فهرس الكتاب

الصفحة 2111 من 2431

ثالثها: التعبير باسم الإشارة للبعيد «أولئك» إيذانًا ببعد مكانتهم، وعلو منزلتهم عند ربهم سبحانه، ولا أدل على ذلك من مرتبة القرب منه تعالى التي منحهم إياها، نسأله تعالى أن نكون منهم أجمعين، فضلًا عما يفيده هذا التعبير (أُولَ?ئِكَ الْمُقَرَّبُونَ) من الحصر والقصر، والذي (يقتضي أن لا يكون غيرهم مقربًا) 80.

رابعها: وصف السابقين هنا بأنهم المقربون من ربهم، حيث قال: (أُولَ?ئِكَ الْمُقَرَّبُونَ) ، وهذه أعظم نعمة يسعى إليها العاملون المؤمنون، الذين يقول في حقهم سبحانه في آخر هذه السورة: (فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ ?88?فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ ?89?) [الواقعة:88 - 89] 81.

خامسها: الإفادة بأن لهم جنات النعيم: (في? جَنَّاتُ نَعِيمٍ) ، والملاحظ أنه كلما ذكر أجر السابقين، وذكر أن ثوابهم الجنة يأتي ذكر الجنة بصيغة الجمع (جَنَّاتُ) أو ببيان ما يدل على عظمها.

ولعل في ذكر الجنات بصيغة الجمع لفت نظر إلى أن الجنة منازل ومراتب، وفي كل منزلة من النعيم العظيم ما فيها، وهؤلاء السابقون قد فازوا بما اختصت به كل منزلة من نعيم وعطاء، فجمعوا كل خير وثواب وعطاء، أو (لكون الجنان سبعًا: جنة الفردوس، وعدن، والنعيم، ودار الخلد، وجنة المأوى، ودار السلام، وعليين، أو الجمع إشارة إلى سعتها، وكثرة أشجارها وتنوعها) 82، والله أعلم.

سادسها: وصف الجنات بأنها (جَنَّاتُ نَعِيمٍ) وهذا يفيد كثرة النعيم وتنوعه؛ لأن النعيم -كما يقول الراغب-:هو النعمة الكثيرة، وتنعم: تناول ما فيه النعمة وطيب العيش 83.

أو للإشارة إلى أن الجنة في الدنيا قد تكون للنعيم، وقد تكون للاشتغال والتعيش بأثمان ثمارها، بخلاف الجنة في الآخرة فإنها للنعيم لا غير، وفي هذا مزيد عناية بما أعد الله للمؤمنين السابقين 84.

وهذا وإن دل فإنما يدل على مدى عظيم فضل الله تعالى وإكرامه لأهل السبق في طاعته، وأنواع القربات والزلفى إليه سبحانه، نسأل الله تعالى بمنه وكرمه أن يجعلنا منهم، ويلحقنا بركبهم، اللهم آمين.

من المعلوم بداهة أن كل الأمور والمقادير قدرها الله تعالى على خلقه في الأزل، تصديقًا لقوله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49) } [القمر:49] .

وجعل ذلك في اللوح المحفوظ، ثم يبديه لخلقه في حينه، في أمور يبديها ولا يبتديها، ولولا سبق القضاء بالمقادير كلها لأنزل الله تعالى بعباده ما يستأهلونه في حينه.

وورد الحديث عن هذا النوع الخامس في عشرة مواطن من كتاب الله تعالى، وجميعها تفيد هذا المعنى «سبق القضاء والقدر له سبحانه وتعالى» ، وعبارات المفسرين وإن اختلفت في التعبير عن ذلك إلا أنها تؤول إليه، وسبق للبحث أن تعرض للإشارة إلى هذا النوع في مبحث «الدلالات القرآنية» لمادة «سبق» ، ومَثَّلَ له هناك بآيتين، وسيعرض للبقية هنا.

فمن هذه المواضع قوله تعالى: {قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ} [هود:40] .

وهذا أمر من الله تعالى لسيدنا نوح السلام أن يحمل في سفينته من كل شيء زوجين، {إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ} أي: (من قضي عليه بالعذاب فهو مستثنى من أهله، والمراد بذلك ابنه الكافر وامرأته، وأمثالهما) 85، ومثل هذا يقال في موضع سورة «المؤمنون» ، ومن المواضع أيضًا قوله تعالى {وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} [هود:110] .

فـ (الكلمة) هاهنا عبارة عن الحكم والقضاء 86، والمعنى: ولولا قضاء الله وحكمه بتأخير العذاب عن هؤلاء إلى الآخرة لفصل بين المؤمن والكافر في الدنيا.

ومثله قوله تعالى: {وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (129) } [طه:129] .

والكلمة هنا تعني: القضاء السابق، والمعنى: لولا قضاء الله بتأخير العذاب عنهم لكان العذاب لزامًا: أي واقعًا بهم 87.

وكذلك المعنى في بقية المواطن المشابهة.

أما السبق في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101) } [الأنبياء:101] .

{وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) } [الصافات:171] .

فيحتمل معنى التقدم 88، ومعنى القضاء والحكم، وأرجح الأخير؛ لكونه قول عامة المفسرين 89، ومعنى الآية الأولى عليه:

إن الذين قضيت لهم السعادة في الأزل من خلقه تعالى فهو عن النار مبعد، فإن السعادة سبقت لأهلها من الله، وسبق الشقاء لأهله من الله 90، ولا شك أن هذا السبق سبق قضاء وقدر ليس إلا، والله أعلم.

ومعنى الآية الثانية عليه: أنه تعالى قد حكم في كتابه بنصر أنبيائه، فليس ينقضه أحد 91.

هذا وإني ألحظ على الآيات في هذا الصدد أمورًا:

أولها: الدلالة على عظم مكانة السابقين الذين سبقت لهم من الله الحسنى والسعادة، حيث عبر عنهم بالاشتهاء لعظم ما هم فيه في قوله: {وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ} [الأنبياء:102] .

وفي ذلك يقول البقاعي: (لما كانت الشهوة-وهي طلب اللذة-لا تكون إلا بليغة، عبر بالافتعال دلالة على عظيم ما هم فيه من اللذة فقال: {فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ} في الجنة {خَالِدُونَ} أي دائمًا أبدًا) 92.

ثانيها: ورد التعبير في أكثر من آية بقوله {وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ} وهي ليست كلمة واحدة بل كلمات، (إنما سماها كلمة وهي كلمات عدة؛ لأنها لما انتظمت في معنى واحد كانت في حكم كلمة مفردة) 93.

ثالثها: ورد في بعض الآيات تعدية الفعل «سبق» بحرف الجر «على» مثل قوله {إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ} [هود:40] .

وفي بعضها تعدى باللام، مثل قوله {سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى} [الأنبياء:101] .

وقوله {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) } [الصافات:171] .

وبعضها بـ (من) مثل قوله: {وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ} [طه:129] .

وما شاكلها، وأرى أن السِّرَّ في ذلك: أن مضمون الآية إذا كان يتعلق بالمخلوقين، وكان شيئًا نافعًا جاءت التعدية باللام، وإذا كان شيئًا ضارًّا جيء بعلى 94، وإذا كان الأمر يتعلق بالخالق سبحانه، مع الدلالة على الابتداء جاء التعبير بـ «من» الابتدائية المفيدة لذلك، والله أعلم.

ثانيًا: السبق المذموم:

إذا كان القرآن قد رصد أنواعًا عديدة من أنواع السبق الممدوح، وقفنا عليها فيما سبق، فإنه قد رصد أيضًا بعضًا من أنواع السبق المذموم، سيجليها البحث فيما يلي:

ابتلي قوم لوط عليه السلام بإتيان الذكران بعضهم بعضًا، وترك ما أحل الله لهم من أزواجهم، فضلًا عن مجاهرتهم بفعلهم هذا وعدم استحيائهم من الله تعالى، أو من بعضهم البعض، مما يجرئ غيرهم على المعصية، سابقين في ذلك العالمين أجمعين، فقام سيدنا لوط عليه السلام بواجب الدعوة نحوهم، ناعيًا عليهم هذا السبق المذموم، وجاء الحديث عن ذلك في موضعين من كتابه تعالى.

أولهما: قوله تعالى: (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ) الآيات [الأعراف: 80] .

وثانيهما: قوله تعالى: (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ(28) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ ? فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) [العنكبوت:28 - 29] .

وهناك مواضع أخرى تحدث فيها القرآن عن فعل قوم لوط عليه السلام، إلا أنها لم يرد فيها التعبير بالسبق، لذا لا يتعرض لها البحث هنا.

وحقيقة السبق: وصول الماشي إلى مكان مطلوب له ولغيره قبل وصول غيره، ويستعمل مجازًا في التقدم في الزمان، أي: الأولية والابتداء، وهو المراد هنا، والمقصود أنهم سبقوا الناس بهذه الفاحشة 95.

والفاحشة في الأصل: ما عظم قبحه من الأفعال والأقوال.

قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ) [الأعراف:28] .

وفحش فلان: صار فاحشًا، والمتفحش: الذي يأتي بالفحش 96.

والمراد بالفاحشة هنا: إتيان الذكران بعضهم بعضًا في الأدبار، في قول جميع المفسرين 97.

وفي هذا السبق لقوم لوط يقول الزجاج معلقًا على آية الأعراف: (هذا دليل على أن فاحشة اللواط لم يفعلها أحد قبل قوم لوط) 98.

وقال المفسرون: (ما نزا ذكر على ذكر حتى كان قوم لوط) 99.

وألحظ على الآيات الكريمة أمورًا:

أولها: تعظيم جرم فعل قوم لوط، حيث إنه تعالى (خص بالذِّكْرِ من مرتكباتهم أقبحها مما استوجبوا به العذاب، وخاطبهم لوط عليه السلام: إن هؤلاء المكذبين من قبلكم على سوء مرتكباتهم لم يسبقوكم إلى ما أنتم عليه وقد سمعتم بهم وخلت من قبلكم المثلات) 100.

ثانيها: وصفهم الله بالمفسدين كما ورد في دعاء نبيهم عليهم (قَالَ رَبِّ انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ) [العنكبوت:30] .

لأنهم يفسدون أنفسهم بشناعات أعمالهم ويفسدون الناس بحملهم على الفواحش وتعويدهم عليها، وفي هذا الوصف تمهيد للإجابة بالنصر عليهم؛ لأن الله لا يحب المفسدين 101.

ثالثها: التعبير بالشهوة في قوله تعالى: (إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً) [الأعراف:81] .

للمبالغة عليهم في الإنكار والتوبيخ، ووصفهم بالبهيمية الصرفة، وفيه تنبيه على أن العاقل ينبغي أن يكون الداعي له إلى المباشرة طلب الولد وبقاء النوع، لا قضاء الوطر 102.

رابعها: التعبير بـ (من) في قوله تعالى: (مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ) ، وذلك لتأكيد العموم المستفاد من وقوع النكرة (أَحَدٍ) في سياق النفي (مَا سَبَقَكُم) ، وفائدتها: تأكيد أنه لم يسبقهم إلى هذه الجريمة النكراء أحد من العالمين على الإطلاق.

هذا وإن الآيات الكريمة تشتمل على معانٍ وأسرار عظيمة لكل متأمل، ولعل ما ذكر فيه الغنية ليجول البحث بنا الآن في نوع آخر من أنواع السبق المذموم فيما يلي:

سبق الكافرين إلى الكفر وسائر المعاصي إنما أوقعهم فيه الشيطان، ونفوسهم العصية، والقرآن الكريم أشار إلى هذا السبق إشارة سريعة في آية واحدة، وهي قوله تعالى: (ھ ے ے. وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا ? إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ) [الأنفال:59] .

والمعنى: لا يحسبن الذين كفروا سبقونا ففاتونا بأنفسهم، فهم لا يعجزون ربهم، إذا طلبهم وأراد تعذيبهم وإهلاكهم 103.

أو المراد: بيان أن أولئك الذين انهزموا يوم بدر، أشفقوا من هلكة تنزل بهم، فلما لم تنزل طغوا وبغوا.

فقال الله: لا تحسبن أنهم سبقوا بسلامتهم الآن، فإنهم لا يعجزوننا فيما يستقبل من الأوقات 104.

وأيما كان المراد، كفار بدر أو غيرهم فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ حيث إن لفظ الآية عام يتناول كفار كل عصر ومصر، وإن كانت كلمة المفسرين تكاد تجتمع على معنى السبق هاهنا، وأنه «الفوت وعدم الإفلات» -كما مر - فإن الآية تشير من طرف خفي إلى سبق الكافرين إلى الكفر، وهو يشمل كل ما دونه من المعاصي والذنوب.

هذا وإن القرآن قد صرح بمسارعة الكفار في الكفر، ولكن بلفظ المسارعة دون المسابقة.

وذلك في قوله تعالى: (وَلَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ? إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ? يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ ? وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [آل عمران:176] .

وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ) [المائدة:41] .

وكلتا الآيتين ورد التعبير فيهما بلفظ المسارعة في الكفر، وفي الأولى يطلب الله من نبيه صلى الله عليه وسلم أن لا يحزنه الذين يسارعون في الكفر، وذلك من شدة حرصه على الناس، وكان يحزنه مبادرة الكفار إلى المخالفة والعناد والشقاق، فطلب منه تعالى أن لا يحزنه ذلك، فإنهم لن يضروا الله شيئًا، ومن حكمته فيهم أنه يريد بمشيئته وقدرته ألا يجعل لهم نصيبًا في الآخرة، ولهم عذاب عظيم 105.

وفي الثانية أيضًا يطلب تعالى منه صلى الله عليه وسلم أن لا يحزنه مسارعة المنافقين وغيرهم في الكفر، وتعاونهم ضد الإسلام ورسوله صلى الله عليه وسلم، والمراد بالذين يسارعون في الكفر: المنافقين، وقريظة والنضير-في قول ابن عباس-ومعنى مسارعتهم في الكفر: مظاهرتهم الكفار على محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كان يفرط ويسرف في الحزن على كفر قومه، حتى كان يؤدي ذلك إلى أن يضر به، فنهي عن الإسراف فيه؛ ألا ترى إلى قوله تعالى (ں ں فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ? إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) [فاطر: 8] 106.

ومن خلال التأمل في الآيات هنا يتبين لنا أن الحق سبحانه عبر عن مسابقة الكفار في الكفر بفعل المسارعة؛ للدلالة على أنهم يتوغلون فيه، ويعجلون إلى إظهاره وتأييده، والعمل به عند سنوح الفرص، ويحرصون على إلقائه في نفوس الناس.

ومعنى المسارعة في الكفر إظهار آثاره عند أدنى مناسبة، وفي كل فرصة 107، وإيثار حرف الظرفية «في» بدلًا من «إلى» يدل على أمرين:

[انظر: المسارعة: المسارعة إلى الكفر]

من الأهمية بمكان أن يقف البحث بالقارئ الكريم على أهم الصفات التي يتحلى بها السابقون إلى الخيرات، لعل في ذلك الهدى والرشاد لمن أراد أن يترسم خطاهم، ويقتفي آثارهم.

أولًا: الإيمان بالله تعالى:

الإيمان بالله تعالى أصل العقيدة الصحيحة، ومهوى الفطر المستقيمة، وأول ما ينبغي أن يتصف به السابقون إلى الخيرات خصوصًا والمؤمنون عمومًا، وهذه الصفة أصل لما سواها؛ إذ بدونها لا يعتد بغيرها.

واتصاف السابقين بهذه الصفة ورد في قوله تعالى: (سَابِقُوا إِلَى? مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ? ذَ?لِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ? وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ?) [الحديد:21] .

وهنا يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بالمسابقة إلى المغفرة والجنة التي هي عظيمة الاتساع، والتي أعدت لمن اتصف بهذه الصفة العظيمة، رأس وأول صفات الخير كلها، ألا وهي «الإيمان بالله تعالى ورسله» .

والإيمان في أبسط تعاريفه يعني: نطق واعتراف باللسان، وإقرار وتصديق بالقلب والجنان، وعمل بالحوارح والأركان.

وتصديق ذلك قوله تعالى: (ٹ ٹ ٹإِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى? رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ?2?الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ?3?أُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ? لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ?4?) [الأنفال:2 - 4] .

وغيره الكثير والكثير.

وقوله صلى الله عليه وسلم في تعريف الإيمان: (الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره) 110.

إذن فمسمى الإيمان يشمل العقيدة الحقة في الإقرار بواحدانية الله تعالى وألوهيته، وإخلاص العبادة له، مع الإقرار بملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر، وإذعان القلب بذلك، والتصديق العملي لهذا الإقرار من فعل الواجبات وترك المحرمات 111.

ولا شك أن السابقين إلى الخيرات حازوا أعلى الدرجات في ذلك، وإلا ما امتدحهم القرآن الكريم.

ثانيًا: الخشية من الله تعالى:

وصف الله تعالى عباده السابقين بهذه الصفة في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ) [المؤمنون:57] .

والخشية: خوف يشوبه تعظيم وتوقير، وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه، ولذلك خص العلماء بها في قوله تعالى (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) [فاطر:28] 112.

وهي أيضًا صفة المبلغين عن الله تعالى رسالاته (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ? وَكَفَى? بِاللَّهِ حَسِيبًا [الأحزاب:39] .

والخشية أعلى درجة، وأسمى مقامًا وأخص من الخوف؛ إذ (الخوف تألم النفس من العقاب المتوقع بسبب ارتكاب المنهيات، والتقصير في الطاعات، وهو يحصل لأكثر الخلق وإن كانت مراتبه متفاوتة جدًّا، والمرتبة العليا منه لا تحصل إلا للقليل.

والخشية: حالة تحصل عند الشعور بعظمة الخالق وهيبته وخوف الحجب عنه، وهذه حالة لا تحصل إلا لمن اطلع على حال الكبرياء، وذاق لذة القرب، ولذا قال تعالى (? إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ?) [فاطر:28] ) 113.

ويفرق الألوسي بين الخشية والخوف فيقول: (الخشية تكون من عظم المخشي وإن كان الخاشي قويًّا، والخوف يكون من ضعف الخائف وإن كان المخوف أمرًا يسيرًا) 114.

إذن فالخشية مهابة وتعظيم المخشي مصحوبة بعلم ومعرفة، وهذا مقامٌ سامٍ لا يتحصل عليه إلا من أهله من العلماء، والسابقين ونحوهم ممن خصهم الله تعالى بذلك.

وبناءً على ذلك فمعنى الآية: إن الذين هم من خشية ربهم وتعظيمه مشفقون، فهم من خشيتهم من ذلك دائبون في طاعته جادون في طلب مرضاته 115.

ثالثًا: الإشفاق:

الشفقة: ضرب من الرقة، وضعف القلب، ينال الإنسان، ومن ثم يقال للأم: إنها تشفق على ولدها، أي: ترق له، ومن هذا الأصل قولهم: ثوب شفقٌ، إذا كان رقيقًا، وقولك: أشفقت من كذا، معناه: ضعف قلبي عن احتماله 116.

أو هي: عناية مختلطة بخوف، لأن المشفق يحب المشفق عليه، ويخاف ما يلحقه، فإذا عدي بـ «من» فمعنى الخوف فيه أظهر، وإذا عدي بـ «في» فمعنى العناية فيه أظهر 117.

وليست هي من الخشية والخوف في شيء، والشاهد آيتنا قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ) [المؤمنون:57] .

ولو كانت الخشية هي الشفقة لما حسن أن يقول ذلك، كما لا يحسن أن يقول: يخشون من خشية ربهم.

والمراد هنا وصف السابقين بهذه الصفة المباركة، والتي تقتضي الخوف من الله تعالى، مع العلم به سبحانه، وشدة الرقة في القلب وكثرة الخوف من عقابه.

فالمؤمنون مع إحسانهم وإيمانهم وعملهم الصالح مشفقون من الله، خائفون منه، وجلون من مكره بهم.

كما قال الحسن البصري: «إن المؤمن جمع إحسانًا وشفقة، وإن الكافر جمع إساءة وأمنًا» 118.

رابعًا: الإيمان بآيات الله تعالى:

ورد مدح المؤمنين السابقين بهذه الصفة في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ) [المؤمنون:58] .

وآيات الله: تعم القرآن، وتعم العبر والمصنوعات التي لله وغير ذلك مما فيه نظر واعتبار، وفي كل شيء له آية تدل على أنه الخالق، فالمخلوقات دالة على وجوده تعالى، والإيمان بها هو التصديق بكونها آيات ودلائل على وجود الصانع، وذلك مما لا يتوصل إليه إلا بالنظر والفكر، وصاحبه لا بد وأن يصير عارفًا بوجود الصانع وصفاته، وإذا حصلت المعرفة بالقلب حصل الإقرار باللسان ظاهرًا، وذلك هو الإيمان 119.

ومن هنا كانت جهة مدحهم، وزيد في مدحهم بالتعبير بالمضارع في قوله: (يُؤْمِنُونَ) للدلالة على أنه (لا يزال إيمانهم بها يتجدد شكرًا له تعالى لإحسانه إليهم) 120.

خامسًا: عدم الإشراك بالله تعالى:

وردت الإشارة إلى وصف المؤمنين السابقين بهذه الصفة في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ) [المؤمنون:59] .

والمؤمن قد يعرض له في إيمانه شرك جَليٌّ أو خَفيٌّ، فأثبت لهم هنا الإيمان الخالص، فقال: والذين هم بربهم الذي لا محسن إليهم غيره وحده، لا يشركون شيئًا من أي أنواع الشرك في وقت من الأوقات، كما لم يشركه في إحسانه إليهم أحد على الإطلاق 121.

وليس المراد منه الإيمان بالتوحيد ونفي الشريك لله تعالى؛ لأن ذلك داخل في قوله فيما سبق (وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ) بل المراد منه نفي الشرك الخفي، وهو أن يكون مخلصًا في العبادة، لا يقدم عليها إلا لوجه الله تعالى، وطلب رضوانه، والله أعلم 122.

سادسًا: القيام بالعمل الصالح:

وردت الإشارة إلى اتصاف القوم بهذه الصفة في قوله تعالى (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا) [المؤمنون:60] .

فالآية تدل على قيامهم بالعمل على وفق مراد الله تعالى؛ فقد ظهر أثر الإيمان فيهم جليًّا، وأفادت قيامهم بالعمل الصالح مطلقًا، ومنها الصدقات والزكوات، وفي قوله (مَا آتَوْا) لفت نظر إلى أنهم لم يجعلوا لأعمالهم الصالحة أو لصدقاتهم حدًّا تنتهي إليه، وهذا مستفاد من التعبير بـ «ما» في قوله (مَا آتَوْا) الدالة على العموم، والتعبير بالمضارع في (يُؤْتُونَ) للدلالة على الاستمرار في العطاء، وبالماضى في: (مَا آتَوْا) للدلالة على تحققه 123.

سابعًا: الوجل:

الوجل: استشعار الخوف، يقال: وجل يُوجَلُ وَجَلًا، فهو وَجِلٌ.

قال تعالى: (ٹ ٹ ٹ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) [الأنفال:2] .

ولقد وصف الله تعالى المؤمنين السابقين بهذه الصفة في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى? رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) [المؤمنون:60] .

وفيها يصف الله تعالى السابقين إلى الخيرات بأنهم يؤدون الواجبات، ويعملون صالح الأعمال، باذلين قصارى جهدهم في ذلك، ولكن مع الخوف من الله تعالى، فهم يفعلون ما فعلوا، مع وجود الخوف ألا يتقبل الله منهم أعمالهم، إنهم يصلون، ويصومون، ويتصدقون، ولكنهم من الله عز وجل يخافون، خائفون ألا يقبل منهم، أو لا يقع العمل على غير الوجه اللائق، لتقصيرٍ في الوفاء بحق الإعطاء أو غير ذلك.

وقوله: (مَا آتَوْا) لا يقتصر على العطاء المادي من زكاة أو صدقة، وإنما يشمل كل حق يلزم إيتاؤه، سواء أكان من حقوق الله تعالى كالعبادات، أم من حقوق بني آدم كالودائع والعدل بين الناس وغيرها 124.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت