ولكن الأمر انعكس في هذا العصر، فصار ثوب كثير من النساء فوق الكعبين، وبعضهن إلى أنصاف الساقين، وصار ثوب الرجال أسفل من الكعبين، ولا شك أن قصر ثوب المرأة يؤدي إلى ظهور عورتها من القدم والساق ونحوهما، وظهور زينتها إذا قامت، أو انحنت، أو جلست، والله يقول: {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} [النور: 31] .
فإذا نهيت عن إظهار زينة الرّجل فهي منهية عن إظهار الرّجل نفسها من باب أولى.
ولباس المرأة أسفل من الكعبين لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة) . فقالت أم سلمة: فكيف تصنع النساء بذيولهن! قال: (يرخينه شبرًا) ، فقالت: إذن تنكشف أقدامهن، قال: (فيرخينه ذراعًا، ولا يزدن عليه) 74
فهذا فيه دليل على وجوب ستر قدم المرأة، وأنه أمر معلوم عند نساء الصحابة، وأن الرجلين والساقين مما يخفى ولا يجوز إظهاره، فلابد من ستره، ولا يكون ذلك إلا بأن ترخي المرأة ثوبها شبرًا أو ذراعًا، فتعمل المرأة المسلمة بهذا الحديث، وتفصّل ثيابها على ما يقتضيه الدليل الشرعي، ويكون لها قدوة في نساء خير الأمة وأفضل القرون.
وهناك أحاديث كثيرة تنهى المرأة أن تتشبه بالرجل، وتنهى الرجل أن يتشبه بالمرأة -في اللباس وغيره- ولا شك أن تشبه أحد الجنسين بالآخر انحراف عن الفطرة، ودليل على عقلية فاسدة، وهو داء عضال انتقل إلينا نتيجة الاحتكاك بالغرب، ومحاكاته وتقليده، حتى أصبح الرجل كالمرأة! والمرأة كالرجل، في الزي واللباس والمشية والكلام ونحو ذلك! وهذا أمر مستقبح يأباه الشرع، وتنفر منه العقول السليمة؛ لذا زجر عنه الإسلام.
فمن هذه الأحاديث: وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل) 75.
7.ألا يشبه لباس الكافرات.
وذلك بأن تفصل المرأة المسلمة لباسها تفصيلًا يتنافى مع حكم الشرع وقواعده في موضوع اللباس مما ظهر في هذا العصر وانتشر باسم «الموديلات» التي تتغير كل يوم من سيء إلى أسوأ! وكيف ترضى امرأة شرفها الله بالإسلام ورفع قدرها أن تكون تابعة لمن يملي عليها صفة لباسها، بل صفة تجملها عمومًا ممن لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر؛ لأنه لباس فصّل لغيرها، وهل يلبس الإنسان ما فصّل له أو ما فصّل لغيره؟!
إن كثيرًا من صفات لباس المرأة اليوم، لا يتفق مع تعاليم الإسلام، ولم يكن معروفًا عند المسلمات حتى سنوات قريبة، لكننا الآن نرى كل يوم صفة للخياطة والتفصيل؟! فمن أين جاءت؟ وما مدى تحقق شروط اللباس فيها؟ وما دور المرأة المسلمة في ذلك؟ أهو التعقل ومعرفة حكم الإسلام؟ أم هو إجادة التقليد وحب التبعية والإعجاب بما عليه الآخرون من خير أو شر؟!
والقصد أن المرأة منهية - كالرجل - عن التشبه بالكفار، ومنه التشبه بهم في اللباس، وقد ورد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من تشبه بقوم فهو منهم) 76.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «وهذا الحديث أقل أحواله أن يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم كما في قوله تعالى {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة: 51] » 77.
والضابط في موضوع التشبه بالكفار هو ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من أن كل فعل مأخوذ عن الكفار مما هو من خصائصهم فهو تشبه.
أما ما انتشر بين المسلمين مما لا يتميز به الكفار ففي كونه تشبهًا نظر، لكن قد ينهى عنه لئلا يكون ذريعة إلى التشبه. وإذا عارض هذا الفعل نصًّا من نصوص الشريعة أو أصلًا أو ترتب عليه مفسدة فإنه ينهى عنه لذلك.
والشريعة إذا نهت عن التشبه بالكفار دخل في النهي ما عليه الكفار قديمًا وحديثًا، وبهذا نعلم أن ما عليه الكفار في هذا الزمان من الأخلاق والعادات التي تختص بهم مما لم يكن معروفًا من قبل فنحن منهيون عنه 78.
8.ألا يكون لباس شهرة.
فلا يجوز لامرأة مسلمة أن تختار من ألوان الثياب ما ترضي به رغبة الدعاية ولا يتعلق بضرورة اللباس، أو حسنه وجماله في حدود المباح، وإنما لأجل أن يرفع الرجال إليها أبصارهم، وتفتن تلك النظرات الجائعة! وقد ورد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من لبس ثوب شهرة في الدنيا ألبسة الله ثوب مذلة يوم القيامة، ثم ألهب فيه نارًا) 79.
قال ابن الأثير: «ثوب الشهرة: هو الذي إذا لبسه الإنسان افتضح به واشتهر بين الناس» 80.
وقد ظهر في هذا العصر على النساء أنواع من لباس الشهرة ترفع له الأبصار، وهو علامة على نقص الإيمان، وضعف الوازع الديني، والإفلاس في عالم القيم، وهو شاهد على قصور النظر، وقلة الإدراك، كما أنه دليل على ضعف القوامة، وفقد التربية الإسلامية الأصيلة من أب أو زوج أو غيرها. فإلى الله المشتكى!
أباح الإسلام للمرأة من الزينة ما يلبي نداء الأنوثة التي فطرها الله عليها، غير أنه لم يترك لها الباب مفتوحًا على مصراعيه، تبدي ما شاءت من الزينة، تلفت أنظار الرجال إليها، وتحرك مشاعرهم، بل ضبط زينة المرأة وهذّبها، وبيّن لها ما يباح إبداؤه وما لا يباح.
ومن الآيات الجامعة في هذا الموضوع آية سورة النور، وهي قوله تعالى: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31] .
فقد دلت الآية على أن الزينة زينتان: زينة ظاهرة تبدى للجميع، وزينة باطنة لا يباح إبداؤها إلا لمن ذكر في الآية، وهذه بعض المسائل المتعلقة بزينة المرأة.
1.حكم الزينة في الحجاب.
المراد بزينة الحجاب: الزينة فيما تتحجب به المرأة من لباس، كبعض خمر النساء المزركشة أو المطرزة، وكبعض أنواع الملاءات المزينة بنقوش ذهبية أو فضية، وما شابه ذلك.
وهذا النوع من الزينة يحرم على المرأة إبداؤه؛ وذلك لما يلي:
1.قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ?ں) فالمفهوم من الآية أنه لا يباح للمرأة أن تتعمد إظهار الزينة، ويعفى عما لا يمكن إخفاؤه، ولم يتعمد إظهاره، واختيار هذه الألبسة المزينة متعمد فيه إظهار الزينة.
2.قوله تعالى: (? چ چ چ چ) [الأحزاب: 33] . قال الطبري: «التبرج هو إظهار الزينة، وإبراز المرأة محاسنها للرجال» 81. فتبين من تعريف التبرج المنهي عنه في الآية، أن زينة الحجاب داخلة تحته؛ وذلك لأن فيه إظهارًا للزينة التي يمكن إخفاؤها.
3.أن المقصود من الأمر بالحجاب إنما هو ستر زينة المرأة، فلا يسوغ عقلًا أن يكون الحجاب في نفسه زينة، وهذا بيّن لا يخفى على ذي العقل السليم.
4.أن الزينة في الحجاب مما يلفت النظر إليها، ومما يدعو إلى الافتتان بها، وهي منهية عن ذلك، كما في قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ?) . قال الألوسي: «ثم اعلم أن عندي مما يلحق بالزينة المنهي عن إبدائها ما يلبسه أكثر مترفات النساء في زماننا فوق ثيابهن ويتسترن به إذا خرجن من بيوتهن، وهو غطاء منسوج من حرير ذي عدة ألوان، وفيه من النقوش الذهبية أو الفضية ما يبهر العيون، وأرى أن تمكين أزواجهن ونحوهم لهن من الخروج بذلك ومشيهن به بين الأجانب من قلة الغيرة، وقد عمت البلوى بذلك» 82.
2.الزينة الظاهرة للمرأة وحكمها.
وهذه الزينة وردت في قوله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} وقد اختلف العلماء في المراد بهذه الزينة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: إن الزينة الظاهرة للمرأة ما لا يمكن إخفاؤه، كالثياب الظاهرة، وهو قول ابن مسعود رضي الله عنه وغيره، حيث قال: «الزينة زينتان: ظاهرة وباطنة، فالظاهرة: الثياب» 83.
ومن أدلتهم: قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} [الأحزاب: 53] .
فالله سبحانه أرشد في الآية إلى كيفية سؤال أمهات المؤمنين عند الحاجة، وذلك بأن يكون من وراء حجاب؛ لئلا ينظر إليهن، والآية وإن كانت في معرض الكلام عن أمهات المؤمنين، إلا أنها عامة لجميع النساء، وإذا ثبت وجوب الحجاب عامة، صح أن الزينة الظاهرة ما لا يمكن إخفاؤه 84.
القول الثاني: الزينة الظاهرة للمرأة الوجه والكفان، وهو قول مروي عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما فقد جاء عنهما أنهما قالا في تفسير الزينة الظاهرة: إنها الوجه والكفان 85.
ومن أدلتهم: قوله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} فالله تعالى أمر النساء بالضرب بالخمار على الجيوب، وهذا نص على ستر العورة والعنق والصدر، وفيه نص على إباحة كشف الوجه، وهو قوله: {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} فنص على أن الرجلين والساقين مما يخفى، ولا يحل إبداؤه 86
القول الثالث: الزينة الظاهرة للمرأة: الكحل والسوار والخضاب إلى نصف الذراع. وهو مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما 87.
ومن أدلتهم: أن الذراعين مما يبدو عادة من المرأة، خصوصًا في الخبز وغسل الثياب، وغيرهما 88، وإذا كانا كذلك فهما من الزينة الظاهرة.
القول الراجح:
القول الأول القائل بأن الزينة الظاهرة للمرأة هي ما لا يمكن إخفاؤه، وهي الثياب الظاهرة، هو الأرجح -والله أعلم-؛ لأن الزينة الظاهرة ما تتزين به المرأة خارجًا عن بدنها، ولا يستلزم النظر إليه رؤية شيء من بدنها كظاهر الثياب، فإنها زينة مكتسبة خارجة عن بدن المرأة، وهي ظاهرة بحكم الاضطرار.
وعلى ذلك فهذه الزينة الظاهرة هي التي يباح للمرأة إبداؤها للأجانب.
وهو قول أكثر العلماء، قال ابن عطية: «ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية أن المرأة مأمورة بألا تبدي وأن تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة، ووقع الاستثناء فيما يظهر بحكم ضرورة حركة فيما لابد منه، أو إصلاح شأن، ونحو ذلك؛ فما ظهر على هذا الوجه مما تؤدي إليه الضرورة في النساء فهو المعفو عنه» 89.
وقال شيخ الإسلام بن تيمية في تفسير سورة النور: «فما ظهر من الزينة هو الثياب الظاهرة، فهذا لا جناح عليها في إبدائه - إذا لم يكن هناك محذور آخر - فإن هذه لابد من إبدائها، وهذا قول ابن مسعود وغيره وهو المشهور عن أحمد .. » 90.
وقال ابن كثير: «أي لا يظهرن شيئًا من الزينة للأجانب إلا ما لا يمكن إخفاؤه. قال ابن مسعود: كالرداء والثياب، يعني على ما كان يتعاطاه نساء العرب من المقنعة التي تجلل ثيابها، وما يبدو من أسافل الثياب فلا حرج عليها فيه؛ لأن هذا لا يمكن إخفاؤه» 91.
3.الزينة الباطنة للمرأة، وحكمها.
تعددت أمثلة أهل العلم في بيان معنى الزينة الباطنة للمرأة:
قال ابن مسعود رضي الله عنه: الطوق والقرطان 92. وقال أيضًا: الزينة زينتان: ظاهرة وباطنة، فالظاهرة: الثياب، وأما الباطنة: فالكحل والسوار والخاتم 93. وقال أيضًا: القرط، والدملج 94، والخلخال، والقلادة 95.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: القرطان، والقلائد، والشنوف 96، والأسورة 97.
وقال الزهري: لا تبدو لهؤلاء الذين سمى الله ممن لا تحل له، إلا الأسورة، والأخمرة، والأقرطة من غير حسر 98.
وقال الطبري: «ما خفي، وذلك كالخلخال، والسوارين، والقرطين، والقلائد» 99.
وعند النظر في هذه الأمثلة المذكورة، يمكن أن يقال في معنى الزينة الباطنة: أنها الزينة التي يتضمن إبداؤها رؤية شيء من البدن، كموضع القلادة من العنق، وموضع الخلخال من الساق، ونحو ذلك.
وهذه الزينة لا يحل للمرأة أن تبديها للأجانب عنها، ويجوز أن تبديها لمحارمها ومن استثناهم الله في آية سورة النور على تفصيل في ذلك. وهو ما يأتي في المطلب الآتي.
4.حكم إبداء زينة المرأة بصوت الخلخال ونحوه.
يحرم على المرأة إبداء الزينة بصوت الخلخال، وذلك كأن يكون خلخالها صامتًا فتضرب برجلها ليسمع صوته، وبهذا القول قال أكثر أهل العلم 100.
ومما يدل على تحريم ذلك قوله تعالى: {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} فقد نهيت المرأة في الآية عن الضرب بالرجل لإسماع صوت الخلخال، والنهي هنا يقتضي التحريم.
ولأن إسماع صوت الزينة كإبدائها وأشد؛ لأن سماع صوت الزينة أشد تحريكًا للشهوة من إبدائها 101.
ويلحق بضرب الأرجل، كل ما كان مستورًا من زينة المرأة، فأظهرت صوته كالأساور، والأقراط التي لها صوت، ولبس الأحذية المزودة بنعال خشبية ومعدنية تدق الأرض وتظهر صوت الخطو، وغيرها.
قال ابن كثير: «وكذلك إذا كان شيء من زينتها مستورًا، فتحركت بحركة لتظهر ما هو خفي، دخل في هذا النهي؛ لقوله تعالى: {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} 102.
ثالثًا: محارم المرأة:
قد بيّن الله تعالى في آية سورة النور الذين يجوز للمرأة أن تبدي لهم هذه الزينة فقال تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ} [النور: 31] .
فهؤلاء ثلاثة:
1.الزوج.
2.المحارم وهم سبعة.
3.غير المحارم وهم أربعة.
فأما الزوج: فهو المراد بقوله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ} والزوج مقدم على سائر ذوي المحارم؛ لأن المرأة لها أن تتزين لزوجها، ولزوجها أن يرى جميع بدنها.
قال عكرمة: «فأما الزوج فإنما ذلك كله -أي الزينة- من أجله، فتتصنع له بما لا يكون بحضرة غيره» 103.
وقال القرطبي: «فالزوج والسيد يرى الزينة من المرأة، وأكثر من الزينة، أو كل محل من بدنها حلال له لذة ونظرًا. ولهذا المعنى بدأ بالبعولة؛ لأن إطلاعهم يقع على أعظم من هذا.
قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} [المؤمنون: 5 - 6] » 104.
وأما المحارم: وذكر الله تعالى منهم سبعة وهم:
1.الآباء: وكذا الأجداد، وهم آباء الآباء وآباء الأمهات وإن علوا.
2.آباء الأزواج وآباؤهم: وإن علوا.
3.الأبناء: والمراد أبناء المرأة من بطنها وأبناؤهم وإن نزلوا.
4.أبناء البعولة: والمراد أبناء زوجها من امرأة أخرى. ويدخل في الأبناء أولاد الأبناء وأولاد البنات وإن نزلوا.
5.الإخوة: والمراد إخوة المرأة، سواء كانوا أشقاء أو لأب أو لأم.
6.أبناء الإخوة: سواء كان آباؤهم إخوانهم من الأب أو الأم أو أشقاء، لأنهم في حكم الأخوة.
7.أبناء الأخوات: سواء منهن من كانت أختًا لهن من الأب أو الأم أو منهما.
فهؤلاء يجوز للمرأة أن تبدي لهم زينتها وما تلقيه من ثيابها في بيتها غالبًا - كالخمار - وما يظهر من جسدها في شؤون منزلها - كالغسيل والعجن والكنس - من الذراع والساق؛ وذلك لكثرة مخالطتهم، حيث يكثر دخولهم عليهن، والنظر إليهن بسبب القرابة، ولأنه قلما تتسرب إلى نفوسهم الفتنة؛ لأن النفوس السليمة جبلت في الميل الجنسي على النفرة من القريبات.
وقد ذكرهم الله في قوله: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ} [النور: 31] .
ومحارم الرضاع كمحارم النسب؛ فإن الرضاع إذا ثبت اقتضى تحرم النكاح، وإباحة النظر والخلوة، والمحرمية في السفر، يدخل في ذلك المرتضع وفروعه، وهم أبناؤه وبناته وإن نزلوا لقوله صلى الله عليه وسلم: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) 105.
إلا أن المحارم ليسوا سواء، فالأب والأبناء ليسوا كغيرهم في إظهار الزينة بين أيديهم، لاسيما إن كان المحارم في سن الشباب، أو ليس لهم كثير اختلاط بالمرأة، كالمحارم من الرضاع، فإن السلامة لا يعدلها شيء.
قال القرطبي: «لما ذكر الله تعالى الأزواج وبدأ بهم، ثنى بذوي المحارم، وسوّى بينهم في إبداء الزينة، ولكن تختلف مراتبهم بحسب ما في نفوس البشر. فلا مرية أن كشف الأب والأخ على المرأة أحوط من كشف ولد زوجها» 106.
وأما غير المحارم وهم أربعة:
1. {نِسَائِهِنَّ} .
وأكثر العلماء على أن الإضافة هنا للاختصاص - أي المختصات بهن بالصحبة والخدمة - وإضافة النساء إليهن تدل على اختصاص ذلك بالمؤمنات، بخلاف الكافرات، فإنهن لا يتحرجن عن وصفهن للرجال، فيحتجبن عنهن مثل احتجابهن عن الرجال الأجانب؛ فلا يجوز للمرأة أن تكشف شعرها ووجهها أمام امرأة غير مسلمة، وهذا قول جماعة من السلف منهم ابن عباس ومجاهد وابن جريج.
وذهب بعض العلماء إلى أن المراد بالآية العموم: مسلمات أو غير مسلمات من الحرائر، وعلى هذا لا يجوز للمرأة أن تكشف شعرها ووجهها أمام غير مسلمة؛ لأن المرأة مع ذلك لا فرق فيه بين امرأة مسلمة وغير مسلمة، وهذا إذا أمنت الفتنة، لكن قد يرد على هذا القول أن الله تعالى قال: {أَوْ نِسَائِهِنَّ} بالإضافة، ولم يقل: (أو النساء) وهذه الإضافة تشعر بشيء.
ولهذا يرى فريق ثالث أن المراد بنسائهن النساء المختصات بهن بالصحبة والخدمة والتعارف، سواء كن مسلمات أو غير مسلمات 107، والغرض من الإضافة إخراج الأجنبيات اللاتي لا يعرف شيء عن أخلاقهن وأدبهن. فليست العبرة بالاختلاف الديني، بل بالاختلاف الخلقي 108. وهذا أوسط الأقوال في نظري والله أعلم.
لكن مما يجب التنبيه له أننا في زمان يجب على المرأة أن تتصون في زيها ولباسها مع بنات أترابها في زمن كل شيء من حولنا يصوّرنا، الهواتف والكاميرات، وغيرها، وقد تختلف المرأة مع المرأة ولديها فيديو في حفل زفاف مثلًا فتظهره للرجال، وأصبح الفيديو في جزء الثانية يطير إلى العالم كله بضغطة، حيث التحميل على الشبكة العنكبوتية.
2. {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ} .
ظاهر الآية العموم، فيشمل العبيد والجواري، فللمرأة المسلمة أن تكشف وجهها لخادمها المملوك، وقال بعض العلماء: أن المراد الجواري دون العبيد 109.
3. {أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ} .