فهرس الكتاب

الصفحة 437 من 2431

وقد جاءت كل قصة منها باختصار، ليست فيها التفصيلات التي ترد في مواضع أخرى من القرآن في سياق يتطلب تلك التفصيلات، ذلك لأن الهدف هنا هو تصوير المعالم الأساسية لمسار العقيدة من حيث طريقة التبليغ، وطبيعة استقبال القوم لها، وموقفهم منها، وحقيقة مشاعر الرسول، وتحقق النذير وعاقبة كل فريق. وبهذا تكون القصة قد أدت غرضها ودورها في سورتها 34.

وفي سورة الشعراء قال تعالى: {كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (124) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (125) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (126) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (127) أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (131) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (132) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (133) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (134) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (135) قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ (136) إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (137) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (138) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (139) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (140) } [الشعراء:123 - 140] .

موضوع هذه السورة الرئيسي هو موضوع السور المكية جميعا؛ العقيدة ملخصة في عناصرها الأساسية: توحيد الله، والخوف من الآخرة، والنبوة، ثم التخويف من عاقبة التكذيب، إما بعذاب الدنيا الذي يدمر المكذبين وإما بعذاب الآخرة الذي ينتظر الكافرين.

ولكنها جاء بأسلوب متميز يحمل من اسمها نصيب؛ يتحدى الشعر والشعراء وما يجيش في النفوس من المشاعر والأحاسيس التي تحمل على الزهو والخيلاء، فإذا كان الشعر خفقة قلب وهمسة خاطر فإن الذي يتأمل هذه السورة الكريمة يجد لها من الخصائص التي تذكي المشاعر وترهف الاحساس ما لا يجده لعيون الشعر 35.

وتهدف إلى تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وتعزيته عن تكذيب المشركين له وللقرآن، وإلى طمأنة قلوب المؤمنين وتصبيرهم على ما يلقون من عنت المشركين وتثبيتهم على العقيدة مهما أوذوا في سبيلها من الظالمين كما ثبت من قبلهم من المؤمنين، ولكن بأسلوبها الذي يتجلى في نبراتها من أولها إلى آخرها في مجابهة الزهو والخيلاء والكبر وأسبابه عند المكذبين وما تبثه في نفوس المؤمنين من مشاعر رحمة الله بهم وعزة النصر على الكافرين والاعتزاز بالله العزيز الرحيم.

«وجسم السورة هو القصص الذي يشغل ثمانين ومائة آية من مجموع آيات السورة كلها. والسورة هي هذا القصص مع مقدمة وتعقيب. والقصص والمقدمة والتعقيب تؤلف وحدة متكاملة متجانسة، تعبر عن موضوع السورة وتبرزه في أساليب متنوعة، تلتقي عند هدف واحد ومن ثم تعرض من كل قصة الحلقة أو الحلقات التي تؤدي هذه الأغراض» 36.

وحين تحدثت عن قوم عاد أبرزت ما كان عندهم من الزهو والخيلاء ومظاهر القوة والجبروت مع الترف والتمكين الحامل على التكبر والغرور والإعراض واللامبالاة، وكيف آل أمرهم إلى الهوان والذلة والهلاك بقوة عاتية لا طاقة لهم بمقاومتها أو الصمود أمامها.

وفي سورة هود قال تعالى: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (50) يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ (51) وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (52) قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (53) إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (57) وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (58) وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (59) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (60) } [هود:50 - 60] .

نزلت هذه السورة في مرحلة اشتدت بها المحن على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين بعد وفاة أبي طالب فكانت من أحرج الفترات وأشقها في تاريخ الدعوة بمكة، حيث بلغت الذروة في تحدي قريش وتعديها فجاءت هذه السورة تعالج هذه الحال بتثبيت رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين معه على الحق وهذا ما صرحت به السورة في قوله تعالى: {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (120) } [هود:120] .

كما جاءت تسري عنه ما يساور قلبه من الوحشة والضيق والغربة في المجتمع الجاهلي. وذلك من خلال الحقائق التالية 37:

استعراض السورة لحركة العقيدة الإسلامية في التاريخ البشري كله، من لدن نوح عليه السلام إلى عهد محمد صلى الله عليه وسلم وتقرير أنها قامت على حقائق أساسية واحدة: هي الدينونة لله وحده بلا شريك، والعبودية له وحده بلا منازع والتلقي في هذه الدينونة والعبودية عن رسل الله وحدهم على مدار التاريخ. مع الاعتقاد بأن الحياة الدنيا إنما هي دار ابتلاء لا دار جزاء وأن الجزاء إنما يكون في الآخرة وأن حرية الاختيار التي أعطاها الله للإنسان ليختار الهدى أو الضلال هي مناط هذا الابتلاء، ولا شك أن دعوة هود عليه السلام تشكل حلقة هامة من حلقات هذا التاريخ البشري، وجولة من جولات الإيمان في أعنف صور صراعه مع الكفر.

عرض مواقف الرسل-صلوات الله وسلامه عليهم-ومن بينهم هود عليه السلام وهم يتلقون أشد ما بلغت إليه صور الإعراض والتكذيب، والسخرية والاستهزاء، والتهديد والإيذاء، بالصبر والثقة واليقين بما معهم من الحق، وفي نصر الله نجاة المؤمنين، وقد عرضت هذه السورة لأشد ما لقيه هود عليه السلام من قومه حيث أنكروا البينات فقالوا: {مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ} وأعلنوا أشد صور الرفض والعناد والاصرار فقالوا: {وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} ،بهذا الأسلوب القاطع، ولم يكتفوا باتهامه بالسفاهة كما في سورة الأعراف، بل زادوا فقالوا: {إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ} فأدخلوا الحوار إلى أعنف صور التحدي 38.

توجيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ودلالته إلى مفاصلة المكذبين من قومه كما فاصل الرسل الكرام أقوامهم على الحق الذي أرسلوا به والتسرية عنه بما أصاب إخوانه الكرام قبله، وبما أولاهم الله من رعايته ونصره وتوجيهه.

وفي سورة فصلت قال: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (13) إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (14) فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (15) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (16) } [فصلت:13 - 16] .

وفي سورة الأحقاف قال تعالى: {وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (21) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (22) قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (23) فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (24) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (25) وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (26) } [الأحقاف:21 - 26] .

هذه السورة تعالج قضية العقيدة قضية الإيمان بوحدانية الله وربوبيته المطلقة لهذا الوجود ومن فيه وما فيه. والإيمان بالوحي والرسالة وأن محمدا صلى الله عليه وسلم رسول سبقته الرسل.

وتسلك السورة بهذه القضية إلى القلوب كل سبيل، وتوقع فيها على كل وتر، وتعرضها في مجالات شتى، مصحوبة بمؤثرات كونية ونفسية وتاريخية. كما أنها تجعلها قضية الوجود كله-لا قضية البشر وحدهم-فتذكر طرفا من قصة الجن مع هذا القرآن كذكرها لموقف بعض بني إسرائيل منه. وتقيم من الفطرة الصادقة شاهدا كما تقيم من بعض بني إسرائيل شاهدا سواء بسواء.

ثم هي تطوف بتلك القلوب في آفاق السماوات والأرض، وفي مشاهد القيامة في الآخرة. كما تطوف بهم في مصرع قوم هود وفي مصارع القرى حول مكة. وتجعل من السماوات والأرض كتابا ينطق بالحق كما ينطق هذا القرآن بالحق على السواء.

ويمضي سياق السورة في أربعة أشواط مترابطة، كأنها شوط واحد ذو أربعة مقاطع» 39.

وتشكل قصة عاد الشوط الثالث من هذه السورة حيث يرجع مصرعهم عندما كذبوا بالنذير. ويعرض من القصة حلقة الريح العقيم، التي توقعوا فيها الري والحياة فإذا بها تحمل إليهم الهلاك والدمار، والعذاب الذي استعجلوا به وطلبوه.

«وهذا الشوط جولة في مجال آخر، يخدم القضية التي تعالجها السورة، وتأخذ القلب البشري من جانب غير الجوانب التي عالجها الشوطان الأولان جولة في مصرع عاد ومصارع غيرها وقد وقفوا من رسولهم وأخيهم هود عليه السلام موقف المشركين من رسولهم وأخيهم محمد صلى الله عليه وسلم واعترضوا اعتراضاتهم، وأجابهم نبيهم بما يليق به من أدب النبوة في حدود بشريته وحدود وظيفته. ثم أخذهم ما أخذهم من العذاب المدمر، حين لم يسمعوا النذير. فلم تغن عنهم قوتهم-وكانوا أقوى-ولم يغن عنهم ثراؤهم-وكانوا أغنى-ولم ينتفعوا بسمعهم وأبصارهم وأفئدتهم-وكانوا أذكياء-ولم تغن عنهم آلهتهم التي اتخذوها تقربا-بزعمهم-إلى الله» 40.

وبعض السور انفردت بالحديث عن صورة العذاب التي حلت بعاد كما في سور القمر والذاريات والحاقة:

ففي سورة القمر قال تعالى: {كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (18) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (19) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (20) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (21) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (22) } [القمر:18 - 22] .

وفي سورة الذاريات قال سبحانه: {وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (41) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (42) } [الذاريات:41 - 42] .

هذه السورة التي حملت صورة تبديد الباطل أمام صولة الحق مهما بدا منتفخا وظهر منتفشا وطغى زبده وطال أمده، فاختصت هذه السورة بذكر الريح العقيم التي حلت بقوم عاد فلا تذر شيئا تأتي عليه إلا بددته وجعلته كالرميم 41.

وفي سورة الحاقة: {الْحَاقَّةُ (1) مَا الْحَاقَّةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (3) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (4) فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (5) وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (7) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (8) } [الحاقة:1 - 8] .

ومن الملاحظ أن بعض هذه السور تذكر عادا في أمر مشترك مع أمم وقبائل وأقوام، كما في سورة إبراهيم وغافر والحج وص والتوبة، وفي مواطن تذكر معها ثمود وحدها، كما في سورة فصلت والعنكبوت، وفي الحاقة ذكرتا معا، ثم فصلت كل منهما بتفصيل يخصها، ويجمع عادا وثمود أنهم من العرب البائدة، وأن ثمود جاءت بعد عاد، فهم خلفاء قوم عاد كما دل على ذلك القرآن، بقوله تعالى: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ} [الأعراف:74] .

وفي سور أفردت عاد بالذكر وحدها في حكم يخصها، كما في سور الفجر والذاريات والحاقة.

هل الآيات في سورة المؤمنون تتحدث عن هود عليه السلام مع قومه؟

بعد الفراغ من الحديث عن قوم نوح عليه السلام في سورة (المؤمنون) قال الله تعالى: {ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (31) فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (32) وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (33) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (34) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (35) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (36) إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (37) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (38) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (39) قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ (40) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (41) } [المؤمنون:31 - 41] .

لم تذكر هذه الآيات اسم النبي ولا القوم الذين أرسل فيهم، وهذا يحتمل ثلاثة أوجه؛

الأول: أنهم عاد ونبيهم هود عليه السلام وذلك لقوله تعالى: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ} [الأعراف:69] .

وهؤلاء القوم جاءوا بعد قوم نوح عليه السلام، وفي مطلع هذه الآيات بعد الفراغ من الحديث عن قوم نوح يقول: {ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ} ،كما احتجوا بمجيء قصة هود على أثر قصة نوح في الاعراف وهود والشعراء، ونسبه الزمخشري والرازي لابن عباس وهو قول أكثر المفسرين 42.

الثاني: أنهم صالحٌ عليه السلام وثمود، لأن قومه الذين كذبوه هم الذين هلكوا بالصيحة، وأما عاد فأهلكوا بالريح، وهو قول الطبري، حيث يقول: «وعنى بالرسول في هذا الموضع: صالحًا، وبقومه: ثمود» 43.وبه قال ابن جزي 44، ورجحه ابن عاشور للأدلة المذكورة 45 ولقوله: {قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ (40) } [المؤمنون:40] .

مع قوله في سورة الحجر: {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (83) } [الحجر:83] .

فكان هلاكهم في الصباح وللإجابة عن سؤال متوقع لماذا خصهم بالذكر دون عاد وهم الذين جاءوا بعد قوم نوح فقال: «ولعل تخصيصهم بالذكر هنا دون عادٍ خلافًا لما تكرر في غير هذه الآية لأن العبرة بحالهم أظهر لبقاء آثار ديارهم بالحجر كما قال تعالى: {وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (138) } [الصافات:137 - 138] .

كما رجحه الشيخ السعدي فقال: «الظاهر أنهم «ثمود» قوم صالح عليه السلام، لأن هذه القصة تشبه قصتهم» 46.

وفات هؤلاء العلماء عليهم رحمة الله ما وقع من التشابه في جزء من عقوبة كل من عاد وثمود وهي الصاعقة، لقوله تعالى: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (13) } [فصلت:13] . مع انفراد كل بما اختصت به.

وذكر القرطبي القولين مع دليل كلٍ ثم قال: «وممن أخذ بالصيحة أيضًا أصحاب مدين قوم شعيبٍ، فلا يبعد أن يكونوا هم، والله أعلم» 47.وذكر فريق من المفسرين القولين من غير ترجيح 48.

الثالث: جائز أن يكونوا قوما آخرين غير عاد وثمود وذلك لعدم وجود دليل قطعي يرجح أحدهما على الآخر، ولدلالة القرآن على وجود أمم كثيرة لم تذكر أسماؤها في القرآن منتشرين على مر الزمان من لدن نوح عليه السلام إلى بعثة محمد صلى الله عليه وسلم.

قال تعالى: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (9) } [إبراهيم:9] .

«قوله تعالى: {لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ} نفى العلم بهم، وذلك يقتضي نفي العلم بذواتهم» 49.

وقال: {وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (37) وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (38) وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (39) } [الفرقان: 37 - 39] .

«وفي قوله تعالى: {وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا} إضافة للكثير من الأقوام الضالين، الذين احتواهم الزمن بين قوم نوح، وبين عاد وثمود وأصحاب الرس فهناك كثيرون من الرسل، قد بعثهم الله سبحانه وتعالى إلى أقوام عديدين، في تلك الحقبة، بين نوح، وبين عاد وثمود وأصحاب الرس وأن هؤلاء الأقوام لم يختلف موقفهم مع رسلهم، عن موقف عاد وثمود وأصحاب الرس، من رسلهم» 50.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت