فهرس الكتاب

الصفحة 672 من 2431

ومن الفرح الممدوح فرح الصحابة الكرام عندما سمعوا قول الرسول صلى الله عليه وسلم للأعرابي الذي سأله عن الساعة: (أنت مع من أحببت) ، فيقول أنس: «فما رأيت فرح المسلمين بعد الإسلام فرحهم أشد مما فرحوا به» ، وفي حديث آخر جاء قوله: «فما فرحنا بشيء بعد الإسلام فرحنا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم: (أنت مع من أحببت) 51.

وكذلك عندما بشر الرسول صلى الله عليه وسلم أنسًا بفضل انتظاره لصلاة العشاء؛ قال: (فما فرحت بعد الإسلام فرحي به) 52.

فالصحابة كانوا يفرحون مما يستحق الفرح - ففرحهم بالإسلام؛ جعلهم يشعرون م بالنقلة التي نقلهم الإسلام إليها حين أخرجهم من الظلمات إلى النور.

وعن عقبة بن الوليد، عن صفوان بن عمرو، قال: سمعت أيفع بن عبدٍ الكلاعي يقول: لما قدم خراج العراق إلى عمر رضي الله عنه خرج عمر ومولًى له، فجعل عمر يعد الإبل، فإذا هي أكثر من ذلك، فجعل عمر يقول: «الحمد لله تعالى» ويقول مولاه: «هذا والله من فضل الله ورحمته» ، فقال عمر: «كذبت، ليس هذا هو الذي يقول الله تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58) } [يونس:58] 53.

فالفرح بالقرآن، وبالإسلام، وبالرحمة فرحٌ محمود؛ لأن هذه الأمور {خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} ، أي: يجمع الكافرون من متاع وضياع، وهم في غيهم سامدون. فما جمع من مال بين يدي عمر صعب عليه إحصاؤه يستدعي الفرح ولا شك، لكنه رضي الله عنه مهما كان لا يرقى بحال إلى أن يفرح به كفرحه بالإسلام، الذي كان سببًا في هذا الخير.

وفي قوله تعالى {يَجْمَعُونَ} ، قرأ رويس بتاء الخطاب (تجمعون) ؛ خطابًا للمسلمين، والباقون بياء الغيبة، (يجمعون) والمقصود الكفار، 54 أي: خيرٌ كذلك مما تجمعون أنتم أيها المسلمون، ولعل هذا ما يشير إليه قول عمر رضي الله عنه.

قرئ فلتفرحوا بالتاء، قال الفراء: وقد ذكر عن زيد بن ثابت أنه قرأ بالتاء وقال: معناه فبذلك فلتفرحوا يا أصحاب محمد هو خير مما يجمع الكفار، قال وقريب من هذه القراءة قراءة أبي فبذلك فافرحوا والأصل في الأمر للمخاطب والغائب اللام نحو لتقم يا زيد وليقم زيد، وذلك لأن حكم الأمر في الصورتين واحد، إلا أن العرب حذفوا اللام من فعل المأمور المخاطب لكثرة استعماله، وحذفوا التاء أيضا وأدخلوا ألف الوصل نحو اضرب واقتل ليقع الابتداء به وكان الكسائي يعيب قولهم فليفرحوا لأنه وجده قليلا فجعله عيبا إلا أن ذلك هو الأصل 55.

إن الفرح بالإسلام يقتضي الفرح بمن أنزله، وتفضل به على خلقه، ولهذا يفرح المسلمون بالله، وتطمئن قلوبهم بذكره وتأنس، ويفرح المسلمون أيضًا برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي حمل لهم الإسلام من الله، فعن البراء بن عازب في الهجرة، (أول من قدم علينا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير وابن أم مكتوم فجعلا يقرئاننا القرآن ثم جاء عمار وبلال وسعد ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين ثم جاء النبي صلى الله عليه وسلم فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم به حتى رأيت الولائد والصبيان يقولون هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاء فما جاء حتى قرأت سبح اسم ربك الأعلى في سور مثلها) 56.

قال ابن القيم: «الفرح بالعلم والإيمان والسنة دليل على تعظيمه عند صاحبه، ومحبته له، وإيثاره له على غيره، فإن فرح العبد بالشيء - عند حصوله له - على قدر محبته له ورغبته فيه، فمن ليس له رغبة في الشيء، لا يفرحه حصوله له، ولا يحزنه فواته؛ فالفرح تابع للمحبة والرغبة» 57.

وهنا فرح محمود آخر وهو أهل الكتاب بالإسلام، وقد أشار إليه قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ} [الرعد:36] .

فأهل الكتاب من اليهود والنصارى يفرحون بالقرآن والإسلام، وأهل الكتاب هنا من أسلم منهم، كعبدالله بن سلام رضي الله عنه.

قال السعدي: «الشهادة إذا أضيفت إلى طائفة، أو أهل مذهب، أو بلد ونحوهم، فإنها إنما تتناول العدول الصادقين منهم.

وأما من عداهم، فلو كانوا أكثر من غيرهم فلا عبرة فيهم، لأن الشهادة مبنية على العدالة والصدق، وقد حصل ذلك بإيمان كثير من أحبارهم الربانيين، كـ «عبد الله بن سلام» وأصحابه وكثير ممن أسلم في وقت النبي صلى الله عليه وسلم، وخلفائه، ومن بعده و «كعب الأحبار» وغيرهما» 58.

وهذه بعض صور من الفرح المحمود:

1.الفرح بنصر الله.

قال تعالى: (غُلِبَتِ الرُّومُ(2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ ? لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ? وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ ? يَنصُرُ مَن يَشَاءُ ? وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) [الروم:2 - 5] .

احتربت الروم وفارس بين أذرعات 59 وبصرى 60، فغلبت فارس الروم، فبلغ الخبر مكة فشق على النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين؛ لأن فارس مجوس لا كتاب لهم والروم أهل الكتاب، وفرح المشركون وشمتوا وقالوا: أنتم والنصارى أهل الكتاب، ونحن وفارس أميون، وقد ظهر إخواننا على إخوانكم، ولنظهرن نحن عليكم، فنزلت فقال لهم أبو بكر رضي الله عنه: لا يقرر الله أعينكم، فوالله لتظهرن الروم على فارس بعد بضع سنين فقال له أبي بن خلف: كذبت يا أبا فصيل، اجعل بيننا أجلًا أناحبك عليه. والمناحبة: المراهنة فناحبه على عشر قلائص من كل واحد منهما، وجعلا الأجل ثلاث سنين، فأخبر أبو بكر رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: البضع ما بين الثلاث إلى التسع، فزايده في الخطر وماده في الأجل، فجعلاها مائة قلوص إلى تسع سنين، ظهرت الروم على فارس، وذلك عند رأس سبع سنين، وقد ورد أن هذا النصر تزامن مع غزوة بدر؛ فتكون الإشارة إلى فرح المسلمين بالانتصار على كفار مكة، وهي بشرى بفرح آجل، وقد تحقق، وهذا يجعل فرح المسلمين مضاعفًا، حين فرحوا بانتصارهم على كفار مكة، ثم فرحوا بانتصار الروم على الفرس 61.

فأنزل الله تعالى هذه الآيات مشيرةً إلى هزيمة الروم وأن الفرس سيهزمون في معركتهم القادمة مع الروم، وسيكون هذا بعد بضع سنين، (وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ(4) بِنَصْرِ اللَّهِ)، وقد تحقق وعد الله.

قوله تعالى: (غلبت) قرئت بالفتح على البناء للمعلوم، والروم فاعل، وقرئت (سيغلبون) بالمبني للمجهول، أي: سيغلبهم المسلمون فيما بعد، ويفرحون بهذا النصر» 62.

فالمسلم مأمور بأن يفرح، حين ينتصر الحق على الباطل، في أيٍ من ميادين الصراع، وهو فرح محمود يثاب عليه.

2.فرح الشهداء بلقاء الله تعالى.

لقد ذكر القرآن الكريم فرح الشهداء، أولئك الذين فرحوا بالإسلام في الدنيا؛ فهانت عليهم أرواحهم في سبيله؛ فماتوا من أجله؛ فامتد فرحهم في الآخرة؛ يقول الله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) } [آل عمران:169 - 170] .

وذكر الرسول صلى الله عليه وسلم أن (أرواح الشهداء عند الله يوم القيامة في حواصل طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح في الجنة حيث شاءت ثم ترجع إلى قناديلها فيشرف عليهم ربهم فيقول ألكم حاجة تريدون شيئا فيقولون لا إلا ان نرجع إلى الدنيا فنقتل مرة أخرى) 63.

قال ابن القيم: «حين يلقى المؤمن أهله وأصحابه، فيفرحون به ويفرح بهم، فرح الغائب يقدم على أهله، وهذا كله قبل الفرح الأكبر، يوم حشر الأجساد، بجلوسه في ظل العرش، وشربه من الحوض» 64.

إن فرح المؤمن بلقاء الله عندما يقال له: {يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30) } [الفجر:27 - 30] .

فلو لم يكن له إلا هذه الفرحة وحدها، لكان العقل يأمر بإيثارها، فكيف ومن بعدها؛ أنواعٌ من الفرح؟ ويظهر هذا على الناجي يوم القيامة فيأخذ كتابه بيمينه، وهو يدعو الخلائق كلها لتقرأ كتابه في رنة الفرح والغبطة {هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) } [الحاقة:19 - 20] 65.

وآخر فرح هو الفرح برؤية وجه الله تبارك وتعالى، فعن صهيب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دخل أهل الجنة، يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئًا أزيدكم؟ يقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل، ثم تلا هذه الآية: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس:26] 66.

إن الفرح المحمود الطيب بآثاره، والمثاب صاحبه عليه - له حلاوة لمن تذوقها فلا يلقي بالًا لغيرها، وهذا الفرح المحمود من أسمى أقسام الفرح وأكملها، وتخلو صوره كلها من المكدرات والشوائب، ومن المزاحمات، فلا شحناء ولا تحاسد 67.

ثانيًا: الفرح المذموم:

عرض القرآن الكريم الفرح المذموم، فذكر منه صورًا، أسندها إلى طوائف من الناس صدر عنهم هذا الفرح، وكان هذا الفرح المذموم له أسبابه، ودوافعه، آثاره.

والمتأمل في الآيات القرآنية - التي تحدثت عن هذا الفرح المذموم، نجد أن أكثرها في اليهود والمنافقين والكافرين والمترفين.

وهذه بعض صور الفرح المذموم من خلال الآتي:

1.فرح اليهود.

قال تعالى: (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ ? وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [آل عمران:188] .

قال مروان لرافع بوابه: اذهب إلى ابن عباس وقل له: لئن كان امرؤ منا فرح بما أتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل عذب، لنعذبن أجمعين، فقال ابن عباس: ما لكم ولهذا، إنما دعا النبي صلى الله عليه وسلم يهود فسألهم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره، فأروه أن قد استحمدوا إليه بما أخبروه عنه فيما سألهم، وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم إياه، ثم قرأ ابن عباس (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ? فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَٹ) [آل عمران:187] 68.

التبس على مروان بن الحكم معنى هذه الآية، وكان قد غفل عن سبب نزولها، ورأى أن فيها وعيدًا وتهديدًا لمن يفرح ويحب الثناء، وعلى هذا لن ينجو أحد من العذاب؛ فكل الناس يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا.

فكان اليهود يخالطون الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة أحيانًا، وحدث أن سألهم الرسول صلى الله عليه وسلم سؤال اختبارٍ وكشف نياتٍ، فكذبوا عليه، ثم فرحوا بهذا الكذب، ثم أشعروا الرسول صلى الله عليه وسلم أنهم يستحقون منه المدح والثناء على تجاوبهم.

قال الضحاك: «كتب يهود المدينة إلى يهود العراق واليمن ومن بلغهم كتابهم من اليهود في الارض كلها إن محمدا ليس نبي الله فاثبتوا على دينكم وأجمعوا كلمتكم على ذلك، فأجمعت كلمتهم على الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن، ففرحوا بذلك وقالوا: الحمد لله الذي جمع كلمتنا ولم نتفرق ولم نترك ديننا، وقالوا: نحن أهل الصوم والصلاة ونحن أولياء الله، فلذلك قول الله تعالى يفرحون بما أتوا - بما فعلوا - ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا - يعني بما ذكروا من الصوم والصلاة والعبادة» 69.

وقد توعد الرسول صلى الله عليه وسلم من يكذب؛ من أجل أن يضحك الناس، ويدخل الفرح إلى قلوبهم 70، فالكاذب يفرح؛ لأنه استطاع أن يضحك الناس، وهم يضحكون ويفرحون بما يسمعون.

2.فرح المنافقين.

إن الصلة وثيقة بين المنافقين واليهود؛ فإن اليهود احتضنوا بذرة النفاق ورعوها، وكان منهم منافقون.

قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) [الحشر:11] .

فالكذب أبرز صفة في المنافقين، وهو الذي يميزهم عن أهل الكفر الصريح، فهو عندهم منهج حياة؛ فكان أول وعيدٍ للمنافقين على كذبهم: بقوله تعالى (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) [البقرة:10] .

وعن أبي سعيد الخدري: (أن رجالًا من المنافقين في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغزو، تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله، فإذا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغزو اعتذروا إليه، وحلفوا وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فنزلت: لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا) [آل عمران:188] 71.

وهناك آياتٌ صريحةٌ في الحديث عن فرح المنافقين المذموم، والذي ظهر منهم في تخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ ? قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ? لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ) [التوبة:81] .

فقول الله تعالى ذاما للمنافقين المتخلفين عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، وفرحوا بمقعدهم بعد خروجه، (وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا) معه (بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا) أي: بعضهم لبعضٍ: وقالوا (لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ) ؛ وذلك أن الخروج في غزوة تبوك كان في شدة الحر، عند طيب الظلال والثمار، فلهذا قالوا (لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ) قال الله تعالى لرسوله: قل لهم: (نَارُ جَهَنَّمَ) التي تصيرون إليها بسبب مخالفتكم (أَشَدُّ حَرًّا) مما فررتم منه من الحر، بل أشد حرًا من النار 72.

فتخلف المنافقون عن مشاركة الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام في الخروج للغزو، ثم جاؤوا يعتذرون، فعذرهم الرسولإهمالًا لهم، وتقليلًا من شأنهم، ففرحوا حينئذٍ بعدم الخروج، وفرحوا بإعذار الرسول صلى الله عليه وسلم لهم.

قال تعالى: (يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ ? قُل لَّا تَعْتَذِرُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ ? وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى? عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(94 ) ) [التوبة:94] .

كشف هذا الفرح عن كذب المنافقين، وكشف كذلك عن كراهيتهم لهذا الدين؛ إذ لو كان في قلوبهم إيمان، لبكوا بسبب تخلفهم عن الغزو مع الرسول صلى الله عليه وسلم كما حصل مع فقراء المسلمين.

قال تعالى: (إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ) [التوبة:92] .

إن البكاء من هؤلاء بسبب عدم الخروج علامة صدق وإيمان، كما كان الفرح من أولئك للسبب نفسه - وهو عدم الخروج - علامة كفر ونفاق، وقد توعدهم الله تعالى: (فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [التوبة:82] .

والضحك هنا كناية عن الفرح، أو أريد ضحكهم فرحًا؛ لاعتقادهم ترويج حيلتهم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم رد تعالى الملامة على الذين يستأذنون في القعود وهم أغنياء، وأنبهم في رضاهم بأن يكونوا مع النساء الخوالف في الرحال 73.

وكذلك يفرح المنافقون، إذا مس المسلمين قرح، أو نزلت بهم نكسة، وتبدو عليهم مظاهر الإعجاب؛ قال تعالى: (إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ? وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّوا وَّهُمْ فَرِحُونَ(50 ) ) [التوبة:50] .

وقد أظهر إخوانهم اليهود من قبل الفرح بمصائب المسلمين، حيث ذكر القرآن الكريم في سياق الحديث عن قبائح أهل الكتاب، فقال تعالى: (إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا ?) [آل عمران:120] .

فالطائفتان تفرحان بمصاب المسلمين، وكذلك فرح كفار قريش بانتصار الفرس على الروم، مع أنه لم تكن هناك مودة أو تعاون بينهما، فالتشابه في المشاعر بين اليهود والمنافقين والكفار ليس بمستغرب؛ فالكفر ملة واحدة، والقواسم المشتركة في عداوة الجميع لهذا الدين وأهله، لذا حريٌ بالمسلمين أن يجمعهم الفرح المحمود وميادينه، كما جمع الفرح المذموم أعداءهم 74.

3.فرح الكافرين.

ذكر القرآن الكريم فرح الكافرين في أكثر من آية، منها قوله تعالى: (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ ?9?وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي ? إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ?10?) [هود:9 - 10] .

وقوله تعالى: (وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا ? وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ ?36?) [الروم:36] .

وقوله تعالى أيضًا: (وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا ? وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنسَانَ كَفُورٌ) [الشورى:48] .

وتشير الآيات إلى الإنسان الكافر باعتبار أنه جبل على عدم الاتزان، فالكافر أبرز أفراد النوع الإنساني في هذا المجال؛ لأن هذا الخلق هو عدم التوازن 75 لا يزيله إلا الإسلام؛ فالذين لم يسلموا باقون عليه 76.

إذا أذاق الله تعالى الإنسان رحمة فرح بها أي: إذا أعطاه رخاء وصحة وغنى فرح بها بطرًا، ولهذا قال تعالى: (وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَ?ذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ? وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَ?ذِهِ مِنْ عِنْدِكَ ? قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ? فَمَالِ هَ?ؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا) [النساء:78] أي: بلاء وشدة ومرض بما قدمت أيديهم من الذنوب فإن الإنسان كفور أي: كثير الكفر لما أنعم به عليه من نعمه، غير شكور له عليها، وهذا باعتبار غالب جنس الإنسان 77.

لقد كان لعدم توازن الكافر في انفعالاته مظاهر وآثار منها: أن فرحه محصور في الدنيا، ولا يلتفت إلى الآخرة، يقول الله تعالى: (وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ) [الرعد:26] .

إن في الدنيا أشياء مفرحة تغري بالإنسان، ويبش لها؛ ولكنها قليلة زائلة، يخالطها الكدر والشوائب، وهي لا شيء إذا ما قيست بما في الآخرة من نعيم مقيم يفرح، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لولا أن كتب الله الخلود على أهل الجنة، لماتوا فرحًا) 78.

إن فرح الكافر مذموم، حين حصره في الدنيا على حساب الآخرة، وما نعيم الدنيا إلا مجرد ذوق، كما أشارت الآيتان السابقتان (وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنسَانَ) 79.

وفي قصة سليمان عليه السلام مع ملكة سبأ، نموذجان لفرح المؤمن وفرح الكافر: لقد فرح أهل سبأ بهديتهم التي حملت إلى سليمان، وهي شيء تافه إذا ما قيست حتى بنعيم الدنيا، وقد ظنوا أن نبي الله سليمان سيفرح بالهدية كما فرحوا: وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ?فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (36 ) ) [النمل:35 - 36] .

أجابهم سليمان عليه السلام: أنتم وحدكم الذين تفرحون بمثل هذه الأشياء، أما نحن، فإنا نفرح بما آتانا الله من إيمان؛ فهو مصدر الفرح الحق.

فالفرح بالرحمة مأمور به، وفرحوا برحمة الله، وهو كما أن الملك لو حط عند أمير رغيفا على السماط أو أمر الغلمان بأن يحطوا عنده زبدية طعام يفرح ذلك الأمير به، ولو أعطى الملك فقيرا غير ملتفت إليه رغيفًا أو زبدية طعام أيضًا يفرح لكن فرح الأمير بكون ذلك من الملك وفرح الفقير بكون ذلك رغيفًا وزبدية 80.

إن الفرق ظاهر بين حال الكافر في فرحه وحال المؤمن، فارتباط فرح الكافر بالنعمة ذاتها يفسر عدم توازنه؛ لأنه يفرح بها فرح البطر إذا أقبلت، ويحزن حزنًا شديدًا إذا فقدها؛ لافتقاره للضابط المكتسب، الذي يكبح انفعالاته.

أما المؤمن، فإنه حين ترتبط النعمة عنده بالله تعالى؛ فإنه يفرح بها فرح المقر بفضل الله الوهاب لها، فلا يبطر؛ لأن المعطي فوقه يرقب فعله، وإن نزعت منه النعمة، أو فاته الحصول عليها يصبر؛ لاعتقاده أن ما حصل كان بقضاء الله وقدره، وقد تعود إليه، ويظفر بها مرة أخرى ما دام أمرها بيد الله تعالى.

هذا التوازن هو الذي يفتقر إليه الكافر؛ إعجابًا منه بما هو عليه، وتجاهلًا لأي صوت آخر؛ ولهذا كان فرحه فيما لا ينبغي، وعلى الوجه الذي لا ينبغي.

إن هذا المسلك الذي ارتضاه الكافرون أغرى بهم، فجعلهم يعرضون عن دعوة الرسل فرحًا بما عندهم وقناعةً به، وزهدًا بما وراءه، (فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) [غافر:83] .

وقال تعالى: (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا ? كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) [المؤمنون: 53] .

ويلحظ في الآية قوله تعالى: (فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم) ، وفي الآية الثانية (بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) ، فهذا الذي يفرحون به من بدعهم هم، أو مما توارثوه واعتادوا عليه، وهو لا يغني من الحق شيئا، أما المؤمنون فإنهم يفرحون بما جاءهم من عند الله؛ فهو الرحمة والشفاء.

ناسب أن يأتي بعد قوله تعالى: (فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى? حِينٍ) [المؤمنون:54] .

وذلك تمثيل لحال اشتغالهم بما هم فيه من الازدهار وترف العيش، عن التدبر فيما يدعوهم إليه الرسول لينجيهم من العقاب بحال قوم غمرهم الماء، فأوشكوا على الغرق، وهم يحسبون أنهم يسبحون 81.

فأبواب التيه والخسران في الدنيا والآخرة فتحت على الكافرين، وكان سببها الفرح الباطل المذموم.

4.فرح المترفين.

إن فرح المترفين أمثال قارون ومن على شاكلته، جعله نموذجًا لكل المترفين أمثاله، الذين صدر منهم الفرح المذموم؛ فقارون من اليهود الذين عرف عنهم حب المال وعبادته، وتقديم الفرح به على كل شيء.

فعن قتادة قوله: «كنا نحدث أنه كان ابن عم موسى، وكان يسمى المنور لحسن صوته بالتوراة، ولكن عدو الله نافق كما نافق السامري، فأهلكه البغي لكثرة ماله» 82.

وفي القرآن الكريم إشارة إلى كفر قارون، منها قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى? بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ ?23?إِلَى? فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ?24?) [غافر:23 - 24] .

فكفر قارون ظاهرٌ، لا إشكال فيه.

يبدو من خلال المحاورة بين قارون وقومه أنه كان مؤمنًا، كقولهم له: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ? وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ? وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ? وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ? إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) [القصص:77] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت