فهرس الكتاب

الصفحة 1079 من 2431

الخلق

المعنى اللغوي والاصطلاحي:

الخاء واللام والقاف أصلان: أحدهما تقدير الشيء، كقولهم: فلان خليق بكذا، وأخلق به، أي: ما أخلقه، أي: هو ممن يقدّر فيه ذلك، وأما الأصل الثاني فملاسة الشيء، كقولهم: صخرة خلقاء، أي ملساء. ويقال: اخلولق السحاب، أي: استوى، ومن هذا الباب أخلق الشيء وخلق، إذا بلي. وأخلقته أنا: أبليته 1.

«والخلق في كلام العرب: ابتداع الشيء على مثال لم يسبق إليه، وكل شيء خلقه الله فهو مبتدئه على غير مثال سبق إليه» 2، وعلى هذا فالخلق المقصود في هذا البحث على معنيين: أحدهما: الإنشاء على غير مثال أبدعه، والآخر: التقدير.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

لم يوقف على معنى الخلق اصطلاحًا عند أيٍّ من المتقدمين، ولا حتى المتأخرين، ومن ثمّ فإنه تمّ وضع تعريف له بالاعتماد على أصله اللغوي، حيث يكون تعريفه اصطلاحًا: «كل ما أوجده الله سبحانه في العالمين، مما علمه البشر وما لم يعلموه، مع تقدير الله تعالى لكل هذه الموجودات» ، وإنما ذكرت الشمولية في الإيجاد في قول الباحث: «كل ما أوجده الله سبحانه» ؛ حتى يجمع التعريف ذكر كل المخلوقات، وذكرت جملة «العالمين، مما علمه البشر وما لم يعلموه» ؛ لبيان أن هناك عالمين لا يعلمها البشر، والله تعالى خالقها، فهو {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [الزمر: 62] .

وذكرت جملة «مع تقدير الله تعالى لكل هذه الموجودات» ، فهو الله تعالى الذي نقرّ بأنه خالق كل شيء، ومالكه، القادر على ما يشاء، المقدّر لجميع الأمور، المتصرف فيها، المدبّر لها، ليس له في ذلك كله شريك 3.

وردت مادة (خلق) في القرآن الكريم (252) مرة 4.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 157 ... {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29) } [البقرة:29]

الفعل المضارع ... 27 ... {قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ} [آل عمران:47]

اسم فاعل ... 12 ... {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرعد:16]

اسم مفعول ... 2 ... {ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ} [الحج:5]

مصدر ... 52 ... {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [البقرة:164]

صيغة المبالغة ... 2 ... {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (86) } [الحجر:86]

وجاء الخلق في القرآن على أربعة أوجه 5:

الأول: الدّين: كما في قوله تعالى: {لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [الروم: 30] . يعني: لدين الله.

الثاني: الكذب: قال تعالى: {وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا} [العنكبوت: 17] . يعني: تخرصون كذبًا.

الثالث: التصوير: قال تعالى: {وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ} [المائدة: 110] . يعني: وإذ تصوّر من الطين كهيئة الطير.

الرابع: الإيجاد: قال تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} [الأنعام: 1] . يعني: أوجدهما ولم يكونا شيئًا.

التصوير:

التصوير لغةً:

صورة كل مخلوق: هيئة خلقته 6.

وصوّر الشيء: جعل له صورة مجسمة، أو رسمه على الورق أو الحائط ونحوهما بالقلم أو بآلة التصوير 7.

التصوير اصطلاحًا:

التصوير في حق الله عز وجل: جعل الشيء على هيئة معينة.

وفي حق المخلوقين: محاكاة صورة الشيء وتقريبها.

الصلة بين التصوير والخلق:

الخلق إيجاد من العدم، والتصوير جعل هيئة معينة لهذا المخلوق.

الذرء:

الذّرء لغة:

ذرأ الله الخلق، أي: خلقهم 8.

الذّرء اصطلاحًا:

لا يختلف معناه الاصطلاحي عن المعنى اللغوي.

الصلة بين الذّرء والخلق:

الذرء مختص بخلق الذرية 9.

الإنشاء:

الإنشاء لغةً:

الإنشاء يدلّ على ارتفاعٍ وسموٍّ 10، يقال: أنشأ الله الخلق، أي: أحدث وأوجد من عدم 11.

الإنشاء اصطلاحًا:

إيجاد الله تعالى لكل المخلوقات من عدم، مع ما يبيّن عظيم قدرة الله تعالى وأنه يعلي ويرفع من يشاء.

الصلة بين الإنشاء والخلق:

يشترك الإنشاء مع الخلق في أن في كل منهما إيجادًا من عدم.

البعث:

البعث لغةً:

البعث: إحياء الله تعالى للموتى 12.

البعث اصطلاحًا:

إحياء الله تعالى الأموات وإخراجهم من قبورهم وهم أحياء للحساب وللجزاء 13.

الصلة بين البعث والخلق:

بينهما عموم وخصوص؛ فالبعث خلق خاص، يستعمل في إحياء الموتى.

أولًا: إثبات صفة الخلق لله عز وجل:

إن وجود هذا الكون الكبير، وعظمته ودقته، وجماله الباهر، وما فيه من سماوات وأرض، وشمس وقمر، ونجوم وكواكب، وليل ونهار، وجبال وتلال، وبحار وأنهار، إلى غير ذلك من المخلوقات التي لا تعد ولا تحصى، سواءٌ كانت مرئيةً لنا أو غير ذلك؛ لتدل على أن لهذا الكون المبهر خالقًا واحدًا ينزّه عن كل صفات النقص والعيب، وينزّه كذلك عن كل ما يشبه صفات المخلوقين. فهذا الخالق يتصف بكل صفات الكمال المطلق في ذاته العلية، وصفاته الجليلة، وفي أفعاله القديرة.

يقول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 21 - 22] .

فالله سبحانه أمر العباد بعبادته جل وعلا، وأتبع هذا الأمر بما يدل على وجوده تعالى، -وهو الخالق الصانع- من خلق الناس المخاطبين، وخلق الذين كانوا من قبلهم، وخلق السماء، وخلق الأرض، وخلق الثمرات من الماء النازل من السماء إلى الأرض 14.

ويقول عزّ وجلّ: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 54] .

ففي هذه الآية يبيّن الله سبحانه صفات ربوبيته من خلق السماوات والأرض، واستوائه سبحانه على العرش، وتغشية الليل والنهار، وجعل الشمس والقمر والنجوم مسخراتٍ بأمره جل وعلا، وبعد أن ذكر تدبيره لهذا الكون، أتبعه بأن الخلق والأمر له وحده سبحانه، حيث قال: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} .

ومعلومٌ أن تقديم شبه الجملة من الجار والمجرور على المبتدأ يفيد الحصر والقصر، فقد أخبر الله تعالى أن الخلق والأمر له وحده، فيختصان به لا بأحدٍ غيره 15.

وقال الألوسي في تفسيره: «ففي ذلك إشارة إلى أنهما -الخلق والأمر- طبق الحكمة وفي غاية الكمال، ولا يقال ذلك في غيره تعالى، بل هو صفة خاصة به سبحانه» 16.

ثم ختم الله تعالى الآية ببيان أنه رب العالمين، الذي له صفات الكمال المطلق، والمنزّه عن جميع النقائص والعيوب.

وإثبات صفة الخلق والأمر لله تعالى وحده، يستلزم أن يكون خالقها متصفًا بالقدرة التامة، والعلم الشامل، والحكمة البالغة، والإرادة النافذة.

{تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} أي: تنزه وتقدّس عن كل نقص وعيب، ويدخل في هذا تنزّهه تعالى عن أيّ نقص في خلقه وأمره، وهذا مصداقٌ لقوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ} [الملك: 3] .

والمعنى: لا ترى تفاوتًا، أي: نقصًا أو عيبًا أو عدم تناسق في خلق الله تعالى السماوات وغيرها من مخلوقاته عزّ وجلّ.

والمقصود من هذا هو التعريض بالمشركين؛ لأنهم أضاعوا النظر في الكون، والاستدلال بما فيه على وحدانية الله تعالى بما تشاهده أعينهم من نظام دقيق ومحكم.

وإضافة الخلق إلى اسم (الرحمن) يدل على «أن هذا النظام مما اقتضته رحمته بالناس؛ لتجري أمورهم على حالة تلائم نظام عيشهم؛ لأنه لو كان فيما خلق الله تفاوت، لكان ذلك التفاوت سببًا لاختلال النظام، فيتعرض الناس بذلك لأهوال ومشاق» 17.

وعند قوله تعالى: {الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفرقان: 2] قال الطبري: «يقول تعالى ذكره: فأفردوا أيها الناس لربكم الذي نزّل الفرقان على عبده محمد نبيه صلى الله عليه وسلم الألوهية، وأخلصوا له العبادة دون كلّ ما تعبدونه من دونه من الآلهة والأصنام والملائكة والجنّ والإنس، فإن كلّ ذلك خلقه وفي ملكه، فلا تصلح العبادة إلا لله الذي هو مالك جميع ذلك. وقوله: {فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} يقول: فسوّى كل ما خلق، وهيّأه لما يصلح له، فلا خلل فيه ولا تفاوت» 18.

والغاية من ذكر الله تعالى لبديع خلقه وصنعه في الكون هي بيان أحقية الله تعالى وحده بالعبادة، وإفراده سبحانه بالسمع والطاعة، كما قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: 12] .

قال السعدي: «أخبر تعالى أنه خلق الخلق من السماوات السبع ومن فيهن والأرضين السبع ومن فيهن، وما بينهن، وأنزل الأمر، وهو الشرائع والأحكام الدينية التي أوحاها إلى رسله لتذكير العباد ووعظهم، وكذلك الأوامر الكونية والقدرية التي يدبّر بها الخلق، كل ذلك لأجل أن يعرفه العباد ويعلموا إحاطة قدرته بالأشياء كلها، وإحاطة علمه بجميع الأشياء، فإذا عرفوه بأوصافه المقدسة وأسمائه الحسنى وعبدوه وأحبوه وقاموا بحقه، فهذه الغاية المقصودة من الخلق والأمر معرفة الله وعبادته، فقام بذلك الموفّقون من عباد الله الصالحين، وأعرض عن ذلك الظالمون المعرضون» 19.

وعبّر باسم الجلالة (الله) في بداية الآية الذي له جميع صفات الكمال التي منها القدرة الشاملة على خلق المخلوقات، فأخبر عن ذلك بما يدل عليه؛ لأن الصنعة تدل على الصانع، فهو وحده الذي أوجد المخلوقات بشكل عام من عدم، وهذا بقدرة الله تعالى على وفق ما دبّر بعلمه سبحانه، فالناس يشاهدون عظمة هذه المخلوقات، ويشهدون أنه لا يقدر عليها إلا من هو تام العلم وكامل القدرة، ألا وهو الله عزّ وجلّ 20.

وأخبر الله تعالى في قوله: {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} [النحل: 20 - 21] .

أن الأصنام التي يعبدها المشركون من دون الله تعالى لا تتصف بالخلق؛ بل هي مخلوقة وليست خالقة، فهي جمادات لا أرواح فيها، ولا تسمع ولا تبصر، ولا تملك لنفسها نفعًا ولا ضرًّا، فكيف يعبدها هؤلاء المشركون، وهم أفضل منها بالحياة! 21.

فأين العقول والأبصار التي تعتبر وتتّعظ ببديع خلق الله تعالى وصنعه المتقن، كما قال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164] .

أي: إن هذه المخلوقات الوارد ذكرها في الآية هي لقوم «ينظرون بعيون عقولهم ويعتبرون بها، فيستدلون بهذه الأشياء على قدرة موجدها، وحكمة مبدعها، ووحدانية منشئها» 22.

ولما كانت صفة الخلق من أبرز صفات الله عز وجل، كان له اسمان مشتقان منها، وهما: الخالق والخلاق.

فأما الخالق:

قال الزجاج: «الخالق: أصل الخلق في الكلام: التقدير، يقال: خلقت الشيء خلقًا، إذا قدّرته. فالخلق في اسم الله تعالى هو ابتداء تقدير النشء، فالله تعالى خالقها ومنشئها ومتمّمها ومدّبرها» 23.

وقال د. سعيد القحطاني في معنى الخالق: «الذي خلق جميع الموجودات وبرأها، وسوّاها بحكمته، وصوّرها بحمده وحكمته، وهو لم يزل ولا يزال على هذا الوصف العظيم» 24.

إذًا فالخالق هو الذي أوجد جميع الأشياء بعد أن لم تكن موجودة، وقدّر أمورها في الأزل بعد أن كانت معدومة، ويكون أيضًا بمعنى أنه هو الذي ركّب الأشياء تركيبًا، ورتّبها بقدرته ترتيبًا.

وقد ورد اسم الله تعالى (الخالق) اثنتي عشرة مرة في القرآن الكريم، وهو على صيغة اسم الفاعل، وتدل مادته على معنيين رئيسين:

الأول: إيجاد الشيء من العدم، أو ابتداع مخلوق جديد ليس له سابق.

ولا شك أن هذا المعنى خاص بالله تعالى، ولا يشاركه فيه أحد، ومن هذه الآيات على سبيل المثال لا الحصر: قوله تعالى: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [الأنعام: 102] .

وقوله: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} [غافر: 62] .

وقوله: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} [فاطر: 3] .

الثاني: التهيئة والتقدير والتشكيل والتجميع والتركيب والتصنيع والتكوين.

ومن هذه الآيات على سبيل المثال لا الحصر: قوله تعالى: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون: 14] .

وقوله: {أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ} [الصافات: 125] .

والخلق على هذا المعنى يدخل فيه البشر، أي: أن الإنسان صنع الشيء من المادة التي خلق الله تعالى أصلها، فما ينسب إلى الإنسان وعقله البشري من خلق أشياء مبهرة، فهذا يعني أنه صنعها وركّبها من أشياء موجودة مخلوقة من الله تعالى، ويبقى العقل البشري من مخلوقات الله تعالى.

إذًا فالله تعالى هو الذي خلق المادة التي هي أصل الأشياء، كما خلق عقل الإنسان، وما أودع فيه من ذكاء وموهبة، استخدمها ذلك العقل في مجال التكنولوجيا وغيرها، ويبقى الله تعالى هو الخالق وحده.

فالإنجازات العلمية العديدة ما هي إلا مكتشفات صنعها وركّبها العقل البشري، أما أصل هذه الإنجازات فالله تعالى هو خالقها من العدم.

وإن معنى الخالق قائمٌ على المعنيين معًا.

وأما الخلاّق:

ورد ذكر هذا الاسم مرتين في القرآن الكريم، وهما: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ} [الحجر: 86] .

وقوله: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ} [يس: 81] .

وكلمة (الخلاّق) صيغة مبالغة على وزن (الفعّال) .

قال ابن عاشور في تفسير آية سورة يس: «أي: هو يخلق خلائق كثيرة، وواسع العلم بأحوالهم ودقائق ترتيبها» 25.

والفرق بين الاسمين أن (الخالق) : اسم فاعل، وهو الذي ينشئ الشيء من العدم بتقدير وعلم، ثم بتصنيع وخلق عن قدرة. فالخالق هو الذي قدّر بعلم، وصنع بقدرة، فخلق من عدم.

أما (الخلاّق) : صيغة مبالغة من الخالق الموصوف بخلق غيره، وهو الذي يبدع في الخلق كمًّا وكيفًا بقدرته الشاملة المطلقة، ومن ثم فإن صفة الخلّاق أبلغ من صفة الخالق.

ومن المعلوم أن منهج السلف الصالح في أسماء الله تعالى الحسنى هو التسليم بها دون تكييف أو تأويل أو تعطيل أو تشبيه، فإن شرح هذين الاسمين قائم على معرفة معناه بما يتعبّد به، وبما يكون الإيمان من خلاله بما دلّت عليه هذه الصفات من المعاني العظيمة؛ فهو مختص بالذات العليّة 26.

يقول الله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون: 12 - 14] .

والمعنى: إن الله تعالى شرع في بيان أصل النوع الإنساني، وهو آدم عليه الصلاة والسلام، فقد خلقه الله تعالى، ثم جعل نسله نطفًا في أصلاب الآباء، ثم قذفت في أرحام الأمهات، فصارت في حرزٍ حصين من أول وقت الحمل إلى حين وقت الولادة، ثم تطور خلق النطفة فأصبحت علقة، وهي الدم الجامد المتعلق بجدار الرحم، ثم أصبح هذا الدم الجامد مضغة، أي: قطعة لحم صغيرة بمقدار ما يمضغ، ثم صارت هذه المضغة عظامًا، ثم جعل الله تعالى اللحم كسوة لهذه العظام، ثم أنشأه الله تعالى وخلقه خلقًا آخر مباينًا ومختلفًا عن الخلق الأول، حيث نفخ فيه الروح، فصار كائنًا حيًّا بعد أن كان جمادًا لا روح فيه، وأصبح سميعًا بصيرًا ناطقًا، كما أودع فيه الله عزّ وجلّ من غرائب الخلق وعجائبه ما لا يعد ولا يحصى ظاهرًا وباطنًا 27.

{فَتَبَارَكَ اللَّهُ} أي: تعالى شأنه في علمه الشامل، وقدرته الباهرة، وذكر اسم الجلالة (الله) ؛ وذلك «لتربية المهابة، وإدخال الرّوعة، والإشعار بأنّ ما ذكر من الأفاعيل العجيبة من أحكام الألوهيّة، وللإيذان بأنّ حقّ كلّ من سمع ما فصّل من آثار قدرته عزّ وعلا أو لاحظه أن يسارع إلى التّكلّم به إجلالًا وإعظامًا لشؤونه تعالى» 28.

وكلمة {أَحْسَنُ} : على وزن (أفعل) التفضيل، أي: أحسن الخالقين خلقًا، بمعنى المقدّرين تقديرًا، وحذف المميز لدلالة كلمة {الْخَالِقِينَ} عليه 29.

وإن هذا لا يعني أن هناك خالقين غيره، وأن الله تعالى هو الأفضل فهذا كفر، ولن يكون ذلك مراد القرآن، وإنما يعني إعطاء البرهنة الكاملة على عظيم قدرة الله تعالى، وأنه خلق فأحكم وأتقن.

ومعنى البركة في قوله: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} يرجع إلى المعاني الآتية:

1.الامتداد والزيادة، فكل ما زاد على الشيء فقد علاه.

2.البركات والخيرات، فكلها من الله تعالى.

3.قيل: أصله من البروك، وهو الثبات، فكأنه قال: والبقاء والدوام والبركات كلها من الله تعالى، فهو المستحق للتعظيم والثناء 30.

ثانيًا: إقرار المشركين بالخلق لله تعالى:

سبقت الإشارة إلى أن الخلق صفة من الصفات الربوبية لله تعالى، وهو يدخل تحت القسم الأول من أقسام التوحيد، وهو توحيد الربوبية، ويقصد به: «توحيد العبد ربه سبحانه بأفعاله الصادرة منه، كالخلق، والرزق، والإحياء، والإماتة، وإنزال المطر، وإنبات النبات، والنفع والضرر، وتدبير جميع الأمور إلى غير ذلك من أفعال الرب سبحانه» 31.

وقد كان المشركون في عصر النبوة يعتقدون أن هذه الأمور هي من خصائص الله تعالى، ويقرّون ويعترفون أن أصنامهم التي كانوا يعبدونها من دون الله تعالى لا تملك لنفسها نفعًا ولا ضرًّا، فكيف تمتلكه لمن يعبدها، فهي لا تنزل الغيث، ولا تأتي بالرزق، ولا تملك موتًا ولا حياة ولا نشورًا، كما أنها لا تسمع ولا تبصر، فكانوا يعترفون أن الله تعالى هو وحده المتفرد بهذه الأمور، لكنهم جعلوا لله تعالى شركاء يعبدونهم من دونه عزّ وجلّ، فيزعمون أنهم ما يعبدونها إلا لتقرّبهم إلى الله زلفى، فتشفع لهم عند الله تعالى في الرزق والنصر وسائر الأمور الدنيوية، فقال الله تعالى فيهم: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت