ويخوض بعض الناس في شبهات حول الربا، منها أن الاقتصاد العالمي قائمٌ على البنوك والتعامل بالربا، وأن عمل البنوك اليوم يشبه المضاربة؛ لأن البنك يجني أرباحًا من الودائع، ويدفع نسبةً من هذه الأرباح طواعيةً ورضًا، ومن ثم يرون أنه يمكن اعتبار ما يدفعه البنك من ربًا، مثل نسبة ربحٍ قياسًا على المضاربة، خاصةً وأن البنك يدفعها عن رضًا، وإذا خسر البنك، فإنه يمكنه أن يلجأ للقضاء، ويثبت خسارته، ومن ثم يصبح غير ملزمٍ بدفع نسبة الربح المتفق عليها.
ويروج بعض الناس عدة أمورٍ عن الربا:
إذ يرون أن الزيادة في القرض حقٌ للمرابي؛ لأن المال الذي يدفعه للمقترض يتيح له الفرصة للعمل وللربح تمامًا، وهذا ادعاءٌ غير صحيحٍ؛ لأن رأس المال في القرض يتحمل مسئوليته المقترض، بالإضافة إلى الزيادة (الفائدة) ، من دون أن يتحمل صاحب المال شيئًا، فهو رابحٌ دائمًا، بينما يكون العامل معرضًا للربح والخسارة.
من الشبهات عدم الوسع، وهي كلمة حقٍ أريد بها باطلٌ:
إذ تسمع الرويبضة المتفيهقين يصرفون الناس عن منهج الإسلام، فيفتون بما لا يعلمون، فيقول قائلهم: قال تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] .
أي: ليس في وسعه الآن تنفيذ شرع الله، نقول له: من الذي يحدد الوسع؟ أنت أم المشرع سبحانه وتعالى؟
ونقول: مادام الله تعالى قد كلف، فاعلم أن التكليف في وسعك، فخذ الوسع من التكليف، لا أن تقدر أنت الوسع، وتنسى ما كلفك الله به.
لذلك ترى أن الله تعالى إذا ضاق الوسع يخفف عنك دون أن تطلب أنت التخفيف؛ لأن الله شرع الدين للبشرية إلى يوم القيامة، فلا تقل: إن تعاليم الدين لا تناسب العصر، إذن: اجعل العصر هو المشرع، وانصرف عن تشريع الله إلى ما يحتمله العصر، إن الله سبحانه هو أعلم بما يصلح البشرية وينظم حركة الكون.
من الناس من لا يرى بأسًا في الربا، ويرى أن تحريم الربا لم يرد إلا في المضاعفة للفوائد الربوية، أما ما دون الضعف فليس ربًا، بيد أن هذا القول يعد تلصصًا على النص؛ إذ اتفق المفسرون والفقهاء على أن المراد من قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} [آل عمران: 130] .
هو بيان الواقع، لا اختصاص التحريم بحالة المضاعفة.
قال ابن عطية: «وقوله {مُضَاعَفَةً} إشارةٌ إلى تكرار التضعيف عامًا بعد عامٍ، كما كانوا يصنعون، فدلت هذه العبارة المؤكدة على شنعة فعلهم وقبحه؛ ولذلك ذكرت حال التضعيف خاصةً، وقد حرم الله جميع أنواع الربا، فهذا هو مفهوم الخطاب؛ إذ المسكوت عنه من الربا في حكم المذكور، وأيضًا فإن الربا يدخل جميع أنواعه التضعيف والزيادة على وجوهٍ مختلفةٍ من العين أو من التأخير، ونحوه» 53.
وقال الشوكاني: «وقوله تعالى: {أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} ليس لتقييد النهي لما هو معلومٌ من تحريم الربا على كل حالٍ، ولكنه جيء به باعتبار ما كانوا عليه من العادة التي يعتادونها في الربا، فإنهم كانوا يربون إلى أجلٍ، فإذا حل الأجل زادوا في المال مقدارًا يتراضون عليه، ثم يزيدون في أجل الدين، فكانوا يفعلون ذلك مرةً بعد مرةٍ؛ حتى يأخذ المربي أضعاف دينه الذي كان له في الابتداء» 54.
وقال الألوسي في روح المعاني: «وليس هذه الحال لتقييد المنهي عنه ليكون أصل الربا غير منهي، بل لمراعاة الواقع، فقد روى غير واحدٍ أنه كان الرجل يربي إلى أجلٍ، فإذا حل قال للمدين: زدني في المال حتى أزيدك بالأجل فيفعل، وهكذا عند كل أجل، فيستغرق بالشيء ماله بالكلية، فنهوا عن ذلك» 55.
وقد ترى آراء ظهرت تبرر أخذ الفائدة، وترى أنها تغطيةٌ للنفقات الكتابية والإدارية للمصرف، والشريعة الإسلامية تجعل النفقة مشروعة، ولكن لا تجعلها في إطار الفائدة والربا، فنفقة سداد القرض في مكانٍ غير المكان الذي تم فيه الإقراض يتحملها المتسبب في النقل سواءٌ أكان المدين، أم الدائن.
والفقه الإسلامي يقر أن أخذ النفقة والأجرة أمرٌ مشروعٌ، فعن مالكٍ أنه بلغه أن عمر رضي الله عنه سئل في رجلٍ أسلف طعامًا على أن يعطيه إياه في بلدٍ آخرٍ، فكره عمر، وقال: «أين كراء الحمل؟» 56.
وهم لا يرون الفائدة القليلة ربًا، بل الربا في زعمهم الزيادة الفاحشة، أما الزيادة المعقولة بزعمهم: فإنها جائزةٌ عندهم، ويدعون أن الربا إنما هو الفائدة المرتفعة فقط.
وهذا القول باطلٌ؛ لأن الربا في الشريعة الإسلامية، هو الزائد على رأس المال اشتراطًا، وإن كان قبضة شعيرٍ واحدةٍ، وهذا التفريق بين القليل والكثير منهجٌ غير إسلاميٍ، يقصد به التلاعب بالعقول.
ومن ثم يبطل اعتبار الفائدة أجرة المصرف على أعماله التي يقدمها للعميل، فالأجرة مشروعةٌ، أما الفائدة فحرامٌ، ولكن يجوز للمصرف أن يستوفي من عميله المقترض أجرًا مقابل الأعباء الإدارية، والكتابية المتعلقة بالقرض؛ إذ إن الأجر يستقضى مقابل منفعةٍ، ويشترط فيها أن تكون معلومة القدر، إما بغايتها أو بتحديد مدتها.
ومن ثم يجب أن يكون الأجر مبلغًا معينًا مقطوعًا لا يتكرر إلا بتكرار الخدمة التي يقدمها المصرف، فاستحقاق المصرف للأجر، إنما يكون نظير قيامه بأعمالٍ معينةٍ؛ لذلك يجب أن يكون على أساس مبلغٍ مقطوعٍ، وليس على أساس نسبةٍ من قيمة القرض.
التوبة: الرجوع من الذنب، فالندم توبةٌ، وتاب إلى الله يتوب توبًا وتوبةً ومتابًا: أناب ورجع عن المعصية إلى الطاعة، وتاب الله عليه: وفقه لها، ورجلٌ توابٌ: تائبٌ إلى الله، والله توابٌ: يتوب على عبده؛ فالله غافر الذنب، وقابل التوب، والله التواب: يتوب على عبده بفضله، إذا تاب إليه من ذنبه.
ومن المعلوم يقينًا أن رحمة الله واسعةٌ، وأنه يغفر الذنوب جميعًا، لا يتعاظم ذنبٌ عن عفوه ومغفرته، فما جعل الله التوبة إلا للخطاة، وما أرسل الأنبياء إلا للضالين من الناس، وما جعل المغفرة إلا للمذنبين، وما سمى نفسه الغفار التواب العفو الكريم، إلا من أجل أننا نخطئ فيغفر لنا، قال تعالى: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53] .
ولكن للتوبة الصادقة من الربا شروط:
-الرجوع إلى الله، والندم على اقتراف الذنب، والعزم على عدم العودة إلى المعصية والذنب مرةً أخرى.
-التخلص من المال الربوي برده لأصحابه إن أمكن، وإلا فيصرفه في وجوه البر والإحسان.
فلا بد لآكل الربا أن يرد المال الذي أخذه زيادةً، والاكتفاء برأس المال، ويدلنا على ذلك قوله تعالى: {وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} [البقرة: 279] .
ولكن إذا طالت المدة، ولم يعرف الرجل الذي أخذ منه الربا، فعلى آكل الربا التائب أن يتحرى ويجد في ذلك، فإن عجز عن معرفته، فله أن يتصدق بهذا المال عنه.
إن من فضائل الله تعالى علينا أنه سبحانه وتعالى يحاسبنا على أعمالنا حسابًا عادلًا؛ فمن أحسن حسنةً، يضاعفها له، ومن أساء سيئة جزاه سيئة، ولايظلم ربك أحدًا، قال تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 7 - 8] .
فالجزاء من جنس العمل؛ لذلك كان الجزاء مماثلًا للعمل من جنسه في الخير والشر.
وقال تعالى: {إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ} [التغابن: 17] .
ومظاهر عدل الله سبحانه وتعالى كثيرةٌ، فمن ستر مسلمًا ستره الله، ومن يسر على معسرٍ، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن تجاوز تجاوز الله عنه، فهذا شرع الله وقدره، وثوابه وعقابه، كله قائمٌ بهذا الأصل، وهو إلحاق المثل بالمثل، فمن رحمته وفضله سبحانه وتعالى أن جعل الجزاء من جنس العمل.
أولًا: جزاء آكل الربا في الدنيا:
لقد بينت السنة النبوية جزاء آكل الربا في الدنيا، فآكل الربا يحال بينه وبين أبواب الخير في الدنيا، فالمرابي لا يقرض القرض الحسن، ولا ينظر المعسر، ولا ينفس الكربة عن المكروب؛ لأنه جشعٌ يعز عليه إعطاء المال بدون فوائد ماديةٍ محسوسةٍ، فقد نسي فضل الله عليه، وتغافل عن حقيقة أن المال مال الله.
قال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} [طه: 124] .
وعن ابن مسعودٍ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما أحدٌ أكثر من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قلةٍ) 57.
وعن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لعن الله آكل الربا، وموكله وشاهديه، وكاتبه) ، قال: وقال: (ما ظهر في قومٍ الربا والزنا إلا أحلوا بأنفسهم عقاب الله عز وجل) 58.
قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} [البقرة: 278 - 279] .
هذا وعيدٌ إن لم يذروا الربا، والحرب داعية القتل، قال ابن عباس: «من كان مقيمًا على الربا لا ينزع عنه؛ فحق على إمام المسلمين أن يستتيبه، فإن نزع، وإلا ضرب عنقه» 59.
وذلك بعقوبة التعزير في الفعل المحرم، مثل: (العمل بالربا، وشهادة الزور) 60.
وعقوبة التعزير، إذا لم يكن هناك حدٌ مقدرٌ.
وقيل: أوعد الله أهل الربا بالقتل فجعلهم بهرجًا أينما ثقفوا، وقيل: المعنى: إن لم تنتهوا فأنتم حربٌ لله ولرسوله، أي: أعداء.
وقال ابن خويز منداد: «ولو أن أهل بلدٍ اصطلحوا على الربا استحلالًا كانوا مرتدين، والحكم فيهم، كالحكم في أهل الردة، وإن لم يكن ذلك منهم استحلالًا جاز للإمام محاربتهم» 61؛ لأن الله تعالى قد أذن في ذلك، فقال تعالى: {فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} .
والحرب التي يتعرض لها المرابون، هي ما نراه في أناسٍ لا ينالون استقرارًا، ولا طمأنينةً ولا راحةً، فالناس مع ما هم فيه من الرقي والتقدم والرخاء المادي قلقون خائفون مضطربون، قد فشت فيهم الأمراض العصبية، والنفسية؛ لخواء أرواحهم من صدق الإيمان، هذا الإيمان الذي يسبب الهدوء والسكينة والراحة والطمأنينة للنفس.
قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28] .
وهذا التشرذم والصراع على مطالب الدنيا، إنما هو ابتلاءٌ من الله لما قدمت أيدينا.
قال تعالى: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ} [الأنعام: 65] .
«ذكر ابن بكير، قال: جاء رجلٌ إلى مالكٍ ابن أنسٍ، فقال: يا أبا عبد الله، إني رأيت رجلًا سكرانًا يتعاقر يريد أن يأخذ القمر، فقلت: امرأتي طالقٌ إن كان يدخل جوف ابن آدم أشر من الخمر، فقال: ارجع حتى أنظر في مسألتك، فأتاه من الغد فقال له: ارجع حتى أنظر في مسألتك فأتاه من الغد، فقال له: امرأتك طالقٌ؛ إني تصفحت كتاب الله وسنة نبيه، فلم أر شيئًا أشر من الربا؛ لأن الله أذن فيه بالحرب» 62.
وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يأتي على الناس زمانٌ يأكلون فيه الربا) ، قال: قيل له: الناس كلهم؟ قال: (من لم يأكله منهم ناله من غباره) 63.
وروى الدارقطني عن عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لدرهم ربًا أشد عند الله تعالى من ستٍ وثلاثين زنيةٍ في الخطيئة) 64.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الربا سبعون حوبًا، أيسرها أن ينكح الرجل أمه) 65.
الرسول صلى الله عليه وسلم ينفر أمته من الوقوع في خطيئة الربا، فمثل لها بمثالٍ تأباه كل نفسٍ؛ لما في ضرب المثل من تأثيرٍ ينفر من ارتكاب هذه الأفعال غير المرغوب فيها؛ وذلك حتى يأخذ العصاة في الربا بطرفٍ من وعيد هذا الحديث.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اجتنبوا السبع الموبقات) ، قالوا: يا رسول الله: وما هن؟ قال: (الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات) 66.
وعن جابرٍ رضي الله عنه قال: (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا، ومؤكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال: هم سواءٌ) 67.
وعن عبد الله بن مسعودٍ عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لعن الله آكل الربا، وموكله، وشاهديه، وكاتبه) ، قال: وقال: (ما ظهر في قومٍ الربا والزنا إلا أحلوا بأنفسهم عقاب الله عز وجل) 68.
وقد بين الله فضل من أعان عباده المؤمنين ونفس عنهم الكرب.
قال تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ} [الحديد: 11] .
وقال تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 77] .
وقال تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [يونس: 26] .
والأحاديث عن إنظار المعسر، أو التجاوز عما عنده، وجواز التصدق على غير القادرين كثيرةٌ.
فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أنظر معسرًا أو وضع عنه، أظله الله في ظله) 69.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من نفس عن مؤمنٍ كربةً من كرب الدنيا نفس الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسرٍ يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) 70.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كان الرجل يداين الناس، فكان يقول لفتاه: إذا أتيت معسرًا فتجاوز عنه، لعل الله أن يتجاوز عنا، قال: فلقي الله فتجاوز عنه) 71.
الرسول صلى الله عليه وسلم يعلمنا قيمة من أعظم قيم التكافل والتراحم بين البشر، فبين أن من يمهل المديون حتى يستطيع تدبير أمره وسداد ما عليه بأن الله تعالى أعد له ثوابًا يعادل ثواب الصدقة عن كل يوم يمهل فيه صاحبه، وفي ذلك توجيهٌ عظيمٌ لمن يريدون الثواب من الله.
ثانيًا: جزاء آكل الربا في الآخرة:
وأما في الآخرة، فالأمر أشد، والخطب عظيمٌ، والمصاب جسيمٌ، وأي مصيبةٍ أعظم من أن يعرض أحدٌ نفسه لسخط الله، فيكون من الذين غضب الله عليهم، وتوعدهم بالعذاب الشديد، كما في قوله تعالى: {تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ} [المؤمنون: 104] .
وحريٌ بنا أن نبين أن تخلف بعض العقوبات عن بعض الناس في الدنيا، قد يكون شرًا من نزولها بهم، فإذا رأيت المرابي المعرض عن الله آمنًا في أهله وماله، فلا تظن أن الله تاركه، ولكنه يملي له حتى إذا حان أخذه له أخذه أخذًا شديدًا مباغتًا.
قال تعالى: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [آل عمران: 178] .
وقال تعالى: {وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [يونس: 27] .
إن جزاء المرابي عند الله شديدٌ، فقد أعد له ما يستحقه من العذاب؛ لأنه حارب الله ورسوله. قال تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} [البقرة: 275] .
فالآية تشبه حال القائم بحرصٍ وجشعٍ إلى تجارة الدنيا بقيام المجنون؛ لأن الطمع والرغبة تستفزه حتى تضطرب أعضاؤه، وهذا كما تقول لمسرعٍ في مشيه يخلط في هيئة حركاته إما من فزعٍ أو غيره: قد جن هذا، ويبعثون من قبورهم، على هذه الهيئة، عقوبةً لهم وتمقيتًا عند أهل المحشر.
وقوله تعالى: {يَتَخَبَّطُهُ} جعل الله هذه العلامة لأكلة الربا؛ وذلك أنه أرباه في بطونهم فأثقلهم، فهم إذا خرجوا من قبورهم يقومون ويسقطون.
ويقال: إنهم يبعثون يوم القيامة، وقد انتفخت بطونهم، كالحبالى، وكلما قاموا سقطوا، والناس يمشون عليهم.
وقال بعض العلماء: إنما ذلك شعارٌ لهم يعرفون به يوم القيامة، ثم العذاب من وراء ذلك، كما أن الغال يجيء بما غل يوم القيامة بشهرةٍ يشهر بها، ثم العذاب من وراء ذلك.
وقوله تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ} المراد يكسبون الربا ويفعلونه، وإنما خص الأكل بالذكر لأنه أقوى مقاصد الإنسان في المال، ولأنه دالٌ على الجشع، وهو أشد الحرص، وقد أقيم هذا البعض من توابع الكسب مقام الكسب كله، فاللباس والسكنى والادخار والإنفاق على العيال داخل فيه، والمس: الجنون، يقال: مس الرجل، فهو ممسوسٌ، إذا كان مجنونًا، وذلك علامة الربا في الآخرة.
وفي الحديث عن جابرٍ رضي الله عنه قال: (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا، ومؤكله، وكاتبه وشاهديه، وقال: هم سواءٌ) 72.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الربا سبعون حوبًا، أيسرها أن ينكح الرجل أمه) 73.
وعن النعمان بن بشيرٍ رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الحلال بينٌ، والحرام بينٌ، وبينهما أمورٌ مشتبهةٌ، فمن ترك ما شبه عليه من الإثم كان لما استبان أترك، ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم أوشك أن يواقع ما استبان، والمعاصي حمى الله، من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه) 74.
ووجه دلالة الحديث أنه منع من الإقدام على المتشابهات مخافة الوقوع في المحرمات؛ سدًا للذريعة.
موضوعات ذات صلة:
الاقتصاد، الإنفاق، الحرام، الزكاة، المال
1 انظر: لسان العرب 14/ 304، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية 1/ 326.
2 انظر: لسان العرب 4/ 304.
3 انظر: أسنى المطالب، زكريا الأنصاري 2/ 21، مغني المحتاج، الشربيني 2/ 363.
4 انظر: شرح منتهى الإرادات، البهوتي 2/ 64.
5 النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير 2/ 192.
6 فتح القدير، الشوكاني 1/ 294.
7 القاموس الفقهي، سعدي أبو جيب ص 143 - 144.
8 المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص 313.
9 انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص 239 - 240.
10 النهاية في غريب الحديث والأثر 2/ 307، طلبة الطلبة، النسفي ص 16.
11 التعريفات ص 114.
12 مقاييس اللغة 1/ 227.
13 انظر: لسان العرب، ابن منظور 1/ 265.
14 انظر: التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص 126.
15 مقاييس اللغة 5/ 301.
16 انظر: تهذيب اللغة، الأزهري 4/ 82.
17 النهاية في غريب الحديث والأثر 4/ 303.
18 لسان العرب، ابن منظور 1/ 166.
19 أخرجه أحمد في مسنده، 10/ 125، رقم 5885.
20 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساقاة، باب الصرف، 3/ 1210، رقم 1587.
21 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساقاة، باب الصرف، 3/ 1211، رقم 1588.
22 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوكالة، باب إذا باع الوكيل شيئًا فاسدًا فبيعه مردود، 3/ 101، رقم 2312.