وقال: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ} [غافر:78] .
حيث ترك ذكر أمم كثيرة لم يقص خبرها، وأمم لم يتتبع تفاصيل أحداثها، اكتفاء بما ذكر لتشابه المضامين والمقاصد في دعوات الرسل وتشابه المواقف في ردود أقوامهم ونهاياتهم.
وتتتبع هذه السورة بيان موقف الناس على مر الزمن من دعوة الرسل يقول سيد قطب رحمه الله: «ينتقل في هذا الدرس من دلائل الإيمان في الأنفس والآفاق، إلى حقيقة الإيمان التي جاء بها الرسل جميعا ويبين كيف كان استقبال الناس لهذه الحقيقة الواحدة التي لا تتبدل على مدار الزمان، وتعدد الرسالات، وتتابع الرسل، من لدن نوح عليه السلام فإذا نحن نشهد موكب الرسل، أو أمة الرسل، وهم يلقون إلى البشرية بالكلمة الواحدة، ذات المدلول الواحد، والاتجاه الواحد، حتى ليوحد ترجمتها في العربية-وقد قيلت بشتى اللغات التي أرسل بها الرسل إلى أقوامهم-فإذا الكلمة التي قالها نوح عليه السلام هي ذاتها بنصها يقولها كل من جاء بعده من المرسلين، فتجيب البشرية جوابا واحدا، تكاد ألفاظه تتحد على مر القرون! 51.
ثم يقول: «إن استعراض قصص الرسل في هذه السورة ليس للتقصي والتفصيل إنما هو لتقرير الكلمة الواحدة التي جاء بها الجميع، والاستقبال الواحد الذي لقوه من الجميع. ومن ثم بدأ بذكر نوح عليه السلام ليحدد نقطة البدء وانتهى بموسى وعيسى ليحدد النقطة الأخيرة قبل الرسالة الأخيرة. ولم يذكر الأسماء في وسط السلسلة الطويلة، كي يدل على تشابه حلقاتها بين البدء والنهاية. إنما ذكر الكلمة الواحدة في كل حلقة والاستقبال الواحد، لأن هذا هو المقصود» 52.
ولشدة التشابه بين هذه الأمة وكل من عاد وثمود وقعت الحيرة عند المفسرين بأنها هذه أو هذه. ويميل الباحث إلى ترجيح القول الثالث؛ لأن القرآن لو أراد أن يحدد هذه الأمة على وجه التخصيص لنصب من العلامات ما يقطع ببيان هويتها لو كان الغرض من إيرادها لا يتحقق إلا بذلك، كما أن هذه القصة انفردت بالكشف عن منهج المترفين من دعوة الإصلاح، الذين لم يرد التصريح به في قصة كل من عاد وثمود.
ثالثًا: الآيات التي تحمل التعقيبات:
أما التعقيبات ففي سور إبراهيم، وص، والحج، والتوبة.
ففي سورة إبراهيم قال: {وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (8) أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (9) } [إبراهيم:8 - 9] .
حيث يحذر موسى عليه السلام قومه من تكذيب الرسل وما يترتب عليه من عواقب وخيمة، جاعلا ما حل بهذه الأقوام عبرة ومثلا.
وفي سورة التوبة قال تعالى: {أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (70) } [التوبة:70] .
حيث تعقب هذه الآية من السورة على موقف المنافقين، وتحمل الظالمين مسؤولية ظلمهم في عدم انتفاعهم بالرسل وبيناتهم، وكانت هذه السورة من أواخر السور المدنية نزولا وهي تتحدث في مقطع منها عن المنافقين وتكشف عما تنطوي عليه نفوسهم من الفسق والحرص على الدنيا والغفلة عن الله تعالى، فيفتنون عن مصدر القوة والنعمة الحقيقية، ويحرمون من الانتفاع بسيد الرسل وما جاء به من البينات القاطعة، فيعقب القرآن على موقفهم جاعلًا لهم عبرة فيمن سبق من الأمم.
فإن «هذه الطبيعة الفاسقة المنحرفة الضالة، ليست جديدة، ففي تاريخ البشرية لها نظائر وأمثال. ولقد حوى تاريخ البشرية من قبل هؤلاء نماذج كثيرة من هذا الطراز. ولقد لاقى السابقون مصائر تليق بفسوقهم عن الفطرة المستقيمة والطريق القويمة، بعد ما استمتعوا بنصيبهم المقدر لهم في هذه الأرض. وكانوا أشد قوة وأكثر أموالًا وأولادًا فلم يغن عنهم من ذلك كله شيء.
والقرآن يذكر القوم بما كان من أسلافهم، ويبصرهم بأنهم يسلكون طريقهم، ويحذرهم أن يلاقوا مصيرهم. لعلهم يهتدون ويلتفت السياق من خطابهم إلى خطاب عام، كأنما يعجب من هؤلاء الذين يسيرون في طريق الهالكين ولا يعتبرون» 53.
وفي سورة الحج: {وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (42) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (43) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (44) } [الحج:42 - 44] .
حيث ذكرت مع مجموعة من الأمم التي كذبت الرسل في سياق التعقيب على موقف قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من تكذيب ومقاتلة وإخراج للمؤمنين من ديارهم فلم تفلح ووعده بالنصر والغلبة عليهم مسليا له ومعلما بسنة الله في المكذبين في إملائهم ثم أخذهم.
قال الإمام الرازي: «اعلم أنه تعالى لما بين فيما تقدم إخراج الكفار المؤمنين من ديارهم بغير حق، وأذن في مقاتلتهم وضمن للرسول والمؤمنين النصرة وبين أن لله عاقبة الأمور، أردفه بما يجري مجرى التسلية للرسول صلى الله عليه وسلم في الصبر على ما هم عليه من أذيته وأذية المؤمنين بالتكذيب وغيره، فقال: وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم سائر الأمم أنبياءهم، وذكر الله سبعة منهم» 54.
وفي سورة (ص) قوله تعالى: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (12) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ (13) إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (14) } [ص:12 - 14] .
مبينا التلازم المطرد بين تكذيب الرسل وتحقق العقاب من الله.
هذه هي السور التي تحدثت عن هود عليه السلام أو عنه وعن قومه، وكلها كما ترى سور مكية، وهو الغالب على قصص الأنبياء عليهم السلام باستثناء تعقيبين في سورة الحج التي جمعت بين المكي والمدني، والتوبة المدنية.
ولا يفوتنا أن نذكر ورود ذكر عاد في سورة غافر على لسان مؤمن آل فرعون محذرا قومه من عاقبة تكذيب المرسلين في قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (30) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (31) } [غافر:30 - 31] .
تحدث القرآن الكريم عن مجموعة من مظاهر الانحراف في قوم هود عليه السلام، والتي منها:
أولًا: تقليد الآباء في عبادة الأصنام:
قال محمد بن إسحاق: «وكان من حديث عادٍ فيما بلغني والله أعلم أنهم كانوا قومًا عربًا، وكانوا أصحاب أوثانٍ يعبدونها من دون الله؛ صنمٌ يقال له: صداءٌ، وآخر يقال له: صمودٌ، وصنمٌ يقال له: الهباء، فبعث الله عز وجل لهم هودًا فأمرهم أن يوحدوا الله، ولا يجعلوا معه إلهًا غيره، وأن يكفوا، عن ظلم الناس» 55.
وقال ابن كثير: «كانوا أول من عبد الأصنام بعد الطوفان، وكانت أصنامهم ثلاثة: صدا، وصمودا، وهرا» 56.
فلما دعاهم هود عليه السلام إلى عبادة الله تعالى وحده أنكروا عليه أن يدعوهم إلى ما يخالف ما كان عليه آباؤهم وقالوا: « {أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ} أنكروا واستبعدوا اختصاص الله وحده بالعبادة، وترك دين الآباء في اتخاذ الأصنام شركاء معه، حبًا لما نشؤوا عليه، وإلفًا لما صادفوا آباءهم يتدينون به» 57. {قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (70) } [الأعراف:70] .
«والمعنى: أجئتنا لأجل أن نعبد الله وحده ونترك ما كان يعبد آباؤنا معه من الأولياء والشفعاء فنحقرهم ونمتهنهم برميهم بالكفر، ونحقر أولياءنا شفعاءنا عند الله بترك التوجه إليهم عند التوجه إليه وهم الوسيلة، وهو المقصود بالدعاء والاستغاثة بهم التعظيم لصورهم وتماثيلهم وقبورهم والنذر لهم وذبح القرابين عندهم؟ وهل يقبل الله عبادتنا مع ذنوبنا إلا بهم ولأجلهم؟ استنكروا التوحيد، واحتجوا عليه بما أبطله الشرع والعقل من التقليد 58.
ومما يؤكد اتباعهم للآباء في عقيدتهم قول هود عليه السلام: {أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (71) } [الأعراف:71] .
حيث نسب تسمية الآلهة التي يعبدونها لهم ولآبائهم. وهم من الأمم التي كذبت رسلها جمودا على تقليد الآباء، فلا يقبلون جديدا ولو كان أهدى مما كان عليه آباؤهم، معرضين عن كل حجة ولو كانت مثل وضح الشمس.
قال تعالى: {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (23) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (24) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (25) } [الزخرف:23 - 25] .
ثانيًا: الاغترار بالقوة والمال:
قال تعالى مخبرًا عن قول هود عليه السلام لقومه: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (131) } [الشعراء:128 - 131] .
في هذه الآيات يكشف هودٌ عليه السلام عن الأحوال التي كان عليها قومه، منكرا عليهم صنيعهم لما فيها من مظاهر الفساد والعلو والإمعان في الغفلة، وهذه الأعمال وإن كانت في أصلها مشاريع نافعة، ولكن المنكر في تحويلها عن مسارها واستعمالها في غير غايتها وهي ثلاثةٌ:
فأولها قوله: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ} الريعٍ: وهو المكان المرتفع، ومنه قوله كم ريع أرضك وهو ارتفاعها 59.
«قال النحاس: ومعروف في اللغة أن يقال لما ارتفع من الأرض ريع وللطريق ريع» 60.أو الفج بين جبلين. والآية: العلم، أو العلامة «وتطلق الآية على المصنوع المعجب لأنه يكون علامةً على إتقان صانعه أو عظمة صاحبه» 61.
والمعنى يحتمل أربعة وجوه:
أحدها: الريع هو المكان المرتفع: عن ابن عباسٍ أنهم كانوا يبنون بكل ريع علما، أي: أنهم يبنون في كل مكان مرتفع مشرف بناء شامخا كالقصر ونحوه فيكون بارزا ظاهرا للسائرين أو للناظرين، ولما كانوا مبالغين في هذا الفعل لكثرته وفشوه فيهم كما يدل على ذلك لفظ: (كل) ، وكانوا غير محتاجين إليه كان فعلهم عبثا لا طائل منه لا ينتفع به، فلا يقصد به إلا التفاخر والتعالي.
الثاني: الريع: الطريق، لذا ذهب فريق إلى أنهم كانون يبنون على كل الطرق الواقعة تحت سلطانهم بناء يتخذونه مرصدا للمارة يعبثون فيه بمن يمر في الطريق إلى هودٍ عليه السلام، أو يعبثون بمن يمر في الطريق عموما-وهو الأولى: فيسخرون منهم.
والثالث: أخذ من تغليب معنى: {آيَةً} وهي العلامة وحملوها على المعالم التي يهتدي بها السائرون فقالوا: إنهم كانوا ممن يهتدون بالنجوم في أسفارهم فاتخذوا في طريقهم أعلامًا طوالًا فكان ذلك عبثًا لأنهم كانوا مستغنين عنها بالنجوم 62.
ذهب ابن عاشور أن هذه المعالم كانت في الأصل لغرض صحيح ثم تحولت عنه إلى العبث فقال: «فمن سابق أعمال عاد أنهم كانوا بنوا في طرق أسفارهم أعلاما ومنارات تدل على الطريق كيلا يضل السائرون في تلك الرمال المتنقلة التي لا تبقى فيها آثار السائرين واحتفروا وشيدوا مصانع للمياه وهي الصهاريج تجمع ماء المطر في الشتاء ليشرب منها المسافرون وينتفع بها الحاضرون في زمن قلة الأمطار، وبنوا حصونا وقصورا على أشراف من الأرض، وهذا من الأعمال النافعة في ذاتها لأن فيها حفظ الناس من الهلاك في الفيافي بضلال الطرق، ومن الهلكة عطشا إذا فقدوا الماء وقت الحاجة إليه، فمتى أريد بها رضى الله تعالى بنفع عبيده كانت جديرة بالثناء عاجلا والثواب آجلا» 63.
ثم قال: «فأما إذا أهمل إرضاء الله تعالى بها واتخذت للرياء والغرور بالعظمة وكانوا معرضين عن التوحيد وعن عبادة الله انقلبت عظمة دنيوية محضة لا ينظر فيها إلى جانب النفع ولا تحث الناس على الاقتداء في تأسيس أمثالها وقصاراها التمدح بما وجدوه منها. فصار وجودها شبيها بالعبث لأنها خلت عن روح المقاصد الحسنة فلا عبرة عند الله بها لأن الله خلق هذا العالم ليكون مظهر عبادته وطاعته» 64.
الرابع: بنوا بكل ريعٍ: بروج الحمام دليله: {تَعْبَثُونَ} أي: تلعبون، أي تبنون بكل مكانٍ مرتفعٍ آيةً علمًا تلعبون بها على معنى أبنية الحمام وبروجها 65.
وإنما صار فعلهم هذا مذمومًا لدلالته إما على السرف، أو على الخيلاء. أقول: وتخصيص البناء ببروج الحمام أخذا من لفظ تعبثون تخصيص بلا مخصص فإن العبث لا يقتصر على اللعب بالحمام.
وثانيها: قوله: {وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} . «والمصانع: جمع مصنعٍ وأصله مفعلٌ مشتقٌ من صنع فهو مصدرٌ ميميٌ وصف به للمبالغة، و «الصنع: إجادة الفعل ويعبر عن الأمكنة الشريفة بالمصانع» 66.
والمصنع ما يصنع لجمع الماء نحو البركة والصهريج والمصنعة بالهاء لغةٌ والجمع مصانع 67. فقيل: «هو الجابية المحفورة في الأرض» 68.،وقيل «المصانع مآخذ الماء، وقيل: مآخذ للماء ومجاري تحت الأرض أو برك الماء، وهذه المعاني كلها تتعلق بالماء جمعا وتخزينا وتوزيعا. وقيل القصور المشيدة والحصون المحكمة. {لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} ترجون الخلد في الدنيا أو يشبه حالكم حال من يخلد» 69.
ويبدو كذلك من قوله: {وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} إذا حملنا معنى مصانع على مدلولها اللغوي دون تخصيصها بما يتعلق بالمياه فإن عادا كانت قد بلغت من الحضارة الصناعية مبلغا يستحق أن يذكر حتى لتتخذ المصانع لنحت الجبال وبناء القصور، وتشييد العلامات على المرتفعات وحتى ليجول في خاطر القوم أن هذه المصانع وما ينشؤونه بوساطتها من البنيان كافية لحمايتهم من الموت، ووقايتهم من مؤثرات الجور ومن غارات الأعداء 70.
وإنما صار هذا الفعل مذمومًا لدلالته على الأمل الطويل والغفلة التامة عن الآخرة مع الإقبال على الدنيا ونسيان أنها دار ممرٍ لا دار مقرٍ.
وثالثها: قوله: {وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ} ، «البطش: التناول عند الصولة. والأخذ الشديد في كل شيء: بطش به» 71. و «أصل الجبر: إصلاح الشيء بضرب من القهر، يقال: جبرته فانجبر واجتبر والإجبار في الأصل: حمل الغير على أن يجبر الآخر لكن تعورف في الإكراه المجرد والجبار في صفة الإنسان يقال لمن يجبر نقيصته بادعاء منزلة من التعالي لا يستحقها، وهذا لا يقال إلا على طريق الذم، كقوله عز وجل: {وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} [إبراهيم:15] .
وقوله تعالى: {وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا} [مريم:32] .
وقوله عز وجل: {إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ} [المائدة:22] .
وقوله عز وجل: {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ} [غافر:35] .
أي: متعال عن قبول الحق والإيمان له» 72.
فهود عليه السلام يخاطب قومه في هذه الآية زاجرا لهم عن فعل مذموم في طريقة استعمال القوة التي تميزوا بها، قال الرازي: «بين أنهم مع ذلك السرف والحرص فإن معاملتهم مع غيرهم معاملة الجبارين، وهذا الوصف في العباد ذم وإن كان في وصف الله تعالى مدحا فكأن من يقدم على الغير لا على طريق الحق ولكن على طريق الاستعلاء يوصف بأن بطشه بطش جبار 73. والمعنى: أنكم إذا بطشتم بآلة من آلات الضرب كسوط أو سيف كان ذلك ظلما وعلوا لا رحمة فيه، استجابة لأتفه دواعي الغضب. مع المبادرة والتعجيل دون إنظار ولا إمهال ولا تثبت في استحقاق المبطوش به، ولا تفكر في العواقب 74. وذلك لفرط قوتهم واستهانتهم بالضعفاء من الخلق.
«وحاصل الأمر في هذه الأمور الثلاثة أن اتخاذ الأبنية العالية، يدل على حب العلو، واتخاذ المصانع يدل على حب البقاء، والجبارية تدل على حب التفرد بالعلو، فيرجع الحاصل إلى أنهم أحبوا العلو وبقاء العلو والتفرد بالعلو وهذه صفات الإلهية، وهي ممتنعة الحصول للعبد، فدل ذلك على أن حب الدنيا قد استولى عليهم بحيث استغرقوا فيه وخرجوا عن حد العبودية وحاموا حول ادعاء الربوبية، وكل ذلك ينبه على أن حب الدنيا رأس كل خطيئة وعنوان كل كفر ومعصية» 75.
وهكذا يضع هود عليه السلام يده على العلل الجوهرية لفساد القوم وضرورة معالجتها.
جاءت دعوة هود عليه السلام واضحة المعالم، مكتملة الأصول والفروع، متناسبة مع حال قومه، تعالج واقعهم، وتحمل الدواء الكافي والملائم لعللهم ومظاهر فسادهم، كما كان هود عليه السلام متصفا بصفات تؤهله لمواجهة ما بلغه قومه من العتو والتكبر، وما هم عليه من قدرات عقلية جعلتهم على مستوى عال من القدرة على المناظرة والمحاجة، ولا شك أن الله تعالى أعده وأهله لهذه المهمة الخطيرة؛ فإن النبوة اصطفاء وإعداد رباني، من لوازمها الفطنة والذكاء، ولا يكلف الله تعالى إلا من اصطفاه وأعده ليكون على قدر الموقع الذي وضعه الله تعالى فيه.
قال تعالى: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام:124] .
ويمكن أن نبين معالم دعوة هود عليه السلام وأصولها وفروعها وأسلوبه في الدعوة، وقدرته على أداء رسالته من خلال النقاط الآتية:
أولًا: الدعوة إلى الإيمان بالله وحده:
أرسل الله تعالى إلى عاد أخاهم هودا فهو واحد من أنفسهم! مطلع على واقعهم بصير بأعمالهم وابن بيئتهم ليفهموه، ويفهم منهم، فيكون أقدر على معالجة أحوالهم. فهم يعرفونه ويعرفون شمائله وأخلاقه، فيكون ذلك أدعى إلى تصديقه 76.
وقد بنيت دعوته عليه السلام على أسس عقائدية ثلاثة هي التي قامت عليها جميع رسالات الأنبياء وهي:
1.الدعوة إلى الإيمان بالله وعبادته وحده وترك كل ما ابتدعه الناس من آلهة باطلة.
حمل هود عليه السلام لواء الدعوة إلى الله تعالى في زمانه، متوافقا مع الأساس الذي قامت عليه دعوة الأنبياء من قبله ومن بعده، كما قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَ?هَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ?25?) [الأنبياء:25] .
ولقد كان هود عليه السلام علما من سلسلة الأنبياء الذين تعاقبوا في تاريخ البشرية داعين إلى الله، سبقه فريق منهم واستمرت قافلة الإيمان من بعده.
قال تعالى: (وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ) [الأحقاف:21] .
قال ابن الجوزي في تفسير هذه الآية: «قد مضت الرسل من قبل هود ومن بعده بإنذار أممها ألا تعبدوا إلا الله والمعنى: لم يبعث رسولٌ قبل هود ولا بعده إلا بالأمر بعبادة الله وحده» 77.
وعلى هذه الحقيقة قامت دعوة هود عليه السلام.
قال تعالى: (وَإِلَى? عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ? قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَ?هٍ غَيْرُهُ ? أَفَلَا تَتَّقُونَ) [الأعراف:65] وقال: (وَإِلَى? عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ? قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَ?هٍ غَيْرُهُ ? إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ ?50?) [هود:50] .
وقال: (وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ?21?) [الأحقاف:21] .