أولًا: المعنى اللغوي:
قال ابن فارس: «صد: الصاد والدال معظم بابه يئول إلى إعراضٍ وعدولٍ، فالصد: الإعراض، يقال: صد يصد، وهو ميلٌ إلى أحد الجانبين، ثم تقول: صددت فلانًا عن الأمر، إذا عدلته عنه» 1.
فـ «الصد: هو العدول عن الشيء عن قلى، يستعمل لازمًا بمعنى الانصراف والامتناع ومتعديًا بمعنى الصرف والمنع الذي عنه الانصراف والامتناع» 2.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
المعنى الاصطلاحي لا يخرج عن معناه اللغوي، فالصد في المعنى الاصطلاحي: المنع بالإغراء الصارف عن الأمر 3.
قال الراغب: «يكون انصرافًا عن الشيء وامتناعًا عنه، وقد يكون صرفًا ومنعًا» 4.
فالصد عن سبيل الله: الإعراض والعدول والصرف والمنع عن طريق معرفة الله الصحيحة، وعبادته القويمة التي ترضيه.
وردت مادة (صدد) في القرآن الكريم (43) مرة، يخص موضوع البحث منها (38) مرة 5.
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل الماضي ... 18 ... {فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (55) } [النساء:55]
الفعل المضارع ... 17 ... {لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا} [آل عمران:99]
المصدر ... 3 ... {وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ} [البقرة:217]
وجاء الصد في الاستعمال القرآني على وجهين 6:
الأول: الإعراض: ومنه قوله تعالى: {رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} [النساء: 61] أي: يعرضون.
الثاني: المنع: ومنه قوله تعالى: {الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا} [الأعراف: 45] أي: يمنعون الناس من الإيمان.
المنع:
المنع لغة:
المنع: أن تحول بين الرجل وبين الشيء الذي يريده 7.
المنع اصطلاحًا:
المنع ما لأجله يتعذر الفعل على القادر 8.
الصلة بين الصد والمنع:
إن الصد: هو المنع عن قصد الشيء خاصة، والمنع: يكون في ذلك وغيره، ألا ترى أنه يقال: منع الحائط عن الميل، ولا يقال: صده عن الميل؛ لأن الحائط لا قصد له، ويقولون: صدني عن لقائك، يريد عن قصد لقائك 9.
الحصر:
الحصر لغة:
هو الجمع والحبس والمنع 10.
الحصر اصطلاحًا:
الحبس مع التضييق 11.
الصلة بين الصد والحصر:
هما بمعنى المنع، لكن اصطلح الفقهاء بتسمية الممنوع عن الحج بالمرض محصورًا، والممنوع بالعدو مصدودًا 12.
الإعراض:
الإعراض لغة:
أعرض عنه إعراضًا: صد، وولاه ظهره 13.
الإعراض اصطلاحًا:
الانصراف عن شيءٍ 14.
الصلة بين الصد والإعراض:
الصد: الإعراض وفيه صرف ودفع، أما الإعراض فيكون انصرافًا عن الشيء دون صرف ودفع.
للصد عن سبيل الله في القرآن دوافع ووسائل نتناولها بالبيان فيما يأتي:
أولًا: الكفر والمعتقدات الباطلة:
من دوافع الصد عن سبيل الله الكفر، قال تعالى عن بلقيس ملكة سبأ: {وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ} [النمل: 43] .
قال ابن عاشور رحمه الله: «أي: صدها معبودها من دون الله، وما كانت تعبده هو الشمس، وفي ذكر فعل الكون (كانت) مرتين في ما كانت تعبد، وإنها كانت من قومٍ كافرين دلالةٌ على تمكنها من عبادة الشمس، وكان ذلك التمكن بسبب الانحدار من سلالة المشركين، فالشرك منطبعٌ في نفسها بالوراثة، فالكفر قد أحاط بها بتغلغله في نفسها، وبنشأتها عليه، وبكونها بين قومٍ كافرين، فمن أين يخلص إليها الهدى والإيمان؟» 15.
وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ} [غافر: 37] .
أي: «من الشرك والتكذيب» 16.
قال ابن القيم رحمه الله: «قرأ أهل الكوفة (وصد) على البناء للمفعول، حملًا على (زين) ، وقرأه الباقون (وصد) بفتح الصاد، ويحتمل معنيين:
أحدهما: أعرض، فيكون لازمًا.
والثاني: يكون صد ومنع غيره، فيكون متعديًا، والقراءتان كالآيتين لا يتناقضان» 17.
ومن دوافع الصد عن سبيل الله: المعتقدات الباطلة، قال تعالى على لسان من صدهم تقليد الآباء في المعتقدات الباطلة عن عبادة الله في ردهم على دعوة الرسل: {إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} [إبراهيم: 10] .
وهذا الاعتقاد الباطل قاله المعرضون عن دعوة الأنبياء، قالته ثمود لصالح عليه السلام: {قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} [هود: 62] .
وقال أصحاب مدين لشعيب عليه السلام: {قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} [هود: 87] .
وقالت عاد لهود عليه السلام: {قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [الأعراف: 70] .
وقد «أخذ بعض أهل العلم من هذه الآيات الكريمات منع التقليد الأعمى» 18.
وجاء هذا المعنى في وصف رسالة الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم على لسان أبي سفيان بن حرب في سؤال هرقل له، فيما رواه البخاري بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما: قال هرقل: (فماذا يأمركم به؟ قال: يأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئًا، وينهانا عما كان يعبد آباؤنا) 19.
وتلك هي الآفة التي تسلطت على عقول كثير من ذي العقول فأفسدتها، وأضلتها عن سواء السبيل، وهذا من شأنه أن يدعو الإنسان إلى طلب التحرر من موروثات الآباء والأجداد، وأن يعيد بناء عقله -متى بلغ الرشد- على البحث والنظر، فما رآه صالحًا قبله، وما وجده فاسدًا دفعه وتخلى عنه.
ثانيًا: تزيين الشيطان الأعمال السيئة لهم:
قال تعالى محذرًا عباده من الشيطان وعداوته: {وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [الزخرف: 62] .
«يقول جل ثناؤه: ولا يعدلنكم الشيطان عن طاعتي فيما آمركم وأنهاكم، فتخالفوه إلى غيره، وتجوروا عن الصراط المستقيم فتضلوا، إن الشيطان لكم عدوٌ يدعوكم إلى ما فيه هلاككم، ويصدكم عن قصد السبيل؛ ليوردكم المهالك، مبينٌ قد أبان لكم عداوته، بامتناعه من السجود لأبيكم آدم، وإدلائه بالغرور حتى أخرجه من الجنة حسدًا وبغيًا» 20.
قال سيد قطب رحمه الله: «والقرآن لا يفتأ يذكر البشر بالمعركة الخالدة بينهم وبين الشيطان منذ أبيهم آدم، ومنذ المعركة الأولى في الجنة، وأغفل الغافلين من يعلم أن له عدوًا يقف له بالمرصاد، عن عمد وقصد، وسابق إنذار وإصرار، ثم لا يأخذ حذره، ثم يزيد فيصبح تابعًا لهذا العدو الصريح!
وقد أقام الإسلام الإنسان في هذه المعركة الدائمة بينه وبين الشيطان طوال حياته على هذه الأرض، ورصد له من الغنيمة إذا هو انتصر ما لا يخطر على قلب بشر، ورصد له من الخسران إذا هو اندحر ما لا يخطر كذلك على قلب بشر؛ وبذلك حول طاقة القتال فيه إلى هذه المعركة الدائبة التي تجعل من الإنسان إنسانًا، وتجعل له طابعه الخاص بين أنواع الخلائق المتنوعة الطبائع والطباع! والتي تجعل أكبر هدف للإنسان على الأرض أن ينتصر على عدوه الشيطان، فينتصر على الشر والخبث والرجس، ويثبت في الأرض قوائم الخير والنصح والطهر» 21.
وجعل الله للمعرض عن ذكره شيطانًا قرينًا يغويه جزاء على إعراضه.
قال تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} [الزخرف: 36 - 37] .
أي: «وإن الشياطين ليصدون هؤلاء الذين يعشون عن ذكر الله، عن سبيل الحق، فيزينون لهم الضلالة، ويكرهون إليهم الإيمان بالله، والعمل بطاعته {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} يقول: ويظن المشركون بالله بتحسين الشياطين لهم ما هم عليه من الضلالة، أنهم على الحق والصواب» 22.
وهذا أسوأ ما يصنعه قرين بقرين، أن يصده عن السبيل الواحدة القاصدة ثم لا يدعه يفيق، أو يتبين الضلال فيثوب، إنما يوهمه أنه سائر في الطريق القاصد القويم! حتى يصطدم بالمصير الأليم.
ومن صور تزيين الشيطان: الأعمال السيئة:
-تحسينه للأعمال القبيحة التي قامت بها الأمم الهالكة؛ حتى أعجبوا بها.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [العنكبوت: 38] .
فقد كانت لهؤلاء: «عقول، وكانت أمامهم دلائل الهدى، ولكن الشيطان استهواهم، وزين لهم أعمالهم، وأتاهم من هذه الثغرة المكشوفة، وهي غرورهم بأنفسهم، وإعجابهم بما يأتونه من الأعمال، وانخداعهم بما هم فيه من قوة ومال ومتاع» 23.
-وتحسينه لقوة قريش في نفسها؛ حتى خرجت بطرًا ورياءً؛ ليمنعوا الناس عن الدخول في دين الله.
قال تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [الأنفال: 47] .
قال البغوي رحمه الله: «نزلت في المشركين حين أقبلوا إلى بدرٍ، ولهم بغيٌ وفخرٌ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم هذه قريشٌ قد أقبلت بخيلائها وفخرها، تحادك، وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني) . قالوا: ولما رأى أبو سفيان أنه قد أحرز عيره أرسل إلى قريشٍ: إنكم إنما خرجتم لتمنعوا عيركم فقد نجاها الله فارجعوا، فقال أبو جهلٍ: والله لا نرجع حتى نرد بدرًا -وكان موسمًا من مواسم العرب يجتمع لهم بها سوقٌ كل عامٍ- فنقيم ثلاثًا فننحر الجزور، ونطعم الطعام، ونسقي الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب، فلا يزالون يهابوننا أبدًا، فوافوها، فسقوا كئوس المنايا مكان الخمر، وناحت عليهم النوائح مكان القيان، فنهى الله عباده المؤمنين أن يكونوا مثلهم، وأمرهم بإخلاص النية، والحسبة في نصر دينه، ومؤازرة نبيه صلى الله عليه وسلم» 24.
وقال صاحب المنار رحمه الله: «امتثلوا ما أمرتم به من الفضائل، وانتهوا عما نهيتم من الرذائل، ولا تكونوا كأعدائكم المشركين الذين خرجوا من ديارهم في مكة وغيرها من الأماكن التي استنفرهم منها أبو سفيان بطرين بما أوتوا من قوةٍ ونعمٍ لم يستحقوها، أو كفروا نعمة الله -مرائين للناس بها؛ ليعجبوا بهم، ويثنوا عليهم بالغنى والقوة والشجاعة والمنعة، ويصدون عن سبيل الله، أي: والحال أنهم يصدون بخروجهم عن سبيل الله -وهو الإسلام- بحمل الناس على عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم، والإعراض عن تبليغ دعوته، وتعذيب من أجابها إذا لم يكن له من يمنعهم ويحميهم من قرابةٍ، أو حلفٍ أو جوارٍ، والله بما يعملون محيطٌ، علمًا وسلطانًا، فهو يجازيهم عليه في الدنيا والآخرة بمقتضى سنته في ترتيب الجزاء على صفات النفس» 25.
إن ورثة الأنبياء عندما يخرجون للقتال في سبيل الله يخرجون لإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.
يخرجون لحماية حرمات الناس لا لانتهاكها، ولحماية كراماتهم لا لإذلالهم، ولحماية حرياتهم لا لاستعبادهم.
يخرجون لا للتبطر بنعمة القوة باستخدامها ضد الناس، بل يستخدمونها في حماية الناس، وصون حياتهم.
يخرجون متجردين من حظوظ أنفسهم، فلا يكون لها من النصر والغلب إلا تحقيق طاعة الله في تلبية أمره بالجهاد، وفي إقامة منهجه في الحياة، وفي إعلاء كلمته في الأرض، وفي التماس فضله بعد ذلك ورضاه.
ثالثًا: النفاق والتظاهر بالإيمان لحماية مصالحهم:
أخبر سبحانه وتعالى أن المنافقين هم العدو الحقيقي للمسلمين، وحذر نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين منهم، فقال: {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ} [المنافقون: 4] .
قال ابن القيم رحمه الله: «هذا اللفظ يقتضي الحصر؛ أي: لا عدو إلا هم؛ ولكن لم يرد هاهنا من إثبات الأولوية والأحقية لهم في هذا الوصف، وأنه لا يتوهم -بانتسابهم إلى المسلمين ظاهرًا، وموالاتهم لهم ومخالطتهم إياهم- أنهم ليسوا بأعدائهم؛ بل هم أحق بالعداوة ممن باينهم في الدار، ونصب لهم العداوة، وجاهرهم بها، فإن ضرر هؤلاء المخالطين لهم، المعاشرين لهم، وهم في الباطن على خلاف دينهم -أشد عليهم من ضرر من جاهرهم بالعداوة، وألزم وأدوم؛ لأن الحرب مع أولئك ساعة أو أيامًا، ثم ينقضي ويعقبه النصر والظفر، وهؤلاء معهم في الديار والمنازل صباحًا ومساء، يدلون العدو على عوراتهم، ويتربصون بهم الدوائر، ولا يمكنهم مناجزتهم، فهم أحق بالعداوة من المباين المجاهر؛ فلهذا قيل: {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ} [المنافقون: 4] .
لا على معنى: أنه لا عدو لكم سواهم؛ بل على معنى: أنهم أحق بأن يكونوا لكم عدوًا من الكفار المجاهرين» 26.
وقال تعالى عن إعراضهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} [النساء: 61] .
ذكر في سبب نزول هذه الآية: أنها في رجلٍ من الأنصار، ورجلٍ من اليهود تخاصما، فجعل اليهودي يقول: بيني وبينك محمدٌ، وذاك يقول: بيني وبينك كعب بن الأشرف، وقيل: في جماعةٍ من المنافقين، ممن أظهروا الإسلام، أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية، وقيل غير ذلك، والآية أعم من ذلك كله، فإنها ذامةٌ لمن عدل عن الكتاب والسنة، وتحاكموا إلى ما سواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت ها هنا.
ولهذا قال: {يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} [النساء: 60 - 61] .
وقوله: {يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} أي: يعرضون عنك إعراضًا كالمستكبرين عن ذلك 27.
والحامل لهم على هذا الصدود هو اتباع شهواتهم، وألفتهم للباطل 28.
يقول صاحب الظلال رحمه الله: «يا سبحان الله! إن النفاق يأبى إلا أن يكشف نفسه! ويأبى إلا أن يناقض بديهيات المنطق الفطري، وإلا ما كان نفاقًا.
إن المقتضى الفطري البديهي للإيمان أن يتحاكم الإنسان إلى ما آمن به، وإلى من آمن به، فإذا زعم أنه آمن بالله وما أنزل، وبالرسول وما أنزل إليه، ثم دعي إلى هذا الذي آمن به ليتحاكم إلى أمره وشرعه ومنهجه كانت التلبية الكاملة هي البديهية الفطرية، فأما حين يصد ويأبى فهو يخالف البديهية الفطرية، ويكشف عن النفاق، وينبيء عن كذب الزعم الذي زعمه من الإيمان! وإلى هذه البديهية الفطرية يحاكم الله سبحانه أولئك الذين يزعمون الإيمان بالله ورسوله، ثم لا يتحاكمون إلى منهج الله ورسوله، بل يصدون عن ذلك المنهج حين يدعون إليه صدودًا!» 29.
وقال تعالى عن المنافقين الذين اتخذوا أيمانهم التي أقسموها سترة ووقاية لهم من المؤاخذة والعذاب، ومنعوا أنفسهم، ومنعوا الناس عن طريق الله المستقيم: {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [المنافقون: 2] .
وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (14) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (15) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [المجادلة: 14 - 16] .
«أي: جعلوا تصديقهم جنةً من القتل، فآمنت ألسنتهم من خوف القتل، ولم تؤمن قلوبهم، فمنعوا الناس عن الإسلام بسبب ما يصدر عنهم من التثبيط، وتهوين أمر المسلمين، وتضعيف شوكتهم، وقيل: المعنى: فصدوا المسلمين عن قتالهم بسبب إظهارهم للإسلام» 30.
ويوحي قوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} [المنافقون: 2] .
بأنهم كانوا يحلفون الأيمان كلما انكشف أمرهم، أو عرف عنهم كيد أو تدبير، أو نقلت عنهم مقالة سوء في المسلمين، كانوا يحلفون ليتقوا ما يترتب على افتضاح أمر من أمورهم، فيجعلون أيمانهم وقاية وجنة يحتمون وراءها؛ ليواصلوا كيدهم، ودسهم وإغواءهم للمخدوعين فيهم.
رابعًا: الشهوات من المطاعم والمشارب:
قال تعالى: {اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [التوبة: 9] .
عن مجاهدٍ رحمه الله قال: «أبو سفيان بن حربٍ أطعم حلفاءه، وترك حلفاء محمدٍ صلى الله عليه وسلم» 31.
قال الشيخ رشيد رضا رحمه الله: «روي أن أبا سفيان لما أراد حمل قريشٍ وحلفائها على نقض عهد الحديبية صنع لهم طعامًا استمالهم به، فأجابوه إليه، فهو المراد بالثمن القليل» 32.
وقال تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا} [النساء: 160] .
أي: «فبسبب ظلمٍ عظيمٍ حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم، لا بسبب شيء آخر، كما زعموا أنها كانت محرمةً على من قبلهم، والطيبات المذكورة هي ما نصه الله سبحانه: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} [الأنعام: 146] .
وبصدهم أنفسهم وغيرهم عن سبيل الله، وهو اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، وتحريفهم، وقتلهم الأنبياء، وما صدر منهم من الذنوب المعروفة، وقوله: {كَثِيرًا} مفعولٌ للفعل المذكور، أي: بصدهم ناسًا كثيرًا، أو صفة مصدر محذوف، أي: صدًا كثيرًا» 33.
خامسًا: كراهية الموت والتشبث بالحياة الدنيا:
قال تعالى: {الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ} [إبراهيم: 3] .
أي: «الذين يختارون الحياة الدنيا ومتاعها، ومعاصي الله فيها على طاعة الله، وما يقربهم إلى رضاه، من الأعمال النافعة في الآخرة، ويمنعون من أراد الإيمان بالله، واتباع رسوله على ما جاء به من عند الله من الإيمان به واتباعه» 34.
يقول سيد قطب رحمه الله: «فأما الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة فلا يملكون أن يصلوا إلى غاياتهم من الاستئثار بخيرات الأرض، ومن الكسب الحرام، ومن استغلال الناس وغشهم واستعبادهم، لا يملكون أن يصلوا إلى غاياتهم هذه في نور الإيمان بالله، وفي ظل الاستقامة على هداه، ومن ثم يصدون عن سبيل الله، يصدون أنفسهم ويصدون الناس، ويبغونها عوجًا لا استقامة فيها ولا عدالة، وحين يفلحون في صد أنفسهم وصد غيرهم عن سبيل الله، وحين يتخلصون من استقامة سبيله وعدالتها، فعندئذٍ فقط يملكون أن يظلموا، وأن يطغوا، وأن يغشوا، وأن يخدعوا، وأن يغروا الناس بالفساد، فيتم لهم الحصول على ما يبغونه من الاستئثار بخيرات الأرض، والكسب الحرام، والمتاع المرذول، والكبرياء في الأرض، وتعبيد الناس بلا مقاومة ولا استنكار.
إن منهج الإيمان ضمانة للحياة، وضمانة للأحياء من أثرة الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة، واستئثارهم بخيرات هذه الحياة» 35.
بين القرآن الكريم مظاهر الصد عن سبيل الله تعالى، وسوف نتناولها بالبيان فيما يأتي:
أولًا: التشكيك بالنبوات:
قال تعالى على لسان شعيب عليه السلام ناصحًا قومه: {وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الأعراف: 86] .