فهرس الكتاب

الصفحة 931 من 2431

1.ثمة عقبات كثيرة قد تقف في طريق التطوع، كغياب ثقافة العمل التطوعي الذي يشجع الفرد على القيام به، أو سوء التنظيم والتنسيق بين الجهات ذات العلاقة في العمل التطوعي الواحد، أو شح الموارد المالية الذي يحول بين تنفيذ برامج العمل التطوعي أو التوسع فيها، وغيرها من العقبات التي يمكن مراجعتها فيما كتبه المتخصصون في هذا المجال 69.

غير أنه لما كان بحثنا لموضوع «التطوع» في ضوء القرآن الكريم، كان من المهم أن نلفت النظر هنا إلى أمرين رئيسين أشار إليهما القرآن الكريم قد يكونا عقبتين رئيستين في طريق التطوع، أولهما: نفسي أو داخلي وهو الشح والبخل، والثاني: يمكننا أن نعده عقبة خارجية، وهو لمز المطوعين، وبيان ذلك فيما يلي:

أولًا: الشح والبخل وهو عقبة نفسية تحول دون التطوع.

لقد ذم الله تعالى البخل في غير آية من كتابه الكريم، وبين أنه قد يحمل صاحبه على الإمساك عن إخراج الواجب؛ فضلًا عن المستحب.

كما بينت لنا آيات أخرى: أن نفس الإنسان مجبولة على الشح الذي هو: «عدم الرغبة في بذل ما على الإنسان، والحرص على الحق الذي له» 70، وذلك في نحو قوله تعالى {وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ} [النساء: 128] .

كما أنها مجبولة على حب المال والحرص عليه؛ وذلك في نحو قوله تعالى: {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (20) } [الفجر: 20] . يعني حبًا كثيرًا.

غير أنه مما ينبغي الإشارة إليه هنا: أنه إذا كان حب المال، والحرص عليه أمرًا فطريًا؛ فإن القرآن الكريم قد حرص على اقتلاع هذا الحرص-إن تحول عن طوره الإيجابي الدافع لعمارة الأرض بالجد المثمر والعمل النافع إلى حرص (مرضي) -من نفوس المؤمنين، فذكرهم المرة بعد المرة لاسيما في ختام الآيات الآمرة بالبذل والإنفاق:

أن: {مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ} [النحل: 96] .

وأن: {وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الحديد: 10] .

وأن: {وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ} [محمد: 38] .

وأن مثل الحياة الدنيا {كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا} [الحديد: 20] .

ليربي النفس المؤمنة على البذل والعطاء، و يقتلع منها داء الحرص والشح؛ «فمن سلم من الشح أفلح وأنجح» 71. وقد صدق الله العظيم حين قال: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9] .

ثانيًا: السخرية من المتطوعين.

لقد قص الله تعالى علينا لونًا من خبث المنافقين؛ ومحاولاتهم الخبيثة لتثبيط همم المؤمنين عن البذل والعطاء، وذلك في قوله تعالى: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (79) } [التوبة: 79] .

فكما لم يسلم من تطوع بماله من أذاهم وعيبهم، لم يسلم من سخريتهم-كذلك-من تطوع بجهده وعمله؛ ففي سبب نزول الآية كما هو عند مسلم عن أبي مسعود قال: «أمرنا بالصدقة؛ قال: فكنا نحامل، قال: فتصدق أبو عقيل بنصف صاع، قال: وجاء إنسان بشيء أكثر منه؛ فقال المنافقون: إن الله لغني عن صدقة هذا؛ وما فعل هذا الآخر إلا رياء؛ فنزلت {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ ... } 72، فكما سخر المنافقون ممن تطوع بالمال، سخروا كذلك من أولئك الذين لا يجدون سبيلًا إلى إيجاد ما يتصدقون به إلا طاقتهم وجهد أبدانهم، فلم يسلم من عيبهم ولمزهم أحد في جميع الأحوال.

والذي نود التنبيه إليه هنا: ونحن في معرض الحديث عن الاستهزاء كعقبة خارجية في طريق التطوع، هو أنه إذا كان لمز المنافقفين وعيبهم لم يفت في عضد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن حائلًا بينهم وبين التطوع بالخير؛ فإن الشيطان قد يجد في ذلك سبيلًا ومدخلًا إلى بعض ضعاف الإيمان؛ فيصرفهم عن فعل الخير، أو التطوع به؛ لئلا يكونوا وسيلة لاستهزاء المستهزئين، أو سخرية المنافقين.

1.إن ميدان التطوع الاجتماعي في القرآن الكريم يتسع ليشمل كل خير يفعله المسلم ابتغاء فضل ربه سبحانه ورضوانه؛ بل إنه يتسع أكثر ليشمل ما لم يفعله الإنسان؛ وإنما يتركه ابتغاء الثواب من الله عز وجل.

وعليه: سيكون حديثنا عن مجالات التطوع الاجتماعي في القرآن الكريم، في ضوء التقسيم الرئيس التالي: (التطوع بالفعل، والتطوع بالترك) .

وباستقراء آيات القرآن الكريم وقفنا على بعض مجالات للتطوع الاجتماعي التي رغب القرآن الكريم فيها وحث عليها، والتي سنلخصها في السطور التالية تحت النوعين المشار إليهما أعلاه:

أولًا: التطوع بالفعل.

وله صور، منها:

1.الكفالة.

وهي لغة: بمعنى الالتزام؛ أو الضم، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: (أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة .. ) 73.

أي: ضام اليتيم إلى نفسه، ونعني بها هنا: معناها اللغوي الأعم من المعنى الذي اصطلح عليه الفقهاء 74؛ ليدخل فيها: كفالة ورعاية اليتيم والمعوز والمحتاج.

ودليلها من القرآن الكريم قوله تعالى: {قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (72) } [يوسف: 72] .

قال ابن عباس: الزعيم الكفيل 75، وقوله تعالى: {سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (40) } [القلم: 40] .

يعني: سل يا محمد هؤلاء المكابرين تهكمًا بهم، أيهم كفيل وضامن لهذا الذي يزعمون 76.

ثم ساق لنا القرآن الكريم نموذجًا للتسابق في هذا النوع من العمل التطوعي؛ فقال تعالى حكاية عن بني إسرائيل: {وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} [آل عمران: 44] .

فبينت الآية: اختصامهم وتنافسهم على كفالة مريم عليها السلام، حتى أنهم استهموا لأجل ذلك 77، كما سيأتي مفصلًا في موضعه من المبحث التالي بمشيئة الله تعالى

وعليه: فالكفالة تعد من مجالات التطوع الاجتماعي التي أشار إليها القرآن الكريم.

2.الشفاعة الحسنة للضعفاء وأرباب الحاجات عند أصحاب الجاه والغنى.

دليلها: قوله تعالى: {مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (85) } [النساء: 85] .

والشفاعة: هي الوساطة في إيصال خير أو دفع شر، سواء كانت بطلب من المنتفع أم لا، وجملة {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا} تذييل لجملة {مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً} لإفادة أن الله يجازي على كل عمل بما يناسبه من حسن أو سوء، و «المقيت» هو: الحافظ، والرقيب، والشاهد، والمقتدر 78.

وعليه فيكون المقصود من الآية: الترغيب في التوسط في الخير والترهيب من ضده.

ويدخل في هذا النوع من الشفاعة: ما حكاه الله تعالى من مجادلة إبراهيم عليه السلام في شأن قوم لوط حيث قال سبحانه: {فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (74) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (75) } [هود: 74 - 75] .

فإبراهيم عليه السلام جادل ربه سبحانه {فِي قَوْمِ لُوطٍ} أي: في عقابهم، على تقدير مضاف. ومجادلته عليه السلام قيل إنها: كانت دعاء ومناجاة سأل بها إبراهيم ربه العفو عن قوم لوط خشية إهلاك المؤمنين منهم 79.

وقد رغب النبي صلى الله عليه وسلم في هذا النوع من الشفاعة: فقال فيما رواه الشيخان في صحيحيهما عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: (اشفعوا فلتؤجروا، وليقض الله على لسان نبيه ما شاء) 80. ولكن يستثنى من ذلك الحدود إذا رفعت للسلطان فلا شفاعة فيها 81؛ لمعاتبته صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد عندما شفع للمخزومية قائلًا: ( .. أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة) 82.

3.حفظ الوديعة.

والوديعة: ما يودع من مال وغيره لدى من يحفظه، وهي من أبواب التعاون على البر والتقوى، إن علم المستأمن من نفسه قدرة على حفظها وعدم إفسادها.

دليلها: قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ} [البقرة: 283]

وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [النساء: 58] .

وإنه: وإن كانت الآية الأولى قد نزلت في شأن الدين خاصة، فالخطاب في الآية الثانية يعم كل أحد وكل أمانة 83.

وعليه: فامتثال المسلم للأمر الوارد في هذه الآية الكريمة؛ وحفظه للمال، وتسليمه لصاحبه عند الطلب، دون أن يأخذ أجرًا على الحفظ؛ يعد من جملة الأعمال التطوعية.

4.القرض الحسن.

أطلق هذا المصطلح في القرآن الكريم وأريد به معنيان:

الأول: ما يدفع للفقراء والمحتاجين، وفي سائر وجوه الخير، دون نية استرجاع، طلبًا لثواب الآخرة.

الثاني: إقراض مال ونحوه بنية إرجاع مثله.

ومن جملة الآيات القرآنية التي ورد فيها هذا المصطلح قوله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (11) } [الحديد: 11] .

فـ «يقرض» في هذه الآية يحتمل كلا المعنيين السابقين، إلا أنه يكون مجازًا على المعنى الأول: «على تقدير مضاف، أي: يقرض عباد الله المحاويج» 84. لتعاليه تعالى عن ذلك، وعليه: يكون التعبير بـ «يقرض» هنا «على سبيل التأنيس والتقريب للناس بما يفهمونه، فالله تعالى هو الغني الحميد؛ لكنه تعالى شبه إنفاق المؤمن في الدنيا بما يرجو به ثوابه في الآخرة بالقرض» 85، يعني: كما أن قضاء القرض واجب على المقترض؛ فكذلك الثواب الموعود للمنفق في سبيل الله تعالى واصل إليه لا محالة.

أو كما هي عبارة الجصاص رحمه الله: «إنما هو استدعاء إلى أعمال البر والإنفاق في سبيل الخير بألطف الكلام وأبلغه؛ وسماه قرضًا تأكيدًا لاستحقاق الثواب به؛ إذ لا يكون قرضًا إلا والعوض مستحق به» 86. ويكون حقيقة على المعنى الثاني: وإنما علق باسم الجلالة؛ لأن الذي يسلف الناس طمعًا في الثواب، يكون كأنه أقرض الله تعالى؛ أو لأن القرض من الإحسان الذي أمر الله تعالى به، لما فيه من توسعة على المسلم وتفريج عنه 87.

ولقد رغب القرآن الكريم في هذا النوع من القروض الذي ما وصف بأنه «حسن» إلا لأنه لا تشوبه شائبة حرام، ولا منٍ ولا أذىً أو نفع دنيوي مشروط يعود على المقرض، وإنما ينفقه صاحبه محتسبًا طيبة به نفسه، وهذا لا يقوى عليه إلا من كمل إيمانه فآثر ما يبقى على ما يفنى.

وإنما كان ذلك من التطوع الاجتماعي: لأن المنفق تطوع بإنفاق ماله طمعًا في ثواب الآخرة، هذا لو استعملنا القرض في معناه المجازي، أما لو استعملناه في معناه الحقيقي الذي هو (إقراض مال ونحوه بنية إرجاع مثله) ؛ فدخوله في باب التطوع لا يحتاج إلى مزيد إيضاح؛ لأن قضاء القرض وإن كان واجبًا على المقترض؛ إلا أن المقرض بإقراضه إياه يكون قد أعانه في وقت ضيق، وفرج عنه كربة من ناحية، ويكون كالمتطوع والمتبرع بفائدة ونتاج هذا المال في مدة القرض من ناحية أخرى.

5.الإصلاح بين المتخاصمين.

وهذا المجال من أهم مجالات العمل التطوع الاجتماعي؛ فبذل الوقت والجهد والمال في سبيل الإصلاح بين المتخاصمين قربة عظيمة يحبها الله تعالى ووعد فاعلها بالأجر العظيم؛ فقال تعالى:

{لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (114) } [النساء: 114] . فأفادت الآية: أن من يفعل ما أمر به من البر والمعروف والإصلاح بين الناس طلبًا لرضا الله تعالى لا لشيء من أغراض الدنيا؛ فإن الله تعالى سوف يعطيه ثوابًا جزيلًا وهو الجنة 88.

وبين لنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن هذا العمل من أعظم القربات والطاعات؛ فقال صلى الله صلى الله عليه وسلم: (ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة، قالوا: بلى، قال: صلاح ذات البين؛ فإن فساد ذات البين هي الحالقة) 89.

6.إطعام الطعام.

وهو من الصفات الطيبة التي حرص الإسلام على تأصيلها في نفوس المسلمين، وترغيبهم فيها بما وعد عليها من الثواب العظيم، وبما حكاه لنا القرآن الكريم من مشاهد كرم أنبياء الله ورسله، والصالحين من عباده وإطعامهم للطعام، لا يريدون بذلك سوى الأجر العظيم من ربهم الغني الكريم.

فقال تعالى في شأن إبراهيم عليه السلام: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (24) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (25) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (27) } [الذاريات: 24 - 27] .

والآيتان الأخيرتان هما شاهدنا في تلك القصة: {فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ} أي: مضى إليهم في سرعة وخفية عن ضيفه؛ لأن من أدب المضيف أن يبادر بإحضار الضيافة دون أن يشعر به الضيف لئلا يمنعه {فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ} أي: فجاءهم بعجل سمين مشوي، واختاره لهم سمينًا زيادة في إكرامهم {فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ} وهذا أيضًا من أدب الضيافة؛ فهو لم يضعه بعيدًا ويطلب منهم الاقتراب، وإنما وضعه قريبًا منهم، ثم قال لهم بتلطف ولين {أَلَا تَأْكُلُونَ} على سبيل العرض والتلطف كما يقول القائل: إن أردت أن تتفضل وتحسن وتتصدق فافعل 90.

كما حكى القرآن الكريم نموذجًا آخر لهذا النوع من الأعمال التطوعية الاجتماعية؛ فقال سبحانه: في شأن بعض خواص عباده الصالحين - الذين وصفهم في الآية السابقة على موضع الشاهد بأنهم «عباد الله» : {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9) } [الإنسان: 8 - 9] .

أي: إنما نفعل ذلك ابتغاء مرضات ربنا سبحانه وطلب ثوابه، فلا نبغي مكافأة الناس ولا حمدهم وثناءهم.

ثم أكد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى المستفاد من الآية الكريمة؛ فقال صلى الله عليه وسلم لما سئل: أي الإسلام خير؟ قال: (تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف) 91.

7.التطوع بالنصيحة.

وهذا باب من الدعم المعنوي للمنصوح، سواء أكان نصحه لإيصال خير إليه، أو لتحذيره من شر سينزل به، لاسيما إذا سكت المجموع؛ فالمتكلم حينئذ يكون كالمتطوع بالكلام، ولهذا النوع من التطوع الاجتماعي شواهده من القرآن الكريم، منها:

قوله تعالى حكاية عن مؤمن آل فرعون: {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20) } [القصص: 20] .

فهذا الرجل أشفق على موسى عليه السلام؛ فجاء من أبعد أطراف المدينة يشتد ويسرع في مشيه حتى انتهى إلى موسى عليه السلام؛ فبذل له النصح بالخروج لئلا يقتله فرعون وجنوده؛ وهو لم يبتغ بتلك النصيحة سوى الأجر من الله تعالى 92.

ومن ذلك: ما قصه لنا القرآن الكريم من خبر النملة التي نصحت رفيقاتها بدخول بيوتهم ليسلموا من إيذاء سليمان عليه السلام وجنوده لهم بدون علم.

قال تعالى: {حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) } [النمل: 18] .

وكأن هذه الآية وهي تقص علينا تطوع هذه النملة بالنصيحة لرفيقاتها تحذرهم من شر محتمل، ترشدنا إلى أن هذا الأمر ينبغي أن يكون متأصلًا في نفس بني الإنسان من باب أولى.

ومما ينبغي الإشارة له هنا: أن للنصيحة جملة من الآداب، أهمها فيما يتعلق بالناصح: (الإخلاص) فينبغي على الناصح أن لا يبغي من نصحه إظهار رجاحة عقله، أو فضح المنصوح والتشهير به، وإنما يكون غرضه من النصح حب الخير للمنصوح له، وابتغاء مرضاة الله تعالى.

8.التطوع بالإيثار.

لما كان الإيثار يعني: «تقديم الغير على النفس في النفع له، والدفع عنه» 93 كان درجة سامية لا يقوى عليها إلا من عظمت هممهم وخلصت سرائرهم، وهانت الدنيا في أعينهم؛ فباعوها بجنة عرضها السموات والأرض.

ولقد مدح الله تعالى الأنصار الذين اتخذوا المدينة منزلًا قبل المهاجرين بحبهم لإخوانهم المهاجرين ومواساتهم لهم بأموالهم؛ حيث أنزلوهم منازلهم وأشركوهم في أموالهم، وهم مع ذلك لم يجدوا في قلوبهم غيظًا ولا حسدًا، عندما قسم النبي صلى الله عليه وسلم أموال بني النضير للمهاجرين دونهم؛ وإنما طابت أنفسهم بتلك القسمة.

فأثنى عليهم ربهم سبحانه بقوله: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا} [الحشر: 9] .

بل إنهم قد بلغوا منزلة فوق تلك المنزلة؛ وهي أنهم: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9] إنهم يؤثرون إخوانهم بالمال على أنفسهم، حتى ولو كانوا في غاية الفقر؛ فإيثارهم ليس عن غنى وإنما عن حاجة وفقر، وذلك غاية الإيثار 94.

التطوع بالدعاء: أعني دعاء المؤمن لأخيه بظهر الغيب؛ وهو نوع من التطوع التلقائي؛ حين يذكر المسلم أن أخاه في ضيق أو كرب، فيلهج بالدعاء له أن يفرج الله كربه وييسر أمره؛ فيكون بذلك داعمًا لأخيه بدعائه.

ولقد مدح الله تعالى من جاء بعد المهاجرين والأنصار من المؤمنين التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين بدعائهم لإخوانهم بظهر الغيب قائلين: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 10] .

ثانيًا: التطوع بالترك.

إن هذا النوع من التطوع «التطوع بالترك» يدل على سعة مفهوم التطوع في القرآن؛ فالمسلم الذي لا يستطيع أن يقدم عملًا نافعًا للآخرين؛ يمكنه أن يسهم بحظ ونصيب في نفعهم حين يكف شره عنهم؛ فهذا الكف يعد صدقة منه على نفسه وعلى الناس.

وإنما سمينا هذا النوع من التطوع «تطوعًا بالترك» ؛ لأن المتطوع هنا لم يفعل شيئًا، وإنما ترك ما كان سيفعله من الشر؛ فصار متطوعًا بترك فعل هذا الشر.

ومثال ذلك: لو أن مجموعة من الشباب تطوعوا بالمساعدة في إزالة ما يتأذى منه الناس في الطريق؛ فهذا عمل تطوعي؛ فمن لم يساهم في هذا العمل بالفعل، ولكنه امتنع عن إلقاء المهملات والقاذورات في غير الأماكن المخصصة لها، فامتناعه هذا يعد عملًا تطوعيًا بالترك، لأن المجتمع أفاد من تركه لفعل هذا الشر.

ويستأنس لذلك بحديث أبي هريرة رضي الله عنه لما قال صلى الله عليه وسلم: (إرشادك ابن السبيل صدقة، وإماطتك الأذى صدقة، قالوا: يا رسول الله فمن لم يستطع ذلك؟ قال: يكف شره عن الناس؛ فإنها صدقة يتصدق بها على نفسه) 95. ومن صور التطوع بالترك في القرآن الكريم:

لقد توعد الله تعالى في كتابه الكريم كل من يؤذي المؤمنين والمؤمنات- ظلمًا بغير حق- فقال سبحانه: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (58) } [الأحزاب: 58] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت