية؛ لأنه لا يسبب أمراضا للدورة الدموية أو الشرايين كغيره من الدهون، كما أنه ملطف للجلد إذ يجعله ناعما مرنا، ولزيت الزيتون استعمالات أخرى كثيرة في الصناعة إذ يحضر منه بعض الصناعات، ويدخل في تركيب أفضل أنواع الصابون، وتكمن أهمية الزيتون من ناحيتيه الغذائية والدوائية أن الله سبحانه يقسم به في قوله تعالى: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (1) وَطُورِ سِينِينَ (2) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (3) } [التين: 1 - 3] . للتنويه بشأن الزيتون وبركته وعظيم منفعته 130.