فهرس الكتاب

الصفحة 1483 من 2431

وقال الإمام ابن كثير في قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ? أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ) [العنكبوت: 67] .

يقول تعالى ممتنًا على قريشٍ فيما أحلهم من حرمه الذي جعله للناس سواءً العاكف فيه والبادي، ومن دخله كان آمنًا، فهم في أمنٍ عظيمٍ، والأعراب حوله ينهب بعضهم بعضًا، ويقتل بعضهم بعضًا، كما قال تعالى: (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ ?1?إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ?2?فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَ?ذَا الْبَيْتِ ?3?الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ?4?) [قريش: 1 - 4] .

وقوله: (أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ) [العنكبوت: 67] .

أي: أفكان شكرهم على هذه النعمة العظيمة أن أشركوا به، وعبدوا معه غيره من الأصنام والأنداد، و (بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ) [إبراهيم: 28] .

وكفروا بنبي الله وعبده ورسوله، فكان اللائق بهم إخلاص العبادة لله، وألا يشركوا به، وتصديق الرسول وتعظيمه وتوقيره، فكذبوه وقاتلوه وأخرجوه من بين ظهرهم؛ ولهذا سلبهم الله ما كان أنعم به عليهم، وقتل من قتل منهم ببدرٍ، وصارت الدولة لله ولرسوله وللمؤمنين، ففتح الله على رسوله مكة، وأرغم أنوفهم، وأذل رقابهم 88.

إن سنة الله ماضية، من أعرض عن شكر الله تعالى، وعن العمل الصالح وعن التصرف الحميد في نعم ربه عليه، فهو حري بسلب هذا الرخاء وإبداله جوعًا، وسلب نعمة الأمن وإبدالها خوفًا.

••أصحاب الجنة.

قال تعالى: (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ(17) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (18) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ) [القلم: 17 - 20] .

••صاحب الجنتين.

قال تعالى: (وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنا أَكثَرُ مِنكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا ?34? وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَن تَبيدَ هذِهِ أَبَدًا ?35? وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِن رُدِدتُ إِلى رَبّي لَأَجِدَنَّ خَيرًا مِنها مُنقَلَبًا ?36? قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرتَ بِالَّذي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلًا ?37? لكِنّا هُوَ اللَّهُ رَبّي وَلا أُشرِكُ بِرَبّي أَحَدًا?38? وَلَولا إِذ دَخَلتَ جَنَّتَكَ قُلتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلّا بِاللَّهِ إِن تَرَنِ أَنا أَقَلَّ مِنكَ مالًا وَوَلَدًا ?39? فَعَسى رَبّي أَن يُؤتِيَنِ خَيرًا مِن جَنَّتِكَ وَيُرسِلَ عَلَيها حُسبانًا مِنَ السَّماءِ فَتُصبِحَ صَعيدًا زَلَقًا ?40? أَو يُصبِحَ ماؤُها غَورًا فَلَن تَستَطيعَ لَهُ طَلَبًا ?41? وَأُحيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيهِ عَلى ما أَنفَقَ فيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُروشِها وَيَقولُ يا لَيتَني لَم أُشرِك بِرَبّي أَحَدًا ?42? وَلَم تَكُن لَهُ فِئَةٌ يَنصُرونَهُ مِن دونِ اللَّهِ وَما كانَ مُنتَصِرًا ?43? هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ هُوَ خَيرٌ ثَوابًا وَخَيرٌ عُقبًا) [الكهف: 34 - 44] .

فقول الظالم: (قالَ ما أَظُنُّ أَن تَبيدَ هذِهِ أَبَدًا) اغترارٌ منه لما رأى فيها من الزروع والثمار والأشجار والأنهار المطردة في جوانبها وأرجائها، ظن أنها لا تفنى ولا تفرغ ولا تهلك ولا تتلف وذلك لقلة عقله، وضعف يقينه بالله، وإعجابه بالحياة الدنيا وزينتها، وكفره بالآخرة 89.

تجيء قصة الرجلين والجنتين تضرب مثلًا للقيم الزائلة، والقيم الباقية، وترسم نموذجين واضحين للنفس المعتزة بزينة الحياة، والنفس المعتزة بالله.

وكلاهما نموذج إنساني لطائفة من الناس: صاحب الجنتين نموذج للرجل الثري، تذهله الثروة، وتبطره النعمة، فينسى الله ونعماءه، ويحسب هذه النعمة خالدة لا تفنى، فلن تخذله القوة ولا الجاه، وصاحبه نموذج للرجل المؤمن المعتز بإيمانه، الذاكر لربه، يرى النعمة دليلًا على المنعم، موجبة لحمده وذكره، لا لجحوده وكفره.

جنتان مثمرتان من الكروم، محفوفتان بسياج من النخيل، تتوسطهما الزروع، ويتفجر بينهما نهر، إنه المنظر البهيج والحيوية الدافقة والمتاع والمال، وها هو ذا صاحب الجنتين تمتلئ نفسه بهما، ويزدهيه النظر إليهما، فيحس بالزهو، وينتفش كالديك، ويختال كالطاووس، ويتعالى على صاحبه الفقير: (فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنا أَكثَرُ مِنكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا) .

ثم يخطو بصاحبه إلى إحدى الجنتين، وملء نفسه البطر، وملء جنبه الغرور، وقد نسي الله، ونسي أن يشكره على ما أعطاه، وظن أن هذه الجنان المثمرة لن تبيد أبدًا، أنكر قيام الساعة أصلًا، وهبها قامت فسيجد هنالك الرعاية والإيثار! أليس من أصحاب الجنان في الدنيا؟! فلابد أن يكون جنابه ملحوظًا في الآخرة! (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَ?ذِهِ أَبَدًا ?35?وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى? رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا ?36?) [الكهف: 35 - 36] .

إنه الغرور يخيل لذوي الجاه والسلطان والمتاع والثراء أن القيم التي يعاملهم بها أهل هذه الدنيا الفانية تظل محفوظة لهم حتى في الملأ الأعلى! فما داموا يستطيلون على أهل هذه الأرض فلابد أن يكون لهم عند السماء مكان ملحوظ! فأما صاحبه الفقير الذي لا مال له ولا نفر، ولا جنة عنده ولا ثمر فإنه معتز بما هو أبقى وأعلى، معتز بعقيدته وإيمانه، معتز بالله الذي تعنو له الجباه فهو يجبه صاحبه المتبطر المغرور منكرًا عليه بطره وكبره، يذكره بمنشئه المهين من ماء وطين، ويوجهه إلى الأدب الواجب في حق المنعم، وينذره عاقبة البطر والكبر، ويرجو عند ربه ما هو خير من الجنة والثمار (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا(37) لَّ?كِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (38) وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ? إِن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا (39) فَعَسَى? رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (40) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا) [الكهف: 37 - 41] .

وهكذا تنتفض عزة الإيمان في النفس المؤمنة، فلا تبالي المال والنفر، ولا تداري الغنى والبطر، ولا تتلعثم في الحق، ولا تجامل فيه الأصحاب، وهكذا يستشعر المؤمن أنه عزيز أمام الجاه والمال، وأن ما عند الله خير من أعراض الحياة، وأن فضل الله عظيم، وهو يطمع في فضل الله، وأن نقمة الله جبارة، وأنها وشيكة أن تصيب الغافلين المتبطرين.

وفجأة ينقلنا السياق من مشهد النماء والازدهار إلى مشهد الدمار والبوار، ومن هيئة البطر، والاستكبار إلى هيئة الندم والاستغفار، فلقد كان ما توقعه الرجل المؤمن (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى? مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى? عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا) [الكهف: 42] .

وهو مشهد شاخص كامل، الثمر كله مدمر، كأنما أخذ من كل جانب فلم يسلم منه شيء، والجنة خاوية على عروشها مهشمة محطمة، وصاحبها يقلب كفيه أسفًا وحزنًا على ماله الضائع وجهده الذاهب، وهو نادم على إشراكه بالله، يعترف الآن بربوبيته ووحدانيته، ومع أنه لم يصرح بكلمة الشرك، إلا أن اعتزازه بقيمة أخرى أرضية غير قيمة الإيمان كان شركًا ينكره الآن، ويندم عليه ويستعيذ منه بعد فوات الأوان 90.

••لاستقرار الأمن آثار على الفرد وعلى المجتمع منها: الهداية، وسعة الرزق ورغد العيش، ومنها: النجاة من العذاب الأليم في الآخرة، وسوف نتناول ذلك بالبيان فيما يأتي:

أولًا: الهداية إلى أقوم السبل، وتوفر السكينة والاطمئنان:

إن تتبعنا لمفهوم الأمن يوصلنا إلى حقيقة مفادها أنه مستقر في القلب، ومدار مادة (أمن) في اللسان العربي على سكينة يطمئن إليها القلب بعد اضطراب، وقول الراغب الأصفهاني يكاد يكون جامعًا لما في غيره مع تدقيق، يقول: «أصل الأمن: طمأنينة النفس وزوال الخوف، وآمن: إنما يقال على وجهين:

أحدهما: متعديًا بنفسه، يقال: آمنته، أي: جعلت له الأمن، ومنه قيل لله: مؤمن.

والثاني: غير متعد، ومعناه: صار ذا أمن، والإيمان هو التصديق الذي معه أمن» 91.

كأن الإمام الراغب لا يتصور أن يكون هناك مؤمن وليس عنده أمن، أي سكينة واطمئنان، أي استقرار لا اهتزاز ولا اضطراب ولا قلق ولا حيرة؛ لأنه مطمئن إلى ربه (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ ? أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [الرعد: 28] .

(هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ) [الفتح: 4] .

فالمدار إذن على وجود سكينة في القلب في جميع ما دارت فيه المادة سواء في صورة (أمن) أو (آمن) المتعدي واللازم، المدار على هذه السكينة وعلى هذه الطمأنينة التي تأتي في حقيقتها بعد نوع من القلق والاضطراب، وتأتي بعد قدر من الخوف، وهذا الخوف عبر عنه بالخوف نفسه، وعبر عنه بالبأس، وعبر عنه بالفزع (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ ?89?) [النمل: 89] .

وعبر عنه بألفاظ أخرى غير هذه الألفاظ، ولكن مؤداها جميعًا هي أنها تحدث لدى الإنسان ضربًا من الخوف، فإذا جاء الأمن أزال ذلك الخوف، هذا الأصل وهذا المدار الذي تدور عليه المادة يجعلنا نتجه إلى أن المعنى الذي للأمن هو أنه حال قلبية تجعل المتصف بها في الدنيا يرتاح ويطمئن، والموصوف بها في الآخرة يسعد وتحصل له السعادة الأبدية.

إن أثر الإيمان حسب النصوص الشرعية يطمئن النفوس، ويهدئ المجتمعات من القلاقل، والفتن والأزمات، في أمور كثيرة، اضطربت فيها أنظمة الأمم، وتباينت فيها الآراء رغبة في وجود حل، والقضاء على مشكلة، أجد أن هذا الحيز لا يفيها كلها، ولكن حسبنا الإشارة إلى نماذج منها مثل:

••الأمن الزراعي وتوفير الغذاء.

ونجد هذا في آيات كثيرة في كتاب الله الكريم، مثل سورة يوسف والنحل وغيرهما.

••الأمن الأسري ورباط الزوجية.

كما في قول الله تعالى: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ?74?) [الفرقان: 74] .

وقوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ? إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ?21?) [الروم: 21] .

••الأمن العائلي والاهتمام بالأولاد.

كما جاء في سورة النساء في تقسيم التركات.

••الأمن في الأوطان وحمايتها، والأمن الأخلاقي وتهذيب النفوس.

كما جاء في آيات سورة في تحريم الزنا، ومنع الخوض في أعراض الناس، وفي آداب الاستئذان، وفي فرضية الحجاب وآياته في سورة الأحزاب.

••أمن العقيدة وسلامة القلوب لارتباطها بالله وحده، ونبذ كل ما سواه.

يقول تعالى في هذا: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ ? أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ?28?) [الرعد: 28] .

وآيات سورة الروم وسورة الواقعة التي تربط الإنسان بخالقه المتصرف سبحانه في جميع الأمور.

••أمن المسكن وتوفير المعيشة.

وتوضح ذلك آيات متعددة من كتاب الله الكريم كما في سورة النحل.

••الأمن الاقتصادي وحرية الحركة في الأموال بيعًا وشراء، بعد أداء حق الله فيها بالزكاة والصدقة.

وقد حظيت الزكاة والصدقة بتوجيهات كبيرة من القرآن الكريم والسنة المطهرة؛ لتهذيب النفوس وتعويدها على البذل والعطاء براحة نفس واطمئنان خاطر، وفي السر آكد؛ لأنها أبعد عن المراءاة.

••الأمن بالهجرة لمكان آخر إذا كان المرء لا يستطيع أداء شعائر دينه، أو يجد مضايقات من أعداء دينه، وهذا هو الأمن على العبادة.

وقد حكى الله عمن لم ينج بدينه وهو قادر: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ ? قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ? قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ? فَأُولَ?ئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ? وَسَاءَتْ مَصِيرًا ?97?إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا ?98?فَأُولَ?ئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ ? وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا ?99?وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً ? وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ? وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ?100?) [النساء: 97 - 100] .

ولكي يجعل الله مأمنًا ومخرجًا لهؤلاء المستضعفين غير القادرين على الهجرة والنجاة بأنفسهم فإن مما يطمئنهم أن الفئة المؤمنة مأمورة بالجهاد لتخليصهم ونصرتهم.

قال تعالى: (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَ?ذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا ?75?) [النساء: 75] .

••الأمن بالتوبة.

وهذا هو أمن المصير، وراحة النفس في الدنيا بالابتعاد عن أمر يؤرق النفس، ويخيفها التلبس به، وآيات التوبة في كتاب الله الكريم كثيرة ومتعددة.

••أمن النفوس بمجاهدة الكفار؛ لإظهار دين الله، ولإسعاد البشرية بتبليغه.

كما توضح ذلك سورة الأنفال وسورة التوبة وسورة البقرة، وغيرها في مواطن كثيرة من كتاب الله؛ لأن قمع أعداء الله وأعداء رسالاته لا يكون إلا بقوة السلاح، ودفاع المجاهدين المتحمسين لإظهار دينه.

وتأمين النفوس من التأثيرات الخفية، وحفظها من أثر ذلك كالسحر ونفثات الشيطان، كما جاء في المعوذتين، وقل هو الله أحد، وآية الكرسي، ففي هذا حرز للنفس وأمان لها من المؤثرات النفسية، ووساوس الشيطان وأتباعه.

••الأمن بالمشورة في كل أمر حتى يخف ما على كاهل الإنسان بإعطائه للآخرين، فيشاركون في الرأي.

كما في قوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159] .

وغير هذا من الأمور التي جعلت الشريعة الإسلامية فيها حلولًا لكل ما يعترض الإنسان في هذه الحياة، حيث يجد المرء في المخارج ما يريح نفسه، ويعينه على التغلب على المشكلة التي اعترضته؛ لأن في كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام ما ينير الطريق، ويوضح المعالم، ويهدئ النفوس.

وقد وصف الله الفئة المؤمنة بآيات كريمات في مطلع سورة سميت باسمهم، أعطتهم صفات مطمئنة ومريحة؛ لأنهم في يقين ورضًا.

قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون: 1 - 11] 92.

وقال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28] .

فلا سعادة لإنسان بلا سكينة نفس، ولا سكينة نفس بلا اطمئنان القلب، ومما لا شك فيه أن كلًا منا يبحث عن السعادة ويسعى إليها، فهي أمل كل إنسان، ومنشود كل بشر، والتي بها يتحقق له الأمن النفسي.

وليس الأمن النفسي بالمطلب الهين، فبواعث القلق والخوف والضيق ودواعي التردد والارتياب والشك تصاحب الإنسان منذ أن يولد وحتى يواريه التراب.

وإن الإسلام ليقيم صرحه الشامخ على عقيدة أن الإيمان مصدر الأمان، فالإقبال على طريق الله هو الموصل إلى السكينة والطمأنينة والأمن؛ ولذلك فإن الإيمان الحق هو السير في طريق الله للوصول إلى حب الله، والفوز بالقرب منه تعالى.

قال ابن القيم: «إن ذكر الله عز وجل يذهب عن القلب مخاوفه كلها، وله تأثير عجيب في حصول الأمن، فليس للخائف الذي قد اشتد خوفه أنفع من ذكر الله عز وجل؛ إذ بحسب ذكره يجد الأمن ويزول خوفه، حتى كأن المخاوف التي يجدها أمان له، والغافل خائف مع أمنه حتى كأن ما هو فيه من الأمن كله مخاوف، ومن له أدنى حس قد جرب هذا وهذا، والله المستعان» 93.

وكذلك شرع الإسلام ما يحمي الإنسان، ويجعله آمنًا على نفسه، فحرم الله تعالى قتل النفس بغير الحق، كما قال سبحانه: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الأنعام: 151] .

وقال: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} [الإسراء: 33] .

وفي حماية الأموال قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} [النساء: 29 - 30] .

ومن الحدود التي تحافظ على أمن المجتمع كله حد الحرابة، قال تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 33 - 34] .

وهكذا كل الشريعة تحفظ على الناس أمنهم بطرق كثيرة، فيترتب عليه شيوع الأمن في المجتمع المسلم، ومن ثم يتوفر الناس لأمور دينهم ودنياهم.

ثانيًا: سعة الرزق والرغد:

باستقراء جزئي لبعض نصوص القرآن الكريم نجد اقترانًا وجيهًا بين الأمن والرزق، ومن ذلك:

قال تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل: 112] .

وهنا عقوبة بعد امتنان، وهدم بعد تشييد، فيظهر الله منته على عبادة بقوله: {آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ} فقرن بين الأمن والكفاية في الرزق؛ بل من كمال فضله على أهل هذه القرية زيادة على الأمن تفضل عليهم بالطمأنينة، وهي الاستقرار النفسي من الداخل، فكانوا في آمن من عدو خارجي، واستقرار نفسي داخلي، ثم بين أن رزقها يأتيها ليس كفافًا أو كفاية؛ بل يأتيها رغدًا كثيرًا هنيئًا متنوعًا من كل مكان، فقد بلغ أهل القرية غاية الأرب، ومنتهى الطلب في مقصدي الأمن والكفاية، فلما كفرت بتلك النعم حرمت من الكأس الذي به كان الامتنان، فتبدل الأمن خوفًا والرزق جوعًا.

وفي هذه الآية دلالة صريحة على أن أعظم المنة على النفس توفير الآمن وكفاية العيش.

وقال تعالى: {الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} [قريش: 4] .

ووردت هذه الآية في معرض المنة على كفار قريش في جاهليتهم، فكانوا أعز العرب منعة وأكثر هم مهابة، وتجلب لها الأرزاق والأنعام من حيث شاءوا.

وقال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 155] .

فقرن في عقوبة الابتلاء بين الخوف والجوع، فبفقدهما تكون أعظم المصائب وأجل الخطوب.

وقال تعالى: {وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [القصص: 57] .

فقرن في الامتنان على كفار قريش بين الأمن والرزق، وهذا التلازم بين هذين المقصدين يقتضى الوقوف عنده كثيرًا.

وقال تعالى عن دعاء إبراهيم عليه السلام: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ} [البقرة: 126] .

وهنا عندما طلب إبراهيم عليه السلام من ربه الحياة الكريمة لمن سيؤول إليه سكن مكة، طلب أعز موجود، وأعظم مفقود، وهما الأمن والرزق، وهذا دلالة على أنهما ركيزتان للحياة الإنسانية الكريمة.

وقدم طلب الأمن على سائر المطالب المذكورة بعده؛ لأنه إذا انتفى الأمن لم يفرغ الإنسان لشيءٍ آخر من أمور الدين والدنيا 94، وهكذا في آيات كثيرة.

وقال تعالى: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الأنفال: 26] .

وفي هذه الآية الكريمة يذكر الله أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم بأعظم منتين امتن الله بهما عليهم، وهما الأمن بعد الخوف، والرزق بعد شظف العيش.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أصبح منكم آمنًا في سربه، معافًى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا) 95.

وهذا الحديث أصل في هذا الباب، فقد ذكر فيه الدعائم الأساسية في حياة الفرد، وهي تنطبق تباعًا على المجتمعات والتكتلات بكل مفرداتها، وهذه الأسس هي: الأمن والعافية والقوت (الرزق) فمن جوامع الخير وحقوق الآدمية للفرد والجماعة أن يوفر لهم الأمن بكل أنواعه، والرزق بصنوف حاجاته وعلائقه.

وإذا كنا قد اتفقنا على أن أعظم طرق الأمن هو الإيمان، فإن الإيمان بالله هو الذي يجعل المجتمع في رغد وسعة من الرزق.

ولذلك قال سبحانه: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (97) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف: 96 - 99] .

فذكر الله تعالى أن هذه القرى لما كانت آمنة كانت البركات تنزل عليهم، فلما كفروا أبدلهم الله بالأمن خوفًا، وزالت النعمة عنهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت