ولأجل هذا الترابط الوثيق بين وصفي الربوبية والألوهية، وائتلافهما في تكوين حقيقة التوحيد، نجد أن القرآن الكريم قد استعمل كل لفظ مكان الآخر، أي: هناك تلازم بين الربوبية والألوهية، فإذا ذكر أحدهما دل على الآخر، باعتبارهما وصفين متفردين لذات واحدة، ولا يليق أحدهما إلا بالله، فإذا ذكر الرب فهم منه استلزامًا أنه المستحق للعبادة والطاعة وحده، وإذا ذكر الإله فهم منه استلزامًا أنه الخالق الرازق المالك؛ لأنه لا يكون إلهًا حقًّا إلا بهذه الصفات.
ومن أمثلة ذلك قول الله تعالى: {أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} [النمل: 60] .
فالسؤال في أول الآية وقع عن أشياء تتصل بالخلق والرزق والقدرة والتدبير، وغيرها من صفات التأثير التي هي معنى لفظ الرب، فكان المقام يقتضي سؤالهم في آخر الآية عن ذلك، فيقال: أربّ مع الله؟!، لكن وقع السؤال بقوله: {أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ} ؛ لأن اللفظين متلازمان، لا فرق بينهما من حيث الواقع.
الإلهية تتضمن الربوبية، والربوبية تستلزم الإلهية:
ويلاحظ أن استعمال كلمة (إله) هنا في الآية السابقة قد جاء لحكمة عظيمة؛ لأنه جل وعلا قد سألهم عن محل النزاع مباشرة، والمعنى: أربّ يخلق ويرزق مع الله فيستحق التأليه معه؟!، ولما كان الخلق والرزق والتدبير ليس محل نزاع كثير، وإنما النزاع في عبادة غير الله؛ لذلك عاجلهم باستنكار اتخاذ آلهة مع الله تعالى 57.
ونضرب مثلًا آخر بقوله تعالى: {اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} [المائدة: 73] .
والمقام يقتضي أن يقول: اعبدوا الله إلهي وإلهكم، لكن استعمل كلمة الرب مكان الإله؛ للتلازم التام بين الكلمتين. والحكمة هنا -والله أعلم- أن ذكر الرب فيه تصريح بعلة العبادة، وهو ما يتضمنه لفظ الرب من معاني الخلق والرزق ... إلى آخره، والمعنى: اعبدوا الله الذي خلقكم ورزقكم وتولاكم في سائر أموركم.
بل ما رأيك أنّ هذا الرّبط بين العبادة وعلّتها -وهي الربوبية وما تتضمّنه من المعاني- قد نطق به أول أمر في القرآن الكريم!!
وهو قول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 21 - 22] .
فتأمل هاتين الآيتين العجيبتين في نظمهما، كيف أنّ الله تبارك وتعالى ذكر في البداية: الأمر بعبادته، وفي النهاية: النهي عن اتخاذ الأنداد والشركاء مع الله، وما بين البداية والنهاية: التعليل الصريح لذلك بتفرده تعالى خلقًا ورزقًا وتدبيرًا للكون.
ولنتأمل أخيرًا في سورة الناس، وكيف جاءت الاستعاذة فيها بالأسماء الحسنى الثلاثة: الربّ، والملك، والإله، مبيّنةً هذا التناسق والتواثق بين الربوبية والألوهية، فإنه لما قال: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} كان فيه إثبات أنه خالقهم وفاطرهم، فبقي أن يقال: لمّا خلقهم هل كلّفهم وأمرهم ونهاهم؟ قيل: نعم، فجاء: {مَلِكِ النَّاسِ} فأثبت الخلق والأمر {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف: 54] .
فلما قيل ذلك، قيل: فإذا كان ربًّا موجدًا، وملكًا مكلفًا، فهل يحب ويرغب إليه، ويكون التوجه إليه غاية الخلق والأمر؟ قيل: {إِلَهِ النَّاسِ} أي: مألوههم ومحبوبهم، الذي لا يتوجّه العبد المخلوق المكلّف العابد إلا له، فجاءت الإلهيّة خاتمة وغاية، وما قبلها كالتوطئة لها 58.
1.جاءت أساليب القرآن في الدعوة إلى التوحيد على غاية التفنن والإبداع؛ تلطفًا في استدعاء الناس إلى التوحيد، وتأليفًا لقلوبهم، ولفتًا لأسماعهم وأبصارهم، وإقامة للحجة عليهم بكل الأساليب، ولا شكّ أن في هذا التنويع والتفنّن ظهورًا فائقًا للسمو البلاغي والبياني للقرآن الكريم.
وتقريبًا للوقوف على شيءٍ من هذه الأساليب القرآنية الرفيعة نقسّمها إلى ما يلي:
أولًا: أسلوب الخبر المجرّد:
في كثير من الآيات القرآنية يقرر الله تبارك وتعالى حقائق التوحيد بأسلوب الخبر المجرد، تقريرًا سهلًا مباشرًا، ليس معزّزًا بالتوكيدات، ولا مشفوعًا بالمحاورات والتشبيهات، وكأنّ الحقّ تبارك وتعالى يلقي هذه الحقائق الإيمانية والأصول التوحيديّة إلى الفطرة النقيّة السويّة، التي لا تعرف المكابرة ولا الالتواء، أو كأن القرآن الكريم يعرّض بأولئك المشركين المعاندين، ويقول لهم بمفهوم الكلام دون منطوقه: إن حقائق التوحيد لهي أوضح من الشمس، كيف لا والدلائل عليها تحاصركم من كلّ جانبٍ فطرةً وحسًّا وعقلًا وشرعًا؟! فجدير إذا أن ينزّل أولئك المعاندين المكابرين منزلة الخالين من العناد والمكابرة؛ فيلقى إليهم الكلام أيضًا خبرًا مجرّدًا؛ لأن معهم من الأدلّة ما يقطع كلّ شكٍّ، ويستدعي كل يقين.
والآيات التي نستطيع بها التمثيل لهذا الأسلوب كثيرة، وتكفينا الإشارة بقوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] .
وقوله تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 163] .
وقوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [الزمر:62 - 63] .
ثانيًا: أسلوب الخبر المؤكد:
من أساليب القرآن الكريم (التوكيد) ، وهو أسلوبٌ قيمته البلاغية في تقوية الكلام ابتداءً، وإضفاء مزيدٍ من الصرامة في تقريره وإثباته؛ ليكون أدعى لقبول السامع واقتناعه، أو في مجابهة المتلقّي الجاحد المنكر بما يليق بحاله من مضادّةٍ له ومدافعة، والمؤكدات التي جاء بها القرآن الكريم في شأن الوحدانية والتوحيد كثيرة ومتنوعة؛ ومنها:
1.التأكيد بـ (إنّ) .
2.التأكيد باللام (لام التقوية) .
3.التأكيد بالقسم.
ومثالها جميعًا قوله تعالى: (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا(1) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (2) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (3) إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (4) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ) [الصافات: 1 - 5] .
4.التأكيد بأساليب القصر.
كأسلوب النفي والاستثناء في قوله تعالى: {يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (2) } [النحل:2] .
وأسلوب القصر بـ (إنما) : {قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (19) } [الأنعام:19] .
وأسلوب القصر بالتقديم والتأخير، مثل قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) } [الفاتحة:5] .
فتقديم المفعول (إياك) أفاد قصر العبادة على الله وحده، وأصل الجملة: نعبدك.
وكذلك أيضًا أسلوب القصر بتعريف طرفي الجملة: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (10) } [الشورى:10] .
فتعريف الخبر (ربّي) أفاد أنه مقصور على المبتدأ، أي: الربوبية مقصورة على الله تعالى 59.
ثالثًا: الأساليب الإنشائية:
من أساليب القرآن الكريم أيضًا في تقرير التوحيد: أسلوب الطلب، كالاستفهام التقريري أو الإنكاري، فهذا أسلوب قرآني عالٍ في نقاش المشركين، إنه يوالي عليهم الأسئلة ويترك لهم في كثيرٍ من الأحيان إجاباتها؛ ليصلوا إلى الحق بأنفسهم، ويلزمهم الحجة، ويقودهم إلى الصواب.
قال تعالى: {أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [النمل: 63] .
وقال تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (22) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى} [النجم: 19 - 23] .
والمعنى: أن هذه التي تسمونها آلهة ليس لها من حقيقة الألوهية أدنى نصيب، وإنما هي أسماء على غير حقائق، كالغول والعنقاء وغيرهما من الأشياء المتوهمة.
ولذلك يقول القرآن الكريم متحديًا المشركين: {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ} [الرعد: 33] .
والمعنى: أن الله تعالى رقيب وعليم بكل شيء، وقد جعل له المشركون شركاء لا حقيقة لهم، وإنما عبدوها بظنون من القول وأوهام من الفكر باطلة.
ويقول تعالى منددًا بالمشركين، الذين يعبدون الأوهام المطلقة، تحت هذه الأسماء المخترعة: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [يونس: 18] .
ومن ذلك أيضًا: الأسلوب التلقيني، فيستعمل القرآن الكريم هذا الأسلوب في تلقين الجواب الظاهر، حيث إنه لوضوحه لا ينكره المشركون، بل يسلمون به، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: {قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ} [الأنعام: 63 - 64] .
وقوله تعالى: {قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا} [الرعد: 16] .
وفي ذات الآية: {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} ، وقوله تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ} [سبأ: 24] .
ففي هذه الآيات: يأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يسألهم عمن ينجيهم من المخاطر، ومن رب السماوات والأرض، ومن يرزقهم، ويأمره بأن يجيب: «الله» ؛ لاعترافهم أن آلهتهم لا تملك شيئًا من ذلك، وتلقينهم الجواب فيه إشارة إلى أنهم لا ينكرون ذلك، وليس عندهم جواب غيره، وأن سكوتهم عن الجواب لوضوحه فيه حجة عليهم؛ إذ إنهم ما داموا قد اعترفوا بأن فاعل ذلك هو الله، فلم يشركون به غيره؟ ومثل هذا الأسلوب يعجز الخلق كلهم عن الإتيان بمثله.
ومما يلتحق بهذا الأسلوب التلقيني: الجواب المباشر من الله تعالى على ألسنة خلقه من الملائكة أو الأنبياء وهم يدفعون عنهم دعاوى الألوهية والبنوة لله، فليسوا سوى عباد مكرمين، خاضعين لأمره، ولن يجرؤ واحد منهم على ادعاء الألوهية، أما من تجرأ منهم على تلك الدعوى؛ فجزاؤه جهنم؛ لأنه ظالم مبين، وهل هناك أقوى في هدم الدعوى من اعتراف هؤلاء العباد أنفسهم الذين يدعونهم أبناء، بأنهم ليسوا سوى عبيد خاضعين، ومن جرأة منهم على دعوى الألوهية، كان جزاؤه عذاب جهنم خالدا فيها.
قال تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} [الأنبياء 26 - 29] .
وعلى هذا النسق نفسه جرى في الرد على من زعم ألوهية المسيح، فقد جعل المسيح نفسه يتبرأ من ذلك وينفيه، إذ قال: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [المائدة 116 - 117] 60.
رابعًا: أسلوب ضرب المثل:
كذلك أسلوب الأمثال، وهو باب واسع في القرآن الكريم، يقصد به تقرير المعاني في نفس السامع، وتصويرها في صورة محسوسة ملموسة، عن طريق التشبيه أو الاستعارة أو غيرهما من أساليب البيان، ولقد مدح الله جل وعلا كتابه باشتماله على أسلوب الأمثال فقال: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [الزمر: 27] .
ومن ذلك قوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (42) وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} [العنكبوت: 41 - 43] .
فقد ضرب الله تعالى مثلًا للذين يستنصرون بآلهة غير الله، صوّرهم فيه بأنهم يستنصرون بأضعف شيء، وكأنهم العنكبوت في بيتها الهش الذي تمزقه الريح، وتقتحمه الحشرات، ويعبث به الصبيان، فلا يغني عن أهله شيئًا.
وقال تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 29] .
فهذان مثلان للمشرك في تخبطه وحيرته، وللموحد في راحته وسلامته، ولا يستويان أبدًا، كما لا يستوي عبد مملوك يسومه سادته لسوء أخلاقهم سوء العذاب، وعبد مملوك لمالكٍ واحدٍ لطيفٍ لا يشق عليه بكثرة الأوامر، واختلاف المذاهب والمشارب.
ويضرب الله الأمثال مبينا ضياع أعمال المشركين، وهو بهذه التشبيهات البليغة يدعوهم إلى التفكّر في العاقبة الخاسرة لأعمالهم -مهما كانت صالحة- ما دامت غير نابعةٍ من إيمانهم وتوحيدهم لله.
قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور: 39 - 40] .
وقال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ} [إبراهيم: 18] .
ويضرب الله المثل بالمشركين أنفسهم، وما يعانونه من اضطراب العقيدة وفساد التصور، وما ينشأ عن ذلك من حيرة القلب، وقلق الضمير.
يقول تعالى: {قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 71] .
وحينًا يصوّرهم هلكى في أشد صور الهلاك وأفتكها، إذ يقول: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج: 31] .
وضرب الله سبحانه وتعالى مثلًا لقلب المؤمن الموحّد بالبلد الطيب، ومثلًا لقلب المشرك الكافر الذي لا ينبت فيه توحيد ولا إيمان بالبلد الخبيث، فقال تعالى: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ} [الأعراف: 58] 61.
خامسًا: أسلوب المحاورة:
كذلك استخدم القرآن أيضًا أسلوب المحاورة، وهو الذي يورد فيه الحديث عن التوحيد من خلال حوار يجري بين طرفين أو أكثر؛ فيتقرر في النفس أكثر من الخبر المجرد، والمحاورات في القرآن كثيرةٌ، كمحاورات سيدنا إبراهيم عليه السلام مع أبيه آزر.
قال تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا} [مريم: 41 - 42] إلى آخر الآيات المتضمنة لهذه المحاورة.
فالآيات الكريمة تورد حوارًا بين إبراهيم عليه السلام وبين أبيه المشرك، فيسأل إبراهيم أباه: لم تعبد آلهة صماء عمياء لا تغني عنك شيئًا؟! هو سؤال يبين حقيقة هذه الآلهة الباطلة، ويتضمن صفات الله وحده بالعبادة، فهو السميع البصير الغني المغني عز وجل 62.
وكتلك المحاورة بين الرجلين المؤمن والكافر: {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (36) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (37) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا} [الكهف: 35 - 38] .
ففي هذه المحاورة يصوّر الله جل وعلا مشهد الرجل الكافر بإزاء متجبّري قريش أو بني تميم، ومشهد الرجل المؤمن المقر بالربوبية الذي هو بإزاء بلال وعمار وصهيب وأقرانهم، وكيف أن الرجل المؤمن الذي خالطت قلبه بشاشة التوحيد؛ قد علم ما يجب عليه من شكر خالقه ورازقه.
وكتلك المحاورة الحادة يوم القيامة بين فئتين من أهل الضلال: بين الضعفاء الأتباع، وبين المتبوعين السادة، والمحاورة الأخرى بين الشيطان وأتباعه من الإنس، وهم في دركات الجحيم، ينبّهنا الله تعالى سلفًا في قرآنه على بنود هذا الحوار بنوعيه؛ ليحذر العاقل، ويتجنّب الانزلاق مع دعاة السوء.