فهرس الكتاب

الصفحة 308 من 2431

اليقين

أولًا: المعنى اللغوي:

«الياء والقاف والنون: اليقن واليقين: زوال الشك. يقال يقنت، واستيقنت، وأيقنت» 1.

اليقين: العلم وزوال الشك. يقال منه: يقنت الأمر يقنًا، وأيقنت، واستيقنت، وتيقنت، كله بمعنًى، وأنا على يقين منه، وإنما صارت الياء واوًا في قولك: موقنٌ؛ للضمة قبلها، وقد أيقن يوقن إيقانًا، فهو موقنٌ، وإذا صغرته رددته إلى الأصل وقلت: مييقنٌ، وربما عبروا عن الظن باليقين، وباليقين عن الظن، فاليقين: نقيض الشك، والعلم نقيض الجهل، تقول: علمته يقينًا، وأنا على يقين منه 2. واليقنة من الناس: يقال رجل يقنة، والهاء للمبالغة، ورجل ميقان: يصدق ما يقال له، وهي ميقانة 3.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

تعددت تعريفات العلماء لليقين وهي على النحو التالي:

اعتقاد الشيء بأنه كذا مع اعتقاد أنه لا يمكن إلا كذا، مطابقًا للواقع غير ممكن الزوال والقيد 4.

وقيل: «هو إيقان العلم بنفي الشك والشبهة عنه بالاستدلال.

وقيل: هو سكون النفس مع إثبات الحكم.

وقيل: الاعتقاد الجازم الثابت المطابق للواقع.

وقيل: عبارة عن العلم المستقر في القلب؛ لثبوته من سبب متعين له بحيث لا يقبل الانهدام» 5.

وقيل: العلم الحاصل عن نظرٍ واستدلالٍ 6.

ولعل هذه التعريفات متقاربة في أداء المعنى المراد لليقين، وخلاصتها الاعتقاد الجازم والعلم الثابت في القلب، مع نفي الشك والشبهة عنه، وهذا معناه في اللغة.

وردت مادة (يقن) في القرآن الكريم (28) مرة 7.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 1 ... {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل:14]

الفعل المضارع ... 13 ... {وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) } [البقرة:4]

اسم الفاعل ... 6 ... {وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) } [الأنعام:75]

الصفة المشبهة ... 8 ... {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99) } [الحجر:99]

وجاءت كلمة اليقين في الاستعمال القرآني على خمسة أوجه 8:

الأول: التصديق: ومنه قوله تعالى: {وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} [البقرة:4] . أي: بالبعث يصدقون.

الثاني: الصدق: ومنه قوله تعالى: {وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} [النمل: 22] . أي: بخبر صدق.

الثالث: المشاهدة والعيان: ومنه قوله تعالى: {كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) } [التكاثر:5] . أي: علم العيان.

الرابع: الموت: ومنه قوله تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99) } [الحجر:99] . يعني: الموت.

الخامس: العلم المتيقن: ومنه قوله تعالى: {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا} [النساء: 157] . أي: وما قتلوه علمًا.

العلم:

العلم لغةً:

العين واللام والميم أصل صحيح واحد، يدل على أثرٍ بالشيء يتميز به عن غيره، من ذلك العلامة، وهي معروفة، والعَلَمُ: الراية، والجمع: أعلام، والعِلْمُ: نقيض الجهل، وتعلمت الشيء: أخذته، وتعلمت، أي: علمت 9.

العلم اصطلاحًا:

الاعتقاد الراجح المانع من النقيض.

وقيل: إدراك الشيء بحقيقته 10.

الصلة بين العلم واليقين:

إن العلم هو اعتقاد الشيء على ما هو به على سبيل الثقة، واليقين: هو سكون النفس وثلج الصدر بما علم، ولهذا لا يجوز أن يوصف الله تعالى باليقين 11.

وقيل: اليقين: لا شك فيه، فهو استقرار العلم الذى لا يحول ولا ينقلب ولا يتغير في القلب، والعلم يعارضه الشكوك، وهو على درجات، فمن أعلى درجات العلم، ومن أكملها، وأرفعها، وأقواها، وأثبتها درجة اليقين 12.

الظن:

الظّنُّ لغةً:

الظاء والنون أصل صحيح يدل على معنيين مختلفين: يقين وشكٌّ، فأما اليقين فقول القائل: ظَنَنْتُ ظنًّا، أي: أيقنت، والأصل الآخر: الشكُّ، يقال: ظننت الشيء، إذا لم يتيقنه، ومن ذلك الظنة: التهمة. والجمع: الظنن 13.

الظَّنُّ اصطلاحًا:

قال الأصفهاني: «اسم لما يحصل عن أمارة، ومتى قويت أدت إلى العلم، ومتى ضعفت جدًّا لم يتجاوز حدَّ التوهم» 14، وقال الجرجاني: «هو الاعتقاد الراجح مع احتمال النقيض، ويستعمل في اليقين والشكِّ، وقيل: الظنُّ: أحد طرفي الشكِّ بصفة الرجحان» 15.

الصلة بين اليقين والظنِّ:

اليقين: قطعيٌّ لا ظنَّ ولا شك فيه، لذلك لا يوجد طرفان ليتم الترجيح بينهما، الظنُّ: فيه شك، ويتطلب رجحان أحد طرفي التجوز.

الشك:

الشكُّ لغةً:

الشين والكاف أصل واحد مشتق بعضه من بعض، وهو يدل على التداخل، والشكُّ الذي هو خلاف اليقين، إنما سمي بذلك؛ لأنَّ الشاكَّ كأنه شكَّ له الأمران في مشكٍّ واحد، وهو لا يتيقن واحدًا منهما، فمن ذلك اشتقاق الشكِّ 16.

الشكُّ اصطلاحًا:

هو اعتدال النقيضين عند الإنسان وتساويهما، وذلك قد يكون لوجود أمارتين متساويتين عند النقيضين، أو لعدم الأمارة فيهما 17. وقال الجرجاني رحمه الله: «الشكُّ هو التردد بين النقيضين بلا ترجيح لأحدهما على الآخر عند الشاكِّ، وقيل: الشكُّ ما استوى طرفاه، وهو الوقوف بين الشيئين لا يميل القلب إلى أحدهما، فإذا ترجح أحدهما ولم يطرح الآخر فهو ظنٌّ، فإذا طرحه فهو غالب الظن وهو بمنزلة اليقين» 18.

الصلة بين اليقين والشكِّ:

اليقين: مؤكد الاختيار فلا تردد ولا حيرة في أخذه، والشكُّ: فيه تردد بين الأشياء لا يعرف أيهما أصحّ من الآخر.

يقول العلماء في بيان مكانة اليقين ومنزلته: اليقين من الإيمان بمنزلة الروح من الجسد، وفيه تَفَاضَلَ العارفون وتنافس المتنافسون، وإليه شَمَّرَ العاملون، وعمل القوم إنما كان عليه، وإشارتهم كلها إليه.

ويقول سيدنا ابن مسعود رضي الله عنه: «اليقين الإيمان كله» ، ويقول الإمام ابن تيمية رحمه الله: «بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين» ، وقال رحمه الله: «الصبر نصف الإيمان واليقين الإيمان كله» ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله: «ومن منازل {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] منزلة اليقين» 19.

وخصَّ تعالى أهل اليقين بانتفاعهم بالآيات والبراهين، قال -وهو أصدق القائلين-: {وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ} [الذاريات: 20] .

وخصَّ أهل اليقين بالهدى والفلاح من بين العالمين فقال: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [البقرة: 4 - 5] .

وأخبر عن أهل النار بأنهم لم يكونوا من أهل اليقين: {وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ} [الجاثية 32] .

فاليقين روح أعمال القلوب التى هى أرواح أعمال الجوارح، وهو حقيقة الصديقية، وقطب رحى هذا الشأن الذى عليه مداره.

قال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عنه عبد الله بن مسعودٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تُرْضِيَنَّ أحدًا بسخط الله. ولا تحمدنَّ أحدًا على فضل الله، ولا تذمنَّ أحدًا على ما لم يؤتك الله. فإن رزق الله لا يسوقه إليك حرص حريصٍ، ولا يرده عنك كراهية كارهٍ. وإن الله بعدله وقسطه جعل الروح والفرح في الرضا واليقين، وجعل الهمَّ والحزن في الشكِّ والسخط) 20.

واليقين قرين التوكل، ولهذا فسر التوكل بقوة اليقين. والصواب أن التوكل ثمرة اليقين ونتيجته، ولهذا حسن اقتران الهدى به، قال تعالى: {فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ} [النمل: 79] .

فالحقُّ هو اليقين.

وقالت رسل الله: {وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا} [إبراهيم: 12] .

فمتى وصل اليقين إلى القلب امتلأ نورًا وإشراقًا، وانتفى عنه كلُّ ريبٍ وشكٍّ وسخط وغمٍّ وهمٍّ، وامتلأ محبة لله وخوفًا منه ورضًا به، وشكرًا له، وتوكلًا عليه، وإنابةً إليه، فهو مادة جميع المقامات، والحامل له. فاليقين لا يساكن قلبًا فيه سكونٌ إلى غير الله. وقال ذو النون: اليقين يدعو إلى قصر الأمل، وقصر الأمل يدعو إلى الزهد، والزهد يورث الحكمة، وهى تورث النظر في العواقب.

وثلاثةٌ من أعلام اليقين: قلة مخالطة الناس في العشرة؛ وترك المدح لهم في العطية؛ والتنزه عن ذمهم عند المنع.

وثلاثةٌ من أعلامه أيضًا: النظر إليه في كلِ شيء؛ والرجوع إليه في كلِّ أمر؛ والاستعانة به في كلِّ حال.

وقال ابن عطاءٍ رحمه الله: «على قدر قربهم من التقوى أدركوا من اليقين. وأصل التقوى مباينة المنهى عنه، فعلى مفارقتهم النفس وصلوا إلى اليقين» .

ويقول الإمام علي: «أيها الناس، سلوا الله اليقين، وارغبوا إليه في العافية؛ فإنَّ أجل النعمة العافية، وخير مادام في القلب اليقين، والمغبون من غبن دينه، والمغبوط من غبط يقينه» 21.

ولهذا خطب أبو بكر رضي الله عنه قال: (قام رسول الله صلى الله عليه وسلم مقامي هذا عام الأول، وبكى أبو بكر، فقال أبو بكر: سلوا الله المعافاة -أو قال: العافية-. فلم يؤت أحد قطُّ بعد اليقين أفضل من العافية أو المعافاة. عليكم بالصدق، فإنه مع البرِّ وهما في الجنة، وإياكم والكذب فإنه مع الفجور وهما في النار، ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تقاطعوا ولا تدابروا، وكونوا كما أمركم الله تعالى) 22.

ولذلك جعل اليقين معينًا على قبول الدعاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (القلوب أوعية وبعضها أوعى من بعض، فإذا سألتم الله عزَّ وجلَّ أيها الناس فاسألوه وأنتم موقنون بالإجابة، فإن الله لا يستجيب لعبد دعاه عن ظهر قلب غافل) 23.

ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن نسأل المولى جلَّ وعلا اليقين، وأن يهون به علينا مصائب الدنيا والآخرة، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قلما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم من مجلس حتى يدعو بهؤلاء الدعوات لأصحابه: (اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصيبات الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا) الحديث 24.

وقد حكى الإمام الحسن البصري رحمه الله عن لقمان في وصيته لابنه رضي الله عنهما: «يا بني العمل لا يستطاع إلا باليقين، ومن يضعف يقينه يضعف عمله» 25.

والخلاصة: أن لليقين مكانة كبيرة فاليقين هو لب الدين ومقصوده الأعظم. ويزيد العبد خضوعًا واستكانة لمولاه. كما يضع صاحبه دائمًا في موضع الإخلاص والصدق. ضابط قوي يرقب العلاقة بين المسلم وربه، ويجعلها تلتزم خط السلامة والأمان حتى يصل إلى دار الرضوان 26.

المتأمل في القرآن يجد أن لليقين ثلاثة مقامات تحدث عنها القرآن في موضعين، وقبل بيانها نوضح تلك المقامات بالمثال التالي:

إذا أخبرك شخص ما بأن عنده عسلًا وأنت لا تشكُّ في صدقه، ثم أراك إياه فازددت يقينا، ثم ذقت منه، فالأول علم يقين، والثانى عين يقينٍ؛ والثالث حق يقين.

فعِلَمُنا الآن بالجنة والنار علم يقينٍ، فإذا أزلفت الجنة في الموقف وشاهدها الخلائق، وبرزت الجحيم وعاينها الخلائق، فذلك عين اليقين، فإذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار فذلك هو حق اليقين 27.

وأسمى أنواع اليقين هو (حق اليقين) ، وقبلها (عين اليقين) ، وقبل (عين اليقين) : (علم اليقين) .

فاليقين علمٌ إذا جاء عن إخبار من تثق به، وعين يقين إذا كان الأمر قد شوهد مشاهدة العين، وحق يقين هو أن تدخل في حقيقة الشيء 28.

و هذه الدرجة لا ينالها في هذا العالم إلا الرسل -صلوات الله وسلامه عليهم-، فإن نبينا صلى الله عليه وسلم رأى بعينه الجنة والنار، وموسى عليه السلام سمع كلام الله إليه بلا واسطة وكلمه تكليمًا، وتجلَّى للجبل وموسى ينظر فجعله دكًّا هشيمًا، فحصل لهما حق اليقين، وهو ذوق ما أخبر به الرسول من حقائق الإيمان المتعلقة بالقلوب، وأن القلب إذا باشرها وذاقها صارت في حقه حق يقين.

وأما في أمور الآخرة والمعاد، ورؤية الله جهرةً عيانًا، وسماع كلامه حقيقة بلا واسطة، فحظ المؤمن منه في هذه الدار الإيمان به. وعلم اليقين وحق اليقين يتأخر إلى وقت اللقاء بالنسبة لنا 29.

يوضح الحق سبحانه وتعالى تلكم المقامات فيقول جلَّ شأنه في سورة التكاثر مبينًا المقامين الأولين: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (7) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} [التكاثر: 1 - 8] .

ينعي الحق سبحانه وتعالى على هؤلاء الذين شغلهم كثرة المال والعدد عن طاعة ربهم، وعما ينجيهم من سخطه عليهم.

فقد كان يقول هؤلاء: نحن أكثر من بني فلان، ونحن أعد من بني فلان، وهم كلّ يوم يتساقطون إلى آخرهم، والله ما زالوا كذلك حتى صاروا من أهل القبور كلهم.

فالمراد بالتكاثر: التبارى في الكثرة والتباهي بها، وأن يقول هؤلاء: نحن أكثر، وهؤلاء: نحن أكثر 30.

ثم حذرهم وتوعدهم أنهم لا ينبغي لهم أن يلهيم التكاثر بالأموال، وكثرة العدد عن طاعة ربهم؛ لأنهم سوف يعلمون إذا زاروا المقابر ما يلقون -إذا هم قاموا بزيارتها- من مكروه اشتغالهم عن طاعة ربهم بالتكاثر.

يعني: حتى صرتم إلى المقابر فدفنتم فيها، وفي هذا دليل على صحة القول بعذاب القبر؛ لأن الله تعالى ذكره، قد أخبر عن هؤلاء القوم الذين ألهاهم التكاثر، أنهم سيعلمون ما يلقون إذا هم زاروا القبور وعيدًا منه لهم وتهددًا 31.

وجعل الغاية زيارة المقابر دون الموت؛ إيذانا بأنهم غير مستبقين ولا مستقرين في القبور، وأنهم فيها بمنزلة الزائرين، يحضرونها مرة ثم يظعنون عنها، كما كانوا في الدنيا كذلك زائرين لها، غير مستقرين فيها، ودار القرار هي الجنة أو النار 32.

وكرر قوله: {كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ} مرتين؛ لأن العرب إذا أرادت التغليظ في التخويف والتهديد كرروا الكلمة مرتين.

ولذلك كان النبي يقول: فيما يرويه عنه مطرفٍ، عن أبيه، قال: (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ} ، قال:(يقول ابن آدم: مالي، مالي، قال: وهل لك، يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت؟) 33.

وعن أنس بن مالك، عن أبي بن كعب، قال: (كنا نرى أن هذا الحديث من القرآن:(لو أن لابن آدم واديين من مال لتمنى واديا ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ثم يتوب الله على من تاب) حتى نزلت هذه السورة: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ} إلى آخرها 34.

ثم يرشد هؤلاء إلى ما ينبغي التحلي به فقال: {كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ} يعني: فما هكذا ينبغي أن تفعلوا، أن يلهيكم التكاثر أيها الناس، -لو تعلمون أيها الناس علما يقينا-، أن الله باعثكم يوم القيامة من بعد مماتكم من قبوركم ما ألهاكم التكاثر عن طاعة الله ربكم، ولسارعتم إلى عبادته، والانتهاء إلى أمره ونهيه، ورفض الدنيا إشفاقا على أنفسكم من عقوبته. وهذا هو المقام الأول مقام علم اليقين وذلك بإيقان أنً البعث والموت حق.

فعلم اليقين: هو العلم الذي يصل به صاحبه إلى حدِّ الضروريات، التي لا يشك ولا يماري في صحتها وثبوتها. ولو وصلت حقيقة هذا العلم إلى القلب وباشرته لما ألهاه شيء عن موجبه، ولترتب أثره عليه.

فإنَّ مجرد العلم بقبح الشيء وسوء عواقبه قد لا يكفي في تركه. فإذا صار له علم اليقين كان اقتضاء هذا العلم لتركه أشد. فإذا صار عين يقين، كجملة المشاهدات، كان تخلف موجبه عنه أندر شيء 35.

ثم يبين الحقُّ سبحانه وتعالى المقام الثاني وهو عين اليقين: والمقصود به يقين المشاهدة والرؤية، وهو ما استغنى به صاحبه عن الدليل؛ لأنه يراه رأي العين، ويشير إليه قوله: {لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ} فيبين الحق سبحانه وتعالى للمشركين في هاتين الآيتين ما أنذرهم منه وأوعدهم به من رؤية جنهم عيانًا يوم القيامة، أي: لترون أيها المشركون جهنم يوم القيامة، ثم لترونها عيانًا لا تغيبون عنها 36.

قال صاحب زاد المسير: «لترونها عين اليقين، أي: مشاهدة، فكان المراد بـ (عين اليقين) نفسه؛ لأن عين الشيء: ذاته» 37.

فالمراد بالأولى المعرفة وبالثانية الإبصار، وإنما كرر الرؤية لتأكيد الوعيد، فالمراد بعين اليقين: الرؤية التي هي نفس اليقين، حيث إن علم المشاهدة أعلى مراتب اليقين 38.

فقوله: {ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ} هذا مصدر مؤكد، كأنه قيل: رؤية اليقين نفيًا لتوهم المجاز في الرؤية الأول 39.

وفائدة تخصيص الرؤية الثانية باليقين؟ قلنا: لأنهم في المرة الأولى رأوا لهبًا لا غير، وفي المرة الثانية رأوا نفس الحفرة وكيفية السقوط فيها وما فيها من الحيوانات المؤذية، ولا شكَّ أن هذه الرؤية أجلى، والحكمة في النقل من العلم الأخفى إلى الأجلى التقريع على ترك النظر؛ لأنهم كانوا يقتصرون على الظنِّ ولا يطلبون الزيادة 40.

أما المقام الثالث والأخير وهو مقام حقِّ اليقين: وهو مقام المباشرة والوجدان، هو مباشرة الشيء بذوقه والإحساس به، وقد جاء ذكره في سورة الواقعة في قوله تعالى: {وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (93) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (94) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ} [الواقعة: 92 - 95] .

فالحقُّ يقول لنا: إن هذا الذي أخبرتكم به أيها الناس من الخبر عن المقربين وأصحاب اليمين، وعن المكذبين الضالين، وما إليه صائرة أمورهم {لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ} أي: لهو الحق من الخبر اليقين لا شك فيه.

وعن قتادة إنَّ الله تعالى ليس تاركًا أحدًا من خلقه حتى يوقفه على اليقين من هذا القرآن. فأمَّا المؤمن فأيقن في الدنيا، فنفعه ذلك يوم القيامة. وأما الكافر، فأيقن يوم القيامة حين لا ينفعه 41.

يعني: وأمَّا إن كان - هذا المتوفى- {مِنَ الْمُكَذِّبِينَ} أي: بآيات الله {الضَّالِّينَ} أي: الجائرين عن سبيله. {فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ} أي: ماء انتهى حره. فهو شرابه يعني: من ماء قد بلغ أقصى درجات الحرارة.

وعبر عن المكان الذي ينزل فيه بالنزل، على سبيل التهكم؛ إذ النزل في الأصل يطلق على ما يقدم للضيف على سبيل التكريم.

{وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ} أي: وجزاؤه أيضًا إحراق بالنار، يعني: إدخال في نار جهنم التي تشوى جسده وتحرقه.

إن هذا -أي: المذكور الذي قصصناه عليك- أيها الرسول الكريم- من أحوال الفرق الثلاثة وعواقبهم لهو {حَقُّ الْيَقِينِ} أي: حقيقة الأمر، وجلية الحال، لا لبس فيه ولا ارتياب 42.

فقوله: {حَقُّ الْيَقِينِ} من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي: لهو اليقين الحق .. أو هو من إضافة الشيء إلى نفسه مع اختلاف اللفظين، كما في قوله تعالى: {حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16] ؛ إذ الحبل هو الوريد، والقصد من مثل هذا التركيب التأكيد 43.

وقد اشتمل هذا التذييل على أربعة مؤكدات وهي: (إن) ، ولام الابتداء، وضمير الفصل، وإضافة شبه المترادفين 44.

خلاصة القول: إن في قوله تعالى: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ} [التكاثر: 1 - 6] .

المرحلة الأولى: وهي أن يأتينا علم اليقين من الله سبحانه وتعالى، ثم تأتي المرحلة الثانية في قوله تبارك وتعالى: {ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ} [التكاثر: 7] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت