فهرس الكتاب

الصفحة 557 من 2431

ومن أنواع حفظ الله لعبده في دينه أنّ العبد قد يسعى في سبب من أسباب الدنيا إما الولايات أو التجارات ونحوها؛ فيحول الله عز وجل بينه وبين ما أراد لما يعلم له من الخيرة في ذلك وهو لا يشعر مع كراهته لذلك. وأعجب من هذا أنّ العبد قد يطلب بابًا من أبواب الطاعات ولا يكون له فيه خير فيحول الله بينه وبينه وهو لا يشعر 72.

وأولى الأولياء بالحفظ والنصرة هم الأنبياء؛ قال تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ} [الزمر: 36] ، أي: أليس الله بكافٍ عبده محمدًّا صلى الله عليه وسلم وسائر أنبيائه من قبله ما خوّفتهم أممهم من أن تنالهم آلهتهم بسوء؟ 73.

حفظ الله عز وجل نوحًا عليه السلام:

فهو سبحانه قد حفظ نوحًا عليه السلام، ولم يزل يحوطه بكلاءته ورعايته؛ إذ كذّبه قومه، {فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ} [القمر: 10] .

فأوحى إليه {أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا} [المؤمنون: 27] ؛ أي: بمرأى منّا وبحفظنا 74، ثمّ لما قضي الأمر، وفاض الموج كالجبال أنجاه ومن معه من المؤمنين في الفلك {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} [القمر: 14] .

محفوظةً بكلّ من فيها؛ لتبقى آيةً للعالمين.

حفظ الله عز وجل خليله إبراهيم عليه السلام:

ويحفظ الله عز وجل خليله إبراهيم -وهو الفتى الفذّ- عن الضلال بمعتقد قومه، {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} [الأنعام: 75] .

فيقلّب لهم وجوه الحجج، ويصرّف لهم البراهين على وحدانية الله عز وجل، فيخوّفونه، ولكنّه -وقد ربط الله على قلبه بالإيمان- يجابههم؛ {قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأنعام: 82] .

وهو -في كلّ مرّة- يقيم عليهم الحجّة، {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [العنكبوت: 24] .

ثمّ يحفظ الله إبراهيم في زوجه سارة حين أرادها أحد الملوك الجبابرة على نفسها 75، ويحفظه في زوجه هاجر وولده إسماعيل: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (35) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (36) رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} [إبراهيم: 35 - 37] .

فيحفظه الله عز وجل في زوجه وابنه إسماعيل، ويفجّر لهما بئر زمزم، ويبشّر الملك هاجر: «لا تخافوا الضّيعة؛ فإنّ ها هنا بيت اللّه يبني هذا الغلام وأبوه، وإنّ اللّه لا يضيع أهله» 76.

حفظ الله عز وجل يوسف عليه السلام:

حفظ الله عز وجل يوسف عليه السلام إذ أجمع إخوته أن يجعلوه في غيابات الجبّ، وهم الذين ما أقنعوا أباه بإرساله معهم إلا بعد أن أكّدوا له أنّهم حافظوه: {أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [يوسف: 12] .

فقيّض الله له بعض السيّارة، فالتطقوه، وباعوه إلى أحد رجال الدّولة في مصر، وكان من أمر امرأة العزيز أن راودته عن نفسه، فحفظه الله عز وجل وصرف عنه السوء والفحشاء: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} [يوسف: 24] ؛ فمن أخلص لله خلّصه من السوء والفحشاء وعصمه منهما من حيث لا يشعر، وحال بينه وبين أسبابهما 77.

ولمّا سووم على فعل الفاحشة أو السجن {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [يوسف: 33 - 34] .

وهو حفظٌ وإن بدا في ظاهره لبعض الناس بلاءً، فإنّ البلاء بسجنٍ يسلمه إلى الجنّة خيرٌ من دعةٍ ورغدٍ في المعصية ينزع عنه به منشور الولاية، ويتردّى به في النار.

ثمّ يمكّن الله له في الأرض، ويؤتيه من الملك ويعلّمه من تأويل الأحاديث ويتمّ نعمته عليه وعلى آل يعقوب كما أتمّها على آبائه إبراهيم وإسماعيل وإسحاق.

حفظ الله عز وجل الكليم موسى عليه السلام:

وحفظ الله عز وجل موسى بأنواع الحفظ والكلاءة؛ فقال: {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (37) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (38) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى (40) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} [طه: 37 - 41] .

فحمله في اليمّ، وربّاه في بيت عدوّه، وردّه إلى أمّه، وساق إليه من أقصى المدينة من يحذّره ترصّد أعدائه به، فألجأه إلى مدين، وقيّض له عبدًا صالحًا يحفيه ويزوّجه ابنته. ثمّ بعثه الله رسولًا إلى فرعون وقومه، فقال موسى: {قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (33) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (34) قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (35) } [القصص: 33 - 35] .

ثمّ تتجلّى عظمة الحفظ والكلاءة حين سرى بالمؤمنين فارًّا من بطش فرعون وجنوده، فأتبعوهم؛ حتّى كان الغرق أمامهم وحصد الأسنّة والسيوف خلفهم، {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (64) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (65) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (66) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (67) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء: 61 - 68] .

حفظ الله عز وجل عيسى عليه السلام:

وحفظ عيسى عليه السلام حين قام في قومه مذكّرًا بنعم الله عز وجل عليهم، وبما جاءهم به من الآيات البيّنات والمعجزات الواضحات، فمكروا به، {وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (56) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [آل عمران: 52 - 57] .

فرفعه الله عز وجل إلى السماء، ثمّ ينزل قبل القيامة؛ ليقتل الدّجّال، ويقيم الملّة والعدل، وليعصم الله به المؤمنين من الفتن. ولم يعهد حفظٌ لبشرٍ بالتشبيه على أعدائه، ورفعه إلى السماء، كما كان لعيسى عليه السلام. والله أعلم.

حفظ الله عز وجل للنبي صلى الله عليه وسلم:

تواردت آيات القرآن على تأكيد حفظ الله للنبي صلى الله عليه وسلم وعصمته من الكفّار، فمن ذلك قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67] ؛ أي: بلّغ أنت رسالتي، وأنا حافظك وناصرك ومؤيّدك على أعدائك ومظفرك بهم، فلا تخف ولا تحزن، فلن يصل أحد منهم إليك بسوء يؤذيك 78. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرس حتى نزلت هذه الآية: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67] .

فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من القبّة، فقال لهم: (يا أيها الناس، انصرفوا فقد عصمني الله) 79.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل منزلًا نظروا أعظم شجرة يرونها، فجعلوها للنبي صلى الله عليه وسلم، فينزل تحتها، وينزل أصحابه بعد ذلك في ظلّ الشجر، فبينما هو نازل تحت شجرة -وقد علّق السيف عليها- إذ جاء أعرابيٌّ، فأخذ السيف من الشجرة، ثم دنا من النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم، فأيقظه، فقال: يا محمّد؛ من يمنعك مني الليلة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:(الله) . فأنزل الله: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67] 80.

وقال تعالى: {وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 62] .

وقال تعالى: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} [الحجر: 95] .

وقال تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزمر: 36] .

والآيات في هذا المعنى كثيرة، والوقائع في هذا الباب متواترة تربو على الحصر في هذا المقام. قال الحافظ ابن كثير: «ومن عصمة الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم حفظه له من أهل مكة وصناديدها وحسّادها ومعانديها ومترفيها؛ مع شدة العداوة والبغضة، ونصب المحاربة له ليلًا ونهارًا، بما يخلقه الله تعالى من الأسباب العظيمة بقدره وحكمته. فصانه في ابتداء الرسالة بعمّه أبي طالب، إذ كان رئيسًا مطاعًا كبيرًا في قريش، وخلق الله في قلبه محبّةً طبيعيةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم لا شرعية، ولو كان أسلم لاجترأ عليه كفّارها وكبارها، ولكن لما كان بينه وبينهم قدر مشترك في الكفر هابوه واحترموه، فلما مات أبو طالب نال منه المشركون أذى يسيرًا، ثم قيّض الله له الأنصار فبايعوه على الإسلام، وعلى أن يتحول إلى دارهم، وهي المدينة، فلما صار إليها حموه من الأحمر والأسود، فكلما همّ أحدٌ من المشركين وأهل الكتاب بسوء كاده الله وردّ كيده عليه، ولما كاده اليهود بالسحر حماه الله منهم، وأنزل عليه سورتي المعوّذتين؛ دواءً لذلك الداء، ولما سمّ اليهود ذراع تلك الشاة بخيبر، أعلمه الله به وحماه منه؛ ولهذا أشباه كثيرة جدًّا يطول ذكرها» 81.

فإن قيل: فأين ضمان العصمة وقد شجّ جبينه، وكسرت رباعيته، وبولغ في أذاه؟ فالجواب: أنّ الله عز وجل عصمه من القتل والأسر وتلف الجملة، فأمّا عوارض الأذى والمرض، فلا تمنع عصمة الجملة 82.

حفظ الله عز وجل أصحاب الكهف:

ومن حفظ الله لأوليائه حفظه لأصحاب الكهف. والمتفكّر في حالهم يجدهم قد جمعوا في الظاهر كلّ أسباب الضّعف، فهم فتيةٌ ولو كانوا أكبر من ذلك فربّما صحّ لهم من التجارب ما يمدّهم بالخبرة والحكنة لمواجهة ما هم فيه. ولعلّهم لو كانوا أكبر من ذلك لكان بعضهم قد ارتقى في المناصب إلى ما يحصل لهم به منعةٌ، ولكنّهم دون ذلك سنًّا. وهم مع ذلك قلّةٌ أصحّ ما قيل في عددهم وأكثره أنهم كانوا سبعة، ولو كانوا أكثر من ذلك لكانت لهم شوكةٌ يدفعون بها عن أنفسهم. ولكنّ الله عز وجل قد ربط على قلوبهم بصدق اليقين وحلاوة الإيمان، وصانهم في كهفهم؛ ليكونوا لمن خلفهم آيةً على حفظ الله عز وجل أولياءه بعجيب التقدير ومحكم التدبير.

حفظ الله عز وجل مؤمن آل فرعون رضي الله عنه:

هو رجلٌ بالتعبير القرآنيّ، ومؤمنٌ بالوصف الربّانيّ، وإذا كان خير الجهاد كلمة حقٍّ عند سلطانٍ جائرٍ؛ فإنّ هذا الرجل أمّةٌ في الصدع بالحقّ في وجه أمّةٍ لا ترعى في مؤمنٍ إلًّا ولا ذمَّة. لم يزل يتلطّف مع قومه في النصح بما يدلّ على حكمته وسعة أفقه وبصره بمذاهب القول والإقناع، وما أعدل قوله وأجدله: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} [غافر: 28] .

ولم يزل يحذّرهم مغبّة كفرهم وعنادهم وتعاميهم عن الحقّ الواضح المبين، ولم يزل يخوّفهم مصائر قوم نوحٍ وعاد وثمود وغيرهم ممّا كانوا يعلمون ومما لا يعلمون، ثمّ يخوّفهم هول اليوم الأكبر؛ يوم التنادي، يوم التصايح والتناوح، وانقطاع الحجّة بالمبطلين، فيولّون مدبرين؛ ولكن إلى أين؟ وليس ثمّ من الله عاصمٌ. ويذهب في مكاشفتهم بعيدًا؛ يوقّفهم على حقيقة الدنيا، وأنّ الآخرة هي دار القرار والنعيم المقيم، وأنّ ما هم عليه من الشّرك دعوةٌ إلى النار. ويبدو أنّهم ضجروا بما يدعوهم إليه، وخافوا أن يتأثّر به أحدٌ؛ فيكتب لهذا الصوت المعارض الذيوع والانتشار، فأخذوا يمكرون به؛ ليئدوا دعوته في مهدها. ويستشعر هو بفطنة المؤمن وبصيرته ما يبيّتون، فيختم الجدال معهم بقوله: {فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [غافر: 44] .

وكما وقاه الله عز وجل وحفظ عليه قلبه أن يتأثّر بشركهم، ويشايعهم على ضلالهم فقد حفظه {فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ} [غافر: 45] .

حفظ الله عز وجل كنز العبد الصالح لولديه:

انطلق موسى والخضر في رحلتهما {حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (77) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} [الكهف 77 - 87] .

فكان تعليل الخضر: {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} [الكهف: 82] .

قال ابن عبّاس وغيره: «حفظا بصلاح أبيهما، وما ذكر منهما صلاحٌ» 83.

فلو أنّ الجدار ترك على حاله لانقضّ، ولو كان انقضّ لنهبته القرية التي لا يرعى أهلها قرى ضيفين، ولا يقومون به. وما كان في طوق غلامين يتيمين أن يحفظا كنزهما من أمثال هؤلاء. فلمّا كان أبوهما صالحًا قيّض الله عز وجل لهما من أوليائه من يقيم الجدار حتّى يكبرا فيستخرجا كنزهما وقد اكتسبا من القوّة ما يحميه من النّهبة، ومن العقل ما يربيه ولا يضيّعه.

كلّف الله عز وجل ملائكته بأعمالٍ متنوعةٍ؛ منها ما يتعلّق ببني آدم؛ من لحظة نفخ الرّوح فيه في رحم أمّه، إلى ما بعد استقراره في مثواه في دار القرار، فهم الذين يقومون عليه عند خلقه، ويتوفّونه إذا جاء أجله، ويتنزّلون على الأنبياء والمرسلين بالوحي، ويقومون بحفظه وكلاءته بأمر الله وتدبيره، ويحصون على بني آدم أعمالهم ... وغير ذلك 84.

وقد وصف الله عز وجل الملائكة بأنهم حفظةٌ، فقال تعالى: {وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً} [الأنعام: 61] .

ووصفهم بأنهم حافظون في قوله تعالى: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ} [الانفطار: 10] .

وفي قوله تعالى: {إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} [الطارق: 4] ؛ على بعض معانيها.

ولحفظ الملائكة بني آدم معنيان؛ الأول: حفظ الكتابة؛ فهم يحفظون أعمال بني آدم؛ بكتابتها في كتابٍ لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً، وهم لا يفرّطون في ذلك شيئًا، وهم يحفظون رزقه وأجله. والمعنى الثاني: أنهم يكلؤون بني آدم ويحرسونه بأمر الله وتقديره. ومما يلتحق بحفظ الكلاءة حفظهم للسماء وحراستهم لها من الشياطين، وحفظهم بعض بقاع الأرض. وفيما يأتي تفصيل القول في ذلك.

أولًا: حفظ الكتابة والإحصاء:

يقول تعالى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ} [الأنعام: 61] .

ويقول تعالى: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} [الانفطار: 10 - 12] .

والحفظة والحافظون ملائكةٌ يحفظون على بني آدم أعمالهم ويحصونها؛ فلا يفرّطون في حفظ ذلك وضبطه وإحصائه، ولا يضيّعون 85. وعن قتادة قال: «حفظةٌ يا ابن آدم يحفظون عليك رزقك وعملك وأجلك» 86. وهو كقوله: {إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} [الطارق: 4] .

وقد اختار أكثر المفسّرين تفسير حفظ الملائكة في هذه الآيات بحفظ الكتابة والضبط والإحصاء، وهو الأقرب إلى سياقاتها دون حفظ الكلاءة والتعهد والرّعاية، ويضاف إلى قرينة السياق قرينة تعدية الحفظ إلى المعمول بحرف الجرّ (على) ؛ لتضمّنه معنى المراقبة. والحفيظ من معانيه الرقيب، كما في قوله تعالى: {اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ} [الشورى: 6] .

وهذا الاستعمال هو غير استعمال الحفظ المعدّى بنفسه إلى المفعول؛ فإنّه بمعنى الحراسة؛ نحو قوله: {يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} [الرعد: 11] .

فالحفظ بهذا الإطلاق يجمع معنى الرعاية والقيام على ما يوكل إلى الحفيظ 87.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت