فهرس الكتاب

الصفحة 594 من 2431

فانطمست فيه تلك المنافذ التي يدخل منها النور، وتلك المدارك التي يتسرب منها الهدى، وتعطلت فيه أدوات الإدراك بطاعة للهوى طاعته العبادة والتسليم {فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ} [الجاثية: 23] 104.

وجملة القول: إنّ من سننه تعالى في البشر أن من يتبع هواه في أعماله، ويستمرّ على ذلك ويدمنه الزمن الطويل، تضعف إرادته في هواه حتى تذوب وتفنى فيه، فلا تعود تؤثر فيه المواعظ القولية، ولا العبر المبصرة ولا المعقولة، وهذه الحالة يعبر عنها بالختم والرين والطبع على القلب، والصمم والعمى والبكم 105.

رابعًا: عدم الانتفاع بآيات الله في الآفاق:

ومن أسباب الطبع على القلوب عدم الانتفاع بآيات الله تعالى. سواء كانت هذه الآيات منظورة في الكون الفسيح أو مسطورة في القرآن الكريم كقصص الأمم السالفة. وقد أرشد الله تعالى الناس إلى التأمل والتفكر والتدبر ليقيم الحجة على خلقه بآياته الكونية -الأفقية والنفسية-، لذا نجده سبحانه وتعالى في كتابه الكريم يكثر من الاستدلال على العلم والقدرة والحكمة بأحوال السماوات والأرض وتعاقب الليل والنهار وكيفية تبدل الضياء بالظلام وبالعكس، وأحوال الشمس والقمر والنجوم، وأمر بالنظر في ملكوت السماء والأرض وبالتفكر فيهما.

وإن من أعظم أسباب الضلال عدم تدبر القرآن وترك التفكر في حال الرسول وعدم النظر في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله، قال تعالى: {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 185] .

إنّ القلب محل التدبر والتفكر بآيات الله تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24] .

أي: بل على قلوب أقفال تمنع من التدبر والتفكر، وبه يتدبر آيات الله الكونية الخلقية في الآفاق وفي الأنفس، قال الله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46] .

فبيّن سبحانه وتعالى أن المعتبر في الانتفاع بالآيات الخلقية والكونية في الأنفس والآفاق عقل القلوب وإبصارها.

قال الطبري: أفلم يسيروا هؤلاء المكذّبون بآيات الله والجاحدون قدرته في البلاد، فينظروا إلى مصارع ضربائهم من مكذّبي رسل الله الذين خلوا من قبلهم، كعاد وثمود وقوم لوط وشعيب، وأوطانهم ومساكنهم، فيتفكّروا فيها ويعتبروا بها ويعلموا بتدبرهم أمرها وأمر أهلها، سنة الله فيمن كفر وعبد غيره وكذّب رسله، فينيبوا من عتوّهم وكفرهم، ويكون لهم إذا تدبروا ذلك واعتبروا به وأنابوا إلى الحقّ {قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا} حجج الله على خلقه وقدرته على ما بيّنا {أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا} يقول: أو آذان تصغي لسماع الحقّ فتعي 106.

وذكر الزمخشري لطيفة في هذه الآية حيث قال: قد تعورف واعتقد أنّ العمى على الحقيقة مكانه البصر، وهو أن تصاب الحدقة بما يطمس نورها. واستعماله في القلب استعارة ومثل، فلما أريد إثبات ما هو خلاف المعتقد من نسبة العمى إلى القلوب حقيقة ونفيه عن الأبصار، احتاج هذا التصوير إلى زيادة تعيين وفضل تعريف، ليتقرّر أنّ مكان العمى هو القلوب لا الأبصار، كما تقول: ليس المضاء للسيف ولكنه للسانك الذي بين فكيك، فقولك: «الذي بين فكيك» تقرير لما ادّعيته للسانه وتثبيت؛ لأنّ محلّ المضاء هو هو لا غير، وكأنك قلت: ما نفيت المضاء عن السيف وأثبته للسانك فلتة وسهوًا، بل تعمدنا ذلك تعمدًا 107.

لقد أظهر الله تعالى اليأس من إيمانهم، لأن القلوب قد عميت، فلا تبصر الدلائل الكونية، ولا البراهين العقلية فقال: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46] 108.

ومما يؤكد ضرورة العناية بالقلب أنه هو المطية التي يقطع بها العبد سفر الآخرة، فإن السير إلى الله تعالى سير القلوب لا سير الأبدان. يقول الحافظ ابن رجب: الاعتبار بلين القلوب وتقواها وتطهيرها عن الآثام فسفر الدنيا ينقطع بسير الأبدان وسفر الآخرة ينقطع بسير القلوب. وقال بعض العارفين: إن سير القلوب أبلغ من سير الأبدان. كم من واصل ببدنه إلى البيت وقلبه منقطع عن رب البيت، وكم من قاعد على فراشه في بيته وقلبه متصل بالمحل الأعلى 109.

فمجرّد سماع القصص، ورؤية الآثار، والعلم بالأمم الخالية التي عوقبت لإعراضها، لا خير يرجى من ذاك ما لم يكن معه عبرة توصل إلى التوبة والتقوى؛ لذا بيّن تعالى أنّ العمى الضّارّ هو عمى البصيرة؛ لأنّها قوة فقه العبر، والنفاذ إلى المغزى، والتيقّن من الحق، والطمأنينة بالمعاينة القلبيّة؛ لذا بعدها يكون التذكر؛ لقوله تعالى: {تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ} [ق: 8] .

فالتبصّر آلة البصر، والتذكرة آلة الذكر، وهما للعبد المنيب التائب، فيبصر مواقع الآيات، ومحال العبر؛ فيزول عنه العمى والغفلة فيتذكر؛ لأنّ التبصّر يوجب حصول صورة المدلول بعد الغفلة عنها، فيتذكّر فيكون من أولي الألباب، وهم أعلى من أولي الأبصار؛ لذا قيل: إن الله يحب ذا البصر النافذ عند ورود الشبهات، والعقل الكامل عند حلول الشهوات.

ومما تقدم نخلص إلى أنّ البصيرة خصّت بالعبرة، واللّبّ خصّ بالتذكّر، فالبصيرة نورٌ في القلب؛ لقوله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46] .

فأمر بالسياحة في الأرض، وتأمّل آثار الأمم الغابرة، وما حلّ بها بعد أن عمرت في الأرض قرونًا، فذكر ما يتكامل به الاعتبار؛ لأنّ الرؤية لها حظٌّ عظيم في الاعتبار، مع الاستماع لقصص من مضى، ولكن لا يكمل الأمر إلاّ بالتدبّر بالقلب، «وعقل ذلك؛ بأن يعقل التّوحيد بما حصل له من الاستبصار والاعتبار» 110.

من المعلوم أن قلب المرء هو منطلق أعماله، فبصلاحه تصلح الأعمال عند الله وتزكو، وبفساده تفسد ولا ينتفع بها، ومن ثم فإن من فقه المرء ورجاحة عقله أن يحرص على سلامة قلبه ويجنبه دنس الشرك والآثام والذنوب، ولابد للمسلم أن يسلك الطرق التي تجنبه الطبع على القلوب لا سيما عندما تشرئب الفتن ويعظم الجهل بدين الله. وسنتحدث في المطالب الآتية عن أهم طرق تجنب الطبع والختم على القلوب، ومنها: الاستجابة لدواعي الحق سبحانه وتعالى في كتابه الكريم. ومعرفة الله تعالى والبصيرة في الدين. والانتفاع بآيات الله تعالى في الآفاق والأنفس، ومن ثم الاعتبار بالمصائب والمحن والشدائد فهي تمحص قلب المؤمن وتميز الخبيث من الطيب، لذلك ينبغي للمسلم أن يعرف هذه الطرق والوسائل كي يتجنب الطبع على قلبه.

أولًا: الاستجابة لدواعي الحق:

إن من أسباب شفاء القلوب من مرضها وتجنب الختم والطبع عليها الاستجابة لأوامر الله تعالى وما أنزله الله في كتابه.

قال تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد: 16] .

فذكر الله تعالى وقراءة القرآن الكريم وتدبره والعمل بمقتضاه، تنجي القلب من قسوته وتجنبه الطبع والران الذي يصيبه.

قال ابن القيم رحمه الله: القرآن حياة القلوب، وشفاء لما في الصدور، فبالجملة لا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر، والتفكر، وهذا الذي يورث المحبة والشوق، والخوف، والرجاء، والإنابة، والتوكل، والرضى، والتفويض، والشكر، والصبر، وسائر الأحوال التي بها حياة القلب، وكماله، وكذلك يزجر عن جميع الصفات والأفعال المذمومة التي بها فساد القلب، وهلاكه، فلو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواها 111.

وقال الحافظ ابن رجب: وفي الآية إشارة إلى أن من قدر على إحياء الأرض بعد موتها بوابل القطر فهو قادر على إحياء القلوب الميتة القاسية بالذكر، عسى لمحة من لمحات عطفه ونفحة من نفحات لطفه وقد صلح من القلوب كل ما فسد 112.

وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [الأنفال: 24] .

قال الطبري: أي: استجيبوا للحق الذي جاءكم من الله عن طريق رسوله صلى الله عليه وسلم فإن الله تعالى أملك لقلوب عباده من أنفسهم، وأنه يحول بينهم وبينها إذا شاء، حتى لا يقدر ذو قلب أن يدرك به شيئًا من إيمان أو كفر، أو أن يعي به شيئًا، أو أن يفهم، إلا بإذنه ومشيئته. وذلك أن «الحول بين الشيء والشيء» ، إنما هو الحجز بينهما، وإذا حجز جل ثناؤه بين عبد وقلبه في شيء أن يدركه أو يفهمه، لم يكن للعبد إلى إدراك ما قد منع الله قلبه إدراكه سبيلٌ 113.

وقيل في معنى الآية: إنه سبحانه قريب من قلبه لا تخفى عليه خافية. فهو بينه وبين قلبه. قال ابن القيم: وكان هذا أنسب بالسياق؛ لأن الاستجابة أصلها بالقلب فلا تنفع الاستجابة بالبدن دون القلب، فإن الله سبحانه بين العبد وبين قلبه. فيعلم هل استجاب له قلبه، وهل أضمر ذلك أو أضمر خلافه 114.

قال ابن القيم: إنّ الحياة النافعة إنما تحصل بالاستجابة لله ورسوله، فمن لم تحصل له هذه الاستجابة فلا حياة له وإن كانت له حياة بهيمية مشتركة بينه وبين أرذل الحيوانات، فالحياة الحقيقية الطيبة هي حياة من استجاب لله والرسول ظاهرًا وباطنًا، فهؤلاء هم الأحياء وإن ماتوا، وغيرهم أموات وإن كانوا أحياء الأبدان، ولهذا كان أكمل الناس حياة أكملهم استجابة لدعوة الرسول والتي تتمثل بالإسلام والإيمان والقرآن والجهاد في سبيل الله 115. فمن استجاب فاز ونجا، ومن ترك الاستجابة عاقبه الله تعالى بأن يحول بينه وبين قلبه فلا يقدر على الاستجابة بعد ذلك، فيطبع ويختم على قلبه 116.

قال سيد قطب في تفسير قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} [الأنفال: 24] : ويا لها من صورة رهيبة مخيفة للقدرة القاهرة اللطيفة. {يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} فيفصل بينه وبين قلبه ويستحوذ على هذا القلب ويحتجزه، ويصرفه كيف شاء، ويقلبه كما يريد. وصاحبه لا يملك منه شيئًا وهو قلبه الذي بين جنبيه! إنها صورة رهيبة حقًّا يتمثلها القلب في النص القرآني، ولكن التعبير البشري يعجز عن تصوير إيقاعها في هذا القلب، ووصف هذا الإيقاع في العصب والحس! إنها صورة تستوجب اليقظة الدائمة، والحذر الدائم، والاحتياط الدائم. اليقظة لخلجات القلب وخفقاته ولفتاته والحذر من كل هاجسة فيه وكل ميل مخافة أن يكون انزلاقا والاحتياط الدائم للمزالق والهواتف والهواجس .. والتعلق الدائم بالله سبحانه مخافة أن يقلب هذا القلب في سهوة من سهواته، أو غفلة من غفلاته، أو دفعة من دفعاته.

ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو رسول الله المعصوم يكثر من دعاء ربه: (اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) 117. فكيف بالناس، وهم غير مرسلين ولا معصومين؟! إنها صورة تهز القلب حقًّا ويجد لها المؤمن رجفة في كيانه حين يخلو إليها لحظات، ناظرًا إلى قلبه الذي بين جنبيه، وهو في قبضة القاهر الجبار وهو لا يملك منه شيئًا، وإن كان يحمله بين جنبيه ويسير! صورة يعرضها على الذين آمنوا وهو يناديهم: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24] .

ليقول لهم: إن الله قادر على أن يقهركم على الهدى- لو كان يريد- وعلى الاستجابة التي يدعوكم إليها هذه الدعوة، ولكنّه سبحانه يكرمكم فيدعوكم لتستجيبوا عن طواعية تنالون عليها الأجر وعن إرادة تعلو بها إنسانيتكم وترتفع إلى مستوى الأمانة التي ناطها الله بهذا الخلق المسمى بالإنسان. أمانة الهداية المختارة وأمانة الخلافة الواعية، وأمانة الإرادة المتصرفة عن قصد ومعرفة 118.

ثانيًا: معرفة الله والبصيرة في الدين:

أما السبب الثاني من أسباب شفاء القلوب وصلاحها وحياتها وصحتها وتجنب الطبع أو الختم عليها هو أن يستقرّ فيها معرفة الله تعالى وعظمته، ومحبته وخشيته والإنابة إليه. قال سعيد بن إسماعيل رحمه الله: «صلاح القلب من أربع خصال: التواضع لله، والفقر إلى الله، والخوف من الله، والرجاء لله» 119.

ومعرفة الله سبحانه وتعالى تكون بالقلب والعقل معًا، فالتفكر في مخلوقات الله يكون بالعقل، ثم ينتقل من دائرة العقل إلى دائرة اليقين بالقلب، وقد قرنت الآيات القرآنية التفكر في خلق السماوات والأرض - وهذا يكون بالعقل - بالتوجه القلبي لذكر الله وعبادته فقال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 190 - 191] .

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: «الرب تعالى يدعو عباده في القرآن إلى معرفته من طريقين: أحدهما: النظر في مفعولاته، والثاني التفكر في آياته وتدبرها، فتلك آياته المشهودة، وهذه آياته المسموعة المعقولة» 120.

ولمعرفة الله عزوجل دور كبير في إخضاع القلب له سبحانه؛ لأنه بقدر المعرفة تكون العبودية، فنحن نحتاج لمعرفة الله عز وجل لتزداد خشيتنا له، وخوفنا منه، ورجاؤنا فيه، وتوكلنا عليه وغير ذلك من ألوان العبودية، وقد سأل موسى عليه السلام ربه: «يا رب أي عبادك أخشى لك؟ فقال: أعلمهم بي» 121.

وما أنزل القرآن الكريم وما بعث الرّسل إلا لشيء واحد كل شيء يندرج فيه، ألا وهو أن يعرّف بالرب تبارك وتعالى وأعظم التعريف برب العالمين جل جلاله توحيده، فما توحيده إلا ناجم عن المعرفة الحقة به، وقال أحمد بن عاصم: «من كان بالله أعرف كان من الله أخوف» 122. فأصل الدين معرفة الله؛ لأنك إذا عرفت الله، ثم عرفت أمره فإنك تتفانى في طاعته.

فالقلوب إذا لم يحركها معرفة الله عز وجل وتعظيمه، فإنّ العطب سيتمكن منها، والطبع والران سيكسوها، يقول ابن رجب رحمه الله: «فلا صلاح للقلوب حتى تستقر فيها معرفة الله وعظمته ومحبته وخشيته ومهابته ورجاؤه والتوكل عليه، وتمتلئ من ذلك، وهذا هو حقيقة التوحيد، وهو معنى (لا اله إلا الله) ، فلا صلاح للقلوب حتى يكون إلهها الذي تألهه وتعرفه وتحبه وتخشاه هو الله وحده لا شريك له» 123.

وعن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه) 124. والمراد باستقامة إيمانه: استقامة أعمال جوارحه، فإن أعمال جوارحه لا تستقيم إلا باستقامة القلب، ومعنى استقامة القلب: أن يكون ممتلئًا من محبة الله، ومحبة طاعته، وكراهة معصيته 125.

يقول ابن القيم: «فكيف بالمحبة التي هي حياة القلوب وغذاء الأرواح؟ وليس للقلب لذة ولا نعيم ولا فرح ولا حياة إلا بها، وإذا فقدها القلب كان ألمه أعظم من ألم العين إذا فقدت نورها، بل فساد القلب إذا خلا من محبة فاطره وبارئه» 126.

فمن أعظم وسائل علاج القلب وصحته وسلامته من الأمراض: أن يمتلئ قلب الإنسان بمحبة الله.

يقول ابن القيم رحمه الله: فالقلب لا يفلح ولا يصلح ولا ينعم ولا يتلذذ ولا يسكن، إلا بعبادة ربه وحبه، والإنابة إليه، ولو حصل له جميع ما يلتذ به من المخلوقات لم يطمئن إليها، ولم يسكن إليها، بل لا تزيده إلا فاقةً وقلقًا حتى يظفر بما خلق له، وهي له: من كون الله وحده نهاية مراده، وغاية مطالبه، وكلما تمكنت محبة الله من القلب وقويت فيه أخرجت منه تألّهه لما سواه وعبوديته له 127.

فالمسلم لا بد أن يعبد الله على بصيرة؛ لأنها تقوده إلى الفهم الثاقب الصحيح في دين الله كونها أساس السعادة ومنبع الخير، وتكمن أهمية البصيرة في دين الله عزوجل باكتساب الثقة في النفس والطمأنينة وانشراح الصدر.

ولأهمية البصيرة في الدين فقد جعلها ابن القيم رحمه الله المنزلة الثانية من منازل {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} حيث يقول: «فالبصيرة نور يقذفه الله في القلب، يرى به حقيقة ما أخبرت به الرسل، كأنه يشاهده رأي العين، فيتحقق مع ذلك انتفاعه بما دعت إليه الرسل، وتضرره بمخالفتهم، وهذا معنى قول بعض العارفين: البصيرة تحقق الانتفاع بالشيء والتضرر به» 128.

ولقد ذكر الله عز وجل البصيرة في كتابه العزيز بل وربطها بمقام الدعوة الذي هو من أجل المقامات حيث قال عزوجل: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108] .

جاء في لسان العرب: البصيرة الحجة والاستبصار من الشيء. والبصر نفاذ في القلب، وبصر القلب نظره وخاطره، والبصيرة هي عقيدة القلب 129.

وقال الراغب الأصفهاني: يقال لقوة القلب المدركة: بصيرة وبصر، وجمع البصر أبصار، وجمع البصيرة بصائر، ومنه {عَلَى بَصِيرَةٍ} أي: معرفة وتحقق 130.

وذكر الكفوي رحمه الله أن البصيرة: «قوة في القلب تدرك بها المعقولات، وقوة القلب المدركة بصيرة» 131.

وقال القرطبي: أي: «على يقين وحق» 132.

وقال البيضاوي: «أي: بيان وحجة واضحة غير عمياء» 133.

وقال الإمام البغوي: «البصيرة هي المعرفة التي تميز بها الحق والباطل» 134.

وقال الإمام البقاعي {عَلَى بَصِيرَةٍ} أي: «حجة واضحة من أمري، بنظري الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة، وترك التقليد الدال على الغباوة والجمود، لأن البصيرة المعرفة التي يتميز بها الحق من الباطل دينًا ودنيا بحيث يكون كأنه يبصر المعنى بالعين» 135.

فالبصيرة هي الدليل الواضح من غير لبس فيه، الذي يعصم الإنسان من الزلل والشطط والانحراف، ويهديه الى جادة الصواب ويصحح سلوكه، والبصيرة هي الدين والبيان، وهي العلم الذي تميز به الحق والباطل، بل هي النور الذي يبصر به القلب والحجة التي تدرك بها الحقائق العملية.

والبصيرة فعلها ووظيفتها التبصر، وهذه درجة قبل التذكر، فهي نور في القلب يبصر به، فيقوم في قلبه شواهد الحق ويرى حقيقة ما يبلغه ويخبر به عن طريق الرسل، فالبصيرة هي ما يخلصك من الحيرة، فمن عرفها ورزقها وذاقها فإنه يسير في حياته على هدى من ربه ويقين، من غير شك ولا شبهة ولا اضطراب.

فهناك بصر وبصيرة، وهناك رؤية عينية ورؤية قلبية، فقد يمر الإنسان ببصره على كثير من الآيات والدلائل على القدرة الإلهية ولا يحسّ بها ولا يدرك حقيقتها؛ لأن بصيرته مظلمة، ولأن قلبه أعمى، وقد تنكشف الحقائق فيراها أمامه جلية واضحة، يراها بقلبه، يراها ببصيرته، التي في أعماق نفسه، فيدرك أبعادها ويفهم دقائقها فيعرف ما ورائها من حكمة.

والبصيرة في الدين من أعظم ما يرزق به المتقي، حيث تكون له بصيرة وفرقان يفرّق به بين الحق والباطل وأن يكون له نورًا يضيء دربه فيحذر الشر ويرجو الخير.

وختامًا يمكن القول: إن معرفة الله والبصيرة في الدين هي خير دواء للقلوب من أمراضها؛ لأنها تجعل القلب دائم الحضور مع الله، حتى يصبح القلب حيًّا أبيض يشعّ النور من جنباته؛ لأن البصيرة في الدين هي الرؤية الإيمانية التي تضيء القلوب بنور الإيمان، فيرى الوجود بعين البصيرة لا بعين البصر، لأن القلب البصير أصبح يعقل ويدرك فتتكشف أمامه الحقائق كما يسلط النور على الأشياء فتتضح وسط الظلمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت