فهرس الكتاب

الصفحة 1463 من 2431

فترك ذكر المأكول والمشروب لتنوعهما وكثرتهما، وهذا ما يعبر عنه بأن حذف المتعلق يفيد العموم، وقال: (? ? ? ں ں ? ?) [ص: 51] .

أي: بألوان متنوعة متكثرة من الفواكه، وشراب كثير، فحذف «كثير» لدلالة الأول عليه 119، وخص الشراب والفاكهة من بين ما يتنعم به فيها، لأن بلاد العرب قليلة الفواكه والأشربة، فالنفس إليها أشوق، وفي ذكرها أرغب، كما أن في ذلك إيماء إلى أن مطاعمهم وشربهم للتغذي والتفكه والتلذذ 120. وتنوين (?) هنا للتعظيم والتنويع.

وقد نص القرآن على بعض مشروبات أهل الجنة، وهذا بيانها:

1.الماء.

قال تعالى: (? ? ژژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ?) [محمد: 15] .

وسبب اختيار الأنهار من الأجناس الأربعة: لأن المشروب إما أن يشرب لطعمه فألذها: الحلو وهو متمثل بالعسل، والدسم متمثل باللبن، وإما لأمر غير عائد إلى الطعم: متمثلًا بالماء والخمر 121.

وهذه الأصناف المذكورة في الآية كانت من أفضل ما يتنافسون فيه، ومن أعز ما يتيسر الحصول عليه، فكيف الكثير منها، فكيف إذا كان منها أنهار في الجنة. وتناول هذه الأصناف من التفكه الذي هو تنعم أهل اليسار والرفاهية 122.

وبدأ الله بالماء في الآية التي تتحدث عن أنهار الجنة لأن أهل الدنيا لا يستغنون عنه بأي حال من الأحوال 123.

وبما أن الجنة لا تشابه الدنيا فقد ذكر الله تعالى صفة الماء في الجنة بقوله: (ک ک) يقال: أسن الماء، وأسن يأسن: إذا تغير ريحه تغيرًا منكرًا 124، والمعنى: أي غير متغير، لا بوخم، ولا بريح منتنة، ولا بحرورة ولا بكدورة، بل هو أعذب المياه وأصفاها وأطيبها ريحًا وألذها شربًا 125.

وقد قرأ ابن كثير: (غير أسن) والمقصود به: الإخبار به عن الحال، وقرأ الجمهور: (ک ک) يريد به أن يكون كذلك في المستقبل 126، فالمراد من القراءتين بيان أن ماء الجنة لا يتغير لا في الحال ولا في المستقبل، وإنما هو ماء طيب لذيذ، تشتهيه النفوس.

وقد وصف الله الأنهار بأنها جارية، ومعلوم أن الماء الجاري لا يأسن، فالفائدة من قوله: (ک ک) الماء الجاري وإن كان لا يأسن، فإنه إذا أخذ منه شيء وطال مكثه أسن، وماء الجنة لا يعرض له ذلك، ولو طال مكثه ما طال 127.

ووصف الله ماء الجنة بقوله: (گ گ) [الواقعة: 31] .

أي: جارٍ في منازلهم، من غير أخدود، ولا يحتاجون فيه إلى جلب من الأماكن البعيدة، ولا الإدلاء في بئر 128.

2.اللبن.

قال تعالى: (گ گ گ گ ? ?) [محمد: 15] .

ذكر اللبن بعد الماء لأنه يجرى مجرى المطعوم لكثير من العرب في غالب أوقاتهم 129. وقد نفى الله عز وجل آفة اللبن، وهي فساده بتغير طعمه إلى الحموضة كما تتغير ألبان الدنيا؛ لأنهم كانوا إذا حلبوا وشربوا أبقوا ما استفضلوه إلى وقت آخر؛ لأنهم لا يحلبون إلا حلبة واحدة أو حلبتين في اليوم، فيقع في طعم اللبن تغير 130. بل هو في غاية البياض، والحلاوة، والدسومة 131.

3.الخمر.

(? ? ? ? ?) [محمد: 15] .

وذكرها بعد الماء واللبن لأنه إذا حصل الري والشبع تشوفت النفس لما يستلذ به 132.

وقال: (? ?) للإشعار بأنها لذيذة لجميع من يشربونها، بخلاف خمر الدنيا؛ فإن من الناس من ينفر منها ويعافها حتى ولو كان على غير دين الإسلام 133.

ونفى القرآن عن خمر الآخرة ما هو موجود في خمر الدنيا، فليس فيها حموضة ولا مرارة، ولم تدنسها الأرجل بالدوس، ولا الأيدي بالعصر، وليس في شربها ذهاب عقل ولا صداع ولا وجع بطن، ولا آفة من آفات الخمر، بل خمر الآخرة لذيذة لهم، طيبة الشرب، لا يتكرهها الشاربون بخلاف خمر الدنيا، فإنها كريهة عند الشرب، وخمر الآخرة لمجرد الالتذاذ، وتفريح الطبع، وقد تكون سببًا في تقوية البدن، تعويضًا عن خمور الدنيا، وخمر الآخرة حسنة المنظر والطعم والرائحة والفعل 134. قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الصافات: 45 - 47] .

وقال: (? ? ? ? ?) [الواقعة: 19] .

وقال: (? ? ? ? ? ? ہ ہ) [الطور: 23] .

قال ابن عباس: في الخمر أربع خصال: السكر، والصداع، والقيء، والبول. فذكر الله خمر الجنة، فنزهها عن هذه الخصال 135.

وقد أخبر الله أن خمر الجنة تمزج بالكافور فقال: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? پ پ) [الإنسان: 5 - 6] .

والكأس في اللغة: هو الإناء الذي فيه الشراب، وإذا لم يكن فيه الشراب لم يسم كأسًا، بل هو إناء، وقد يطلق الكأس على نفس الخمر 136.

والآية تخبرنا أن الأبرار وهم الذين برت قلوبهم بما فيها من محبة الله ومعرفته، والأخلاق الجميلة، فبرت جوارحهم، واستعملوها بأعمال البر، أخبر أنهم (? ? ?) أي: شراب لذيذ من خمر قد مزج بكافور، أي: خلط به ليبرده ويكسر حدته، وهذا الكافور في غاية اللذة قد سلم من كل مكدر ومنغص، موجود في كافور الدنيا، فإن الآفة الموجودة في الأسماء التي ذكر الله أنها في الجنة وهي في الدنيا تعدم في الآخرة 137. وقوله: (پ پ) أي: يشقونها شقًا، كما يفجر الرجل النهر هاهنا وهاهنا إلى حيث يريد. وقال مجاهد: يقودونها حيث شاءوا، وتتبعهم حيثما مالوا مالت معهم 138.

هذه أقوال تتعاضد على أن المراد بالكأس والشارب في الآية هي الخمر، لكن ما المانع أن يشمل الشراب غير الخمر؛ خاصة إذا كان الحديث عن نعيم أهل الجنة، فلهم أن يشربوا ما شاءوا مما أعده الله لهم؟!

وقد اختلف العلماء في قوله تعالى: (? ? ?) هل هي اسم عين في الجنة أم أن ماء هذه العين ببرد الكافور أو ريحه أو طعمه؟

قال الحسن: «ببرد الكافور وطعم الزنجبيل» 139. وقال قتادة: «المقصود ريح الكافور» 140. وقال السدي: «كأن طعمه طعم الكافور» 141. وقال عطاء: «إن ماء تلك العين يسمى كافورًا» 142. وقد ذهب الرازي إلى: «أن ماء ها في بياض الكافور ورائحته وبرده، ولكن لا يكون فيه طعمه ولا مضرته، فالمعنى من ذلك الشراب: يكون ممزوجًا بماء هذه العين» 143. وجمع أبو السعود والألوسي بين هذه الآراء فقالا: (?) أي: ماء كافور، هو اسم عين في الجنة، ماؤها في بياض الكافور ورائحته وبرده» 144.

وأخبر تارة أن الخمر تمزج بالزنجبيل، فقال: (ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ?) [الإنسان: 17 - 18] .

والمعنى أن أهل الجنة يسقون في الجنة كأسًا من الخمر ممزوجة بالزنجبيل، وقد كانت العرب تستلذ مزيج الشراب بالزنجبيل لطيب رائحته، وقال مقاتل: هو زنجبيل لا يشبه الدنيا، أي: يلذع الحلق فتصعب إساغته.

قلت: وكذلك ما في الجنان من الأشجار والثمار والقصور والنساء والحور والمأكولات والأشربة والملبوسات لا يشبه ما في الدنيا إلا في مجرد الاسم، لكن الله سبحانه وتعالى يرغب الناس ويطمعهم بأن يذكر لهم أحسن شيء وألذه وأطيبه مما يعرفونه في الدنيا لأجل أن يرغبوا ويسعوا فيما يوصلهم إلى هذا النعيم المقيم 145. وسميت هذه العين سلسبيلًا، قيل: إنها سلسلة يصرفونها حيث شاءوا 146. وقيل: لأنها تنسل عليهم في مجالسهم وغرفهم وطرقاتهم 147. وقيل: لأنها سلسلة السبيل، أي: حديده جديدة الجدية تسيل في حلوقهم انسلالًا 148.

وقد تعاضدت كلمة المفسرين على أن المراد بالشراب هنا الخمر أيضًا، لكن قد يشمل الشراب غير الخمر، كما سبق بيانه.

وعن حكمة مزج الخمر بالكافور في الآية الأولى، وبالزنجبيل في هذه الآية يقول ابن القيم: «فأخبر سبحانه عن العين التي يشرب بها المقربون صرفًا، إن شراب الأبرار يمزج منها؛ لأن أولئك أخلصوا الأعمال كلها لله، فأخلص شرابهم، وهؤلاء مزجوا فمزج شرابهم» 149. وقال ابن كثير: «فتارة يمزج لهم الشراب بالكافور وهو بارد، وتارة بالزنجبيل وهو حار؛ ليعتدل الأمر» 150.

وقد يوهم أن شربهم من هذه الكأس الممزوجة بالكافور والمسك قد تؤثر في عقولهم، فقال واصفًا هذا الشراب (? ? ? ?) [الإنسان: 21] .

فهذا احتراس مما يوهمه شربهم من الكأس الممزوجة بالكافور والزنجبيل من أن يكون فيها ما في أمثالها المعروفة في الدنيا، ومن الغول وسوء القول والهذيان، فعبر عن ذلك بكون شرابهم طهورا بصيغة المبالغة في الطهارة، وهي النزاهة من الخبائث، أي: منزهًا عما في غيره من الخباثة والفساد، وللإشعار بأن هذا الشراب قد بلغ النهاية في الطهارة 151.

وأسند سقيه إلى ربهم إظهارًا لكرامتهم، أي: أمر هو بسقيهم، كما يقال: أطعمهم رب الدار وسقاهم 152.

وفي آية أخرى وصف الله شراب أهل الجنة من الخمر فقال: (? ? ? ? ? ? ?) [المطففين: 25 - 26] .

والرحيق: اسم للخمر الطيبة الصافية، الخالية من كل ما يكدر أو يذهب العقل. وهذه الخمر مختوم على إنائها بخاتم، بحيث لم تمسها يد قبل أيديهم. وهذه الخمر-أيضًا- من صفاتها أن شاربها يجد في نهاية شربها ما يشبه المسك في جودة الرائحة 153.

الجمع بين موهم الاختلاف:

قال الله: (? ? ?) [محمد: 15] .

وقال: (? ? ? ?) [المطففين: 25] .

والنهر لا يختم عليه، فكيف الجمع بين الآيتين؟ طريق الجمع بينهما أن المذكور في سورة المطففين في أوانٍ مختوم عليها؛ لشرفها ونفاستها، وهي غير تلك الخمر التي في الأنهار 154.

4.العسل.

قال تعالى: (? ں ں ?) [محمد: 15] .

في غاية الصفاء وحسن اللون، والطعم، والريح 155. والعسل يشوب أجزاؤه من الشمع والشوائب وغيرها ما هو موجود في عسل أهل الدنيا 156.

وسبب ذكره في نهاية الحديث عن أنهار الجنة؛ لما فيه من الشفاء في الدنيا مما يعرض من المشروب والمطعوم، فهو متأخر بالرتبة 157.

قال ابن القيم: «ثم تأمل اجتماع هذه الأنهار الأربعة التي هي أفضل أشربة الناس، فهذا لشرابهم وطهورهم، وهذا لقوتهم، وهذا للذتهم وسرورهم، وهذا لمنفعتهم» 158.

والآيات التي تحدثت عن شراب أهل الجنة تتجلى هداياتها في بيان عظيم نعمة الله على أهل الجنة، وأن إيمانهم كان سببًا في نيلهم هذه المكانة العظمى، كما فيها تحفيز وتشويق النفوس لهذا النعيم.

ثانيًا: صفة شراب أهل الجنة:

كما ذكر القرآن أشربة أهل الجنة، وعدد أنواعًا منها، فقد ذكر أيضًا صفة شربهم؛ بيانًا لهذا النعيم، وتشويقًا للنفوس، وصفة شراب أهل الجنة هي:

1.شراب هنيء.

قال تعالى: (ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ) [الطور: 17 - 19] .

فتخبرنا الآيات بأن الذين اتقوا ربهم لهم جنات ونعيم، متمتعين على وجه الفرح والسرور بما أعطاهم الله من النعيم الذي لا يمكن وصفه، ووقاهم عذاب الجحيم، فرزقهم المحبوب، ونجاهم من المرهوب؛ لما فعلوا ما أحبه الله، وجانبوا ما يسخطه ويأباه، ويقال لهم وهم في هذا النعيم: كلوا واشربوا مما تشتهيه أنفسكم، من أصناف المآكل والمشارب اللذيذة، متهنئين بتلك المآكل والمشارب على وجه الفرح والسرور والبهجة والحبور 159.

والهنيء: كل ما لا يلحق فيه مشقة، ولا يعقب وخامة، ولا تنغيص فيه، ولا نكد، ولا كدر، ولا أذى 160.

وقوله: (?) إشارة إلى خلو الأكل والشرب عما يكون فيها من المفاسد في الدنيا، منها: أن الآكل يخاف من المرض فلا يهنأ له الطعام.

ومنها: أنه يخاف النفاد فلا يسخو بالأكل، والكل منتفٍ في الجنة فلا مرض ولا انقطاع، فإن كل أحد عنده ما يفضل عنه. ولا إثم ولا تعب في تحصيله؛ فإن الإنسان في الدنيا ربما يترك لذة الأكل لما فيه من تهيئة المأكول بالطبخ والتحصيل من التعب أو المنة، أو ما فيه من قضاء الحاجة واستقذار ما فيه، فلا يتهنأ، وكل ذلك في الجنة منتفٍ.

ومنها: أنهم أمنوا من الموت، فلا يفوتهم هذا النعيم؛ فإن ما لا يبقى أو لا يبقى الإنسان معه منغص، وذلك منتفٍ في الجنة 161.

فالملاحظ أن قوله: (?) قد جمع كل أنواع اللذة والفرح والسرور والبهجة والحبور لأهل الجنة، وفوق ذلك أن هذا الطعام والشراب فيه تكريم لأهل الجنة، فينادون هذا النداء العلوي، ويقال لهم: (? ? ? ? ? چ) وهذا بذاته لذة ومتعة ونعيم يفوق كل نعيم.

2.شراب لذيذ.

من أوصاف شراب أهل الجنة أنه لذيذ، وقد جاء هذا في وصف خمر الجنة، فقال ربنا: (? ? ?) [الصافات: 46] .

وقال: (? ? ? ? ?) [محمد: 15] .

أي: ليست كريهة الطعم والرائحة كخمر الدنيا، بل هي حسنة المنظر والطعم والرائحة والفعل 162.

وقال: (? ?) لأن اللذة تختلف باختلاف الأشخاص، فرب طعام يلتذ به شخص ويعافه الآخر، فقال: (? ?) بأسرهم، ولأن الخمر كريهة الطعم، فقال: (?) أي: لا يكون في خمر الآخرة كراهة الطعم 163.

وقد جاء وصف اللذة أيضًا مضمنًا في قوله: (? ? ? ? ?) [الإنسان: 6] .

فمن المفسرين من ذهب إلى تناوب الحروف، فمعنى (? ?) أي: يشرب منها 164، ومنهم من ذهب إلى التضمين 165، فضمن (? ?) أي: يروى 166. والأولى أن يكون معنى (? ?) أي: يتلذذون بها؛ لأن أهل الجنة لا يظمؤون، وإنما ينشدون من الشرب المسرة، ويطلبون اللذة والاستمتاع. والله أعلم.

النار دار العقاب التي أعدها الله للكفار والعصاة، وقد أعد فيها من العذاب أنواعًا، ومن أنواع العذاب في جهنم شراب أهل النار، وقد ذكر القرآن أنواعًا من شراب أهل النار، ووصف شربهم، وفيما يأتي بيان ذلك.

أولًا: مشروبات أهل النار:

ذكر القرآن عددًا من أشربة أهل النار، منها:

1.الحميم.

وقد ذكره القرآن في عدة آيات، منها: قوله تعالى: (? ? ? ژ ژ ڑ ڑ) [الأنعام: 70] .

وقوله: (? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ?) [الحج: 19 - 20] .

وقوله: (? ? ? ? ?) [محمد: 15] .

والحميم هو الماء الحار، الشديد الحرارة والغليان. فأهل النار يسلط عليهم من الجوع ما يضطرهم إلى أكل الزقوم 167 الذي هو كالمهل، فإذا ملؤوا منه البطون يسلط عليهم من العطش ما يضطرهم إلى شرب الحميم 168. وهذا الحميم قد وصفه الله بعدة أوصاف، وهي:

قال تعالى: (? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ?) [الحج: 19 - 20] . أي: يذيب ما في بطونهم، ويشوي جلودهم. قال ابن عباس: تسيل أمعاؤهم وتتناثر جلودهم. وقال أيضًا: يمشون وأمعاؤهم تتساقط وجلودهم، وقال: يسقون ماء إذا دخل في بطونهم أذابها، والجلود مع البطون 169. فهذا الحميم من شدته له أثر على ظاهر أهل النار وباطنهم.

قال تعالى: (? ? ? ? ?) [محمد: 15] . فهذا الماء الحار يقطع أمعاءهم، أي: مصارينهم، فتخرج من أدبارهم لفرط حرارته 170.

2.الصديد.

قال تعالى: (ہ ھ ھ ھ ھ ے ے) [إبراهيم: 15 - 16] .

فالآيتان تخبرنا أن جهنم تنتظر هذا الجبار العنيد، وتترصد له، وتتبعه حيث كان، بحيث لا يستطيع الفرار منها، أو الهرب عنها، ويلقى فيها من الأهوال ألوانًا وأشكالًا، ومن هذه الأهوال أنه يسقى من ماء مخصوص ليس كالمياه المعهودة، هو الصديد وهو ما يسيل من جلود أهل النار ولحومهم، وهو دم مختلط بقيح، يسيل من جلد الكافر ولحمه. وقال مجاهد: هو القيح والدم 171. وقال محمد بن كعب القرظي: هو ما يسيل من فروج الزناة يسقاه الكافر 172. واشتقاقه من الصد، لأنه يصد الناظرين عن رؤيته 173.

وجعل الصديد ماء على التشبيه البليغ في الإسقاء؛ لأن شأن الماء أن يسقى. والمعنى: ويسقى صديدًا عوض الماء إن طلب الإسقاء 174.

3.المهل.

قال تعالى: (? ? ژ ژ ڑڑ ک ک ک ک) [الكهف: 29] .

وقال: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الدخان: 43 - 45] .

والمهل فيه أقوال: قال ابن عباس وابن مسعود: كل شيء أذبته من ذهب أو نحاس أو فضة فهو المهل 175.

وقال مجاهد: إنه الصديد والقيح. وقال سعيد بن جبير: إنه ضرب من القطران. قال ابن عباس وابن عمر: المهل ماء غليظ مثل دردي الزيت وعكره 176.

وقال الضحاك: ماء أسود، وإن جهنم لسوداء، وماؤها أسود، وشجرها أسود، وأهلها سود 177.

قال الحسن: كان ابن مسعود على بيت المال لعمر بالكوفة، فأذاب يوما فضة مكسرة، فلما انماعت، قال: يدخل من بالباب، فدخلوا، فقال لهم: هذا أشبه ما رأينا في الدنيا بالمهل. قال مجاهد: ولو وقعت منها قطرة في الأرض لأفسدت على أهل الأرض معايشهم 178.

وقد ذكر القرطبي أن هذه الأقوال صحيحة ومرادة في معنى الآية 179.

واستغاثتهم يحتمل أن تكون لأنهم إذا طلبوا ماء للشرب فيعطون هذا المهل، ويحتمل أن يستغيثوا من حر جهنم فيطلبوا ماء يصبونه على أنفسهم للتبريد فيعطون هذا الماء 180.

وقوله: (ک ک) لأن المقصود بشرب الشراب تسكين الحرارة، وهذا يبلغ في احتراق الأجسام مبلغًا عظيمًا 181.

وقد ذكر الله لهذا المهل في القرآن أوصافًا، وهي:

قال تعالى: (? ? ژ ژ ڑڑ ک ک ک ک) فأهل النار حين يستغيثون من الظمأ لاحتراق أفئدتهم يغاثوا بماء كالمهل يشوي وجوهم ويذيبها من فرط حرارته.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الدخان: 43 - 45] .

والمعنى أن هذه الشجرة إذا طعمها الكافر في جهنم، صارت في جوفه تفعل كما يفعل المهل السخن من الإحراق والإفساد.

4.الغساق.

قال تعالى: (? ? ? ?) [ص: 57] .

قال ابن عباس: غساق: الزمهرير 182.

قال محمد بن كعب: هو عصارة أهل النار. وقال السدي: الغساق الذي يسيل من دموع أهل النار يسقونه مع الحميم، وكذا قال ابن زيد 183.

وقال مجاهد ومقاتل: هو الثلج البارد الذي قد انتهى برده 184.

قال الربيع بن أنس: الغساق: هو ما اجتمع من صديد أهل النار وعرقهم ودموعهم وجروحهم، فهو بارد لا يستطاع من برده، ولا يواجه من نتنه 185.

وقال: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النبأ: 24 - 25] .

أي: لا يذقون في جهنم بردًا يبرد حر السعير عنهم إلا الغساق، ولا شرابًا يرويهم من شدة العطش إلا الحميم، فهم لا يذوقون مع شدة الحر ما يكون فيه راحة من ريح باردة، أو ظل يمنع من نار، ولا يجدون شرابًا فيسكن عطشهم، ويزيل الحرقة من بواطنهم، ولكن يجدون الماء الحار المغلي، وما يسيل من جلودهم من الصديد والقيح والعرق، وسائر الرطوبات المستقذرة.

والخلاصة: إنهم لا يذوقون فيها شرابًا إلا الحميم البالغ الغاية في السخونة، أو الصديد المنتن، ولا بردًا إلا الماء الحار المغلي 186.

يقول سيد قطب: « (? ? ? ? ? ?) ثم يستثني فإذا الاستثناء أمر وأدهى: (? ? ?) إلا الماء الساخن يشوي الحلوق والبطون. فهذا هو البرد! وإلا الغساق الذي يغسق من أجساد المحروقين ويسيل. فهذا هو الشراب!» 187.

5.شراب من عين آنية.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ?) [الغاشية: 4 - 5] .

أي: متناهية في الحر، والآني الذي قد انتهى حره، من الإيناء بمعنى التأخر، يقال: آناه يؤنيه إيناء، أي: أخره وحبسه 188.

والمعنى: إن أهل النار إذا عطشوا في تلك الدار وطلبوا ما يطفئ غلتهم، جيء لهم بشراب من هذه العين الآنية، بلغ من الحرارة غايتها، فهو لا يطفئ لهبًا، ولا ينقع غلة 189.

والقرآن لم يحدد نوع الشراب الذي يسقاه أهل النار من العين الآنية، فقد يكون ماء حميمًا، وقد يكون صديدًا، أو مهلًا، أو غير ذلك، وهذا من الأمور الغيبية، فنقف معه حيث وقف القرآن.

والآيات السابقة تبرز هداياتها في بيان شراب أهل النار وأوصافه؛ تفظيعًا لحالهم، وبيانًا لما هم فيه من شدة العذاب، وأن سبب دخولهم النار هو كفرهم برب العباد، كما تشير إلى تحذير الخلق من هذا المصير والجزاء.

ثانيًا: صفة شرب أهل النار:

وصف الله شرب أهل النار بوصفين، هما:

1.شرب الهيم.

قال تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ?) [الواقعة: 51 - 56] .

فالآيات تخبرنا أن أهل النار بعد أكلهم شاربون بعد ذلك من ماء حار لغلبة العطش عليكم، ولكنه شرب لا يشفى الغليل، ومن ثم تشربون ولا ترتوون 190، وشربكم لا يكون شربكم شربًا معتادًا بل شرب الهيم.

قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك: هو جمع أهيم، وهو الجمل الذي أصابه الهيام، بضم الهاء، وهو داء معطش يشرب معه الجمل حتى يموت أو يسقم سقمًا شديدًا.

وقال قوم آخرون: هو جمع هائم وهائمة، وهذا أيضًا من هذا المعنى؛ لأن الجمل إذا أصابه ذلك الداء هام على وجهه وذهب، وقال سفيان الثوري وابن عباس: الهيم هنا الرمال التي لا تروى من الماء، وذلك أن الهيام بفتح الهاء هو الرمل الدق الغمر المتراكم 191.

أي: إن هذا الشراب الجهنمي يقبل عليه الذين أكلوا من هذا الطعام الزقومي، يقبلون عليه في سعار مجنون، أشبه بالإبل الهيم، أي: العطاش، التي حبست عن الماء أيامًا، فإذا وردت عليه عبت منه في نهم شديد، لتنقع غلتها، وتروي ظمأها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت