ومع ذلك يتضمن هذا العرض أمرًا في غاية الخطورة، وكانت الإجابة من هذا الابن الصابر على هذا البلاء قوية جدًا دالة على قوة إيمانه وامتثاله لربه تبارك وتعالى فقال مخاطبًا أباه بجملتين حسم بهما الموفق، الجملة الأولى: أمر أباه بامتثال أمر الله له بالذبح، والجملة الثانية: وعد أباه بالصبر على تنفيذ ما يريد أباه، فقال كما أخبر الله عنه: {قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} .
قال ابن كثير رحمه الله: «وإنما أعلم ابنه بذلك؛ ليكون أهون عليه، وليختبر صبره وجلده وعزمه في صغره على طاعة الله تعالى وطاعة أبيه {قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} أي: امض لما أمرك الله من ذبحي، {سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} أي: سأصبر وأحتسب ذلك عند الله عز وجل، وصدق صلوات الله وسلامه عليه- فيما وعد؛ ولهذا قال الله تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (54) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا} [مريم: 54 - 55] .
وقال تعالى: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} أي: فلما تشهدا وذكرا الله تعالى إبراهيم على الذبح، والولد شهادة الموت، وقيل: أسلما يعني استسلمًا وانقادًا، إبراهيم امتثل أمر الله تعالى، وإسماعيل طاعة لله ولأبيه» 144.
وقال رحمه الله: «المقصود من شرعه أولًا -أي: من الذبح- إثابة الخليل على الصبر على ذبح ولده وعزمه على ذلك ولهذا قال تعالى: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ} أي: الاختبار الواضح الجلي حيث أمر بذبح ولده فسارع إلى ذلك مستسلمًا لأمر الله تعالى منقادًا لطاعته، ولهذا قال تعالى: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} [النجم: 37] » 145.
وقال ابن عاشور في قوله: {قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا} : «والمراد: أنه صدق ما رآه، إلى حدِ إمرار السكين على رقبة ابنه، فلما ناداه جبريل بأن لا يذبحه؛ كان ذلك الخطابُ نسخًا لما في الرؤيا من إيقاع الذبح، وذلك جاء من قِبل الله، لا من تقصير إبراهيم، فإبراهيم صدَق الرؤيا إلى أن نهاه الله عن إكمال مِثالها، فأُطلق على تصديقه أكثرَها أنه صدَقها، وجُعِل ذبح الكبش تأويلًا لذبح الولد الواقع في الرؤيا، وجملة: {إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} إن تعليل لجملة: {وَنَادَيْنَاهُ} ؛ لأن نداء الله إياه ترفيع لشأنه؛ فكان ذلك النداء جزاء على إحسانه» 146.
والنموذج الثاني من أبرز الأمثلة وأشدها وضوحًا على الصبر عن معصية الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم صبر نبي الله يوسف عليه الصلاة السلام على مراودة امرأة العزيز، لقد كان الصبر شعارًا ودثارًا له عليه السلام في محنته التي ابتلي بها اضطرارًا واختيارًا، كشف عن هذا حين عثر إخوته عليه، فقال الله سبحانه على لسانه: {أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 90] .
فأعرض عن كل هذه الفتن والإغراءات وخرج من الفتنة بإيمانه وصبره، قال ابن القيم رحمه الله: «وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول: كان صبر يوسف عن مطاوعة امرأة العزيز على شأنها أكمل من صبره على إلقاء إخوته له في الجب، وبيعه وتفريقهم بينه وبين أبيه، فإن هذه أمور جرت عليه بغير اختياره، لا كسب له فيها، ليس للعبد فيها حيلة غير الصبر، وأما صبره عن المعصية: فصبر اختيار ورضًا ومحاربة للنفس، ولا سيما مع الأسباب التي تقوى معها دواعي الموافقة.
فإنه كان شابًا، وداعية الشباب إليها قوية، وعزبًا ليس له ما يعوضه ويرد شهوته، وغريبًا، والغريب لا يستحي في بلد غربته مما يستحي منه من بين أصحابه ومعارفه وأهله، ومملوكًا، والمملوك أيضًا ليس وازعه كوازع الحر، والمرأة جميلة، وذات منصب، وهي سيدته، وقد غاب الرقيب، وهي الداعية له إلى نفسها، والحريصة على ذلك أشد الحرص، ومع ذلك توعدته إن لم يفعل بالسجن والصغار، ومع هذه الدواعي كلها صبر اختيارًا وإيثارًا لما عند الله، وأين هذا من صبره في الجب على ما ليس من كسبه؟، وكان يقول: الصبر على أداء الطاعات أكمل من الصبر على اجتناب المحرمات وأفضل، فإن مصلحة فعل الطاعة أحب إلى الشارع من مصلحة ترك المعصية، ومفسدة عدم الطاعة أبغض إليه وأكره من مفسدة وجود المعصية» 147.
فضحى عليه الصلاة والسلام بدنياه من أجل دينه، وبحريته من أجل عقيدته، وفضل السجن على ما دُعي إليه، فقال كما أخبر الله عنه: {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [يوسف: 33] .
وحين أفرج عنه عليه السلام وخرج من السجن واستدعي لمقابلة الملك، طلب منه التحقيق في قضيته حتى تظهر براءته على الملأ كما في قوله: {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ} [يوسف: 50] .
وحدث ذلك فعلًا واعترفت امرأة العزيز فـ {قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} [يوسف: 51] .
فازداد إعجاب الملك به، فقال: {ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ} [يوسف: 54] .
وحين عرفه أخوته قال لهم: {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 90] .
وبعد ذلك أُتي بأبيه إلى مصر فكان ذلك عاقبة الصبر، أخرج من السجن، وظهرت براءته، وأُتي بأبيه إلى مصر.
النموذج الثالث من أبرز الأمثلة وأشدها وضوحًا على الصبر على أقدار الله المؤلمة صبر نبي الله أيوب عليه الصلاة والسلام، حين أُصيب بضر عظيم في بدنه وأهله وماله فصبر، فخلد الله ذكره في القرآن، فقال: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} [الأنبياء: 83 - 84] .
وقال: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (43) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص: 41 - 44] .
يذكر تعالى عن أيوب عليه السلام، وما أصابه من البلاء العظيم، في ماله وولده وجسده، فصبر على هذا البلاء العظيم، حتى أن الله أثنى عليه فقال: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} ، ثم إن الله يبتلى الرجل على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه، وأشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل 148.
فذكر الله سبحانه وتعالى له من ألوان التكريم وأوسمة الشرف؛ لعظيم صبره:
أولًا: تكريمه عليه الصلاة والسلام بتخليد ذكره ومباهاة الله به عند رسوله محمد صلى الله عليه وسلم.
ثانيًا: تكريمه بقوله: {عَبْدَنَا} حيث أضاف إليه العبودية، وهي من أشرف أوصاف الإنسان التي يتحلى بها.
ثالثًا: عندما استجاب الله تبارك وتعالى نداءه وكشف ضره وهب له أهله ومثلهم معهم، قال الحسن وقتادة في قوله: {وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ} : «أحياهم الله تعالى له بأعيانهم وزادهم مثلهم معهم» 149.
رابعًا: جعل الله سبحانه له عليه الصلاة والسلام مخرجًا من مأزق الحنث من يمين حلفه على امرأته.
قال ابن كثير رحمه الله: «وقوله: {رَحْمَةً مِنَّا} أي: به على صبره وثباته، وإنابته وتواضعه واستكانته {وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ} أي: لذوي العقول؛ ليعلموا أن عاقبةَ الصبر الفرجُ والمخرجُ والراحة» 150.
وقد ذكر الله تعالى صبره في مواطن متعددة كما في الآيات المتقدمة، وكان نداء أيوب عليه السلام في ضرائه في غاية اللطف والأدب، حيث قال سبحانه: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} ، فكانت الإجابة في آية التمام والكمال، فنادى ربه، ولم يسأله شيئًا بعينه من الأهل والعافية، فذكر ربه بما هو أهله، وبما اتصف به؛ فاستجاب له دعاءه؛ فكشف عنه الضر، ورد عليه الأهل، ومثلهم معهم، وجعله ذكرى للعابدين، وإماما من الصابرين.
ومكث أيوب عليه الصلاة والسلام صابرًا مدة طويلة من الزمان، لم يدع ربه في كشف ما به، حتى شمت به قوم؛ فتألم لذلك، ودعا ربه حينئذ، واختلف في المدة التي صبر فيها على البلاء على أقوال متعددة أصحها، كما قال القرطبي رحمه الله بعد أن ذكر عدة أقوال: «وأصح من هذا -والله أعلم- ثماني عشرة سنة، رواه ابن شهاب عن النبي صلى الله عليه وسلم» 151.
وقد دل على هذا ما رواه الإمام البزار في مسنده من طريق ابن شهاب، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن نبي الله أيوب صلى الله عليه وسلم لبث في بلائه ثماني عشرة سنة؛ فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه كانا من أخص إخوانه، كانا يغدوان إليه ويروحان فقال أحدهما لصاحبه: تعلم والله لقد أذنب ذنبًا ما أذنبه أحد من العالمين، فقال له صاحبه: وما ذاك؟ قال: قد أصابه منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله فيكشف ما به فلما رأى حاله لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له فقال أيوب: لا أدري ما تقول غير أن الله يعلم مني أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله تبارك وتعالى فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما كراهة أن يذكران الله إلا في حق، وكان يخرج إلى الحاجة فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ فلما ذات يوم أبطأت عليه وأوحي إلى أيوب في مكانه أن {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} قال: فاستبطأته؛ فتلقته تنظر، وأقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء، وهو أحسن ما كان فلما رأته قالت: أي بارك الله فيك هل رأيت نبي الله صلى الله عليه وسلم هذا المبتلى، والله على ذلك ما رأيت أحدًا أشبه به منك إذا كان صحيحًا قال: فإني أنا هو قال: وكان له أندران: أندر للقمح، وأندر للشعير فبعث الله تبارك وتعالى سحابتين، فلما كانت أحدهما على أندر القمح؛ أفرغت فيه الذهب حتى فاض، وأفرغت الأخرى في أندر الشعير الورق حتى فاض) 152.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (بينما أيوب يغتسل عريانًا، خرَ عليه رجل جراد من ذهب؛ فجعل يحثي في ثوبه؛ فناداه ربه: يا أيوب: ألم أكن أغنيتك عما ترى، قال: بلى يا رب، ولكن لا غنى لي عن بركتك) 153.
الصبر ليس كلمة تقال، أو شعورًا عابرًا يطرق قلب المسلم، فلا يستقر فيه، بل إن الصبر سلوك يربي المرء، وينقله من مرتبة السخط إلى منزلة الرضا، ومن السخط من البلاء إلى الرضا بالقضاء، ومن مرتبة الجزع إلى منزلة الاطمئنان، فلا يختلف الباطن عن الظاهر، والصبر مكانه القلب، وترجمانه اللسان، ومرآته الجوارح، والصبر الذي لا يقر في القلب ليس صبرًا حقيقيًا، والصبر الذي لا يترجمه اللسان بالحمد، والشكر لله في جميع الأحوال ليس صبرًا حقيقيًا، والصبر الذي لا يظهر صافيًا من خلال الجوارح كلها لا يعدو أن يكون صبرًا مزيفًا.
وقد تطرقنا في هذا المبحث لشيء من قصص الصبر الواردة في القرآن الكريم؛ لنسير على ما كانوا عليه، فقد صبر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وضربوا أروع الأمثلة، وقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف: 35] .
وقد امتثل نبينا صلى الله عليه وسلم فهو سيد الصابرين، وقال الله لنا: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21] .
فعلى كل مسلم أن يكون مقتديًا بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم.
أولًا: الصبر على طاعة الله:
إن الصبر على طاعة الله تبارك وتعالى من أعظم مجالات الصبر؛ لذلك هو أشد أنواع الصبر على النفوس، وجاءت صيغة الأمر بالصبر على الطاعة مغايرة لغيرها، فقال تعالى: {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65] .
وقال جل ثناؤه: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [طه: 132] .
فجاء بصيغة الافتعال «اصْطَبِرْ» الدالة على المبالغة في الفعل، والعلماء يقولون: بأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، وما ذاك إلا لمشقة مجاهدة النفوس على القيام بحق العبودية في كل الأحوال، عن سفيانَ الثَوريِ، قال: «ما عالجتُ شيئًا أشدَ عليَ من نيَتي؛ لأنَها تتقلَبُ عليَ» 154.
ثم إن الصبر صبران كما يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله: صبر على ترك المحارم والمآثم، وصبر على فعل الطاعات والقربات، والثاني أكثر ثوابًا؛ لأنه المقصود، كما قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الصبر في بابين، الصبر لله بما أحب، وإن ثقل على الأنفس والأبدان، والصبر لله عما كره -وإن نازعت إليه الأهواء-، فمن كان هكذا؛ فهو من الصابرين الذين يسلم عليهم-إن شاء الله-، وقال سعيد بن جبير: الصبر اعتراف العبد لله بما أصاب منه، واحتسابه عند الله رجاء ثوابه، وقد يجزع الرجل، وهو مُتَجَلد لا يرى منه إلا الصبر 155.
والصبر على الطاعة له ثلاثة أحوال:
الأول: قبل الطاعة:
وذلك بتصحيح النية والصبر على شوائب الرياء، وعقد العزم على الوفاء وذلك يظهر في سر تقديم الصبر على العمل الصالح في قوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} [هود: 11] .
قال الإمام الرازي رحمه الله: «قوله: {إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا} المراد منه: أن يكون عند البلاء من الصابرين، وقوله: {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} المراد منه: أن يكون عند الراحة والخير من الشاكرين، ثم بين حالهم فقال: {أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} فجمع لهم بين هذين المطلوبين.
أحدهما: زوال العقاب والخلاص منه، وهو المراد من قوله: {لَهُمْ مَغْفِرَةٌ}
والثاني: الفوز بالثواب وهو المراد من قوله: {وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} » 156، ومن الأدلة على ذلك حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات الحديث) 157.
الثاني: وقت أداء الطاعة:
بأن لا يغفل عن الله تبارك وتعالى فيها، ولا يتكاسل عن تحقيق آدابها وسننها، كما في قول الله تعالى: {الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [العنكبوت: 59] . صبروا إلى تمام العمل.
قال العلامة ابن سعدي رحمه الله: « {الَّذِينَ صَبَرُوا} على عبادة الله {وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} في ذلك، فصبرهم على عبادة الله؛ يقتضي بذل الجهد والطاقة في ذلك، والمحاربة العظيمة للشيطان، الذي يدعوهم إلى الإخلال بشيء من ذلك، وتوكلهم، يقتضي شدة اعتمادهم على الله، وحسن ظنهم به، أن يحقق ما عزموا عليه من الأعمال ويكملها، ونص على التوكل- وإن كان داخلًا في الصبر-؛ لأنه يحتاج إليه في كل فعل وترك مأمور به، ولا يتم إلا به» 158.
الثالث: بعد إكمالها:
بأن يصبر على عدم إفشائها وإظهارها والإعجاب بها، وترك ما يبطلها.
قال الله تبارك وتعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ} [البقرة: 264] .
وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] .
قال عطاء: بالشك والنفاق، وقال الكلبي: بالرياء والسمعة، وقال الحسن: بالمعاصي والكبائر 159.
قال الله سبحانه: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [محمد: 33] .
فيقوم للصلوات الخمس، ويقوم لصلاة الفجر، ويترك النوم، ويقوم لصلاة الليل، ويترك النوم، والزكاة والصدقات تحتاج إلى صبر، وتعويد لها على البذل والإنفاق، وعدم المن على الفقراء، أو الأذى لهم، والحج يحتاج إلى صبر في تحمل المشاق، وإنفاق الأموال، وصبر وتحمل لما يلقاه الإنسان من الأذى في الزحام، والصيام يحتاج إلى صبر في تحمل الجوع والعطش كل ذلك تعبدًا لله تبارك وتعالى، وقد سمي شهر رمضان بشهر الصبر، لما يحتاج إليه من الصبر، ثم إن الذي يسلك في طريق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ فإنه يأتي الناس بما لا يشتهون ولا يألفونه؛ فلذلك يقاومون الدعوة والدعاة بكل ما أوتوا من قوة، وقد يوصلون الأذى بالداعية ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، فإعراضهم عن الدعوة يحتاج إلى صبر.
وهذا نوح عليه الصلاة والسلام مكث يدعوا قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعوا قومه ليلًا كما حكى ذلك رب العزة والجلال: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (6) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا} [نوح: 5 - 7] .
ثم ما يحيكه المغرضون من مؤامرات الكيد التي تؤذي الداعية في أهله ونفسه وماله تحتاج إلى صبر على ذلك، كما قال الله سبحانه مؤكدًا: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [آل عمران: 186] .
وقد أجمع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على رد أذى أقوامهم بالصبر كما حكى الله عنهم: {وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} [إبراهيم: 12] .
وسحرة فرعون لما وقر الإيمان في قلوبهم قابلوا تهديد فرعون لهم بالقتل والصلب بقولهم: {إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (125) وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} [الأعراف: 125 - 126] .
ثم إن الدعاة والعلماء هم ورثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهم الذين يقومون بتبليغ دعوة الأنبياء للناس، وتبيين دين الله تبارك وتعالى، ومن قام بهذا؛ فسيتعرض للابتلاء والأذى والسخرية، فعليه أن يصبر، ويكون مقتديًا بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام.