فهرس الكتاب

الصفحة 180 من 2431

فعلى الإنسان بعد ذلك كله أن يخضع ويسلم أمره لله وحده، فليس هناك ضار أو نافع إلا الله فأمورنا كلها بيده؛ حياتنا، رزقنا، سعادتنا، فلا يضير المرء بعد ذلك قوله الحق، والسطوع به في وجه كل طاغية متجبر يظن أنه إله هذا الكون، ونسي أنه مخلوق ضعيف، لا يملك لنفسه فضلًا عن غيره ضرًا أو نفعًا، فلنكن جميعًا عبيدًا للواحد القهار النافع الضار، ولسنا عبيد مصالح ومناصب.

ثانيًا: نفي الاستجابة:

من طرق القرآن الكريم لإثبات الألوهية لله وحده ونفيها عمن سواه التطرق إلى عجزها عن مناصرة من يعبدها وعدم الاستجابة لهم، وهنا بيان لعجز من يدعى من دون الله إما لعدم قدرته على السماع أصلًا، أو لعدم استجابته إن سمع الدعاء، وهذا يدل بلا أدنى شك على عدم استحقاقها للعبادة من دون الله.

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الأعراف: 194] .

والأمر هنا للتحدي أو للتعجيز، وليس للطلب أو الإباحة، فلقد تحداهم الله عز وجل أن يدعوهم، فإن استجابوا لكم فصدقت دعواكم لهم بالألوهية، ولكن هيهات أن تجيبهم صخور صماء، ولو سمعوا ما استجابوا لهم، وما أجابوهم، ويوم القيامة يتبرؤون منهم ومن عبادتهم لها، فهنا تسفيه لمعتقدات المشركين وإقامة الحجة عليهم 32.

ويذكر الله تعالى أن التعجيز يقع في الآخرة أيضًا.

فمن ذلك قول الله تعالى: {وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا} [الكهف: 52] .

لقد وصف كتاب الله موقف المشركين الحرج يوم القيامة، ممن كانوا يزعمون أنهم شركاء لله، عندما يأمر الله المشركين به أن ينادوا ما كانوا يعبدون من دونه عز وجل ليشفعوا فيهم، وينقذوهم من العذاب الشديد، ثم يدعونهم فلا يستجيبون لهم ولا يلبون نداءهم، بل يتجاهلونهم بالمرة، كأنهم لا يعرفونهم، أو كأن بينهم عداوة متأصلة من قديم، فجعل بين الداعين من المشركين والمدعوين من الشياطين، مهلكًا مشتركًا وهو النار التي يصلونها جميعًا 33.

ونظير ذلك قوله تعالى: {وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ} [القصص: 64] .

فقد طلب الله عز وجل من الكفار تقريعًا لهم، وتهكمًا وتوبيخًا وتشهيرًا بهم على رؤوس الأشهاد بدعاء ما عبدوا في الدنيا من دون الله لتنصرهم، وتدفع عنهم الأذى، مثلما كانوا يفعلون ذلك في الدنيا، فاستغاثوا بهم، فلم يجيبوهم ولم ينصروهم، فيتمنوا وقتها لو أنهم كانوا مؤمنين بالله جل جلاله.

فعدم قدرتهم على الاستجابة والنصرة دليل عجزهم الواضح، ولكنها العقول الضالة التي تأبى إلا العناد والكفر، فلو كانوا يهتدون بهدي الله سبحانه وتعالى، وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم، ويرون العذاب الذي أنذرهم به حقيقة وواقعًا لا يتخلفون عنه لما حدث لهم هذا، ولما واجهوا هذه العاقبة الأليمة 34.

ومن الآيات الجامعة قول الله تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ} [سبأ: 22] .

فهو خطاب توبيخ وتقريع المشركين لدعوة ما زعموا أنها آلهة لهم من دون الله سبحانه وتعالى لتنفعهم وتذب عنهم، ولكنهم لا يملكون دفع ضر في أي أمر من الأمور، أو حتى جلب منفعة، وليس لهم قدرة على خير ولا شر، فليس للآلهة في السماوات والأرض مشاركة لا بالخلق ولا بالملك ولا بالتصرف، فما لله من هؤلاء من معين على خلق شيء، بل الله المنفرد بالخلق والإيجاد، فهو الذي يعبد، وعبادة غيره محال 35.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت