فهرس الكتاب

الصفحة 2016 من 2431

الدعوة

يعتبر موضوع الدعوة والنظر لحال المدعوّين، من الأمور المهمة التي ورد الحديث عنها في القرآن الكريم، وسوف أتحدث عن هذا الموضوع، فيما يأتي:

أولًا: المعنى اللغوي:

الدعوة: من دعا يدعو دعوةً ودعاءً 1، والدّعاء كالنّداء، إلّا أنّ النّداء قد يقال بـ (يا) ، أو (أيا) ، ونحو ذلك من غير أن يضمّ إليه الاسم، والدّعاء لا يكاد أن يقال إلّا إذا كان معه الاسم، نحو: يا فلان، وقد يستعمل كلّ واحد منهما موضع الآخر، ودعوته: إذا سألته، وإذا استغثته 2، يقال: دعوة فلان في بني فلان، ولبني فلان الدعوة على قومهم إذا كان يبدأ بهم، والدعوة: الوليمة 3، فهي نداء إلى شيء.

وعليه فإن كلمة (دعوة) تفيد من حيث اللغة المحاولات القولية والفعلية لإمالة الناس إلى تحقيق هدف أو عمل، ويمكننا أن نطلق لفظ «الدعوة» على ما يراد إبلاغه ونشره من هدى أو ضلال 4.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

تعرّف الدعوة بأنها نداء إلى شيء معين، وقد يكون هذا النداء عامًّا أو خاصًّا، مباشرًا أو غير مباشر، ولم يرد تعريف الدعوة كثيرًا في كتب اللغة؛ لأعتمد عليه في التعريف الاصطلاحي.

وجاء أن (الدّعوة) بالفتح في الطعام اسم من (دعوت) الناس، إذا طلبتهم ليأكلوا عندك، يقال: نحن في (دعوة) فلان و (مدعاته) و (دعائه) بمعنى واحد، وهذا كلام أكثر العرب 5، وأصرح الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ} [الأحزاب: 53] .

وأصل الدّعوة بفتح الدال، والمراد بها هنا: دعوة الإسلام 6، وهي في القرآن الكريم الدعوة إلى الإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

والدعوة إلى فعل الخير يندرج تحتها نوعان: أحدهما: الترغيب في فعل ما ينبغي وهو الأمر بالمعروف، والثاني: الترغيب في ترك ما لا ينبغي وهو النهي عن المنكر 7.

فهي الدعوة إلى الإيمان بالله وبما جاءت به رسله وذلك بتصديقهم فيما أخبروا به وطاعتهم فيما أمروا 8.

والأصل في بيان ذلك ما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذًا رضي الله عنه على اليمن؛ قال: (إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله .. الحديث) 9.

فالدعوة في اللغة هي: مطلق الدعاء والنداء إلى شيء، وبالمعنى الاصطلاحي يتبيّن أن هذا النداء للدعوة هو: دعوة إلى الإيمان بالله تعالى، واتباع كتابه، والسير على منهج رسوله صلى الله عليه وسلم، والدّاعون إليه من أشرف الناس عند الله.

ورد الجذر (د ع و) في القرآن الكريم (207) مرات، يخص موضوع البحث منها (205) مرات 10.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 3 ... {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا} [فصلت:33]

الفعل المضارع ... 106 ... {إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (28) } [الطور:28]

فعل الأمر (دعائي) ... 32 ... {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ} [النحل:125]

اسم فاعل ... 7 ... {يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ} [طه:108]

اسم ... 20 ... {وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (14) } [الرعد:14]

مصدر ... 10 ... {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ} [الرعد:14]

وجاءت الدعوة في القرآن الكريم بمعناها في اللغة وهي مصدر دعا، أي: نادى وطلب، ودعا إلى الأمر: حثَّ عليه 11.

الهداية:

الهداية لغةً:

أصل الهداية في اللغة: التقدم للإرشاد، فالهادي هو الذي يتقدم لإرشاد من خلفه 12.

والهدى: الرشاد والدلالة، ضد الضلالة 13.

الهداية اصطلاحًا:

الهداية: هي الدلالة على ما يوصل إلى المطلوب، وقد يقال: هي سلوك طريق يوصل إلى المطلوب 14.

الصلة بين الهداية والدعوة:

الدعوة هي طريق للهداية، فالهداية غاية، والدعوة وسيلة.

الموعظة:

الموعظة لغةً:

الوعظ: التخويف، والاسم: العظة، وهو التذكير بالخير وما يرق له قلبه 15.

الموعظة اصطلاحًا:

الموعظة: وهي ما يوعظ به من قول أو فعل 16.

الصلة بين الموعظة والدعوة:

الموعظة إحدى وسائل الدعوة، وأكثرها استعمالًا، تجعل المدعو سريع الاستجابة.

تقدم معنا أن الدعوة لها ألفاظ ودلالات ومعان عدّة، وأهم هذه المعاني هي: أن الدعوة دعوة إلى عبودية الله وحده، واتباع رسوله وما أرسله به.

ومن عظيم رحمة الله تعالى أنه يدعو عباده بنفسه، وهذا إن دلّ فإنما يدل على عظيم كرمه، وجزيل إحسانه، وبيان ذلك كما يأتي:

أولا: دعوة الله تعالى لعباده إلى المغفرة:

جاء في آيات الدعوة الواردة في القرآن الكريم أن الله تعالى يدعو عباده بنفسه، ويمكن أن نجعل تلك الدعوة في قسمين:

الآيات الصريحة في دعوة الله تعالى لعباده إلى مغفرته:

وهذا كما في قوله تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221) } [البقرة: 221] .

يعني تعالى ذكره: هؤلاء الذين حرّمت عليكم -أيها المؤمنون- مناكحتهم من رجال أهل الشرك ونسائهم، يدعونكم إلى النار يعني: يدعونكم إلى العمل بما يدخلكم النار، وذلك هو العمل الذي هم به عاملون من الكفر بالله ورسوله؛ فلا تقبلوا منهم ما يقولون، ولا تستنصحوهم، ولا تنكحوهم ولا تنكحوا إليهم، فإنهم لا يألونكم خبالًا ولكن اقبلوا من الله ما أمركم به فاعملوا به، وانتهوا عما نهاكم عنه 17؛ فذلك ما يوجب لكم المغفرة، {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ} أي: يدعو عباده لتحصيل الجنة والمغفرة، التي من آثارها دفع العقوبات وذلك بالدعوة إلى أسبابها من الأعمال الصالحة، والتوبة النصوح، والعلم النافع، والعمل الصالح 18، ويدعوكم إلى مخالطة المؤمنين لأن ذلك أوصل لكم إلى الجنة 19.

وقوله تعالى: {قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (10) } [إبراهيم: 10] .

أي: يدعوكم إلى التوحيد ليغفر لكم من ذنوبكم 20، والدعوة أصلًا دعوة إلى الإيمان، المؤدي إلى المغفرة، ولكن السياق يجعل الدعوة مباشرةً للمغفرة، لتتجلى نعمة الله ومنته، وعندئذٍ يبدو عجيبًا أن يدعى قوم إلى المغفرة فيكون هذا تلقيهم للدعوة! {يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ} ، {وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} ، فهو سبحانه مع الدعوة للمغفرة لا يعجلكم بالإيمان فور الدعوة، ولا يأخذكم بالعذاب فور التكذيب، إنما يمنّ عليكم منّة أخرى فيؤخركم إلى أجل مسمى 21، فليس العجب ممن تكلف لسيده المشاقّ وتحمل ما لا يطاق، وألّا يهرب من خدمة أو يجنح إلى راحة؛ إنما العجب من سيد عزيز كريم يدعو عبده ليغفر له وقد أخطأ، ويعامله بالإحسان وقد جفا 22.

ففي الآيات دلالة صريحة أن الله الكريم يدعو عباده بنفسه، وأهم قضية دعا إليها سبحانه وتعالى:

-دعوة عباده إلى جنته التي أعدها لمن غفرت له ذنوبه.

-دعوة عباده إلى مغفرته التي لا يملكها إلا هو.

ومن الآيات التي تتضمن دعوة الله تعالى لعباده إلى مغفرته: قوله تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ?) [آل عمران: 133] .

أي: سارعوا إلى ما يوجب المغفرة وهي الطاعة، والآية عامة 23، فكل ما من شأنه الحصول على مغفرة الله تجب المسارعة إليه.

وقال تعالى: (ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [آل عمران: 153] .

فأنتم مدبرون وهو ثابت في مكانه في نحر العدو في نفر يسير وثوقًا بوعد الله ومراقبة له 24؛ لأن الأمر الحقيقي من دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم وجهاده هو التعلق بمغفرة الله، وذلك بالجهاد الذي يغفر الله به الذنوب.

وقوله تعالى: (? ? ? ? ہہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الحديد: 8 - 9] .

أي: وأي شيء يمنعكم من الإيمان والرسول بين أظهركم يدعوكم إلى ذلك، ويبين لكم الحجج والبراهين على صحة ما جاءكم به 25.

ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ) [فاطر: 6] .

وقوله تعالى: (گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ہ ہ ہہ ھ ھ ھ ھ ے) [الحديد: 21] .

وقوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الملك: 12] .

فهذه الآيات تتضمن الدعوة من الله تعالى لعباده أن يحذروا من غوايات الشيطان التي تبعدهم عن نيل مغفرة الله، وأن يسارعوا إلى مرضات الله تعالى ومغفرته، مع التخلق بأخلاق المستحقين لتلك المغفرة.

ثانيًا: دعوة الله تعالى لعباده إلى الجنة:

جاء في القرآن الكريم دعوة الله تعالى لعبادة إلى جنته مباشرةً، ويمكن أن نجعل هذا كالذي قبله وذلك في قسمين:

1.الآيات الصريحة في دعوة الله تعالى لعباده إلى جنته.

وهذا كما جاء في قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑڑ ک ک ک کگ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ں ں) [البقرة: 221] .

فهو يدعوكم إلى العمل بما يدخلكم الجنة، ويوجب لكم النجاة إن عملتم به من النار 26، وهو يدعو عباده لتحصيل الجنة 27، وطريق المؤمنين والمؤمنات هو طريق الله، والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه، وما أبعد دعوة المشركين إذن من دعوة الله، والله يحذر من هذه الدعوة المردية (? ? ? ? ں) ، فمن لم يتذكر، واستجاب لتلك الدعوة فهو الملوم 28.

فمن عمل بطاعة الله تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم فقد استجاب لدعوة الله له إلى الجنة، وهذا يتجلى في قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأنفال: 24] .

وقوله صلى الله عليه وسلم: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى) ، قالوا: يا رسول الله، ومن يأبى؟ قال: (من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى) 29.

وفي قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [يونس: 25] .

يقول تعالى ذكره لعباده: أيها الناس، لا تطلبوا الدنيا وزينتها، فإن مصيرها إلى فناءٍ وزوالٍ، كما مصير النبات الذي ضربه الله لها مثلا إلى هلاكٍ وبوارٍ، ولكن اطلبوا الآخرة الباقية، ولها فاعملوا، وما عند الله فالتمسوا بطاعته، فإن الله يدعوكم إلى داره، وهي جناته التي أعدّها لأوليائه، تسلموا من الهموم والأحزان فيها، وتأمنوا من فناء ما فيها من النّعيم والكرامة التي أعدّها لمن دخلها، وهو يهدي من يشاء من خلقه فيوفقه لإصابة الطريق المستقيم، وهو الإسلام الذي جعله جل ثناؤه سببًا للوصول إلى رضاه، وطريقًا لمن ركبه وسلك فيه إلى جنانه وكرامته 30.

فعمّ تعالى عباده بالدعوة إلى دار السلام، والحث على ذلك، والترغيب، وخص بالهداية من شاء استخلاصه واصطفاءه، فهذا فضله وإحسانه، والله يختص برحمته من يشاء، وذلك عدله وحكمته، وليس لأحد عليه حجة بعد البيان والرسل، وسمى الله الجنة دار السلام؛ لسلامتها من جميع الآفات والنقائص، وذلك لكمال نعيمها وتمامه وبقائه، وحسنه من كل وجه 31، فيا لبعد الشقة بين دار يمكن أن تطمس في لحظة، وقد أخذت زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها فإذا هي حصيد كأن لم تغن بالأمس، ودار السلام التي يدعو إليها الله، ويهدي من يشاء إلى الصراط المؤدي لها، حينما تنفتح بصيرته، ويتطلع إلى دار السلام 32.

ولذا حذر الله تعالى من الدعوة المضادة المباينة لهذه الدعوة فقال: (? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ) [فاطر: 6] .

2.الآيات التي تتضمن دعوة الله عباده إلى جنته 33.

وهذه الدعوة الضمنية تحمل في طياتها معنى التبشير والوعد، فذكر الله تعالى الجنة مشوقًا عباده إليها، وحاثًّا لهم على العمل من أجل الدخول فيها، فورد كثير من الآيات التي تذكر الجنة بسياق مختلف، حيث جاءت مفردة منكرة بلفظ (جنّة) كما في قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ?) [الفرقان: 15 - 16] .

أي: كانت تلك الجنة للمتقين جزاءً على أعمالهم، ومصيرًا يصيرون إليه، (چ ? ? ?) أي: ما يشاءونه من النعيم، وضروب الملاذ 34.

وجاءت مفردةً معرّفةً مجرورةً كلفظ «بالجّنة» كما في قوله تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [فصلت: 30] .

يقول: وسرّوا بأن لكم في الآخرة الجنة التي كنتم توعدونها في الدنيا على إيمانكم بالله، واستقامتكم على طاعته 35.

وجاءت مرفوعةً مثنّاةً كما في قوله تعالى: (? ? ? ? ? ?) [الرحمن: 46] .

وهذه الآية عامة كما قاله ابن عباس وغيره، يقول الله تعالى: (? ? ? ?) بين يدي الله عز وجل يوم القيامة (? ? ? ?) [النازعات: 40] .

ولم يطغ ولا آثر الحياة الدنيا، وعلم أن الآخرة خير وأبقى فأدى فرائض الله واجتنب محارمه، فله يوم القيامة عند ربه جنتان، كما ذكر البخاري عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم عز وجل إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن) 3637.

وجاءت مجموعةً معرفّةً في موضع واحد فقط وهو قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الشورى: 22] .

أي: في الروضات المضافة إلى الجنات، والمضاف يكون بحسب المضاف إليه، فلا تسأل عن بهجة تلك الرياض المونقة، وما فيها من الأنهار المتدفقة، والفياض المعشبة، والمناظر الحسنة، والأشجار المثمرة، والطيور المغردة، والأصوات الشجية المطربة، والاجتماع بكل حبيب، والأخذ من المعاشرة والمنادمة بأكمل نصيب، رياض لا تزداد على طول المدى إلا حسنًا وبهاءً، ولا يزداد أهلها إلا اشتياقًا إلى لذّاتها وودادًا، (? ? ?) فيها، أي: في الجنات، فمهما أرادوا فهو حاصل، ومهما طلبوا حصل، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، (? ? ? ?) وهل فوز أكبر من الفوز برضا الله تعالى، والتنعم بقربه في دار كرامته؟ 38.

وجاءت مجموعةً منكّرةً في مواضع منها قوله تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 25] .

وهي ألوان من النعيم يستوقف النظر منها- إلى جانب الأزواج المطهرة- تلك الثمار المتشابهة، التي يخيل إليهم أنهم رزقوها من قبل- أما ثمار الدنيا التي تشبهها بالاسم أو الشكل، وأما ثمار الجنة التي رزقوها من قبل- فربما كان في هذا التشابه الظاهري والتنوع الداخلي مزية المفاجأة في كل مرة 39.

وقوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [آل عمران: 15] .

وقوله تعالى: (ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [التوبة: 72] وغيرها كثير.

وكل هذه الآيات تتضمن الدعوة إلى الفوز بجنة الله تعالى مهما اختلفت صيغها، وتنوع سياقها، فهي تدعو إلى تحقيق أعمال وأخلاق تجعل أصحابها فائزين بجنة الله تعالى التي أعدها لعباده الصالحين.

للدعوة الإسلامية مقاصد مهمة ذكرت في ثنايا آيات الدعوة التي وردت في القرآن الكريم، ومن تلك المقاصد ما يأتي:

أولًا: تحقيق التوحيد:

فمن المقاصد العظيمة التي تبدو في ثنايا الآيات التي تتحدث عن الدعوة تحقيق توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة.

والتوحيد هو أصل دعوة الرسل وإليه دعوا أقوامهم، قال تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ?) [الأنبياء: 25] 40.

وسأذكر بعض الآيات الواردة في الدعوة إلى تحقيق التوحيد حسب ترتيب السور.

فمنها قوله تعالى: (? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ?) [النساء: 116 - 117] .

ويدعون بمعنى: يعبدون؛ لأن من عبد شيئًا فإنه يدعوه عند احتياجه إليه 41.

وقوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأعراف: 37] .

يخبر تعالى أن الملائكة إذا توفت المشركين تفزعهم عند الموت، وقبض أرواحهم إلى النار يقولون لهم: أين الذين كنتم تشركون بهم في الحياة الدنيا وتدعونهم وتعبدونهم من دون الله؟! ادعوهم يخلصوكم مما أنتم فيه، (? ? ?) أي: ذهبوا عنا، فلا نرجوا نفعهم ولا خيرهم (? ? ?) أي: أقروا واعترفوا على أنفسهم (? ? ?) 42.

وقد وردت آيات كثيرة تدعو لتحقيق هذا المقصد العظيم، كقوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ژ ژڑ ڑ ک ک ک ک گ گ) [يوسف: 108] .

وقوله تعالى: (? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ?) [الرعد: 14] .

وقوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ?) [الرعد: 36] .

وقوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النحل: 20] .

وقوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الإسراء: 57] .

وقوله تعالى: (ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الحج: 62] .

وقوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأحقاف: 5] .

وقوله تعالى: (ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ) [الجن: 20] وغيرها.

وفي ثنايا هذه الآيات ألحظ الدعوة إلى تحقيق التوحيد فيما يأتي:

-أن الدعوة إلى التوحيد أصل أصيل دعا إليه الله تعالى بنفسه، ولأجله أرسلت الرسل وأنزلت الكتب.

-النهي الصريح عن دعاء غير الله تعالى، أو الدعوة إلى عبودية غيره.

-تصريح الداعي إلى الله أن دعوته إلى عبودية الله دون سواه واتباع رسله.

-الدعوة الصريحة للتحاكم إلى الله تعالى وما جاء عنه.

ويلاحظ أن قاعدة التوحيد الأولى هي إفراد الله بالعبادة، وقد جاءت الدعوة إلى ذلك عن جميع رسل الله عليهم الصلاة والسلام، وأنهم قاموا بدعوة أقوامهم إلى ذلك وتحذيرهم من الشرك بالله 43.

ثانيًا: الهداية والإصلاح:

ومن مقاصد الدعوة في القرآن الكريم: الهداية والإصلاح، وهما أمران متلازمان.

ومن الآيات التي تذكر معنا في هذا الباب قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 186] .

فمن ألهم الدعاء فقد أريد به الإجابة 44، بمعنى هدي للإجابة؛ ليصلح حاله.

وقوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ?) [آل عمران: 104] .

يقول تعالى: ولتكن منكم أمة منتصبة للقيام بأمر الله في الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأولئك هم المفلحون 45، وهذا غاية في بيان هداية القائمين بالدعوة ودعوة غيرهم للاهتداء بها.

وقوله تعالى: (ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ےے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأنعام: 40 - 41] .

هذه الآية الكريمة عاب الله فيها الكفار بسخافة العقول، وأنهم إذا نزلت بهم شدة من العظائم الشداد أخلصوا في ذلك الوقت الدعاء إلى الله، وتركوا دعاء غير الله؛ لعلمهم بأنه لا ينفع ولا يضر، فإذا نجاهم الله من تلك الكربة، وأمنوا، رجعوا إلى ما كانوا عليه من الشرك بالله، وهذه سخافة عقول؛ لأنهم في وقت الشدائد يخلصون إلى الله 46.

وقوله تعالى: (ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأنعام: 71 - 72] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت