أولًا: المعنى اللغوي:
مصدر صام يصوم صومًا، ويطلق على الإمساك 1 عن أي فعل أو قول كان 2، وقيل: «الإمساك عن الشيء والترك له. وقيل للصائم: صائم؛ لإمساكه عن المطعم والمشرب والمنكح. وقيل للصامت: صائم، لإمساكه عن الكلام. وقيل للفرس: صائم، لإمساكه عن العلف مع قيامه» 3.
وقال ابن فارس رحمه الله: «الصاد والواو والميم أصلٌ يدل على إمساكٍ وركودٍ في مكان. من ذلك صوم الصائم، هو إمساكه عن مطعمه ومشربه وسائر ما منعه. ويكون الإمساك عن الكلام صومًا، قالوا في قوله تعالى: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} [مريم: 26] .
إنه الإمساك عن الكلام والصمت» 4.
وقال ابن منظور رحمه الله: «الصوم: ترك الطعام والشراب والنكاح والكلام، صام يصوم صومًا وصيامًا واصطام، ورجلٌ صائمٌ وصومٌ من قومٍ صوامٍ وصيامٍ وصومٍ، بالتشديد، وصيم، قلبوا الواو لقربها من الطرف؛ وصيمٍ؛ عن سيبويه، كسروا لمكان الياء، وصيامٍ وصيامى، الأخير نادرٌ، وصومٍ وهو اسمٌ للجمع، وقيل: هو جمع صائمٍ» 5.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
عبارة عن إمساكٍ مخصوصٍ، وهو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع من الصبح إلى المغرب مع النية 6.
وعرفه الحافظ ابن كثير رحمه الله بقوله: «هو: الإمساك عن الطعام والشراب والوقاع بنية خالصة لله عز وجل» 7.
فالصيام يكون بالإمساك عن جميع المفطرات من أكل وشرب وجماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، لقوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187] .
فالصلة بين التعريفين اللغوي والاصطلاحي للصيام أنه في اللغة أعم فهو بمعنى الإمساك عن أي قول أو فعل، أو هو بمعنى الترك، وهو في الاصطلاح بمعنى الإمساك عن الأكل والشرب والجماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وكذلك هو ترك الأكل والشرب والنكاح من طلوع الفجر إلى غروب الشمس مع النية، فبينهما عموم وخصوص، فاللغة أعم من الاصطلاح.
وردت مادة «صوم» في القرآن الكريم (14) مرة 8.
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل المضارع ... 2 ... {فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184) } [البقرة:184]
المصدر ... 10 ... {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة:183]
اسم الفاعل ... 2 ... {وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ} [الأحزاب:35]
وجاء الصيام في الاستعمال القرآني على وجهين 9:
الأول: الصيام الشرعي المعروف: ومنه قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 183] .
الثاني: الصمت: ومنه قوله تعالى: {فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا} [مريم: 26] أي: سكوتًا.
العبادة:
العبادة لغةً:
من الفعل عبد يعبد، عبادةً وعبوديةً، والمفعول: معبود، وعبد الله بمعنى وحده وأطاعه، وانقاد وخضع وذل له، والتزم شرائع دينه، وأدى فرائضه 10.
العبادة اصطلاحًا:
قال المناوي: «العبادة فعل المكلف على خلاف هوى نفسه؛ تعظيمًا لربه، وقيل: هي الأفعال الواقعة على نهاية ما يمكن من التذلل والخضوع المتجاوز لتذلل بعض العباد لبعض، ولذلك اختصت بالرب، وهي أخص من العبودية التي تعني مطلق التذلل» 11.
وقال الراغب: «العبودية: إظهار التذلل، والعبادة أبلغ منها؛ لأنها غاية التذلل، ولا يستحقها إلا من له غاية الإفضال وهو الله تعالى» 12.
الصلة بين العبادة والصيام:
العبادة أعم من الصيام، فالصيام نوع من أنواع العبادات التي شرعها الله تعالى.
الإمساك:
الإمساك لغة:
أصل الإمساك حبس النفس عن الفعل ومنه المساك وهو مكان يمسك الماء أي يحبسه، والجمع مسكٌ، والمسكة السوار سمي بذلك لأنه يلزم المعصم فهو كالمحبوس فيه، ونقيض الاستمساك الاسترسال، ونقيض الإمساك الإرسال» 13. والإمساك عن الكلام هو السكوت، فالسكوت إمساك عن قولة الحق والباطل 14.
وأيضًا الإمساك يطلق على البخل، فيقال: رجل مسيك يعني بخيل، وفيه إمساكٌ ومسكةٌ بالضم وبضمتين، وكسحابٍ وسحابةٍ وكتابٍ وكتابةٍ: بخلٌ 15.
الإمساك اصطلاحًا:
لا يخرج عن أحد معانيه اللغوية.
الصلة بين الإمساك والصيام:
أن الإمساك أعم من الصيام، والصيام أخص، وهو الإمساك عن المفطرات من أكل، وشرب، وجماع، وغير ذلك.
إن الله تبارك وتعالى فرض الصوم على هذه الأمة كما فرضه على الأمم من قبل؛ لما فيه من الثواب العظيم والأجر الكبير، ولأن الله جعله سببًا في حصول التقوى فقال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183] .
فأخبر الله تبارك وتعالى عباده المؤمنون بأنه فرض عليهم الصيام وأوجبه كما فرضه على الأمم السابقة 16.
قال ابن سعدي رحمه الله: «يخبر تعالى بما من به على عباده، بأنه فرض عليهم الصيام، كما فرضه على الأمم السابقة؛ لأنه من الشرائع والأوامر التي هي مصلحة للخلق في كل زمان.
وفيه تنشيط لهذه الأمة، بأنه ينبغي لكم أن تنافسوا غيركم في تكميل الأعمال، والمسارعة إلى صالح الخصال، وأنه ليس من الأمور الثقيلة، التي اختصيتم بها» 17.
وقال أبو زهرة رحمه الله: «كتب بمعنى فرض؛ لأنه قرره الله تعالى، وكتبه حتى صار مكتوبًا على المؤمنين، وقد أكد سبحانه الفرضية بقوله تعالى: {عَلَيْكُمُ} ، وبأنه شريعة النبيين أجمعين؛ ولذا قال تعالى: {كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} وأنه سبيل لتقوى النفس؛ ولذا قال: {وَلَعَلَّكُمْ} وذكر أنه أيامًا معدودات معروفة القدر، مبينة الابتداء والانتهاء» 18.
والمراد بقوله: {الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} ، قيل: بأنهم أهل الكتاب، وقيل: بأنهم النصارى، وقيل: بأنهم جميع الناس 19، ولكن الآية عامة فتشمل جميع الأمم السابقة.
ثم إن أهل العلم اختلفوا في المعنى الذي وقع فيه التشبيه بين صومنا وصوم من قبلنا، فقال بعضهم كما قال الطبري رحمه الله: «الذين أخبرنا الله عن الصوم الذي فرضه علينا أنه كمثل الذي كان عليهم هم النصارى، وقالوا: التشبيه الذي شبه من أجله أحدهما بصاحبه هو اتفاقهما في الوقت والمقدار الذي هو لازم لنا اليوم فرضه.
وقال آخرون: بل التشبيه إنما هو من أجل أن صومهم كان من العشاء الآخرة إلى العشاء الآخرة، وذلك كان فرض الله جل ثناؤه على المؤمنين في أول ما افترض عليهم الصوم. ووافق قائلو هذا القول القائلي القول الأول أن الذين عنى الله جل ثناؤه بقوله: {كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} النصارى» 20.
وقال الماوردي رحمه الله: «واختلفوا في موضع التشبيه بين صومنا، وصوم الذين من قبلنا، على قولين:
أحدهما: أن التشبيه في حكم الصوم وصفته، لا في عدده؛ لأن اليهود يصومون من العتمة إلى العتمة، ولا يأكلون بعد النوم شيئًا، وكان المسلمون على ذلك في أول الإسلام، لا يأكلون بعد النوم شيئًا حتى كان من شأن عمر بن الخطاب وأبي قيس بن صرمة ما كان، فأجل الله تعالى لهم الأكل والشرب، وهذا قول الربيع بن أنس، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (بين صومنا وصوم أهل الكتاب أكلة السحر) 21.
والقول الثاني: أن التشبيه في عدد الصوم، وفيه قولان:
أحدهما: أن النصارى كان الله فرض عليهم صيام ثلاثين يومًا كما فرض علينا، فكان ربما وقع في القيظ، فجعلوه في الفصل بين الشتاء والصيف، ثم كفروه بصوم عشرين يومًا زائدة؛ ليكون تمحيصًا لذنوبهم وتكفيرًا لتبديلهم، وهذا قول الشعبي.
والثاني: أنهم اليهود كان عليهم صيام ثلاثة أيام من كل يوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر، فكان على ذلك سبعة عشر شهرًا إلى أن نسخ بصوم رمضان، قال ابن عباس: كان أول ما نسخ شأن القبلة والصيام الأول» 22.
ثم إنه حصل في صيام الإسلام ما يخالف صيام أهل الكتاب في قيود ماهية الصيام وكيفيتها، ولم يكن صيامنا مماثلًا لصيامهم تمام المماثلة، والتشبيه في أصل فرض ماهية الصوم لا في الكيفيات، والتشبيه يكتفى فيه ببعض وجوه المشابهة وهو وجه الشبه المراد في القصد، وليس المقصود من هذا التشبيه الحوالة في صفة الصوم على ما كان عليه عند الأمم السابقة، ولكن فيهم أغراضًا ثلاثة تضمنها التشبيه:
أحدها: الاهتمام بهذه العبادة، والتنويه بها؛ لأنها شرعها الله قبل الإسلام لمن كانوا قبل المسلمين، وشرعها للمسلمين، وذلك يقتضي اطراد صلاحها ووفرة ثوابها، وإنهاض همم المسلمين لتلقي هذه العبادة؛ كي لا يتميز بها من كان قبلهم، ...
والغرض الثاني: أن في التشبيه بالسابقين تهوينًا على المكلفين بهذه العبادة أن يستثقلوا هذا الصوم فإن في الاقتداء بالغير أسوة في المصاعب.
والغرض الثالث: إثارة العزائم للقيام بهذه الفريضة؛ حتى لا يكونوا مقصرين في قبول هذا الفرض بل ليأخذوه بقوة تفوق ما أدى به الأمم السابقة 23.
فالصيام عبادة قديمة فرضها الله سبحانه على هذه الأمة كما فرضه على الأمم السابقة، أخبرنا الله بهذا؛ لتشحذ الهمم وتنشط للعبادة؛ لتنال الغاية العظمى من الصيام وهي تقوى الله جل جلاله.
إن الله سبحانه وتعالى شرع هذا الدين للناس وهو الغني عنهم، لا تنفعه عبادة العابدين، ولا تضره معصية العاصين، شرع لعباده عبادة الصيام، والصيام أنواع كسائر العبادات، فمنه الواجب ومنه المندوب المستحب، والواجب منه ما هو واجب بأمر لله بفعله من المكلف كصوم رمضان، أو ما أوجبه على نفسه بالنذر؛ لأن النذر يجب الوفاء به، ومنه ما هو مندوب مستحب فعله، وسيأتي فيما يأتي بيان كل نوع على حدة.
أولًا: صوم رمضان:
صيام شهر رمضان فرض من الله تبارك وتعالى على عباده، ودليله من الكتاب والسنة والإجماع، فمن الكتاب قول الرب تبارك وتعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة: 183] .
إلى قوله: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185] .
يعني: فرض عليكم مثل الذي فرض على الذين من قبلكم. وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن صوم رمضان أحد أركانه الخمسة التي بني عليها كما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما: (بني الإسلام على خمس، على أن يعبد الله، ويكفر بما دونه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان) 24.
ثم اختلف أهل التأويل في الذين عنى الله بقوله: {كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} وفي المعنى الذي وقع فيه التشبيه بين فرض صومنا، وصوم الذين من قبلنا، فقال بعضهم: الذين أخبرنا الله عن الصوم الذي فرضه علينا أنه كمثل الذي كان عليهم هم النصارى، وقالوا: التشبيه الذي شبه من أجله أحدهما بصاحبه هو اتفاقهما في الوقت والمقدار الذي هو لازم لنا اليوم فرضه 25.
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله: «يقول تعالى مخاطبًا للمؤمنين من هذه الأمة وآمرًا لهم بالصيام، وهو: الإمساك عن الطعام والشراب والوقاع بنية خالصة لله عز وجل، لما فيه من زكاة النفس وطهارتها وتنقيتها من الأخلاط الرديئة والأخلاق الرذيلة. وذكر أنه كما أوجبه عليهم فقد أوجبه على من كان قبلهم، فلهم فيه أسوة، وليجتهد هؤلاء في أداء هذا الفرض أكمل مما فعله أولئك» 26.
فصيام شهر رمضان المبارك ثابت في القرآن وكذلك في السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، وأخبر سبحانه بأنه فرضه علينا كما فرضه على الأمم السابقة؛ تنشيطًا لهذه الأمة ودعوة لها للمسابقة والمنافسة للأمم السابقة، وبين سبحانه الغاية من فريضة الصيام وهو حصول التقوى فقال: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} .
ثانيًا: صوم الكفارات:
تقدم أن الصيام هو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع، يعني الإمساك عن جميع المفطرات، والكفارات هنا جمع كفارة، قال الكاساني رحمه الله: «الكفارات المعهودة في الشرع خمسة أنواع: كفارة اليمين، وكفارة الحلق، وكفارة القتل، وكفارة الظهار، وكفارة الإفطار، وكلها واجبة إلا أن أربعة منها عرف وجوبها بالكتاب العزيز، وواحدة منها عرف وجوبها بالسنة، أما الأربعة التي عرف وجوبها بالكتاب العزيز فكفارة اليمين، وكفارة الحلق، وكفارة القتل، وكفارة الظهار،. والكفارة في عرف الشرع اسم للواجب» 27، أي: ما أوجبه الله تعالى على من أتى شيئًا منهيًا عنه، أو قصر في مأمور به.
وسميت الكفارة بهذا الاسم؛ لأنها تكفر الذنوب وتسترها، فالحكمة من الكفارة تكفير للذنوب والسيئات التي تقع من العبد، والكفارات أنواع، هي:
1.كفارة القتل الخطأ.
لشناعة القتل جعل الله تبارك وتعالى للقاتل عقوبة رادعة، فمن قتل عمدًا قتل قصاصًا، ومن قتل خطًا فإنه يلزمه الدية والكفارة، والكفارة هنا مغلظة هي تحرير رقبة مؤمنة مع الدية إلا أن يعفو فإن الدية تسقط لكن الكفارة لابد أن يأتي بها، فإن لم يستطع تحرير الرقبة فإن عليه أن يصوم شهرين متتابعين.
قال رب العزة مبينًا ذلك: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 92] .
قال الطاهر ابن عاشور رحمه الله: «وقوله: {فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} وصف الشهران بأنهما متتابعان والمقصود تتابع أيامهما؛ لأن تتابع الأيام يستلزم توالي الشهرين» 28.
وقال صاحب كتاب اللباب رحمه الله: «الكفارة تكون بإعتاق رقبةٍ مؤمنةٍ سواء كان المقتول مسلمًا أو معاهدًا، رجلًا أو امرأةً، حرًا كان أو عبدًا، وتكون في مال القاتل.
قوله تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} ، قوله: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ} مفعوله محذوفٌ: أي: فمن لم يجد رقبة، وهي بمعنى وجدان الضال، فلذلك تعدت لواحدٍ، وقوله: {فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ} ارتفاعه على أحد الأوجه المذكورة في قوله: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} ، أي: فعليه صيام، أو: فيجب عليه صيام، أو فواجبه صيام» 29.
وقال ابن سعدي رحمه الله: « {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ} الرقبة ولا ثمنها، بأن كان معسرًا بذلك، ليس عنده ما يفضل عن مؤنته وحوائجه الأصلية شيء يفي بالرقبة، {فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} أي: لا يفطر بينهما من غير عذر، فإن أفطر لعذر فإن العذر لا يقطع التتابع، كالمرض والحيض ونحوهما. وإن كان لغير عذر انقطع التتابع ووجب عليه استئناف الصوم.
{تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ} أي: هذه الكفارات التي أوجبها الله على القاتل توبة من الله على عباده ورحمة بهم، وتكفير لما عساه أن يحصل منهم من تقصير وعدم احتراز، كما هو واقع كثيرًا للقاتل خطأ» 30.
فكفارة قتل الخطأ تحرير رقبة مؤمنة فإن لم يستطع فصيام شهرين متتابعين، ومن قطع التتابع لعذر كمرض أو حيض أو نفاس فإنه يستأنف ولا يعيد، بخلاف من قطع من غير عذر فإنه يجب عليه أن يعيد من جديد.
2.كفارة من لم يجد الهدي في الحج، ومن أحصر أو حلق رأسه.
بين الله تبارك وتعالى أن من أحرم بالحج أو العمرة فأحصر فلا يتحلل حتى ينحر هديه ومن لم يجد الهدي فإنه يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى بلده، وكذلك من كان به أذىً في رأسه أو مرضًا فإن له أن يحلق رأسه ويفتدي فقال سبحانه: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [البقرة: 196] .
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: «يقول تعالى: فمن لم يجد هديًا فليصم ثلاثة أيام في الحج، أي: في أيام المناسك، قال العلماء: والأولى أن يصومها قبل يوم عرفة في العشر، قاله عطاء. أو من حين يحرم، قاله ابن عباس وغيره، لقوله: {فِي الْحَجِّ} ومنهم من يجوز صيامها من أول شوال، قاله طاوس ومجاهد وغير واحد. وجوز الشعبي صيام يوم عرفة وقبله يومين، وكذا قال مجاهد، وسعيد بن جبير، والسدي، وعطاء، وطاوس، والحكم، والحسن، وحماد، وإبراهيم، وأبو جعفر الباقر، والربيع، ومقاتل بن حيان. وقال العوفي، عن ابن عباس: إذا لم يجد هديًا فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج قبل يوم عرفة، فإذا كان يوم عرفة الثالث فقد تم صومه وسبعة إذا رجع إلى أهله.
فلو لم يصمها أو بعضها قبل يوم العيد فهل يجوز أن يصومها في أيام التشريق؟ فيه قولان للعلماء، وهما للإمام الشافعي أيضًا، القديم منهما: أنه يجوز له صيامها لقول عائشة وابن عمر في صحيح البخاري: لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لا يجد الهدي. وإنما قالوا ذلك لعموم قوله: {فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ} ، وقد روي عن علي أنه كان يقول: من فاته صيام ثلاثة أيام في الحج صامهن أيام التشريق. وبهذا يقول عبيد بن عمير الليثي وعكرمة، والحسن البصري، وعروة بن الزبير؛ وإنما قالوا ذلك لعموم قوله: {فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ} والجديد من القولين: أنه لا يجوز صيامها أيام التشريق، لما رواه مسلم عن نبيشة الهذلي رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله) 31.
وقوله: {وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} فيه قولان:
أحدهما: إذا رجعتم في الطريق، ولهذا قال مجاهد: هي رخصة إذا شاء صامها في الطريق.
والقول الثاني: إذا رجعتم إلى أوطانكم؛ وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: إذا رجع إلى أهله، وحكى الإجماع على ذلك أبو جعفر ابن جرير» 32.